آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة عن السيد النبهان رضي الله عنه للشيخ محمود الحوت عام 1979م



مرات القراءة:89    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 كلمة  عن السيد النبهان رضي الله عنه للشيخ  محمود الحوت عام 1979م

  

بسم الله الرحمن الرحيم..

اللهم لك الحمد كما أنت أهله..

اللهم لك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد..

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك..

سبحانك ربي لا أحصي ثناءً عليك انت كما اثنيت على نفسك..

اللهم فاجعلنا لرسالتك هادين مهديّين..غير ضاليّن ولا مضليّن..

سِلماً لأوليائك ..حرباً على أعداءك ..نحب بحبك الناس  ..ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك..

صل اللهم  وسلم على نبيك وحبيبك من به فصل الخطاب وإليه مرجع أهل النُهى والألباب..هو السيد السند بعد الفرد الصمد..جاء بالحق ،فدمغ  الباطل ،وأتى بالنور،فأزاح  الظلام

 بلغ العُلا بكماله ..كشف الدجى بجماله

 حسنت جميع خصاله. .صلوا عليه وآله..

وأترضّى عن من تترضّى عنه السموات والأرض..من كان ساقياً للعباد من معين النبوّة الأوّل..ومنبع الرسالة..من كان عيناً جامعة للصفات المحمّدية..كهف السالكين ..ومنار السائرين..المرجع الرباني..والقرآن الناطق..الوارث المحمّدي الفرد الكامل..سيدي محمد النبهان وتاج رأسي وعزّي واملي ووليّ نعمتي رضي الله  تبارك وتعالى عنه.

 

أما بعد :

 

فإن الحديث عن جوانب العظمة في شخصية هذا السيد الجليل أمرٌصعب المنال..أمرٌ بعيد المجتنى..

وذلك  لأنني حينما أتكلم عنه لا أتكلم عن تاريخ نفس إنسانية إنما أتكلم عن تاريخ أمةٍ بأكملها ولهذا أجدني في تيه نملة ضعيفة تطوف حول جبلٍ أَشَم شامخ ..

لقد مضى خمس سنوات على انتقاله قدس سره إلى الرفيق الأعلى ،وسمعنا من خلالها ما تغنّى به المادحون ،ونظم فيه الشعراء، وتحدث عنه الخطباء، وأشاد به العلماء والبلغاء، و مجّد بذكره العامّة والخاصة والقاصي والداني.

وتالله إنْ ( حرف نفي غير عامل , بمعنى ما تدخل على الجملة الفعلية, ويكثرُ أقترانها بـ إلاّ ) بلغوا شيئاً من مقداره لم يرفعوا من مقامه أبداً انما في الحقيقة يرفعون من أقدار أنفسهم حينما يأهلونها في التحدث عن بعض آثاره ومناقبه.

 

وأنا في هذا اليوم سيدي العظيم:

أجد  نفسي متجرأً كل التجرأ ومخاطراً كل المخاطرة في غوص بحرك اللانهائي..

وعذري في ذلك أنني منك وإليك.

وفخري في الدنيا والاخرة أنني وجميع إخوتي هؤلاء من غراسك المبارك ومن نباتك الطيب إن شاء الله. لقد سقيتنا من كوثرك العذب، وأرويتنا من حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذات.

وَايْمُ الحق لقد نهلنا من نفس المورد الذي نهل منه اصحاب الحبيب  صلوات الله وسلامه عليه ولا عجب من ذلك فالساقي هو وارث لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أيها الأخوة أبناء السيد العظيم :

 إن المدهش والمحيّر في صفات هذا الوارث المحمدي الجليل أنك تجد كل صفةٍ من صفاته تبدو وكأنها  متفرّدة فيه أكثر من باقي الصفات.

خذ مثلاً :

صفة النزاهة: تجد نفسك تائهاً حائراً وتظن أن هذه الصفة هي الصفة المتفردة بين سائر الصفات فما يروعك إلا صفة الشرف والغيرة والمروءة والنخوة فتجد نفسك هباءة لا ترى ..

وإذا انتقلت الى خصلة الأدب فيه رضي الله عنه فإنك تجد أيضاً أنها متفردة  فيه ومتميزة عن باقي الصفات. هكذا يبدو لنا جميعاً.

وحينما ترنو بناظريك إلى صفة الجود والكرم تطل عندها إلى قمةٍ  شمّاء تنخلع الرقاب عند ذراها..

وعندما تأتيك الشجاعة ..وما أدراك ما شجاعته؟! تخال نفسك أمام منبع الشجاعة.

ولكنك أخيراً تتراجع إلى الوراء حينما تعلم عدم تكلّفه في هذه الصفات كلها..

فماذا أحدّثكم عنه؟ عن وارثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم..

كان إذا نظر في المرآة لا يرى شخصه ولا خياله إنما يرى امامه حبيبه  سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ماذا أحدثكم عن فتى كان في سيره وسلوكه لا يرضى ان يذوق طعاماً حتى يبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ماذا أحدثكم عن فرد محمدي كان لا يرى لنفسه وجوداً مع الحق جلّ وعَلا؟

ماذا أقول لكم عن رجل ظاهره الشريعة وباطنه الحقيقة؟

ماذا أقول..؟

أأقول: إنه فاقَ أقرانه؟

أأقول: إنه سبق مشايخه؟

أأقول:  إنه أَعيَا من تقدمه؟

أأقول: إنه سبق الواصلين؟

وأَخجَل الشمس والقمر؟

أقول: إنه استطاع بِحاله وبقاله  أن يطوي المسافة الزمنيّة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

*أقول: إنه استطاع بِحاله وبِقاله أن ينقلنا  من  هذه الأرض من هذه المادة إلى تلك الآفاق..إلى تلك الأيام التي شهدت روائع رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه..

ماذا أقول ؟

والله  لو أن ما في  الارض من شجرة أقلام  والبحر يمده من وراءه سبعة أبحر ليعزف أناشيد عظمتك ياسيدي العظيم لُمُحَت الاقلام ونفدت البحور وظللت انت كما هو انت وبقي الحديث عنك كما  هو لم يبرح مكانه ..

يا ماجداً جلّ قدراً أن نهنئه لنا الهناء بِظلٍ منك ممدود

الدهر أنت ويوم العيد منك وما في العُرف أنّا نهنّي الدهر بالعيد

كنت يا أخا الإسلام  إذا رأيته أقبل حسبت الارض تُحيّيه من حولها وما تحت اقدامه يتشرّف بلثم أسفل نعله.

كنت كلما رأيته حسبت نفسك تراه لأول  مرة.

إي والله! كلما نراه  كلما نرقى هذا السلّم المتواضع ونطلع إلى هذا المكان لنرى طلعته البهيّة ..وكأننا لم نره من قبل ذلك لأنه في الرقيّ الدائم ..

كان له وجهٌ يفزع لحسن مرآه من يراه.

كان له عينان لاتخطئان شغاف القلوب.

كان له جبهة علوية محمدية شمّاء تعلوها عمامةً بيضاء طأطأت لها كبرى الهامات.

كان جماله أكبر من الجمال من نظر اليه اطمأن الإيمان في قلبه وزالت غشاوة الشكوك عن بصيرته.

إذا تكلم حارت عقول البُلغاء والعلماء والفلاسفة في تحقيقاته وتدقيقاته

وإذا سكت كلّمك حاله وهذا في الفترة الأخيرة.

هامت القلوب والأرواح بكمال هيبته وجماله وجلاله.

من رآه فقد رأى الإسلام متجسّداً فيه ورأى جلساءه واصحابه وكأن على رؤوسهم الطير.

عطاؤه يُخجل السحاب الثقال، ما كلّت يداه الشريفتان من العطاء للأرامل واليتامى  حتى في آخر عهده.

كيف لا وهو وارث مرتبة (استدن عليَّ)

والله ثم الله لو أن البحر مدده والسحاب يده والجبال ذهبه لقصرت ولعجزت عما ينفقه ويهبه..

جلّ ضحكه التبسّم، كان إذا افتر ثغره عن ابتسامة تهافتت الأفئدة نحوه وصَبَت النفوس اليه.

وإذا غضب لا  يقف لغضبه شيء.

إذا مشى  أجهد الناس حوله وهو غير مكترث.

يرفع يده بالسلام عالياً.

يتفقد أصحابه ويسلم عليهم بين الفينة والفينة.

ولا يُنقَد أحد في مجلسه ابداً.

جلّ كلامه  في تزكية النفس وتطهيرها.

وما انتصر لنفسه قط. وما غضب لنفسه قط.

ولكن إذا هوجم الدين أو طُعنت شريعة الله يخرج الأسد من عرينه ويطلق تكبيرة كالزئير  تدوّي لها تخوم الشام والعراق ويُسمع صداها  في أقصى المشرق والمغرب.

كان لا يعرف إلا الحق.

كان يقول الحق ولو كان على أبيه وامه ولو كان على أبنائه وأحفاده.

كان رضي الله عنه أشد حياءً من العذراء في خدرها.

لا ترقأ دمعته، يبكي لبكاء المحزونين ويحزن لحزنهم .  

أصحابه محسودون ،وجلساؤه مغبوطون ،و طلابه منعّمون ،ومادحوه مقصرون  ومحبوه سائرون.

والذين يفدونه بأرواحهم  لهم الرابحون.

ومن أراد وصفه عجز.

ومن أراد أن يتحدث عنه لم يوفّه بعض حقه .

 

فَيَا لِضعفك أيها اللسان!

يا لِضعفك أيها اللسان!

سيدي العظيم :

أين الكلام الذي أستوعب به كل مافي قلبي عنك ؟

وأنّى لضعيف مثلي أن يضع شاطئاً لبحرك العظيم المحمدي؟

تراني متمثّلاً بقول الصدّيق رضي الله عنه :

العجز عن دَرَكِ الإدراك إداركُ

فَسلامٌ عليك يوم ولدت.

وسلامٌ عليك يوم سلكتَ.

وسلامٌ عليك يوم انتقلت إلى الرفيق الأعلى .

وسلامٌ عليك يوم تبعث حياً.

وسلامٌ عليك يوم نلقاك.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

 

الاستماع للكلمة