آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
إعجاز الصورة القرآنية



مرات القراءة:262    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 " إعجاز الصورة القرآنية "


د.عبد الملك ربيع العلي

صفَّق شيوخ البلاغة ـ وحقَّ لهم ـ ليزيد بن معاوية حينما قال :
فأمطرت لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ
ورداً وعضَّت على العناب بالبرد
صوَّر الدمع باللؤلؤ ، والعيون بالنرجس ، والخدود بالورد ، والشفاه بالعناب ، والأسنان بالبرد من خلال الاستعارة التصريحية 
ففي هذه الكلمات العشر التي تكوَّن منها البيت الشعري خمسُ صور شعرية في غاية الروعة والجمال 
 

ولكن حق لنا أكثر وأكثر أن نخرَّ ساجدين من بلاغة القرآن الكريم معترفين بعجزنا مؤمنين بإعجازه مقرين بأن الصورة القرآنية صورة عبقرية معجزة متفردة ملهمة ذات مقاصد ومدلولات متنوعة
وهاكم قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } 
بضع عشرة كلمة ليست في مقام الوصف أو الغزل الذي تكثر فيه الصور الماتعة وتحلو إنما جاءت في مجال العقيدة والتوحيد التي يكثر فيها الجدال العقلي والجدية  والتشنج والأدلة والعصف المنطقي والفلسفي
 
رسمت لنا هذه الكلمات القليلة صورة ظاهرة هي في غاية الروعة والجمال من حيث تأديتها للمراد منها وهي الترهيب من الشرك بالله 
 فلو أن نائماً رأى في منامه أنه خر من السماء وتريد الطير أن تتخطفه أو تهوي به الريح في قاع سحيق لهبَّ مذعوراً من كابوسه  قبل أن يلقى مصيره الشنيع

وهذه الصورة الظاهرة العاصفة تتماوج داخلها عشرات الصور البديعة ذات الدلالات العميقة التي تحتاج عصفاً ذهنيا خارقا وحالة طوارئ ذهنية لكي يستطيع المرء الإحاطة بها
فقد صوَّر الايمان في علوه بالسماء 
وصوَّر الذي ترك الايمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، 
وصوَّرالأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، 
وصوَّر الشيطان الذي يطوح به في وادى الضلالة بالريح تهوى به في بعض المهاوي المتلفة

 وفي قوله "  أو " نكتة وصورة
إذ صوَّر المتذبذب والمتمادي على الشك بمن اختطفته الطير وتوزعته فلا يستولى طائر على مزعة منه إلا انتهبها منه آخر، وذلك حال المذبذب لا يلوح له خيال إلا اتبعه ونزل عما كان عليه. 
وصوَّر المشرك المصمم على معتقد باطل بمن هوت به الريح إلى واد سافل فاستقر فيه وفي هذا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ شِرْكُهُ لَا يُرْجى مِنْهُ خلَاصٌ كالَّذي تَخَطَّفَتْهُ الطَّير، وَمِنهم مَنْ شِرْكُهُ قَدْ يَخْلُصُ مِنْهُ بالتوبة إِلَّا أَنَّ تَوْبَتَهُ أَمْرٌ بَعِيدٌ عَسِيرُ الْحُصُولِ. 

وبين هذا وذاك صوَّر بُعدَ من أشرك بالله كبعد من خر من السماء إلى الأرض 

ثم تلوح لنا من ثنايا التراكيب والأفعال في الآية صورٌ بديعة خدمت الصورة المرعبة 
إذ صوَّر لنا فعل (خرَّ) سرعة السقوط وشدته حتى تسمع صوت سقوطه فقد رسم جرس اللفظ ( خر ) سرعة وصوت الهوي العنيف والسريع  فالساقط من عَلٍ يشق الهواء بجسمه فتسمع لهويه صوتاً يشبه خرير الماء، ويحدث هذا في الأجسام الساقطة من مسافات عالية بدرجة ملحوظة 
وفي فعل ( تخطفه ) صور لنا صورة الطير الجائعة وعنفها وتقطيع لحم الهاوي بمخالبها  وتقاسمها لحمه بعنف وسرعة إذ الخطف الأخذ بسرعة 
وقرأ نافع بتشديد الطاء وهذه الشدة ترسم لنا شدة الأخذ وعنفه أكثر
وكذلك الحال في ( تهوي) ترسم لنا صورة الإنسان المستسلم الضعيف الذي تقوده الرياح لتقذف به في مكان سحيق فلا يملك له من أمره شيئا بعد أن سلم أمره لأهوائه 
و  (سحيق) أَيْ: بِعِيدٍ، يُقَالُ: سحق يسحق سحقا فهو سحيق إِذَا بَعُدَ
ولا يخفى ما بين هذه الصفة بالمعنى اللغوي وبين مصيره ومآله وهو البعد من الرحمة والسحق والموت من علاقة تصور لنا حالته المأساوية في الدنيا والأخرة

وأخيراً :
ترسم لنا هذه الحركات السريعة المتتابعة التي أفادتها الفاء في( فتخطفه ) الصورة الكبرى والنتيجة المرادة
خر من السماء، خطفته الطير، هوت به الريح في مكان سحيق ، اختفى المسرح ومن فيه بسرعة رهيبة
لئلا يتوهم أحد أنَّ لِمَنْ يشرك بالله  منبتًا، أو وجودًا، أو قرارًا، أو امتدادًا، مهما بلغ من الحسب والقوة والجاه والبنين؛ إنما يأتي في ومضة من المجهول، ليذهب في ومضة إلى المجهول .
 








مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع