آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العربية وعلومها   مقالات وأبحاث
علم الصورة



مرات القراءة:208    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 علم الصورة

د. عبد الملك ربيع العلي

 

لا نبالغ في القول إذا قلنا أن الصورة فن كفن البلاغة والنحو والعروض وغيره وإن كان هذا الفن مزيجاً مما ذكر وغيره 
 وقد كان العرب قبل عصر التدوين وتقعيد العلوم وبحكم سليقتهم يحرصون على شحن الصورة بكل المؤثرات اللفظية والمعنوية لتخرج في أبهى صورها كما يحرص الفنان التشكيلي على إخراج صورته بأبهى حلة من خلال مؤثرات الألوان والخطوط وغيرها

ثم جاء عصر التدوين وتقعيد وتصنيف العلوم ، وكان أول من تكلم عن الصورة أبو عثمان الجاحظ المتوفى 255 ه وإن كانت نظرته للصورة ضيقة إلا أنه فتح الباب لمن بعده ليوسع من مفهومها فالجاحظ ينحاز إلى الشكل واللفظ أكثر من المضمون والمعنى في التصوير ، وهذا الرأي يسمو بالألفاظ في نظرته لها، ويجعل المعنى دونها وإن كانت الصلة بين العنصرين وثيقة العرى
يقول الجاحظ " والمعاني مطروحة في الطريق ، يعرفها العجميّ والعربيّ ، والبدويّ والقروي والمدنيّ ، وإنّما الشأن في إقامة الوزن ، وتخيّر اللفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك ، فإنما الشعر صناعة ، وضرب من النّسج ، وجنس من التّصوير"

وظلت النظرة إلى الصورة حبيسة مفهوم الجاحظ لها حتى جاء أبو الحسن الرماني المتوفى سنة 384 هجرية ، فهو ينحاز إلى المؤثر المعنوي في الصورة عكس الجاحظ فالصورة عنده هي نتاج عبقرية الاستعارة والتشبيه ، و التي تجسدان المعنويات في صورة المحسوسات ، وتنتقلان بالصورة الحسية إلى صورة حسية أكثر وضوحاً

ثم جاء إمام العربية عبد القاهر الجرجاني المتوفى 471 ه فكان مفهمومه للصورة أشمل ممن سبقه ليلحظ العلاقة بين اللفظ والمعنى ويربط بين الشكل والمضمون 
 فيقول :" واعلمْ أنَّ قولَنا الصورةُ، إِنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لما نَعْلَمه بعقولنا على الذي نرَاه بأبصارنا " أي إبراز المعنويات في صورة المرئيات، أو تجسيد ما لا يرى في صورة ما يرى .
وزاد على من قبله أنه ربط الصورة بالصياغة والنظم ، وجمال الصورة تعتمد على جمالية الصياغة ، فيقول: 
 "ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير، والصوغ فيه ، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار ، فكما أن محالاً إذا أردت النظر في صوغ الخاتم ، وفي جودة العمل ورداءته ، أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة ، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه "

ويتوسّع الجرجاني في مفهوم الصورة ، فيرى أنها متعددة العناصر، فقد تعتمد على الأنواع البيانية المعروفة ، وقد تعتمد على أشكال أخرى ، كالتقديم والتأخير ، أو القصر، أو الخبر، أو الإنشاء ، ونحو ذلك ، لكنه يعتبر الأنواع البيانية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة أهم عناصر الصورة المكوّنة لها، فهي الأصول التي تدور المعاني حولها، وإليها يرجع محاسن الكلام غالباً

وكذلك يبرز الجرجاني دور العقل في تشكيل الصورة أحياناً ، فالاستعارة منها ما يكون الشبه مأخوذاً من الصور العقلية ، كاستعارة النور للبيان والحجة، وهذا اللون هو من صميم الاستعارة ، كما يتحدث عن الصور الحسية ، 
كما يقف عند تفصيلات الصورة بأنواعها مثل اللون، والحركة، والصوت والذوق ،

وقد تطورت نظرة المعاصرين إلى الصورة كثيراً ، وخرجت عن كونها محصورة في القوالب البلاغية ، من استعارة ، وتشبيه ، ومجاز ، وكناية ، لتشمل كل العبارات الحقيقية التي تثير مخيلة المتلقي ، وإن لم تكن قائمة على القوالب البلاغية ، وبذلك اتسعت دلالة الصورة لتشمل كل تقديم حسي للمعنى، سواء أكان هذا التقديم الحسي يعتمد الأنواع البلاغية القديمة ، أو أي وسيلة من وسائل التعبير التي تثير المخيلة ، وتستدعي الصورة إلى الفكر، وتسيّر الحركة، وتلمس مشاعر الوجدان والقلب ، فالحركات تخلق صورة والحروف تصوّر، والكلمة تصور، والجملة وفنون البلاغة كذلك تصور، وهناك تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل، كما هناك تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل ،
 وكثيرًا ما يشترك الوصف ، والحوار، وجرس الكلمات ، ونغم العبارات ، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصور، تتملاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان
 ولعل القلم يسعفني أن أكتب في المستقبل عن مؤثرات الصورة الجمالية في القرآن والسنة والشعر العربي

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع