آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   الحديث الشريف وعلومه
العرب وأحاديث الفتن والملاحم



مرات القراءة:375    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 العرب وأحاديث الفتن والملاحم

بقلم الدكتور عبد الله حسن

المقدمة



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد الخلق نبينا محمد الهادي البشير, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد:

فإن حكمة الله في عباده، وسنته في خلقه التدافع ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. [البقرة: 251] وخلق الحق والباطل، وجعل لكلٍّ أتباعًا وأنصارًا ليبلوهم، وجعل الثبات والبقاء للحق، والزوال والمحق للباطل، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. [الرعد: 17] ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]

وجعل الفتنة والاختبار من أسباب التمييز بين الصدق والنفاق، ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. [العنكبوت: 1،2]

وإن موقع الأمة الإسلامية بين الأمم موقع القيادة، فقد نيطت بها هذه المهمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾. [آل عمران: 110] وجعل للدين الذي جاء به نبيُّ هذه الأمة الظهورَ والعُلوَّ على الدِّين كله، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]

وبهذا كانت هذه الأمة هدفًا لأهل الباطل فكلهم صوب سهامه تجاهها، وجاءت أحاديث كثيرة تصف حال هذه الأمة ومستقبلها وما يجري لها من محن وفتن، ومن بين هذه الأحاديث ما يخص العرب بالذكر، فأردت تسليط الضوء على هذه الأحاديث وتجلية مدلولاتها وبيان الأسباب التي دعت إلى ذلك.

وجعلت ذلك في تمهيد وثلاثة عشر مبحثًا وخاتمة، فعرضت في التمهيد مفهوم الفتنة في اللغة، وإطلاقها ومعانيها في القرآن والسنة.

وكان المبحث الأول عن العرب والفتن، واشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول في بيان أصل العرب ونسبتهم، والمطلب الثاني عن حدود جزيرة العرب, والمطلب الثالث عن سبب تخصيص العرب بالذكر في الفتن.

وبينت في المبحث الثاني أن بلاد العرب ستكون مسرحًا لأحداث جسام. وألمحت في المبحث الثالث إلى أن العرب هم القادة في الملاحم. وأما المبحث الرابع فأشرت فيه إلى التحذير من إيراد الأحاديث الضعيفة في الفتن، وما قد يترتب على ذلك من تأصيل لمفاهيم ربما يكون لها أثر معرفي أو سلوكي غير صحيح. وفي المبحث الخامس حاولت إبراز الغاية والحكمة من أحاديث الفتن. وكان المبحث السادس عن خطورة الفتن وذم السعي فيها قبل انجلاء أمرها.

وفي المبحث السابع عرضت الأحاديث التي تدعو إلى العزلة والأحاديث التي تدعو إلى المخالطة، والتوفيق بينها، ومتى تمدح العزلة ومتى تذم؟

وبينت في المبحث الثامن أن الإيمان بأحاديث الفتن لا يلزم منه الإيمان بتفسيرها، فالإيمان بها إيمان بمسألة غيبية، وأما تفسيرها فهو أمر اجتهادي. وعرضت في المبحث التاسع إلى الوقاية من الفتن وطرق السلامة منها. وأما المبحث العاشر فناقشت فيه مسألة تكرار مدلولات الفتن ، وهل حدث شيء من ذلك في الواقع، وجَلَّيْتُ ذلك من خلال نموذجين. وخصصت المبحث الحادي عشر لبعض المفاهيم التربوية العامة في الفتن. 

وفي الختام ألمحت إلى نقطتين هما خلاصة المفاهيم التي استخلصتها من هذه الدراسة، الأولى: نظرةُ تأمُّلٍ حول أحاديث وأحداث ما يجري للعرب، والثانية: حول عدد المسلمين في الفتن والملاحم.

وأسأل الله العون والسداد، فما كان من صواب فبتوفيق من الله، وما كان من زلل فمن نفسي وأسأله العفو والمغفرة.



وكتبه 

د.عبد الله حسن

في 11 من رمضان المبارك 1334هـ

الموافق 21/ 7 / 2013م




تمهيــد

في بيان مفهوم الفتنة

أولًا: الفتنة في اللغة:

الفتنة في اللغة: الابتلاء والامتحان والاختبار, وأصلها من قولك: فتنت الذهب، إذا أذبته بالنار ليتميز الرديء من الجيد, ومن هذا قول الله، عز وجل: ( يوم هم على النار يفتنون)، أي: يحرقون بالنار . ومن هذا قيل للحجارة السُّودِ التي كأنها أَحرِقتْ بالنار: الفَتينُ. ([1])

وقال ابن الأثير: وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه, ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم, والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء. ([2])



وقد جمع ابن الأعرابي الفتنة بقوله:

الفتنة الاختبار، والفتنة المحنة, والفتنة المال, والفتنة: الأولاد, والفتنة: الكفر, والفتنة: اختلاف الناس بالآراء, والفتنة: الإحراق بالنار. ([3])

قال الجوهري: ويسمى الصائغ الفتّان، وكذلك الشيطان. وفى الحديث: " المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتّان " يروى بفتح الفاء وضمها، فمن رواه بالفتح فهو واحد، ومن رواه بالضم فهو جمع. ([4])

معنى الفتنة الشامل:

مما سبق يتبين لنا أن الفتنة في كلام العرب لفظة مشتركة تقال في عدة معان، وأن جماع هذه المعاني: الابتلاء والاختبار. "واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره".([5])

وبناء على ذلك يمكن أن يصاغ للفتنة معنى شامل فيقال:

الفتنة: لفظ يجمع معنى مرج واضطراب أحوال الإنسان وتشتت باله بالخوف والخطر على الأنفس والأموال على غير عدل ولا نظام، وقد تخصص وتعمم بحسب ما تضاف إليه أو بحسب المقام، يقال: فتنة المال وفتنة الدين. ([6])

فالفتنة: مَرْج أحوال الناس واضطراب نظامهم من جراء أضرار ومصائب متوالية, وهي قد تكون عقابًا من الله للناس جزاء عن سوء فعلهم, أو تمحيصًا لصادق إيمانهم لتعلو بذلك درجاتهم. وقد سمى القرآن الكريم هاروت وماروت فتنة, وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الدجال فتنة, وسمى القرآن الشيطان فتنة: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾([7]) فكان معنى الابتلاء ملازمًا لها.([8])

وقد عرف الجرجاني، والمناوي الفتنة بأنها ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار، إذا أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان وهو الحجر الذي يجرب به الذهب والفضة. ([9])

وقال العيني: الفتنة، في الأصل، الامتحان والاختبار، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء. ([10])



ثانيًا: معنى الفتنة في القرآن الكريم:

وردت الفتنة ومشتقاتها في ستين موضعًا من القرآن الكريم، وفيما يلي بيان جانب من ذلك:

1- الابتلاء والاختبار: كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1، 2] عن مجاهد والحسن وأبي عبيدة وعكرمة: (لا يفتنون): يبتلون, (ولقد فتنا): ابتلينا،([11]) أي: وهم لا يبتلون ولا يختبرون فيميز خبيثهم من طيبهم.

2- الكفر والشرك: كما في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾.[البقرة: 193] عن ابن عباس وقتادة والحسن ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)، يعني: الشرك. ([12]) وكما في قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. [البقرة: 217] عن مجاهد (الفتنة أكبر من القتل) قال: الشرك. ([13]) قال ابن عادل: وعليه أكثر المفسرين. وقيل: أن الفتنة ما كانوا يفتنون المسلمين عنه تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم، وتارة بالتعذيب كفعلهم ببلال وعمار وصهيب. ([14])

3- العذاب: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [النحل: 110] فُتنوا، أي: عُذِّبوا في الدنيا ([15]) عذابًا شديدًا لإسلامهم.

وكما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾.[العنكبوت: 10] أوذي, أي: أصابه بلاء من المشركين رجع إلى الكفر مخافةً ممن يو

يؤذيه، وجعل فتنة الناس، أي: أذاهم وعذابهم. ([16])

4- القتل والأسر: كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.[النساء: 101] يفتنكم، أي: يقتلكم. ([17]) أو ينالوكم بمكروه من قتل أو جرح أو غير ذلك.

وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾.[يونس: 83] أي: يقتلهم. ([18]) وقال ابن عباس: أن يعذبهم. ([19])

5- الصد عن سبيل الله: كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾.[المائدة: 49] قال القرطبي: معناه يصدوك ويردوك. ([20])وفي اللباب لابن عادل: يصرفوك. ([21]) وعن أبي عبيدة يضلوك.([22])

6- العبرة: كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.[يونس: 85] وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.[الممتحنة: 5] عن مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون. ([23]) فيفتنون بذلك. ([24])

7- الوقوع في المعاصي والنفاق واتباع الشهوات, كما في قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾.[الحديد: 14] قال البغوي: أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات. ([25]) وهو قول مجاهد. ([26]) وفي أضواء البيان: أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن. ([27])

8- الإضلال: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾.[المائدة: 41] أي: ضلالته. ([28]) وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾.[طه: 90] أي : ضللتم به. ([29]) أي: ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم العجل.

9- اشتباه الحق بالباطل: كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.[الأنفال: 73] وقوله: ﴿ إِلا تَفْعَلُوهُ ﴾ أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، بأن واليتموهم كلهم أو عاديتموهم كلهم، أو واليتم الكافرين وعاديتم المؤمنين. ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ فإنه يحصل بذلك من الشر ما لا ينحصر من اختلاط الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وعدم كثير من العبادات الكبار، كالجهاد والهجرة، وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يتخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض. ([30]) وقال البغوي: الفتنة في الأرض: قوة الكفر، والفساد الكبير: ضعف الإسلام. ([31])

10- الاختلاف والتنافر: كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾.[التوبة: 47] أي: يوقعوا الخلاف بينكم كما في الكشاف. ([32])

11- الجنون, كما في قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾.[القلم: 6] في أي الفريقين منكم المجنون. ([33])

12- الإحراق بالنار, كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.[البروج: 10] أي: أحرقوهم بنار الأخدود. ([34]) وهو مروي علي - رضي الله عنه - وعن الحسن ومجاهد عذّبوا، ([35]) أي: عذّبوا بالتحريق حتى يرجعوا عن دينهم.

13- المعذرة أو الحجة: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.[الأنعام: 23] عن قتادة : معذرتهم. ([36]) وفي أضواء البيان: لم تكن حجتهم. ([37])

14- الافتتان والإعجاب: كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.[يونس: 85] عن عكرمة ( قالوا ربنا لا تظهرهم علينا فيرون أنهم خير منّا. وعن مجاهد: سأل ربه ألا يظهر علينا عدونا فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك. ([38])

ثالثًا: معنى "الفتنة" في السنة النبوية:

لا يخرج معنى "الفتنة" في السنة النبوية عن معناها في القرآن الكريم:

فقد وردت "الفتنة" بالمعنى الشامل وهو الابتلاء والاختبار والإضلال: فسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الدجال فتنة، واستعاذ من فتنة القبر, ومن شر فتنة الغنى, ومن فتنة الفقر.

وبمعنى الفساد في الأرض كما في قوله، صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».([39])

وجاءت بمعنى الافتتان بالمعاصي والشهوات كما في قوله، صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ»([40])

وجاءت بمعنى الحرب والقتل واضطراب أحوال الناس، فعن أُسَامَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ».([41])

وبَوَّب المحدثون للأحاديث الواردة في الملاحم التي ستقع في آخر الزمان بــ (أبواب الملاحم والفتن).

وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث واحد أنواعًا من الفتن، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».([42])

وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشيطان (الفَتَّان) لما يحاوله من إضلال الناس والإيقاع بينهم، وصرفهم عن طاعة الله، وتزيينه المنكر، فقال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ يَسَعُهُمَا الْمَاءُ وَالشَّجَرُ وَيَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْفَتَّانِ».([43]) يروى بالفتح مبالغةً من الفِتْنة وبضم الفاء جمع فاتن، قال الخطابي: يقال معناه الشيطان الذي يفتن الناس عن دينهم ويضلهم، ويروى الفُتَّان بضم الفاء، وهو جماعة الفاتن كما قالوا كاهن وكهان. ([44])

رابعًا: ألفاظ ذات صلة:

المَلْحَمَة: اقترن ذكر الملحمة بالفتن التي ستقع في آخر الزمان. والملحمة: هي الحرب وموقع القتال، والجمع ملاحم، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسّدى. ويقال ألحم الرجل واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصًا. ([45]) ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم نبي الـمَلْحَمة، يعني القتال، كما جاء في مسند أحمد: «وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ».([46]) وفي رواية: «وَنَبِيُّ الْمَلَاحِمِ».([47])

وأكثر ما جاء في إطلاق الملحمة على ما يقع من الاقتتال العظيم في الفتن، قال الزبيدي: الملحمة الوقعة العظيمة القتل في الفتنة، وقيل الحرب ذات القتل الشديد.([48])

ومن هنا بوب المحدثون لما يقع من اقتتال آخر الزمان بَوَّبُوا له بـ (الملاحم) كما في سنن أبي داود وغيره، بل منهم من جمع بين الملاحم والفتن كما في مستدرك الحاكم (كتاب الفتن والملاحم)، وأفرد ابن كثير كتابًا جمع فيه أحاديث الفتن والملاحم التي تكون في آخر الزمان وعنون له بــ (النهاية في الملاحم والفتن).

وقال القرطبي في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - عن بني تميم: (هم أشد الناس قتالًا في الملاحم)، قال: يعني الملاحم التي تكون بين يدي الدجال، أو مع الدجال. ([49])

فأصبح إطلاق كلمة "الملاحم" عند المحدثين والعلماء ينصرف إلى ما يقع من اقتتال وفتن في آخر الزمان، وبين يدي الساعة، والله أعلم.

ومنهم من فرق بين الفتن والملاحم فخص الفتن بالاقتتال بين المسلمين، وجعل الملاحم لقتال المسلمين مع الكفار. جاء في سنن أبي داود: ( باب في ارتفاع الفتنة في الملاحم ). وساق تحته حديث عوف بن مالك قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « لَنْ يَجْمَعَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ سَيْفًا مِنْهَا وَسَيْفًا مِنْ عَدُوِّهَا ».([50])

فحاصل ذلك أن الفتنة بين المسلمين والقتال فيما بينهم يرتفع إذا كان القتال للكفار.

فالمراد بالفتنة قتال بعض المسلمين بعضًا، وبالملاحم قتال المسلمين الكفارَ. ([51])

خامسًا: أوصاف أنواع من الفتن ومدلولاتها

وردت أحاديثُ وآثارٌ في تحديد أسماءِ وأوصافِ أنواع من الفتن، وعلاماتِ أصحابها، وسنورد جانبًا من هذه الأحاديث، ونبين مدلاولاتها؛ إيضاحًا لشأنها لتكون حاضرة في ذهن القارئ إذا تكرر الاستئشهاد بها، فمن هذه الفتن:

1- فتنة الأحلاس:

عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُعُودًا فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ ذِكْرَهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ ؟ قَالَ : «هِيَ فِتْنَةُ هَرَبٍ وَحَرَبٍ».([52])

والأحلاس جمع حِلْس، وهو: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها. ([53]) قال الخطابي: إنما أضيفت إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها أو لسواد لونها وظلمتها. ([54]) وهي ( هَرَبٌ ) بفتحتين، أي: يفر بعضهم من بعض لما بينهم من العداوة والمحاربة. ( وحَرَب ) بفتحتين أي أخذ مال وأهل بغير استحقاق.([55])

2- فتنة الضراء والسراء: ورد فيها عدة أحاديث منها:

« ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَلُهَا أَوْ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي إِنَّمَا وَلِيِّيَ الْمُتَّقُونَ ».([56])

قال الزمخشري: أراد بفتنة السراء فتنة النساء. ([57]) ولعل الزمخشري أخذه من حديث يرويه الخطيب البغدادي عن معاذ بن جبل: « أصَابَتْكُمْ فِتْنَةُ الضَّرَّاءِ فَصَبَرْتُمْ، وإِنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ مِنْ قِبَلِ النِّساءِ إذا تَسَوَّرْنَ الذّهَبَ،([58]) وَلَبِسْنَ رَبْطَ الشَّامِ([59]) وَعَصْبَ الْيَمَنِ،([60]) وأتْعَبْنَ الغَنِيَّ، وَكَلفْنَ الْفَقِيرَ ما لا يَجِدُ »،([61]) أي: أتعبن ( الغني ) بكثرة السؤال له في اتخاذ الحُليّ والحُلَلِ ( وَكَلفْنَ الْفَقِيرَ ما لا يَجِدُ )، أي: حَـمَلْنَه على تحصيل ما ليس عنده من الدنيا فيضَطر إلى التساهل في الاكتساب ويتجاوز الحلال إلى الحرام، ثم يألفه بعد ذلك فيقع في المهالك. ([62])

ورواه أبو يعلى والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: « لأَنَا فِي السَّرَّاءِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ، إِنَّكُمْ قَدِ ابْتُلِيتُمْ بِفِتْنَةِ الضَّرَّاءِ فَصَبَرْتُمْ، وَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ ».([63]) فعلى هذا يكون المعنى: ما يفتح عليهم من نعيم الدنيا ومفاتنها. وهو أعم من فتنة النساء. وهذا هو الأولى، قال القاري: والمراد بالسراء النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء والعافية من البلاء والوباء وأضيفت إلى "السراء" لأن السبب في وقوعها ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم أو لأنها تسر العدو. ([64]) وقال التوربشتي - رحمه الله - يحتمل أن يكون سبب وقوع الناس في تلك الفتنة وابتلائهم بها أثر النعمة فأضيفت إلى السراء يعني يكون التركيب من قبيل إضافة الشيء إلى سببه. ([65]) وقد وردت أحاديث صريحة في التحذير من فتنة النساء.

قوله: ( دخنها من تحد قدمي) قال الخطابي: الدخن الدخان يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه. ([66]) وإنما قال: ( من تحت قدمي رجل من أهل بيتي ) تنبيهًا على أنه هو الذي يسعى في إثارتها أو إلى أنه يملك أمرها ( يزعم أنه مني )، أي: في الفعل وإن كان مني في النسب والحاصل أن تلك الفتنة بسببه وأنه باعث على إقامتها، وليس مني أي: من أخلائي أو من أهلي في الفعل؛ لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة، ونظيره قوله، تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾.[هود: 46] ([67])

3- فتنة الدهيماء:

« ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً. فَإِذَا قِيلَ انْقَطَعَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ».([68]) الدهيماء: تصغير الدهماء، أي: الفتنة المظلمة، والتصغير فيها للتعظيم، وقيل المراد بالدهيماء الداهية. ([69]) قال الخطابي: وصغرها على مذهب المذمة لها، واللّه أعلم. ([70]) ومنه ما جاء في حديث حذيفة: «أَتَتْكُمُ الرَّقْطاءُ الـمُظْلِمَةُ». يعني: الفتنة، يقال دجاجة رقطاء فيها بياض وسواد. ([71])

4- فتنة عمياء صماء:

ورد في حديث حذيفة، قالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَبَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ: « فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ تَمُتْ - يَا حُذَيْفَةُ - وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ »،([72]) أي: فتنة عظيمة وبلية جسيمة عمياء، أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق. صماء، أي: يصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحق أو النصيحة قال القاضي عياض - رحمه الله - المراد بكونها عمياء صماء أن تكون بحيث لا يُرَى منها مخرجًا ولا يوجد دونها مستغاثًا أو أن يقع الناس فيها على غرة من غير بصيرة فَيَعْمَوْن فيها ويُصَمُّون عن تأمل قول الحق واستماع النصح. ([73])

وفي رواية للبخاري ومسلم: نَعَمْ « دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا. فَقَالَ: « هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ». قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ: « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ « تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».([74])

قال الحافظ ابن حجر: قوله: « هم من جلدتنا » أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا، وفيه إشارة إلى أنهم من العرب. وقال القابسي: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون، قيل ويؤيد إرادة العرب أن السمرة غالبة عليهم واللون إنما يظهر في الجلد، ووقع في رواية أبي الأسود « فيهم رجالٌ قلوبهم قلوبُ الشياطين في جُثْمان إنْسٍ ».([75])

5- فتنة تموج موج البحر:

عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِى تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ أَنَا. قَالَ: أَنْتَ للهِ أَبُوكَ. قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ».([76])

معاني ما اشتمل عليه هذا الحديث:

قوله: « تموج موج البحر »، أي: تضطرب ويدفع بعضها بعضًا وشبهها بموج البحر لشدة عِظمها وكثرة شيوعها. وقوله: « كالحصير » أي :كما يُنْسج الحصيرُ عُودًا عُودًا وشظية([77]) بعد أخرى، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد. « أشربها » أي: دخلت فيه دخولًا تامًّا وألزمها وحلت منه محل الشراب. ومنه ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ﴾.[البقرة: 93] أي: حُبَّه، وثوب مُشْرب بحُمْرة أي: خالطته مخالطة لا انفكاك لها. « نَكَتَ نُكْتةً » أي: نقط نقطة. قال بن دريد: كل نَقْطٍ في شيء بخلاف لونه فهو نكت. « أنكرها » ردها « أبيض مثل الصفا » قال القاضي عياض: ليس تشبيهه بالصفا بيانًا لبياضه ولكن صفة أخرى على شدته على عقد الايمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصَّفَا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. ([78]) « مُرْبَادًّا » الرُّبْدَة : لَوْنٌ بين السواد والغُبْرة. ([79]) «مُجَخِّيًا » أي: مائلا مُنَكّسًا حتى لا يعلق به خير ولا حكمة. ([80])



سادسًا: أنواع الفتن وأقسامها:

تنقسم الفتن في مجملها إلى قسمين:

أ- فتن عامة لا تخص فردًا بعينه بل تشمل عامة الناس، كفتنة الهَرْج وهو القتل، وفتنة يأجوج ومأجوج، وفتنة الدجال، ونحو ذلك.

ب- وفتن خاصة تخص فردًا بعينه، وإن تكررت في أمثاله، كفتنة المال، أو فتنة النساء، أو فتنة القبر، أو فتنة الابتلاء بالمرض، ونحو ذلك.

ومن هذه الفتن ما يكون اختبارًا وتمحيصًا وتنقية ورفع درجات للبعض، كالفتن التي تصيب الأنبياء والصالحين، ومنها ما يكون لآخرين فتنة وإضْلالًا وسوء منقلب. كالفتنة بالمال فهي قد تكون لأناس نِقْمة وإضلالًا كما في قوله، تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾.[العلق: 6، 7] وتكون لآخرين نعمة وتوفيقًا للإنفاق في وجوه الخير كقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.[البقرة: 261]

وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول عند الصَّفا: اللّهم أعِذْنِي مِنْ مُضِلّاتِ الفِتَن. ([81]) وفي حديث أم سلمة - رضي الله عنها - لقنها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تقول: « وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا أَحْيَيْتَنَا ».([82])

والآن نشرع بإذن الله في بيان النوع الأول والأهم وهو الفتن العامة التي أخبر عنها الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - ونقتصر عليه؛ لأنه موضوع هذه الدراسة، وبيان ذلك في المباحث التالية: 

المبحث الأول

العرب والفتن

شرف الله العرب بأن بعث فيهم من أنفسهم رسولاً جعله خاتمًا للأنبياء والرسل، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. [الجمعة: 2]

وأنزل كتابه المعجز والهادي للبشرية جمعاء بلسانهم، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. [يوسف: 2] ورفع به من شأنهم ومنزلتهم، ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. [الأنبياء: 10] وجعل بلادهم معقل الإسلام، وشرفها ببيت تهوي إليه أفئدة الناس من جميع جنبات الأرض.

وشاءت حكمة الخالق - جل وعلا - أن يمتحن عباده ويمحِّصَهم فيميز الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. [العنكبوت: 2]

لذا كان العربُ وبلادُهم في واجهة الفتن والمحن، وسنعرض في هذا المبحث لبيان هذه المسألة من خلال ثلاثة مطالب.




المطلب الأول



أصل العرب ونسبتهم

أولاً: أصل العرب:

العَرَبُ، والعُرْب لغة في العَرَب، وهما واحد مثل عَجَم وعُجْم. ([83]) ويجمع العَرَب على أعْرُب، وعلى عُرُب بضمتين، وأعْرَبْتُ الحرف أوضحته، وأعْرَبْتُ عنه وعَرَّبْتُ أفصحت.([84])

وأصل نسبة العَرَب إلى يَعْرُب بن قحطان وسمي يَعْرُب لأنه أول من تَعَرَّب، أي أنطق الله لسانه بلغة العَرَب. ([85])

والبلاد التي سكنوها تسمى العَرَبات بالتحريك، جمع عَرَبة، وهي قرية في أول وادي نخلة من جهة تهامة. ([86])

قال الأزهري: اختلف الناس في العرب لم سُمُّوا عَربًا؟ فقال بعضهم: أول من أنطق الله لسانه بلغة العَرَب يَعْرُب بن قحطان، وهو أبو اليمن، وهم العَرَب العارِبة. ونشأ إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - معهم فتكلم لسانهم فهو وأولاده العَرَب الـمُسْتَعْرِبة. وقال آخرون: نشأ أولاد إسماعيل بعَرَبة وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم.([87])

قال الأزهري: والأقرب عندي أنهم سُمُّوا عَرَبًا باسم بلدهم العَرَبات، وأقامت قريش بعَرَبة فتَنَخَّت وانتشر سائر العرب في جزيرتها فنسبوا كلهم إلى عَرَبة؛ لأن أباهم إسماعيل - عليه السلام - نشأ بها وربل - أي كثر - أولاده فيها فلما لم تحتملهم البلاد انتشروا وأقامت قريش بها. ([88])

ووصف المؤرخون العربَ بأنهم شَعْب ساميّ، أي أنهم ينتمون إلى سام بن نوح - عليه السلام، وذكروا أنهم ربما نزحوا من حوض البحر الأبيض المتوسط أو بلاد مابين النهرين منذ تاريخ بعيد، ثم استقروا في شبه الجزيرة العربية، وانتشروا بعد ذلك في ربوعها شمالًا وجنوبًا وغربًا ووسطًا، وأصبحت الجزيرة العربية من ذلك العهد وطنًا لهم، استقروا فيه طوال الحقب حتى جاء الإسلام فنزحوا إلى كثير من بلدان آسيا وإفريقيا وأوروبا. ([89])

ثاينًا: العرب والأعراب:

فرق أهل اللغة بين العرب والأعراب.

فالعَرَب: هم أهل الأمصار، فمن نزل الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العَرَب فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فصحاء. ([90])

والأعراب: هم سكان البادية خاصة، فمن كان بدويًّا صاحب نُجْعَة وانتواء([91]) وارتياد للكلأ وتَتَبُّعٍ لمساقطِ الغيث فهو أعرابي سواء كان من العرب أم من مواليهم. ([92])

وكل من استوطن القرى العربية وسكن المدن العربية سواء منهم الناشئ بالبَدْوِ ثم استوطن القرى والناشئ بمكة ثم هاجر إلى المدينة فهم عَرَب. فإن لحقت طائفة منهم بأهل البَدْوِ بعد هجرتهم واقتنوا نَعَمًا ورَعَوْا مساقط الغيث بعد ما كانوا حاضِرةً أو مُهاجِرةً قيل قد تعَرَّبُوا أي صاروا أعْرابًا بعد ما كانوا عَرَبًا. والنِّسْبة إلى العَرَب عَرَبيّ, وإلى الأعْراب أعرابيّ. ([93])

ثالثًا: أقسام العرب:

يقسم المؤرخون الأوائلُ العربَ إلى ثلاثة أقسام: هي العرب البائدة، والعرب العاربة, والعرب المستعربة.

1- فالعرب البائدة: هم العرب الأول الذين ذهبت عنا تفاصيل أخبارهم لتقادم عهدهم، وهم عاد وثمود وجرهم الأولى - وكانت على عهد عاد - فبادوا ودرست أخبارهم([94]) ولم يصلنا من أخبارهم الصادقة إلا ما ذُكر من قصصهم في القرآن الكريم، فقد أهلهكم الله بسبب كفرهم بما جاءهم به رسلهم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾([95]) فأهلك عادًا بريح صرصر عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسومًا. ففني معظمهم واندثر ولم يبق منهم سوى من نجَّى الله مع هود - عليه السلام - كما في قوله، تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾([96])

وأما ثمود فقد أهلكم الله - عز وجل - بالطاغية قال، تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾([97]) فلم يبق منهم أيضًا إلا من نجّى الله مع صالح، عليه السلام.

وهناك أيضا قبائل أخرى من العرب البائدة هي طسم وجديس والعماليق وجرهم الأولى وغيرها، وكلهم بادوا ولم يبق لهم أثر. ([98])

وأما جرهم الثانية فهم من ولد قحطان وبهم اتصل إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام.

2- العَرَب العاربة: وهم العرب الخلص الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم. ([99]) ومنهم بنو جرهم بن قحطان - أي جرهم الثانية - وكانت مساكنهم بالحجاز، ولما أسكن سيدنا إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل - عليهما السلام - مكة، كانت جرهم نازلين بالقرب من مكة فاتصلوا بإسماعيل - عليه السلام - وتزوج منهم، وصار من ولد إسماعيل - عليه السلام - العرب المستعربة؛ لأن أصل إسماعيل ولسانه لم يكن عربيًا، ولذلك قيل له ولولده العرب المستعربة. ([100])

والعرب العاربة هم الذين يطلق عليهم مؤرخو العرب القحطانيين، وكان موطنهم الأصلي في جنوبي الجزيرة العربية، ولكن لظروف مختلفة منها الجفاف وانهيار سد مأرب والبحث عن مكان أفضل هاجر كثير من قبائلهم إلى أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة، ومن أهم فرعهم الرئيسية حمير وكهلان وهما أبناء يعرب بن قحطان. ومن هذه الفروع الرئيسية تفرعت سائر القبائل اليمنية مثل حمير وطيئ وجهينة وغيرها من القبائل اليمنية الأخرى.([101])

وكانت لغتهم هي اللغة العربية الجنوبية والتي تولدت عنها اللغة العربية التي ينطقها القسم الآخر من العرب وهم العرب المستعربة، وأصبحت لغتهم هذه المتأثرة بالبعض من اللغة العربية الجنوبية هي اللغة العربية الفصحى السائدة في الجزيرة العربية على نطاق واسع، بينما انحسرت اللغة الجنوبية حتى تلاشت بعد ظهور الإسلام. ونزول القرآن بلغة العدنانيين الذين يتصل نسبهم بإسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام.

3- العَرَب الـمُسْتَعْربة: وهم الذين تكلموا بلسان إسماعيل - عليه السلام - وهي لغات الحجاز وما والاها. ([102]) وقيل لهم العرب المستعربة؛ لأن إسماعيل - عليه السلام - لم تكن لغته عربية، ولكنه لما تزوج من جرهم امرأة وولدت له أولادًا تكلم هو وأولاده العربية، كما تقدم.

ويطلق على العرب المستعربة أيضًا العدنانيون، والنزاريون، والمعديون، وكلها أسماء للدلالة عليها، ومن قبائلهم: قريش وعبس وفزارة وربيعة ومضر، وغيرها. ([103])

ومن المؤرخين من يقتصر في تقسيم العرب على قسمين: عرب عاربة، وعرب مستعربة، ويُدخلون في العرب العاربة عادًا وثمود وجديسًا وجرهمًا والعماليق وأممًا آخرين.([104]) وهذا التقسيم لا يعارض التقسيم السابق؛ لأن العرب البائدة هم عرب عاربة لكنهم وُصِفوا بذلك لكونهم بادوا وانقطعت أخبارهم.



المطلب الثاني

حدود جزيرة العرب

تقدم بنا أن موطن العرب الأُوَل كان في جزيرة العرب، ثم انتشروا بعد الإسلام في بقاع شتى, ونحاول هنا أن نبين حدود جزيرة العرب ولماذا سميت بذلك. 

بلد العرب مصطح جغرافي يطلق على تلك المساحات الواسعة التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من آسيا، وهي شبه جزيرة يحيط بها الماء من ثلاث جهات: البحر الأحمر غربًا، والخليج العربي شرقًا، والمحيط الهندي جنوبًا.

قال أبو عبيد بن سلام: إن جزيرة العرب من أقصى عَدَن أبْيَن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من سائر البحر إلى أطرار الشام. ([105])

وقد أطلق العرب على بلادهم اسم جزيرة العرب؛ لإحاطة الأنهار والبحار بها من جميع الجهات حيث إنهم اعتبروا الفرات وغيره من الأنهار الموجودة في شمال شبه الجزيرة حدًا مائيًا لبلادهم من جهة الشمال. ([106]) ونُقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إنما سميت بلاد العرب جزيرة؛ لإحاطة الأنهار والبحار بها من جميع أقطارها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر. ([107])

وبهذا الإطلاق وردت في كثير من الأحاديث النبوية، مثل قوله، صلى الله عليه وسلم: «أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ».([108]) وقوله: « إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِى التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ».([109])

ويقسم الجغرافيون العرب الجزيرة العربية حسب طبيعتها الجغرافية إلى خمسة أقسام هي: تهامة والحجاز ونجد والعَروض واليمن. ([110])




المطلب الثالث

تخصيص العرب بالذكر في الفتن

اقترن ذكر العرب بالفتن في عدة أحاديث، وسنورد طرفًا منها في هذا المطلب ونحاول - إن شاء الله - تسليط الضوء عليها بالدراسة واستجلاء الحقائق والدلالات التي اشتملت عليها هذه الأحاديث، وسبب تخصيص العرب بالذكر دون عامة المسلمين.

أولا: بعض النصوص الواردة في تخصيص العرب بالذكر في الفتن:

1- روى البخاري ومسلم عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللهُ عنها - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَ نَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».([111])

2- وعن عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال : أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ لِي :« يَا عَوْفُ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَوْتِى ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ فِيكُمْ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِى الأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا».([112])

3- وروى مسلم عن أمِّ شَرِيكٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِى الْجِبَالِ ». قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: يَا رَسُولَ اللهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: « هُمْ قَلِيلٌ ».([113])

4- وروى أحمد في مسنده عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَكَرَ جَهْدًا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ الدَّجَّالِ، فَقَالُوا: أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: « غُلَامٌ شَدِيدٌ يَسْقِي أَهْلَهُ الْمَاءَ، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَيْسَ». قَالُوا: فَمَا طَعَامُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «التَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ».

5- وروى ابن حبان عن ذِي مِخْمَرٍ ابن أخي النجاشي أنّه سمعَ رسولَ اللهِ - صلى اللهُ عليه و سلمَّ - يقول: « تُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا حتَّى تَغْزوا أنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِهِمْ فَتُنْصَرُونَ وتَغْنَمُونَ وَتَنْصَرِفونَ حَتَّى تَنْزِلوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَقُولُ قائِلٌ مِنَ الرُّومِ: غَلَبَ الصَّلِيبُ. ويَقولُ قائلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: بَلِ اللهُ غَلَبَ. فَيَثُورُ المسْلِمُ إلَى صَليبِهِمْ - وهُوَ مِنْهُ غَيْرَ بَعيدٍ - فَيَدُقُّهُ، وَتَثُورُ الرُّومُ إلَى كاسِرِ صَليبِهِمْ فَيَضْربونَ عُنُقَهُ، وَيَثُورُ المسْلِمونَ إلَى أسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَـتِلونَ، فيُكْرِمُ اللهُ تِلْكَ العِصابَةِ مِنَ المسْلمينَ بالشَّهادَةِ، فتقولُ الرُّومُ لصاحِبِ الرُّومِ: كَفَيْناكَ العَرَبَ، فَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ، فَيَأْتونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً ، تَحْتَ كلِّ غايةٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا».([114])

6- عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ أَبَا قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « يُبَايَعُ لِرَجُلٍ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَأْتِي الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، وَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ».([115])

7- ونختم بما رواه الإمام أحمد وغيره عن عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا». قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: « أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ». قَالَ: قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ».([116])

واقتصرنا في هذه الدراسة على هذا الجانب من الأحاديث الصحيحة، وهناك أحاديث وروايات أخرى ترجع في مضمونها إلى هذه الأحاديث فلم نر حاجة في تتبعها واستقصائها. وأعرضنا عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لخطورة إيراد هذه الأحاديث في الفتن؛ لأنها مسائل غيبية فلا يعتمد فيها على مثل هذه الأحاديث، وسنفرد مطلبًا خاصًا - إن شاء الله - في مناقشة الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة في الفتن. 

ثانيًا: دراسة شاملة لهذه النصوص:

بالرجوع إلى النصوص السابقة يتضح لنا أن تخصيص العرب مقصود في هذه النصوص، ففي الرواية الأولى يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: « وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»، وفي الثانية يقول لعوف بن مالك، رضي الله عنه: « ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ»، وربط ذلك بفتنة يأجوج ومأجوج, وفي الثالثة والرابعة يصف - النبي صلى الله عليه وسلم - العرب عند ظهور الدجال «بأنهم قليل»، وفي الخامسة تقول الروم لملكها « كفَيْناك العَرَبَ»، وفي السادسة الإشارة إلى أن الأمم تتداعى وتجتمع عليهم من كل حَدَبٍ وصوب «كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ».



وبالنظر في مدلول هذه الروايات يتضح لنا أن الفتن مُحْدِقة بالعرب ومتكررة فيهم المرة بعد المرة، حتى يقل عددهم من كثرة ما يحدث لهم من جرَّاء هذه الفتن والحروب المتكررة، بل يوجد في بعض هذه الأحاديث التصريح بمصدر هذه الحروب فمنها يأجوج ومأجوج، ومنها الدجال وأتباعه، ومنها الروم والحبشة، وفي بعضها أن فتنة هذه الأمة بينها.

كما تشير بعض الروايات أن من هذه الحروب ما يكون تقليديًّا كالسيف ونحوه، ومنها ما يكون بأسلحة فتاكة تسبب موت أعداد هائلة في دفعات متلاحقة، وهذا ظاهر في قوله، صلى الله عليه وسلم: « ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ » وفي تشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الموتان الذي يصيب الأمة بقُعاص الغنم، وهو مرض يصيب الغنم فتكون في صحة وعافية وفجأة تموت دون أية عوارض سابقة([117]) ففي هذا ربما إشارة إلى الأسلحة ذات الدمار الشامل، وقد أصبحت شائعة اليوم، ويمتلك أعداء الإسلام الكثير منها، وقد استخدمت في بعض الأماكن.

وقد اجتهد بعض العلماء في تفسير هذه الظاهرة بالطاعون الذي كان معروفًا في زمنهم، ونزَّلوا هذه العلامة على طاعون عَمْواس. وهذا لا دليل عليه، كما أن صفة مرض الطاعون لا تنطبق عليه فالطاعون مرض له أعراض ودلالات تشير إليه، وزمن حتى يجهز المرض على المصاب. وهو أيضًا ليس خاصًّا بالعرب أو المسلمين فمثل هذا يحدث في كل الأمم إذا وجدت أسبابه، فهو كغيره من الأمراض السارية، وهو هنا في سياق هذا الحديث مقرون بفتن لها صلة بالعرب انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: « ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ». وكذلك قوله: « ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِى الأَصْفَرِ »، كل هذا يبعد أن يكون المراد به مرض الطاعون, ويبعده أكثر أن يكون مخصوصًا بطاعون عَمْواس، وأيضًا فإن طاعون عَمْواس لم يفْشُ في الأمة كما يشير إليه هذا الحديث.



وأما التداعي في قوله، صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا»- والمخاطب بذلك العرب - ([118]) فإن التداعي يستلزم مكانًا يجتمع إليه المتداعون، وقد أثبتت الأحداث تكرار ذلك في بلاد العرب، فكم مرة تنادت قوى الشر إلى بلاد العرب في العهود القديمة وعهود الاستعمار ففرّقت وقسّمت ورسمت حدودًا لا تزال تعاني منها الأمة ومن تبعاتها إلى اليوم، ولا تزال موجات التداعي إلى بلاد العرب تتكرر تحت مبررات مصطنعة والأحداث مرسومة مسبقًا.

ثالثًا: لِمَ خُصّ العرب بالذكر ؟

يمثل العرب مادة الإسلام كما أثر عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في وصيته للخليفة من بعده فقال: (وَأُوصِيهِ بِالْأَعْرَابِ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ). ([119]) فمنهم ظهر نبي الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - وبلسانهم نزل القرآن الكريم, وبجهادهم انتشر الإسلام في أعظم بقاع الدنيا، التي تعرف اليوم باسم العالم الإسلامي، وغدا تاريخ هذا العالم سِجِلًّا حافلًا بفضل ما قدمه العرب للإنسانية عبر القرون من ألوان الحضارة وصنوف العلوم التي حملت الإنسان إلى حياة ذات مستويات أفضل من الخير والرفاهية والأمان. ([120])

وقد ذكر العلماء أقوالًا في توجيه قوله، صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» نوجزها في الآتي:

أولاً: لماذا خص العرب بالذكر؟ قالوا: خص العرب بالذكر؛ لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم. ولأنهم أول من دخل في الإسلام، وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كانوا (أي العرب) في الهلاك أسرع. ([121])

وقيل: أراد بالعرب أهل دين الإسلام، وإنما خصهم بالذكر لأن معظم شرهم، أي: يأجوج ومأجوج، راجع إليهم.([122])

ثانيًا:ما المراد بالشر الذي سيحل بهم؟

قيل: المراد بالشر ما وقع من قتل عثمان - رضي الله عنه- ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة كما وقع في الحديث الآخر «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا».([123])

وقيل أراد ما سيقع من مفسدة يأجوج ومأجوج. ([124])

وقيل يحتمل أنه أراد ما وقع من الترك من المفاسد العظيمة في بلاد المسلمين، وهم من نسل يأجوج ومأجوج. ([125])

قال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة (وماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا أنزل من الخزائن.. فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده فكثرت الأموال في أيدهم فوقع التنافس الذي جر الفتن ، وكذلك التنافس على الإمرة ؛ فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك إلى قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر.



ويلاحظ من هذه الأقوال أنها توجيه خاص لهذا الحديث، ولكن قدّمنا فيما سبق أن العرب وبلادَهم هي مسرح لأحداث جسام ومنها ما تضمنه هذا الحديث من فتنة يأجوج ومأجوج، لذا نقول لعل العرب كانوا هم رحا الفتن وعليهم مدارها؛ لأنهم بيضة الإسلام فهم سكان جزيرة العرب مهد الإسلام وميلاده وفيها الحرمان الشريفان قبلة المسليمن...

وبلادهم بلاد المحشر والمنشر بلاد الشام كما أخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم سكان بيت المقدس ثاني القبلتين، فالفتن الكبرى والملاحم ستدور في ربوعهم وهم المقصودون فيها فالملحمة الكبرى التي أخبر عنها الصادق المصدوق ستكون في مرج دابق والأعماق من بلاد الشام، وخروج النار التي تسوق الناس إلى محشرهم ستخرج من قعر عدن وتسوقهم إلى بلاد الشام، والدجال سيطوف البلاد ثم يكون مقصده بيت المقدس فيهلك هناك ويأجوج ومأجوج الذين لا يعرف موطنهم الآن ستكون وجهتهم بلاد العرب وسيهلكون عنده طور سيناء عندما يدعو عليهم سيدنا عيسى - عليه السلام - ونزول عيسى عليه السلام سيكون في دمشق ثم يتوجه إلى بيت المقدس.



ويمكن أن يقال أيضًا لعل تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - يأجوج ومأجوج بالذكر في قوله: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ..) لعظم شرهم ومن باب ضرب المثل ببعض الشر الذي سيصيب العرب وليس من باب الحصر.



المبحث الثاني

بلاد العرب مسرح لأحداث جسام



تعتبر الجزيرة العربية وبلاد الشام قلب الشرق الأوسط حاليًا وكانت هذه البلاد موطنًا لمعظم الأنبياء والرسل الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم وهم خمسة وعشرون وكلهم من المرسلين الذين أرسلوا بشرائع ورسالات إلى أممهم - وهناك أعداد كبيرة من الأنبياء والرسل لم يذكروا في القرآن كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾.([126]) فكانت الجزيرة العربية وبلاد الشام مهدًا لكثير من هؤلاء الرسل في القديم والذين كانوا في أورشليم ( القدس ) فقدم أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - من بلاد الشام إلى الجزيرة العربية فبنى البيت الحرام بأمر من الله - عز وجل - في مكة المكرمة واستقر بها ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وأصبح هذا البيت منسكًا يحج إليه الأنبياء، فحج إليه الخليل إبراهيم - عليه السلام - وحج إسحاق وأمه سارة، وورد في الأحاديث أن عددًا من الأنبياء حج إلى البيت الحرام منهم: آدم ونوح وهود وصالح([127]) ويونس وموسى([128]) وعيسى - عليهم السلام - وهذا يدل على أن مكان الحج في مكة كان معروفًا للأنبياء قبل أن يبنيه إبراهيم وإسماعيل ،عليهما السلام.([129])

فجزيرة العرب هي مهد هذه الأمة وسرة بلاد العرب، ولكن أ يقتصر ذلك عليها أم أن بلاد العرب أوسع دلالة من ذلك فتشمل كل البلاد التي حلوا بها أو فتحوها واستوطنوها وهي ما يعرف اليوم بالبلاد العربية. وأحاديث الفتن والملاحم تدل على أن المراد ببلاد العرب هي البلاد العربية بمعناها الشامل ولا يقتصر على جزيرة العرب وإن كانت هي في قلب تلك الأحداث.

فالفرات يوشك أن يَحْسِرَ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو. ([130])

والدجال يقصد مكة والمدينة([131]) ولكن الله لا يمكنه من دخولهما ثم يقصد بيت المقدس فيقتل على يد سيدنا عيسى، عليه السلام. ([132])

ويأجوج ومأجوج هدفهم في مسيرهم بيت المقدس ويمرون ببحيرة طبرية فيشرب أولهم ولا يبقى لآخرهم ماء. ([133])

وتمنع العراق من الأقوات فلا يجبى إليها قفيز ولا درهم، وكذلك بلا د الشام كما ورد عَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لاَ يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلاَ دِرْهَمٌ. قُلْنَا مِنْ أَيْنَ ذَاكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ. ثُمَّ قَالَ يُوشِكَ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لاَ يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلاَ مُدْىٌ. قُلْنَا مِنْ أَيْنَ ذَاكَ قَالَ مِنْ قِبَلِ الرُّومِ. ([134])



والملحمة الكبرى تجتاح بلاد الشام من شمالها إلى جنوبها عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ([135]) فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لاَ وَاللهِ لاَ نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطُنْطِينِيَّةَ فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّهُمْ فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِى الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ».([136])



والأحباش قصدوا الكعبة قديما لهدمها، بقيادة أبرهة عام الفيل، وسيقصدونها في آخر الزمان فقد روى الْحَارِثُ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِىَ اللهُ عَنْهُ - يَقُولُ: حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لاَ تَحُجُّوا. فَكَأَنيِّ أَنْظُرُ إِلَى حَبَشِىٍّ أَصْمَعَ أَفْدَعَ بِيَدِهِ مِعْوَلٌ يَهْدِمُهَا حَجَرًا حَجَرًا. فَقُلْتُ لَهُ : شَىْءٌ بِرَأَيْكَ تَقُولُ أَوْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ: لاَ وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ، صلى الله عليه وسلم.([137])

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا».([138])



فهذا يدل على أن الجزيرة العربية وبلاد الشام التي باركها الله ستكون مسرحًا لأحداث جسام، والتي يتقرر فيها انتصار الإسلام وأهله على قوى الشر والظلام التي تطبق عليهم من كل حدب وصوب ( من كل حدب ينسلون ) فسيكون هذا الانتصار بعد مخاض عسير من الفتن والملاحم التي تحيط بالأمة الإسلامية والعربية فتعصرها عصرًا فلا يبقى فيها كفر ولا نفاق فتخرج بيضاء نقية يقام فيها العدل ويكثر فيها الخير وتسعد البشرية بحكم الإسلام الصحيح الذي يسع الجميع كما وسعهم وسعدوا فيه أول أمره.





المبحث الثالث

العرب هم القادة في الملاحم

تدل الأحاديث على أن قيادة المسلمين في الملاحم هي للمسلين العرب، فكما أن بداية نشر الإسلام في الفتوحات كان بقيادة الصحابة من العرب في معظم غزواتهم وفتوحاتهم، فالخلفاء الراشدون كانوا كلهم من العرب وأمراء الجيوش التي دكت عروش كسرى وقيصر كذلك.

وكأن عودة الجهاد ودفاعه عن بيضة الإسلام يعود ثانية إلى قيادة المسلمين من العرب وهم المقصودون من قبل أعدائهم وبلادهم هي مسرح ذلك والشواهد على هذا كثيرة وسنوردها في مقامها إن شاء الله.

لذا ورد في بعض طرق حديث ( قتال الروم) «فتقولُ الرُّومُ لصاحِبِ الرُّومِ: كَفَيْناكَ العَرَبَ»، أي: قتلنا اكثر العرب إذاً الذين وقفوا في وجه الروم أكثرهم من العرب كي يتسنى قتل أكثرهم .



ويدل لقيادة العرب ما ورد في حديث عبد الله بن حوالة قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الشَّامَ وَبِهِ الرُّومُ ذَوَاتُ الْقُرُونِ ؟ قَالَ: « وَاللهِ لَيَفْتَحَنَّهَا اللهُ عَلَيْكُمْ وَلَيَسْتَخْلِفَنَّكُمْ فِيهَا حَتَّى تَظَلَّ الْعِصَابَةُ الْبِيضُ مِنْهُمْ قُمُصُهُمْ الْمُلْحِمَةُ أَقْفَاؤُهُمْ قِيَامًا عَلَى الرُّوَيْجِلِ الأَسْوَدِ مِنْكُمُ الْمَحْلُوقِ مَا أَمَرَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَعَلُوهُ»،([139]) أي: أن طابع المسلمين آخر الزمان هو البياض وهم من أسلم من النصارى وغيرهم كل مجموعة منهم تقف بين يدي العربي الأسمر يتلقون منه علوم الدين، وكما في قوله، صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَقَعَتِ الْمَلَاحِمُ بَعَثَ اللهُ بَعْثًا مِنَ الْمَوَالِي هُمْ أَكْرَمُ الْعَرَبِ فَرَسًا وَأَجْوَدُهُ سِلَاحًا يُؤَيِّدُ اللهُ بِهِمُالدِّينَ».([140])



وقد مر بنا أن من العلماء من اعتبر ذكر العرب في الأحاديث الواردة في الفتن كقوله، صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» أن المراد بهم المسلمين وأن تخصيص العرب بالذكر لأنهم كانوا معظم من أسلم، وأنهم أول من دخل في الإسلام.



فنقول وبالله التوفيق: إن هذا لا يعارض تخصيص العرب بالذكر لأن العرب هم في الأصل مسلمون ولكن تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم بالذكر لا بد أن يكون له حكمة، ففي بداية أمر الإسلام قام الجهاد عليهم ثم التف حولهم المسلمون فيما بعد، ثم لما انتشر الإسلام في أرجاء الأرض ومكن الله لأهله نبغ قادة من المسلمين في جميع تلك البلاد. ونحن نتحدث عن الفتن والملاحم وقد دلت الأحاديث كما سبق على أن مسرحها بلاد العرب، وأن العرب هم المحور في هذه الملاحم وعندما يطلق العرب فإنه يشمل من تكلم لغة العرب وانتمى إلى أهلها وبلادها وإن لم يكن في الأصل عربيًّا كما تقدم في المبحث الأول "أن العرب هم أهل الأمصار، فمن نزل الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء".([141])

ومن أهم أولئك القادة الخليفة الذي سيقود الناس في الملاحم ويتقدمهم في الصلاة وينزل سيدنا عيسى - عليه السلام - وقد أقيمت الصلاة له فيصلي خلفه ولا يتقدم عليه كما ورد في حديث أبي أمامة الباهلي: «وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الصُّبْحَ فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِي الْقَهْقَرَى لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَيَضَعُ عِيسَى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ».([142]) وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عند مسلم « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم - فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لاَ. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ».([143]) وهو من عترة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أم سلمة، رضي الله عنها: «الْمَهْدِىُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ».([144]) وهو الذي سيقود مع سيدنا عيسى - عليه السلام - الجيوش لتحرير بيت المقدس.



المبحث الرابع

التحذير من إيراد الأحاديث الضعيفة في الفتن



لا يمكن الاعتماد على الأحاديث الضعيفة في الفتن؛ لأنها من الأمور الغيبية، وقد قرر العلماء أن مسائل الغيب لا يجوز إثباتها إلا بحديث صحيح على أقل تقدير، وأما ما يقوله البعض أن بعض الأحاديث الضعيفة تكون مطابقة للواقع أحيانًا، فنقول: إن طابقت الواقع عند حدوثه فإنه يصبح من الأمر المشاهد والمحسوس واقعًا فلا يحتاج إلى إثباته بالخبر، وإنما جُلّ ما يقال فيه: أن الحديث يعتبر عَلَمًا دالًّا على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقول في شأن راويه: أنه قد يحفظ من لا يوصف بالضبط، وقد يَصْدُقُ من يوصف بعدم الصدق، ولكن قبل وقوعه لا يعول عليه. والله أعلم.

وإن من أخطر ما في الاعتماد على الأحاديث الضعيفة في أمر الفتن، وكذلك تأويلها إن لم تكن دلالتها واضحة، أنه يترتب على ذلك بناء مفاهيم لدى شباب الأمة قد تقودهم إلى سلوك أمور خطيرة لها أثر بالغ على الأمة في بنائها الفكري أو السلوكي أو الاجتماعي؛ فإن معاملة الفتن وقت وقوعها من أخطر ما تعانيه الأمم، والإيقاع فيها يكون سريعًا ولا يدع وقتا للتفكير أو اختيار منهج معين، فإن كانت المفاهيم السابقة لهذه الفتن مبنية على مفاهيم خاطئة فإن العقول تكون مهيأة سلفًا على مثل هذا السلوك، أمّا إن كانت مبنية على مفاهيم صحيحة مطابقة لقواعد الشرع ومقاصده الـمَبْنيَّة على ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة فإن الأمر سينحصر في سلوك السبل الصحيحة للنجاة من تلك الفتن أو معاملتها حسب القواعد الشرعية الصحيحة.

وقد يرى البعض أن الأحاديث الضعيفة يمكن الاستفادة منها في تفسير جانب مما ورد في الأحاديث الصحيحة، أو إيضاح أمر جاء مجملًا، نقول: هذا قد يكون صحيحًا في بعض المواضع وفي إطار لا يتجاوز إيضاح كلمة أو تفسير مشكل ونحو ذلك.

ولكن قد يكون هذا التفسير أو الإيضاح بمثابة تأصيل مسألة لم يصرح بها حديث صحيح، وقد يكون هذا المفهوم ليس هو المقصود في الحديث الصحيح، وهنا مكمن الخطورة، فالأمر يحتاج إلى حذر شديد، والسلامة في الاقتصار على ما صحت نسبته إلى النبي، صلى الله عليه وسلم.

وقد يكون الأسلم في مثل ذلك تركه للزمن يفسره، فكم من حديث اجتهد العلماء في تفسيره وأنزلوه على واقعهم ولكن أظهرت الأحداث أن ذلك المعنى لم يكن هو المقصود، وكم اجتهد المفسرون في تفسير بعض الآيات ثم أظهر الزمن مفاهيم علمية وواقعية لما كان يشير إليه القرآن مما لم يكن بمقدور أهل زمانهم إدراكه على حقيقته، وهذا كثير في القرآن الكريم.



المبحث الخامس

الحكمة والغاية من أحاديث الفتن

ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديثُ كثيرةٌ في الفتن والملاحم فيها تحديدُ أماكنَ بأسمائها، وذِكرٌ لأوصافِ أشخاصٍ وقادةِ جيوشٍ وأصحابِ دعوات، ووصْفٌ لأحداثٍ وملاحمَ، بل وتحديد نتائجها أحيانًا ومَدْحٌ لقادتها أو ذَمٌّ لهم، وأمرٌ بالمشاركة فيها أو البعدِ عنها واعتزالها، وغير ذلك. ويتعلق بهذا حِكَمٌ كثيرةٌ نجملها في التالي:



1- أن يحدد المؤمن موقفه منها، ويكون على بصيرة من أمره، كما في قوله، صلى الله عليه وسلم: « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو».([145]) وفي رواية أخرى: « يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ».([146]) فالمؤمن يعلم بناء على هذا الحديث أن في الاقتراب من هذا الكنز أو الأخذ منه مهلكة، وأنه مأمور باجتنابه، وأن السلامة في البعد عنه واعتزال الاقتتال من أجله.

2- وعندما يحدد لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصافًا محددة لدعاة فتنة، فإنْ ظهروا في زمن ما فإن المسلمَ المطَّلِعَ على تلك الأحاديث وأوصافِ أولئك الدعاة وتلك الفتن التي جاءوا بها فإنه يكون قادرًا على أن يتخذ موقفًا واضحًا منها ومن أصحابها.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك أحاديث فتنة الدجال وأتباعه، وتحديد النبي -صلى الله عليه وسلم - أوصافه وأوصاف أتباعه، تحديدًا واضحًا ودقيقًا يتبينه كل مسلم بمجرد رؤيته.

أخرج البخاري عن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً قُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ».([147])

وأخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح في وصف أتباعه عن أبي بكر الصديق قال: حدثنا رسول الله، صلى الله عليه و سلم قال: «الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ يَتَّبِعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ».([148])

فمثل ذلك يُنيرُ الطريقَ للمؤمن في مسار الفتن؛ لينجوَ من الوقوع فيها، وإن أصابه شيء منها وهو مبصر بها غيرَ مُلابِسٍ لها فهو نوع من الابتلاء الرباني الذي يؤجر عليه ولا يؤاخذ به - إن شاء الله - وقد اخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل مؤمن يقف في وجه الدجال فيكذبه ولا يخشى تهديده: لما تحققه من أوصافه الواردة في الأحاديث النبوية.

أخرج البخاري عن أبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ. فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ».([149])

3- وكذلك عندما يحدد النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصافَ أناس هُداةٍ مَهْديِّين في الفتن وأنَّ في اتِّباعِهم السلامةَ والنجاةَ، كما هو الحال عند خروج المهدي، ونزول سيدنا عيسى - عليه السلام - فإن السلامة في اتباعهم والوقوف معهم ومناصرتهم.

أخرج مسلم في صحيحه أنه عندما يخرج الدجال يَبْعَثُ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِىَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأَسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ. ([150])

وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم - فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لاَ. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ ».([151])

4- وقد يكون الإخبار عن بعض الفتن للتبصرة وبيان الواقع - وإنْ كان المؤمن عاجزًا في اتخاذ موقف فيها سوى اللجوء إلى الله - عز وجل - ودعائه أن يفرج عنهم هذا الكرب، كما في خبر يأجوج ومأجوج الذي أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ. وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهُ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهُمُ النَّغَفَ فِى رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ».([152])

5- وقد يكون الغرض من الإخبار بها حَضُّ المؤمن على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تعاجله الفتن فلا يتمكن من أداء العبادات والأعمال الصالحة على وجهها كما في قوله ، صلى الله عليه وسلم: « بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».([153]) وفي رواية « بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ ».([154])

6- وقد يكون من باب بيان دنو الساعة، كما في حديث عَوْفِ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: «اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا».([155])





المبحث السادس

خطورة الفتن

وذم السعي فيها قبل انجلاء أمرها



تقدم بنا أن الفتنة بمعناها الشامل تعني اضطراب أحوال الناس وانبعاث الخوف في نفوسهم على الأنفس والأموال والأعراض، وغياب العدل وانفراط عقد الانتظام في الأمور بين المجتمعات، فيؤدي ذلك إلى الأخطار الجسيمة كالقتل والنهب وهتك الأعراض وقطع السبيل، وغير ذلك مما يجعل الحياة ألمًا وبؤسًا.

والفتن تثور وتلتهب كالنار إذا وجدت أسبابها ومؤججاتها؛ لذا حذر الشرع من خطورة السعي فيها وإذكائها، وفي هذا المطلب نحاول -إن شاء الله- إلقاء الضوء على خطورة السعي في الفتنة، وبيان أسبابها.

ومما يدل على خطورة الفتن مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على التعوذ منها دبر كل صلاة فكان من دعائه « وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ».([156]) ومن خطورتها أنها إذا وقعت لا تميز بين فريق وفريق ولا طائفة وأخرى قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾.[الأنفال: 25]. وعند ما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - لـمّا حذّر من الفتن: « أَ نَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».([157])



ذم السعي في الفتنة:

وردت أحاديث صحيحة في ذم الفتنة والسعي فيها والأمر باعتزالها،وأن القاتل والمقتول في النار ، ومن تلك الأحاديث :

ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ».([158])

وروى أبو داود والترمذي وأحمد عن أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ، صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ([159]) وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ فَإِنْ دُخِلَ - يَعْنِي عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ - فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَىيْ آدَمَ ».([160])



لذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - أشد الناس حذرًا من الفتن والخوض فيها، فهذا ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: لأكونن في الفتنة مثل الجمل الرَّداح، وهو الثقيل الذي يحمل عليه الحمل الثقيل فيَهْرَج فيبرك ولا ينبعث حتى يُنْحر. ([161])

وممن اعتزل الفتنة من الصحابة: ابن مالك وهو سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد،([162]) وصهيب بن سنان أبو يحيى النَّمّري،([163]) وعمران بن حُصين،([164]) وسعيد بن العاص،([165]) في عدة من الصحابة تخلفوا عن الفريقين- أي عن علي ومن خرج عليه - وقعدوا عن تلك الفتنة حتى انجلت. ولم يشهدها من مشاهير التابعين: الربيع بن خثيم، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وأبو عبد الرحمن السلمي. ([166])

خطر الكلمة في الفتنة:

وقع الكلمة في الفتن قد يكون أشد فتكًا من السلاح، وأثرها أوسع وأعمق في النفوس، فكم من أمر كان في بدايته هيِّنًا يسيرًا ثم تأجّجَ وسَرَى واسْتَعَرَ بما نفخ فيه أهل الباطل ودعاة الشر، وكم أخمدت فتن ودثرت في مهدها بسبب كلمة من حكيم أو عاقل، فانظر إلى كلمة سيدنا أبي بكر - رضي الله عنه - في سقيفة بني ساعدة كيف دَثَرت فتنة كادت تنشب بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأنصار والمهاجرين فيمن يخلفه، قال عمر: أردت أن أتكلم، وقد كنت زورت - أي هيأت وحسنت - مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، فقال: على رسلك، فكرهت أن أغضبه. ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغَ الناسِ، والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت. ([167]) وتمت البيعة لأبي بكر بعد ذلك وانطفأت الفتنة في مهدها.

وعن حذيفة بن أسيد - رضي الله عنه - قال: «شَرُّ الناس في الفتْنَة الخطيبُ الْمِصْقَع، والراكب الموضِع»، والمصقع: أي البليغُ الماهرُ في خُطْبته الدَّاعِي إلى الفِتَنِ الذي يُحرِّضُ الناسَ عليها، والموضع: أي المسرع فيها. ([168])

وفي رواية ابن أبي شيبة: قال حذيفة: «أتَتْكُمُ الفِتَنُ مِثْلَ قِطَعِ اللّيلِ الـمُظْلِم، يَهْلِكُ فيها كلُّ شُجاعٍ بَطَلٍ، وكُلُّ راكبٍ مُوضِعٍ، وكلُّ خَطيبٍ مِصْقَعٍ». ([169])

ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطباء الفتنة ليلة أسري به بصورة أناس تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقارض من نار، عن أنس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه و سلم: «أتيتُ على سماءِ الدّنيا لَيْلةَ أُسْرِيَ بي فإذا فيها رجالٌ تُقطَّعُ ألْسِنَتُهُمْ وشِفاهُهُمْ بمقارِضَ مِنْ نارٍ. فقلتُ: يا جِبْريلُ مَنْ هؤلاءِ ؟ قالَ : خُطَباءُ أمَّتِكَ».([170]) وفي رواية أخرى « ما هؤلاءِ يا جِبْريلُ ؟ » قالَ: هؤلاءِ خُطَباءُ أمَّتِكَ خُطَباءُ الفِتْنَة يقولونَ ما لا يَفْعَلونَ».([171])

ونحن اليوم نعيش فتنة الكلمة في أوج ذروتها، فالقنوات الفضائية لا تكاد تعد من كثرتها، وخطباء الفتنة فيها بحت حناجرهم في إذكائها، وتزيين الباطل وقلب الحقائق، فَعَلَتْ أصواتهُم على أصوات العقلاء، ومُكّنوا أكثر من غيرهم، فأصبحت الأمة تعاني ما تعاني من تمييع للحقائق وتجييش للشر، فاختلطت الأمور على الناس ودبت فيهم الفتن واستحر بسبب ذلك القتل والنزاع، وكل يدعي أنه يريد الخير لهذه الأمة، وصدق رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ يقول: « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ ».([172])



انجلاء الفتنة:

غالبًا ما تكون الفتن في بدايتها غامضة غير واضحة المعالم، لا يدرى الهدف منها، ولا مَنْ وراء إثارتها، وهذه أخطر مرحلة في الفتن؛ لذا يحار الناس في أمرها ويحجم كثير من العقلاء عن الدخول فيها، ولكن ربما ينجلي الأمر بعد ذلك ؛ لأن الفتنة:

إما أن تكون بين باطل وباطل وهذا سينجلي لذوي العقول الراجحة، وستظهر الأطماع والمصالح وسيفضح بعضهم بعضًا؛ لأن الباطل لا بد أن يظهر أمره مهما حاول أهله إخفاءه، ولكنه قد يطول؛ لأن كلًّا يوكل إلى قوته.

وإما أن تكون الفتنة بين حق وباطل، وهذا أمره سيكون أسرع في الوضوح وغالبًا لا يطول لأن؛ الباطل زهوق، وللحق علامات لا تخفى على العقلاء وأهل الإيمان، يدل لذلك قوله، تعالى: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾. [الرعد: 17].

والحق لا بد أن يكون له أتباع ومناصرون حتى يظهر على أهل الباطل ومناصريه، ويشهد لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في وصف فتنة الدهيماء فيما يرويه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: « ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لاَ تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلاَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ، فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ».([173]) والدهيماء: السوداء أي الفتنة المظلمة.

ولا يتصور أن يكو اختلاف بين حق وحق ؛ لأن الحق واحد لا يتعدد.

فإذا انجلت الفتنة وتمايز الحق من الباطل، فلا يسع المؤمن أن يخذل أهل الحق؛ لأن المجتمع كالسفينة إذا غرقت لم ينج منها أحد كما قال، صلى الله عليه وسلم: « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا. فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ».([174]) 

وقوله: « لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ ». أَوْ :« كَيْفَ قُدِّسَتْ لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ ».([175])

ونصرة الحق وأهله والأخذ على يد الظالم هو من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، بل هو مطلب يقتضيه مبدأ العدل في كل أمة، وإذا لم يؤخذ على يد مثيري الفتن والساعين فيها تعبت المجتمعات في كل زمان ومكان، وفسدت مصالح العباد والبلاد.

قال الطبري: والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها. ([176])

وقد نقل عن بعض الصحابة والتابعين ممن اعتزل الفتنة في بدايتها أنه أسف على عدم نصرته الخليفة وقتال الفئة الباغية، فقد نقل عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: ما آسى على شيء كما آسى على أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي - رضي الله عنه - وذكر إبراهيم النخعي عن مسروق أنه ما مات حتى تاب إلى الله - عز وجل - من تخلفه عن علي، رضي الله عنه. ([177])

واختلف السلف في المراد من هذه النصوص فمنهم من ذهب إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة وعليه أن يلزم بيته، وله أن يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله فإن قَتَل أو قُتِل فهو معذور في ذلك.

ومذهب جمهور الصحابة والتابعين وجوب نصرة الحق وقتال الباغين، قال النووي وهو مذهب عامة علماء الإسلام، واستدلوا بقوله، تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ﴾.[الحجرات: 9] قال النووي : وهذا هو الصحيح وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون ( أي بوجوب لزوم البيوت وترك القتال) لظهر الفساد واستطال أهل البغى والمبطلون والله أعلم. ([178]) وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب الملك، أو الدنيا. ([179])

قال الطبري: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حدّ ولا أُبْطِل باطل، ولوَجَدَ أهل الفسوق سبيلًا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ اللأموال وسفك الدماء وسبي الحريم، بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا: هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء. ([180])



المبحث السابع

العُزْلة في الفتن متى تمدح ومتى تذم ؟



ور دت عدة أحاديث تحض على اعتزال الفتن وأهلها، أو اعتزال موطنها والفرار إلى موطن آخر، من هذه الأحاديث: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ».([181]) وفي رواية: « يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْغَنَمُ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ».([182])

وعن عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ: « أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ».([183])

وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ فَقَالَ: « إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ،([184]) وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا ». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِى اللهُ فِدَاكَ ؟ قَالَ: « الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ ».([185])

وفي مقابل هذه النصوص وردت نصوص أخرى تأمر بمخالطة الناس، ومجابهة أهل الباطل، ومناهضة أهل الفتن، ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، ومقاتلة الفئة الباغية. قال، تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ﴾.[الحجرات: 9] وقال، صلى الله عليه وسلم: « لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ ». أَوْ :« كَيْفَ قُدِّسَتْ لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ ».([186])

وقال، صلى الله عليه وسلم: « الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ».([187])

وروى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ - اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا، فَقَالَ: لَو اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، فاسْتَأْذَنَ رسُولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - فقال: « لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا ».([188])

ولا بد من التوفيق بين هذه النصوص وإزالة ما ظاهره التعارض والاختلاف، وبيان الحكمة من اعتزال الفتن، ومتى يكون ذلك، وفي حَقِّ مَنْ ؟ فنقول وبالله التوفيق:

من هذه الفتن ما يكون الاعتزال فيها بحسب الأشخاص، فمن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يزيلها أو يشارك في إزالتها، أو يَخْشَى الوقوع فيها فهذا يكون الاعتزال في حقه أوجب ولدينه أسلم. وأما من يستطيع أن يكون له دور في إزالتها أو اخمادها أو المشاركة في إضعافها، إمّا بيده وإما بلسانه ونصحه وعلمه، فهذا لا ينبغي له الاعتزال بل عليه أن يأخذ بالعزيمة ويتحمل ويصبر ويحتسب، ويجابه أهل الباطل، ويقف في وجه الفتن وأصحابها بالبيان وقولة الحق.

فالأنبياء - عليهم السلام - كلهم وقفوا أمام الباطل وتصدوا للشرك والضلال - بل هذه مهمتهم التي بعثوا من أجلها - وفُتِنوا بأنواع كثيرة من الفتن، وعلى رأسهم أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - قذفوه في النار، فلم يحد عن مبدئه ولم يأبه بكيدهم.

وكان موقف الخُلَّصُ من العلماء الاقتداءُ بالأنبياء فوقفوا في وجه الفتن وأطفأوا عواصفها وأخمدوا حريقها، فكانوا سببًا ونعمة على أمتهم. ومنهم من آثر الفرار بدينه طلبًا للسلامة من الفتن وابتعادًا عن أهلها ومواطنها.

ولعل أبلغ ما يقال في ذلك: أن الذي يؤثر ولا يتأثر فهذا الأولى في حقه عدم الاعتزال. ويؤيد ذلك قوله، صلى الله عليه وسلم: « الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ».فعلى هذا الجانب يتنزل الأمر بالمخالطة والصبر ومجابهة الفتن والوقوف أمام أهل البدع والظلمة والطغاة.

وأما الذي يتأثر ولا يؤثر فهذا الأولى في حقه أن يعتزل الناس وأهواءهم والفتن ومواطنها ، فرارًا بدينه وطلبًا للسلامة من الفتن. وعلى هذا يحمل الأمر بالاعتزال.

وإلى هذا ألمح الصنعاني فقال في شرح حديث ابن عمر (من يخالط الناس ويصبر على أذاهم..): فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم، فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان ولكل حال مقال. ([189])

فأهل الكهف عندما خافوا أن يفتنوا عن دينهم وعقيدتهم، اعتزلوا قومهم ولجأوا إلى كهف يختفون به عن أنظار أهل الباطل فرارًا بدينهم، وقالوا عندما بعثهم الله من نومهم الذي طال ثلاثمئة سنة: ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾.[الكهف: 91، 20]

وأصحاب الأخدود وقفوا أمام الفتنة وصبروا عليها حتى أحرقوا في النار، فهل عجزوا أن يهربوا أو يفروا من وجه هذا الطاغية، إنه الثبات على المبدأ والوثوق به.

والإمام أحمد - رحمه الله - وقف في وجه فتنة القول بخلق القرآن وسجن وجلد فلم يغيّر ولم يعتزل حتى تغيرت الفتنة وتغير أهلها.

وقال الطحاوي: يحتمل أن تكون المخالطة في وقت أفضل، والاعتزال عن الناس في وقت آخر أفضل من المخالطة، ويؤيده حديث أبي ثعلبة الخشني سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله، تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾.[المائدة: 105] فقال: « بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ - يَعْنِي بِنَفْسِكَ - وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ ».([190])

وهناك نوع آخر من العُزْلة: وهو الانفراد للتفرع للعبادة والزهد في الدنيا، والبعد عمّا تَجْلُبُه المخالطةُ من الغيبة واللَّغو ونحو ذلك. وهذا النوع لا علاقة له بالفتن، ولا يختص بزمان دون زمان، ولا مكان دون مكان، وعلى هذا يَتَنَزَّل امتداح بعض العُبّادِ والزهادِ لهذا النوع من العُزْلة، وفَضَّلوها على المخالطة. فقد أُثِرَ عن سيدنا عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه - أنه قال: خذوا بحَظِّكُم مِنَ العُزْلة. ([191]) وكان سعيد بن المسيب يقول: العُزْلة عبادة. ([192]) وقال ابن عباس: أفضل المجالس مجلس في قَعْرِ بيتك ألّا تَرَى ولا تُرَى. ([193])

وعلى هذا حمل الحافظ بن حجر- رحمه الله - حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عند البخاري ومسلم، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ». قَالُوا: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: « مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ».([194]) قال الحافظ: في الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلًا فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن. ([195])

والمختار في هذا النوع من العُزْلة: هو التوسط بين العُزْلة عن أكثر الناس وعوامِّهم والخُلْطة بالصالحين منهم وخواصِّهم، والاجتماع مع عامِّتهم في نحو جُمَعِهم وجماعتهم والله أعلم. ([196])


المبحث الثامن

الإيمان بأحاديث الفتن لا يلزم منه الإيمان بتفسيرها



الإيمان بمسائل الغيب الواردة في أحاديث الفتن لا يستلزم الإيمان بتفسيرها، فالمسألة الغيبية الإيمان بها واجب وأما تفسيرها وإنزالها على الواقع فهو اجتهاد، وقد يصيب المجتهد وقد يخطئ، بل ربما يكون تنزيلها على الواقع يصحبه من التكلف والهوى والميل إلى نصرة قضية مّا يجعل فيه من الخطورة ما لا يعلمه إلا الله، وقد حدث هذا في بعض البلاد في أزمنة مختلفة.

ولذلك ينبغي التفريق بين هذين الأمرين ويكتفى بالإيمان بها وترك تفسيرها للواقع، وعندما ينجلي أمرها يقف المسلم الموقف الذي تقتضيه هذه المسألة حسب ما جاء فيها من توجيه نبوي أو ما يقتضيه مدلول ما جاء في القرآن الكريم والقواعد الشرعية التي قررها علماء الأمة.

فمثلًا حديث الخسف بجيش في البيداء الذي رواه مسلم وغيره من عدة وجوه منها ما رواه عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ قَالَ دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ وَأَنَا مَعَهُمَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلاَهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ - وَكَانَ ذَلِكَ فِى أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ – فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: « يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا قَالَ: « يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ ».( 197)



فهذا الحديث يشتمل على مسالة غيبية لكنها تدل على صدق من سار هذا الجيش لقتاله، فنحن نؤمن بها وننتظر حتى تحدث فعندها نستدل بها على صدق هذا المدعي؛ لأنها طابقت ما ورد في هذا الحديث الصحيح فنوافقه في دعوته ونسعى لنصرته وتأييده.

أما تبني مثل هذا الأمر قبل حدوث هذه العلامة فهو رجم بالغيب ويترك الباب مفتوحًا لك من يحاول أن يدعي أنه المقصود بهذا الحديث، فمثلًا لو عاذ بالبيت أحد وادعى أنه المهدي، أو نحو ذلك وسارع البعض إلى مبايعته تطبيقًا لهذا الحديث ظنًّا منهم أنه بمجرد أن عاذ بالبيت وادعى هذه الدعوى أنه المقصود بهذا الحديث قبل ظهور هذه العلامة فهذا يكون من باب التحكم بالغيب وإنزاله على الواقع دون دليل واضح عليه، وفي ذلك من المفسدة ما لا يعلمه إلا الله.

وقد عاذ بالبيت ابن الزبير ولم نجد من كان ينزل مدلول هذا الحديث عليه، ولم يدّع هو أنه الإمام الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث.

وكذلك عاذ بالبيت شخص يدعى جهيمان بن محمد العتيبي في جماعة من أتباعه ومنهم محمد بن عبد الله القحطاني زوج أخته، وذلك في غرة محرم سنة 1400 للهجرة، 20 / 11 / 1979 للميلاد، وفي صلاة الفجر قدم صهره محمد بن عبد الله القحطاني على أنه المهدي المنتظر، وانه المقصود بهذا الحديث. فبايعه هو وأتباعه وطلبوا من جموع المصلين مبايعته، واحتجزوهم داخل المسجد الحرام، وكان من نتيجة ذلك ما كان من العبث ببيت الله الحرام وبلبلة أمر المصلين والتسبب بإزهاق الأرواح، ثم انجلى أمره وتبين كذب ما ادّعاه، وأعدم هو ومن معه جزاء ما ارتكبوا من قتل وترويع وإفساد في بيت الله الحرام.

ومن مسائل الفتن ما تكون علامتها واضحة بمجرد وقوعها ولا يُحتاج إلى اجتهاد في تفسيرها، كانحسار الفرات عن جبل من ذهب فهذه بمجرد وقوعها يتبين المؤمن شأنها ويحدد موقفه الذي يقتضيه الشرع منها.

ومن هذه المسائل ما يبقى أمرها غير واضح حتى بعد وقوعها، كفتنة الأحلاس الذي رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُعُودًا، فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ ذِكْرَهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ ؟ قَالَ : «هِيَ فِتْنَةُ هَرَبٍ وَحَرَبٍ».(198 )

والأحلاس جمع حِلْس، وهو: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها. ( 199) قال الخطابي إنما أضيفت إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها أو لسواد لونها وظلمتها. ( 200) وهي ( هَرَبٌ ) بفتحتين، أي: يفر بعضهم من بعض لما بينهم من العداوة والمحاربة. ( وحَرَب ) بفتحتين أي أخذ مال وأهل بغير.(201 )

فمثل هذه الفتنة ينطبق على كثير مما يقع بين الناس من اقتتال، بل ما أشبهها اليوم بما وقع في بلادنا العربية، فمثل هذه الفتن - حتى بعد وقوعها - يحتاج إلى تبصر وتريث لمعرفة أي الفريقين على حق، بل ربما يكون الأسلم اعتزالها حتى يتبين له وجه الحق فيها.



المبحث التاسع

الوقايــــة مــن الفتـــن



هناك أمور تعين المسلم في الفتن وترشده إلى سبل النجاة وتبصره فيها نوجزها في التالي:

1- اللجوء إلى الله: المؤمن مهما رزقه الله من قوة ورجاحة عقل فقد يُلِمُّ به من الفتن ما يجعله في حَيْرةٍ من أمره وبخاصة الفتن العامة التي لا تقتصر على فرد بعينه وتحتاج إلى جهد مشترك للخروج منها؛ واللجوء إلى الله قبل وقوع الفتن وبعدها من أهم الأمور التي ينبغي على المسلم أن يلزمها، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله من الفتن دبر كل صلاة، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مِنْبَرِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الْأَعْوَرِ الْكَذَّابِ».(202 ) وكان يأمرهم بذلك كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ ».( 203)

2- ومن أقوى ما يعين المرء على السلامة من الفتن بعد اللجوء إلى الله - عز وجل- الزهد في الدنيا؛ لأن أكثر وأخطر الفتن حول مغريات الدنيا كالحكم والمناصب والأموال والنساء والأثرة، والتحزب لفريق دون فريق لا لمصلحة عامة وإنما لمنافع شخصية أو أهواء، وقد وردت أحاديث كثيرة تشير إلى فتنة المال والنساء، كقوله، صلى الله عليه وسلم : «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ».( 204) وقال، تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.[التغابن: 15].



ولا يعني ذلك ترك أخذ الأشياء من حلها وبطرقها المشروعة؛ فإن ذلك مما أباحه الله بل وأمر به وبالحفاظ عليه، وإنما إذا كان ذلك سببًا للفتنة والتنازع وغياب وجهها المشروع.

3- العلماء والصالحون والعقلاء هم ملاذ الناس في الفتن: قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.[النساء: 83] فالاستنباط كما يكون في المسائل الفقهية يكون أيضًا في فهم وتنزيل النصوص في الفتن على الواقع، وما ينبغي الخوض فيه وإشاعته وما لا ينبغي فيه ذلك عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلاَّ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ جَاءَتِ السَّاعَةُ. قَالَ فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ حَتَّى لاَ يُقْسَمَ مِيرَاثٌ وَلاَ يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ. ( 205) والشاهد في هذه الحادثة هو رجوع وفزع هذا الرجل إلى ابن مسعود لما يعلم من فضله وصلاحه وعلمه ورجاحة عقله.

4-التقوى ولزوم شرع الله، عز وجل: قال، تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الأنبياء: 21] ففي هذا السياق الكريم دلالة على أن من مظاهر ولاية الله لعبده المتقي أن يجعل له مخرجًا وفرجًا وخلاصًا مما وقع فيه من الشدائد والمحن والفتن ومشتبهات الأمور، رَوَى ابن جرير عن قتادة في قوله، تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الأنبياء: 21] قال من شبهات الأمور والكربات عند الموت. ( 206)

وروى الطبراني وابن ماجه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: «إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُحِبُّ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الأَبْرِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِذَا حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ». ( 207) وفي رواية ابن ماجه « يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْراءَ مُظْلِمَةٍ». ( 208)







المبحث العاشر

هل تتكرر مدلولات الفتن في الواقع ؟



المتتبع لأحاديث الفتن والملاحم يبدو له عند البحث في مدلولاتها وعرضها على الواقع أن منها ما يمكن أن يكون قد حدث، ولكن المدلول نفسه قد ينطبق على حدث آخر أو يقرنه النبي - صلى الله عليه وسلم – بعلامة أخرى لم تحدث بعد، وفي هذا المبحث سنحاول - بعون الله - ذكر نماذج من ذلك لعلها تنير لنا الطريق في فهم هذه المسألة، ولكن على مبدئنا الذي قررناه لا نستطيع أن نجزم بذلك لأنها من مسائل الغيب وإنزالها على الواقع يحتاج إلى أدلة يقينية.



النموذج الأول: الهَرْج، وهو الفتنة وكثرة القتل.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الهَرْج وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ، فَيَفِيضَ ».( 209) وفي رواية أخرى عن عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى َقَالَا: قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْج وَالهَرْج الْقَتْلُ ».( 210)

وفي رواية لمسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لاَ يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ » ؟ فَقِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ: « الهَرْج. الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ».( 211)

أولًا: معنى الهَرْج الوارد في هذه الأحاديث.

قال ابن دريد: الهَرْج : الفتنة والقتل. ( 212) وفي النهاية لابن الأثير ( بين يدي الساعة هرج) أي قتال واختلاط، وأصل الهَرْج الكثرة في الشيء والاتساع. ( 213)

ثاينًا: يستدل من هذه الأحاديث أن الهَرْج الذي بين يدي الساعة هو كثرة القتل واتساعه وليس مجرد وجود قتل، فإن هذا لا تخلو منه الأمم والأزمان. فتكرار الهَرْج في قوله، صلى الله عليه وسلم: ( الهَرْج الهَرْج) وقوله في تفسيره أيضًا: ( القتل القتل ) وفي بعض الروايات قالها ثلاثًا، ومدلولها في اللغة كل ذلك يؤكد أن المقصود من الهَرْج الذي هو من فتن آخر الزمان هو كثرته واختلاطه.

ثالثًا: أن هذا القتل وهذه الفتنة هي في الأمة المحمدية - أي أمة الإجابة – وليس قتلها لغيرها من الكفار، ولا قتل الكفار إيّاها، وإن وردت أحاديثُ أخرى تَدلُّ على تداعي الأممِ عليها فإنّ هذه مسألة أخرى غير مسألة الهَرْج التي نحن بصددها. وجاء هذا صريحًا في عدة أحاديث منها ما رواه أحمد، وأبو يعلى عن أبي موسى: « واللهِ ما هو بِقَتْلِكُمُ المشركينَ، ولكِنّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ». (214 ) وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِى وَاحِدَةً، سَأَلْتُ ربيِّ ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِالسَّنَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِى بِالْغَرَقِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ ألّا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا ».( 215) وفي رواية أخرى عن خباب بن الأرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « سَأَلْتُ رَبِّي - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ثَلَاثَ خِصَالٍ، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُ رَبِّي - تَبَارَكَ وَتَعَالَى 0 ألّا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُ رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - ألّا يُظْهِرَ عَلَيْنَا عَدُوًّا غَيْرَنَا، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ رَبِّي - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ألّا يَلْبِسَنَا شِيَعًا، فَمَنَعَنِيهَا ».( 216)

رابعاً: ويستفاد من تفسير العلماء للهرج، والدلالة اللغوية أن هذا القتل الأمور فيه متداخلة ومختلطة ومضطربة، وجاء ذلك صريحًا في بعض الأحاديث كقوله، صلى الله عليه وسلم: « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لاَ يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ » ؟ فَقِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: « الْهَرْجُ. الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ ».( 217) وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي موسى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: « لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يَقْتُلَ الرّجُلُ جارَهُ وأخاهُ وأباهُ،».( 218) وفي رواية لأحمد: « حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ ».(219 )

وهذا يدل على اختلاط الأمور واضطرابها.

خامسًا: هل الهرج بالوصف الذي تقدم تكرر حدوثه أكثر من مرة ؟ وهل أنزله العلماء على زمن معين أو أحداث معينة فنقول وبالله التوفيق:

قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: وَجَاءَ تَفْسِير أَيَّام الْهَرْج فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن مِنْ حَدِيث خَالِد بْن الْوَلِيد " أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سُلَيْمَان اِتَّقِ اللَّه، فَإِنَّ الْفِتَن ظَهَرَتْ، فَقَالَ: أَمَا وَابْن الْخَطَّاب حَيّ فَلَا، إِنَّمَا تَكُون بَعْدَهُ، فَيَنْظُر الرَّجُل فَيُفَكِّر هَلْ يَجِد مَكَانًا لَمْ يَنْزِل بِهِ مِثْل مَا نَزَلَ بِمَكَانِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ الْفِتْنَة وَالشَّرّ فَلَا يَجِد، فَتِلْكَ الْأَيَّام الَّتِي ذَكَرَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَة أَيَّام الْهَرْج".( 220)

واعتبر أبو العباس القرطبي أن الهرج بدأ من مقتل عثمان - رضي الله عنه - فقال: " فلما فقد - أي خاتم النبي صلى الله عليه وسلم - اختلف الناس على عثمان - رضي الله عنه – وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولا يزال الهرج إلى يوم القيامة. ( 221)

وقال ابن بطال: وأما سائر الحديث (أي حديث أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ... إلى آخر الحديث ) فهي أشراط الساعة وعلاماتها، ونحن في ذلك؛ فقد قبض العلم وظهرت الفتن وعَمَّتْ وطَبَّقَتْ، وكثر الهرج وهو القتل, وكثر المال. إلى آخر ماقال.( 222) وقال في موضع آخر: والفتنة لم تزل من زمن عثمان عصمنا الله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن وقد دعا - صلى الله عليه وسلم - ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها. فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة. (223 )

وهذا واضح في أن هذه العلامة تتكرر بين حين وآخر في الأمة، فهي تنطبق على الهرج بالوصف الذي تقدم، ونحن اليوم نراه أشد وضوحًا مما حدث في أزمنتهم فأصبح القتل أكثر فظاعة، فيُقتل في اليوم الواحد أكثر مما يُقتل في معارك في زمنهم، بل ربما نجد أن بعض ما ورد في صفة الهرج لم يتحقق في زمنهم كما تحقق في زماننا فقوله، صلى الله عليه وسلم: « حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَيَقْتُلَ أَخَاهُ وَيَقْتُلَ عَمَّهُ وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ ».( 224) فإن هذا أصبحنا نعاينه في زماننا ونعاني منه. بل انظر إلى قوله، صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لاَ يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ»؟( 225) فهذه الأطنان من القنابل والمتفجرات والصواريخ الهوجاء والسيارات المفخخة التي تقتحم البيوت والمخابز والمدارس والمستشفيات والمساجد، التي لا تميز بين طفل وامرأة وشيخ ومعتزل للفتنة وملابس لها، فهل يدري المقتول فيها لماذا قتل ؟ وهل يدري القاتل من قتل ولماذا؟



النموذج الثاني: فتنة يأجوج ومأجوج.

فتنة يأحوج ومأجوج ذكرت في القرآن الكريم على جهة الإجمال، وأنها من علامات الساعة، وأنهم خلق من أجناس البشر، وأن ذا القرنين مر عليهم في رحلته ولما اشتكى له جيرانهم من إفسادهم عزلهم عنهم بردم جعله بين الصدفين أي سلسلتين من الجبال الشاهقة فما استطاعوا ظهور هذا الردم ولا نقبه، فحبسوا دونه إلى أن يشاء الله خروجهم فيندك عند ذلك ثم يخرجون ويعيثون في الأرض فسادًا.

قال، تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴾.[الكهف: 93، 94،95، 96، 97، 98، 99] هذا على وجه الإجمال.



وورد في السنة النبوية شيء من التفصيل، عن أوصافهم الخَلْقية، وإفسادهم في الأرض، وكثرة عددهم، ولم يرد ما يحدد مكان وجودهم ولا تفاصيل حياتهم، ولكن جاء فيها ما يبين وجهتهم وأنهم يقصدون بلاد العرب، وبيت المقدس، وأن الله يأمر سيدنا عيسى - عليه السلام - أن يحرز المؤمنين إلى طور سيناء ويحتمي ومن معه وراء الحصون ثم يرغب إلى الله بالدعاء، فيهلكهم الله في ذلك المكان. وفيما يلي نعرض لأقوال العلماء في شأنهم، وفتنة خروجهم.

أولًا: من هم يأجوج ومأجوج؟ هم من ذرية آدم، ومن ذرية نوح عليهما السلام، كما يدل عليه ظاهر القرآن الكريم وصريح الأحاديث الصحيحة، فهم بشر كسائر البشر يعيشون على ظهر هذه الأرض وهم مكلفون كغيرهم، إلا أنهم قبل ذي القرنين كانوا يفسدون في الأرض، فعزلهم وراء سد منيع محاط بالجبال ليكف شرهم عن جيرانهم الذين شكوهم إليه.

قال ابن منظور: يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، واشتقاق مثلهما من كلام العرب يحرج من: أجَّتِ النار، ومن الماء الأجاج، وهو الشديد الملوحة المحرق من ملوحته.. وهذا لو كان الاسمان عربيين لكان هذا اشتقاقهما، فأما الأعجمية فلا تشتق من العربية.( 226)

ووصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفًا دقيقًا يستطيع السامع لهذا الوصف أن ينزله على الواقع عند رؤيتهم، فقد أخرج البخاري عن عمرو بن تغلب مرفوعًا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَرِ وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ».(227 )

وفي رواية لأبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ». قَالَ سُفْيَانُ وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً « صِغَارَ الْأَعْيُنِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ(228 ) كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ».( 229)

وروى أحمد وابن أبي عاصم، عن خالد بن عبد الله بن حرملة عن خالته قالت: خطبنا رسول الله - صلى اله عليه وسلم - فَقَالَ: « إِنَّكُمْ تَقُولُونَ لَا عَدُوَّ وَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ تُقَاتِلُونَ عَدُوًّا حَتَّى يَأْتِيَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الْعُيُونِ شُهْبُ الشِّعَافِ( 230) مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ».( 231) وهذه الأوصاف تنطبق على المغول والتتار كما هو مشاهد من صفاتهم.

قال ابن كثير: هم طائفة من الترك، من ذرية آدم - عليه السلام - كما ثبت في الصحيح،(232 ) وهم مغل المغول وهم أشد بأسًا وأكثر فسادًا من هؤلاء. ( 233) وقال القرطبي في تفسيره: نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - الترك كما نعت يأجوج ومأجوج.( 234)



ثانيًا: موطنهم:لم يرد في القرآن ذكر لموطنهم سوى الإشارة إلى أنهم بين سلسلتين من الجبال، وأن ذا القرنين وصل إلى مكانهم بعد رحلته إلى جهة غروب الشمس أولًا ثم إلى جهة شروقها ثم جهتهم. وكذا الأحاديث ليس فيها دلالة على مكانهم، ولكن المؤرخين والجغرافيين يثبتون أنهم في شمال شرقي الأرض، وأن الصفات الواردة في الأحاديث تنطبق على شعوب تلك المناطق من الترك والتتار ومن وراءهم.

قال ابن رستة: الإقليم السادس يبتدئ من المشرق، فيمر على بلاد يأجوج ومأجوج، ثم على بلاد الخزر، وينتهي إلى بحر المغرب. ( 235) وقال المقدسي: الإقليم السادس يبتدي من المشرق ويمر على بلاد يأجوج ومأجوج ثم على بلاد الخزز ثم على وسط بحر جرجان إلى بلاد الروم. ( 236) وقال في موضع آخر يصف شعب الصين: والغالب عليهم استدارة الوجوه وفطس الأنوف وشقرة الألوان وصهبة الشعور، ثم قال: وفي شمال الصين بلاد يأجوج ومأجوج وفي مغاربهم الترك. (237 ) وقال ابن الخطيب: وهذه المدينة، أي: غرناطة من معمور الإقليم الخامس، يبتدىء من الشرق، من بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمر على شمال خراسان، ويمر على سواحل الشأم، مما يلي الشمال. ( 238)

وقال ابن خلدون : والجزء الثامن من هذا الاقليم الخامس كله مجالات للغز من أمم الترك وفي الجهة الجنوبية الغربية منه بحيرة خوارزم التي يصب فيها نهر جيحون، وفي الجزء التاسع من هذا الإقليم بلاد أركس من أمم الترك في غرب بلاد الغز وشرق بلاد الكيماكية ويحف به من جهة الشرق آخر الجزء جبل قوقيا المحيط بيأجوج ومأجوج يعترض هنالك من الجنوب إلى الشمال حتى ينعطف أول دخوله من الجزء العاشر وقد كان دخل إليه من آخر الجزء العاشر من الإقليم الرابع قبله واحتف هنالك بالبحر المحيط إلى آخر الجزء في الشمال - ثم يستمر في وصف حدود هذا الإقليم - إلى أن يقول: وفي الجزء العاشر من هذا الإقليم أرض يأجوج متصلة فيه كله إلا قطعة من البحر غمرت طرفا في شرقيه من جنوبه إلى شماله إلا القطعة التي يفصلها إلى جهة الجنوب والغرب جبل قوقيا حين مر فيه وما سوى ذلك فأرض يأجوج ومأجوج والله - سبحانه وتعالى -أعلم.( 239)

ثالثًا: أقوال العلماء في خروجهم.

الفريق الأول: يمثله عامة العلماء المتقدمين وأكثر المتأخرين، فلم نجد رأيًا صريحًا للمتقدمين من المفسرين وشراح الحديث ينص على أنهم خرجوا بالفعل وأن السد قد اندك، إلا ما كان من بعض المؤرخين والجغرافيين كما قدمنا، فهم يفسرون النصوص الواردة في خروجهم من قرآن وسنة على أنها من علامات الساعة، وأنه سيكون في آخر الزمان زمن نزول سيدنا عيسى - عليه السلام - لما دل عليه حديث النواس بن سمعان، وفيه «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى إِنِّى قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِى لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِى إِلَى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ».( 240) ففي هذا دلالة صريحة على ذلك.

وقالوا في تفسير قوله تعالى: فإذا جاء وعد ربي..) قال القرطبي: فإذا جاء وعد ربي أي يوم القيامة، وقيل وقت خروجهم. واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ( وتركنا بعضهم يموج في بعض) على ثلاثة أقوال:

1- أي تركنا الخلائق يوم القيامة يموج بعضهم في بعض

2- وقيل تركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم في بعض بعد بناء السد

3- وقيل تركنا يأجوج ومأجوج يموجون في الدنيا بع فتح السد.

ووقفوا عند هذا الحد من بيان معاني الآيات، ولم يصرحوا بأنهم خرجوا أو أن لهم أكثر من خروج قبل خروجهم المقرون بنزول عيسى، عليه السلام.

ويلاحظ من كلام بعضهم أنه كاد يصرح بأن المغول والتتار الذين غزوا العالم الإسلامي والعربي في العهد العباسي في القرن السابع الهجري هم يأجوج ومأجوج لِـمَا رأوا من تحقق الصفات فيهم. قال القرطبي في تفسيره: نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - الترك كما نعت يأجوج ومأجوج. وقد خرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله – تعالى - حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم.(241 ) وهو أعلم بهم لأنه عاصر خروجهم.

ولعل المانع لهذا الفريق من القول بخروج يأجوج ومأجوج من السد كما قال غيرهم أن هذه المسألة من مسائل الغيب، فآثروا عدم الخوض فيها، والأمر الثاني ما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللهُ أَشَدَّ مَا كَانَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ – تَعَالَى – وَاسْتَثْنَوْا، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنْشِفُونَ الْمَاءَ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ عَلَيْهَا الدَّمُ الَّذِي اجْفَظَّ،( 242) فَيَقُولُونَ قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ، وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللهُ نَغَفًا(243 ) فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ لَتَسْمَنُ وَتَشْكَرُ شَكَرًا( 244) مِنْ لُحُومِهِمْ».(245 )

يقول الشيخ محمد أنور الكشميري في شرحه على صحيح البخاري: فاعلم أنّا لم نجد في القرآن ولا في حديث صحيح أن السد مانع عن خروجهم إلا ما عند الترمذي - أي الحديث المتقدم في حفرهم السد - فإنه يشعر بظاهره أنه مانع عنه، لما فيه أنهم يحفرونه. ثم قال: ولكنه مخالف لما في الصحيح لأنه يدل على أن السد في زمنه - صلى الله عليه وسلم - كان « فُتِحَ مثلَ هذه، وحلَّق بإِصْبَعَيْهِ: الإِبهام، والتي تليها».

وسنعرض إلى هذه المسألة بالتفصيل - إن شاء الله - من خلال عرض أقوال الفريق الثاني.

الفريق الثاني: ويمثله طائفة من المتأخرين والمعاصرين، فقد ذهبوا إلى أن يأجوج ومأجوج أمتان من أمم الترك واختلطوا بمن جاورهم، وكان لهم أكثر من خروج، ومن ذلك خروجهم إلى البلاد الإسلامية والعربية في القرن السابع الهجري فعاثوا في الأرض إفسادًا وتدميرًا وقتلًا، وأن هذا مصداق قوله، صلى الله عليه وسلم: « وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تليها. ( 246) وأن هذا الخروج هو الخروج الابتدائي، وأن خروجهم النهائي عند نزول سيدنا عيسى، عليه السلام.

وممن ذهب إلى هذا الرأي الشيخ الفقيه محمد أنور الكشميري المتوفى (1352هـ) فقال في شرحه على صحيح البخاري: إن سد ذي القرنين قد اندك اليوم، وليس في القرآن وعد ببقائه إلى يوم خروج يأجوج ومأجوج، ولا خبر بكونه مانعًا من خروجهم، ولكنه من تبادر الأوهام فقط، فإنه قال ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. [الكهف: 99] ﴿ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾. [الأنبياء: 96] فلهم خروج مرة بعد مرة، وقد خرجوا قبل ذلك أيضًا، وأفسدوا في الأرض بما يستعاذ منه، نعم يكون لهم الخروج الموعود في آخر الزمان وذلك أشدها، وليس في القرآن أن هذا الخروج يكون عقيب الاندكاك متصلًا. بل فيه وعد باندكاكه فقط، فقد اندك كما وعد. أما أن خروجهم موعود بعد اندكاكه بدون فصل فلا حرف فيه. (247 )

وهذا رأي صاحب المنار أيضًا حيث جاء فيها: هذا ومن تذكر إغارة المغول التتار، وهم نسل يأجوج ومأجوج، في القرن السابع الهجري على بلاد المسلمين والنصارى وما أتوه من الإفساد في الأرض، وما أوقعوه بالأمم المختلفة من القتل والسبي والنهب أمكنه تصور حصول هذا مرة أخرى، قبل مجيء الساعة كما قال القرآن الشريف ﴿ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾. [الأنبياء: 96] ( 248)

وممن جزم بهذه المسألة وانتصر لها الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - المتوفى سنة (1376هـ) فكتب رسالة في فتنة يأجوج ومأجوج،وخلص من خلالها إلى أن يأجوج ومأجوج أمتان من جنس الترك، جيرانهم وأبناء عمومتهم، مشابهون لهم في الخلقة، وأن مساكنهم الأصلية في شمال آسيا، وتحديدًا: منغوليا وشرقي تركستان، منحازين فيها، لم يتمكنوا من الخروج بسبب ردم ذي القرنين مُدَدًا طويلة. وأن ابتداء خروجهم وقع في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - وبخبره « فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. ثم لم يزل ذلك الفتح حتى زال الردم واندك، فانفتحوا على الناس من كل مكان، ولم يعودوا محصورين خلف الردم لا يطلع عليهم أحد.

وأن انفتاح يأجوج ومأجوج وخروجهم الابتدائي قد وقع وحصل منهم الإفساد في الأرض على الناس عمومًا وعلى المسلمين والعرب خصوصًا، كفتنة التتار في المشرق، وغزو المجار في بلاد أوربة، وأن خروجهم في آخر الزمان الموصوف في حديث النواس بن سمعان بعد فتنة المسيح الدجال لا يدل على أنهم لا يخرجون قبل ذلك ، إذ المراد بالخروج التحول من محل إلى محل آخر وليس ابتداء الخروج.

وقد تتبع الدكتور الشفيع الماحي أحمد مراحل خروج يأجوج ومأجوج عبر التاريخ فحصرها في سبع خروجات سوى الخروج الأخير قرب الساعة، منطلقين من مواطنهم في منغوليا، وإن تنوعت أسماؤهم في كل فترة. ( 249)

وأجاب أصحاب هذا الرأي عن حديث أبي هريرة المتقدم « إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا، فَسَنَحْفِرُهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللهُ أَشَدَّ مَا كَانَ ... » الذي استند إليه القائلون بعدم خروجهم، قالوا: لا يصح رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هو موقوف على أبي هريرة، أخَذَه عن كعب الأحبار.

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - بعد إيراد هذا الحديث وذَكَرَ مَنْ خرّجه:

وهذا إسناده قوي، ولكن في رفعه نكارة. لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ( وساق مثله عن كعب الأحبار )، ثم قال: ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب. فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم. ( 250)

وهذا الذي ألمح إليه الحافظ ابن كثير - رحمه الله – وهو من هو في علم الحديث أكده بدراسة مفصلة، وتَتَبَّع أسانيدَه وطُرُقَه الدكتور حاكم المطيري في بحث موسع بعنوان: (أثرٌ فيه نظر دراسة نقدية تفسيرية لحديث " إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد").( 251) وهو من أفضل ما كتب في هذه المسألة. وتوصل في هذه الدراسة إلى النتيجة التالية:

أن إسناد هذا الحديث ظاهره الصحة، غير أنه مسلسل بالعلل ومنها:

1- الانقطاع: فالحديث بهذا اللفظ مداره على قتادة بن دعامة، يرويه عن أبي رافع نفيع الصائغ وقد نص الأئمة على أن قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا بل لم يلقه.

2- التدليس: فعلى فرض أن قتادة سمع من أبي رافع فعلى الجملة فإنه معروف بالتدليس وقد رواه عنه بالعنعنة.

3- الاختلاف في رفعه ووقفه: فقد روى عبد بن حميد وغيره من طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة نحوه موقوفا.

4- وهو أشبه بحديث كعب الأحبار، فهذا الحديث الذي يرويه ابو هريرة يرويه ايضا كعب الأحبار بألفاظه وحروفه من قصصه وإسرائيلياته، لم يخرم منه حرفا واحدًا مع طوله، فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن أيوب عن أبي الضيف عنه به، وكذلك نعيم بن حماد في الفتن ، والطبراني في تفسيره.

فإذا كانت رواية الرفع التي نص الأئمة على انقطاعها وضعفها - كما سبق – فلم يبق سوى رواية أبي هريرة الموقوفة، ورواية كعب الموقوفة عليه من قصصه وإسرائيلياته، ويظهر أن قتادة قد سمعه من بعض الضعفاء يحدث به عن أبي روافع عن أبي هريرة مرفوعًا فدَلَّسَهُ. أو يكون أبو رافع على فرض ثبوته عنه سمعه من أبي هريرة فظن أنه مرفوع إلى النبي صلى، الله عليه وسلم.

فالراجح أن الحديث من قصص كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما يرويه موقوفًا، كما حفظه عنه أبو صالح، وأن رواية أبي رافع لا تصح عنه، وعلى فرض صحتها عنه فقد وهم هو ، أو الراوي عنه في رفع الحدي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وإنما هو موقوف على أبي هريرة من قصصه التي يستفيدها من كعب الأحبار، كما أشار إليه الحافظ بن كثير احتمالًا، وثبت بما تقدم يقينًا.



النتيجة التالية:

أن إسناد هذا الحديث ظاهره الصحة، غير أنه مسلسل بالعلل ومنها:

الانقطاع: فالحديث بهذا اللفظ مداره على قتادة بن دعامة، يرويه عن أبي رافع نفيع الصائغ وقد نص الأئمة على أن قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا بل لم يلقه. وهو أيضًا مدلِّس وقد رواه عنه بالعنعنة.

وفيه علة أخرى وهي الاختلاف في رفعه ووقفه: فقد روي عن أبي هريرة نحوه موقوفًا.

وهو أشبه بحديث كعب الأحبار، فهذا الحديث الذي يرويه ابو هريرة يرويه أيضًا كعب الأحبار بألفاظه وحروفه من قصصه وإسرائيلياته، لم يخرم منه حرفا واحدًا مع طوله.

فالراجح أن الحديث من قصص كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما يرويه موقوفًا، فهو من قصصه التي يستفيدها من كعب الأحبار، كما أشار إليه الحافظ بن كثير احتمالًا، وثبت بما تقدم يقينًا.



وبهذا يكون الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عنها أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَ نَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».(252 ) وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَن النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « فَتَحَ اللهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ ».( 253)

فهذان الحديثان لا معارض لهما، وفيهما إخبار عن انفتاح الردم في عصر النبي، صلى الله عليه وسلم. وذهب بعضهم إلى أن في هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن، وأن هذه استعارة محضة، وضرب مثل.

والأوْلَى حمل الحديث على ظاهره وحقيقته وأن الردم قد ابتدأ انفتاحه في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي حديث زينب أنه سيلحق العرب خاصة من هذا البلاء العظيم ما قد اقترب أوانه، ولا شك أن في تخصيص العرب بالذكر دون غيرهم وتقريب ما سيقع لهم دليل على أنه سيلحقهم من شرهم بلاء مخصوص قبل بعثهم على الأمم كافة، إذ أن خروجهم الأخير سيكون دمارا للإنسانية كلها ، لا ينجو منه إلا عيسى – عليه السلام – ومن معه من المؤمنين، كما جاء في حديث النواس بن سمعان عند مسلم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى إِنِّى قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِى لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِى إِلَى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ».( 254)

وقد تحقق ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث تحركت القبائل التتارية من موطنها واكتسحت العالم المعمور كله تقريبا ودمروا الحضارة الإنسانية فترة من الزمن، وقد قاتلوا المسلمين ودخلوا بغداد وسقطت سنة (656هـ) وقتلوا الخليفة العباسي والعلماء والصلحاء وأسرفوا في القتل.

وثبت في الأحاديث الصحيحة أن المسلمين يقاتلون يأجوج ومأجوج وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصافهم كما تقدم. وهذا إنما في خروجهم الأول، والذي قال عنه النبي، صلى الله عليه وسلم: ( شر قد اقترب ) وأخبر أنه يهلك فيه الصالحون إذا كثر الخبث، والظاهر أن ذلك ما حل بالمسلمين على يد التتار. ولا شك أن هذا غير خروجهم في آخر الزمان، إذ يتحصن المؤمنون في حصونهم ولا يحصل بينهم وبين يأجوج ومأجوج قتال اصلًا.

البعث والخروج لا يفهم منه أنهم محجوزون عن العالم: فما ورد في الأحاديث الصحيحة ( يخرج يأجوج ومأجوج) ليس فيه أنهم في معزل عن العالم، وإنما مثله مثل قوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) مع أن العرب موجودون قبل خروجهم وحملهم رسالة الإسلام للعالمين. (255 )

هل مسألة يأجوج ومأجوج مسألة غيبية أو تاريخية؟

يمكن أن يقال في هذه المسألة إن لها جانبين: جانب تاريخي، وجانب غيبي، فهي في الأصل مسألة تاريخية عرضها القرآن الكريم من خلال أسماء وأماكن محددة معروفة لمن يستطيع أن يعاين أماكنها ، فعرض رحلة ذي القرنين إلى جهة المغرب، ثم إلى جهة المشرق، ثم إلى بلاد يأجوج ومأجوج وسماهما باسميهما الأعجميين فهما أمتان أو قبيلتان من قبائل البشر، وحدد مكانهما بين جبلين ثم بنى ذو القرنين حاجزا بينهم وبين الأمة المجاورة لهم، ثم جاءت الأحاديث الصحيحة تحدد ملامح وأوصاف تلك الأمة تحديدا واضحًا، فالاجتهاد إذًا هو ليس في مسألة غيبية وإنما في تحديد أماكن تلك الأمة ومن هي.

وأما الجانب الغيبي في هذه المسألة في حديث « وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» فهو متى سيكون هذا الشر؟ فلما وقع وحدث فهو كغيره من الأخبار النبوية عن علامات الساعة التي ستحدث ثم حدثت كإخباره صلى الله عليه وسلم عن التطاول في البنيان، فقد اصبحنا الآن نشاهد ذلك ولم يعد يحتاج إلى اجتهاد أو رجم بالغيب، وكذلك كثرة الهرج، أي: القتل.

وأما الخروج الأخير ليأجوج ومأجوج الذي أخبر عنه القرآن، وجاء في حديث النواس بن سمعان، وأنه زمن نزول سيدنا عيسى - عليه السلام - فهذا الجانب ما زال غيبيًّا ويجب الإيمان به لإخبار القرآن والسنة بوقوعه في آخر الزمان قبيل قيام الساعة، والله أعلم. (256 )

المبحث الحادي عشر

مفاهيم تربوية عامة في الفتن

تضمنت أحاديث الفتن معانٍ ودلالات كثيرة، يصعب إفراد كل جزئية منها بمحث خاص، أو عرضها على أنها قضية مستقلة، لذا نحاول في هذا المبحث أن نستنبط المفاهيم التربوية المبثوثة في أحاديث الفتن، ونجعل منها مبحثًا مستقلًا يَنْظم شتاتها، ويجمع متفرقها، فنقول وبالله التوفيق:

1- المفهوم الأول: إذا وقعت الفتن ذهبت بالصالح والطالح: سألت أم المؤمنين النبي، صلى الله عليه وسلم « أَ نَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ »، أي: أ نعذب فنهلك وفينا الطيبون الطاهرون؟ قال: « نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ »، أي: الزنا وأولاد الزنى( 257) والفسق والفجور، قال ابن قتيبة: الخبث الفسوق والفجور. ( 258) والعرب تدعو الزنا خبثًا وخبيثة. ( 259) قال ابن عبد البر: هو اسم جامع يجمع الزنا وغيره من الشر والفساد والمنكر في الدين، والله أعلم. ( 260)

فالنار إذا وقعت في موضع واشتدت أكلت الرطب واليابس وغلبت على الطاهر والنجس، وكذلك الفتن إذا وقعت في الأمة فإنها لا تفرق بين المؤمن والمنافق والعاصي والطائع.

وعقاب الله - تعالى- إذا هو أتى فإنه ينال المحسن والمسيء، قال الله، تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾.[الأنفال: 25] يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره.

ويستفاد من قوله، صلى الله عليه وسلم: « إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ »، أن هذه الفتنة والبلاء إذا غلب الفساد على الصلاح، فيصبح العُلوُّ في الأرض وتَسْيِيرُ الأمور والظُّهورُ لأهل الفساد، ويصبح الصالحون لا شأن لهم، ولا دور لقيادتهم، ولا يسمع لهم، وهذا معاين ومشاهد حين تصبح الغلبة للفساد، وأما إذا كانت الكثرة لأهل الخير والصلاح فإن أهل الفساد لا يستطيعون إظهار فسادهم أو المجاهرة به ، وهذا من سنة الله في الكون وجودُ الفساد ليختبر به الصلاح، والشر ليختبر به الخير، ولكن العبرة للظهور والغلبة.

قال ابن العربي: فيه البيان بأن الخيّر يهلك بهلاك الشرّير إذا لم يُغَيِّرْ عليه خُبْثَه، وكذلك إذا غير عليه لكن حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السيء ويفشو ذلك ويكثر حتى يعم الفساد فيهلك القليل والكثير، ثم يحشر كل أحد على نيته. ( 261)



2- المفهوم الثاني: أهل الفساد والمعاصي شؤم وبلية على المجتمع، والصالحون يمن ونعمة على أمتهم: فأهل المعاصي يجلبون للأمة الفتن والهلاك والدمار، فهم شؤم على المجتمع كله، يدل لهذا إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم المؤمنين: « أَ نَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ». وثبت في الحديث الصحيح أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب، روى البخاري ومسلم عن أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ: « الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ».( 262)

وإن الله - تعالى - أغرق أمة نوح - عليه السلام - كلها وفيهم الأطفال والبهائم بذنوب البالغين. وقال أنس بن مالك إن الضب في جحره ليموت هزلًا بذنب بن آدم. ( 263)

وأما الصالحون فهم نعمة ويمن وبركة على مجتمعاتهم، قال، تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾.[الأعراف: 26] وإقامة الشرائع والعدل يجلب الخير للأمم قال، تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾.[المائدة: 66] ، وكثرة الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله تعمر الديار والبلاد وتزيد في الرزق والقوة والمنعة قال، تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾.[نوح: 10،11،12]

وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ».( 264)

3- المفهوم الثالث: الفتن تتكرر بتكرر أسبابها: فإذا ظهر الخبث في الأمم أهلكوا، وإذا عادوا إلى رشدهم وصلاحهم رفعت الفتنة، فإن عادوا عادت قال، تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴾.[الإسراء: 4،5،6]

أي: أننا نرد لكم الكرة لأجل التوبة وتجدد الجيل وقد أصبحتم في حالة نعمة، فإن أحسنتم كان جزاؤكم حسناً وإن أسأتم أسأتم لأنفسكم، فكما أهلكنا مَن قبلكم بذنوبهم فقد أحسنا إليكم بتوبتكم، فاحذروا الإساءة كيلا تصيروا إلى مصير مَن قبلكم. ( 265)

ثم قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾.[الإسراء: 8] أي: وإن عدتم إلى الإفساد بعد أن تداركتكم رحمتي عدنا إلى عقابكم، أي عدنا عليكم بمثل ما تقدم من القتل والتعذيب وخراب الديار.

وقال - تعالى - في المنافقين: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾.[التوبة: 126] أي: يبتلون في كُلِّ عام مرَّةً أو مرَّتين بالأمراض والشدائد. ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عن ذلك النِّفاق، ولا يتَّعظُون كما يتَّعظُ المؤمنُ إذا مرض، فإنَّهُ يتذكَّرُ ذنوبه، وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك خوفاً وإيماناً، قاله ابنُ عبَّاسٍ. وقال مجاهدٌ: يفتنون بالقحطِ والشِّدة والجوع. وقال قتادة: بالغزو والجهاد ؛ لأنَّهُم إذا تخلَّفوا وقعوا في ألسنة النَّاس باللَّعْن والخزي والذكر القبيح، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين فقد عرَّضُوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنَّهْبِ من غير فائدة. (266 )

وهذه سنة الله في الأمم سابقها ولاحقها قال، تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾. رجاء أن يرجعوا إلى الحق بعد النفور منه، وقبوله بعد الإعراض عنه، ثم يغير تعالى ما بهم من بأساء وضراء إلى يسر ورخاء، وعافية وهناء فتكثر أموالهم وأولادهم ويعظم سلطانهم، ويقولون عندما يوعظون ويذكرون ليتوبوا فيؤمنوا ويتقوا: ﴿ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء ﴾، أي: الخير والشر وما هناك ما تخوفوننا به إنما هي الأيام هكذا دول يوم عسر وآخر يسر وبذلك يحق عليهم العذاب فيأخذهم الجبار - عز وجل - فجأة ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ فيتم هلاكهم ويُمسون حديث عبرة لمن بعدهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة وعذاب الآخرة أشد وأبقى. ( 267)

4- المفهوم الرابع: الأمة الإسلامية موعودة بالنصر ما أقامت شرع الله، قال، صلى الله عليه وسلم: « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ».( 268) وفي رواية: « لا تَزالُ طائفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصورينَ لا يَضُرُّهمْ مَنْ خَذَلَهمْ حَتَّى السّاعَة ».( 269) ومصداق هذا قوله، تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.[الروم: 47] وقوله، جل وعلا: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾.[محمد: 7] وقوله : ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾.[الحج: 40]

فهذا النصر الموعود به مرتبط بالاستقامة على شرع الله ونصرة دينه، ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته - جل وعلا - هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى. ثم إن الله - جل وعلا - بيّن صفات الذين وعدهم بنصره لتمييزهم عن غيرهم فقال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾.[الحج: 41]

ففي قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾. دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالذين يُـمَكِّن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر، لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له،

والحق أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. ( 270)

فالأمة الإسلامية موعودة بالنصر مهما كثرت عليها المحن، فبعد كل محنة منحة، فكم مرت الأمة الإسلامية بفتن كادت تودي بهم ولكن يأتي النصر والفرج والظهور بعد ذلك؛ لأن الأمة تترهل إذا تركت الجهاد وينال منها عدوها بسبب ذلك فإن وقعت الفتن فيهم أيقظتهم وعرفوا مكمن الخطر وسببه فيعودون إلى دينهم والدفاع عنه فتعود له السيادة والظهور والغلبة. فــ ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾.[الرعد: 11]

وفي قوله، صلى الله عليه وسلم: « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ». دليل على أن الأرض في كل الأزمان لا تخلو من هذه الطائفة المستقيمة على شرع الله، الناصرة لدينه.

قال النووي: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة في المؤمنين فمنهم قائم بالجهاد ومنهم قائم بالعلم ومنهم قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنهم قائم بأنواع أخرى من الخير.( 271)

وقال الخطابي: فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبدًا - وإذا كان معقولًا - لأن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلًا فقد دَلَّ هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كهو مع أهل العدل، وإن جورهم لا يُسْقط طاعتَهم في الجهاد، وفيما أشبه ذلك من المعروف. ( 272)

5- المفهوم الخامس: الفتنة قد تكون عقابًا للناس على سوء فعلهم أو تمحيصًا لصادق إيمانهم.

الفتنة قد تكون عقابًا من الله للناس جزاء عن سوء فعلهم، أو تمحيصًا لصادق إيمانهم لتعلو بذلك درجاتهم.

ففي جانب العقاب قال، تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾،[الإسراء: 16] أي: أمرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتّباعهم فيما جاؤوا به ﴿ فَفَسَقُواْ ﴾، أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ﴾ أي وجب عليها الوعيد ﴿ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾، أي: أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً. ( 273)

وقال، عز و جل: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾.[الروم: 41] أي فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء، وغير ذلك ، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها. ( 274) ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بها جميعا في الآخرة.

وقال، تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾.[الشورى: 30]

ففي هذه الآيات دلالة على أن من المصائب التي تصيب الناس في الدنيا ما سلطه الله عليهم جزاء على سوء أعمالهم، وإذا كان ذلك ثابتًا لأناس معينين كان فيه نذارة لغيرهم ممن يفعل من جنس أفعالهم أن تحل بهم مصائب في الدنيا جزاء على أعمالهم زيادة في التنكيل بهم. ( 275)

إلا أن هذا الجزاء لا يطرد ، فقد يجازي الله قومًا على أعمالهم جزاء في الدنيا مع جزاء الآخرة، وقد يترك أقوامًا إلى جزاء الآخرة، فجزاء الآخرة في الخير والشر هو المطرد الموعود به، والجزاء في الدنيا قد يحصل وقد لا يحصل قال، تعالى: ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.(276 )

وايضًا قد تصيب الصالحين نكبات ومصائب وآلام فتكون بلوى وزيادة في الأجر ولما لا يعلمه إلا الله، وقد تصيب المسرفين خيرات ونعم إمهالًا واستدراجًا ولأسباب غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله، وهو أعلم بخفايا خلقه ونياتهم ومقادير أعمالهم من حسنات وسيئات، واستعداد نفوسهم وعقولهم لمختلف مصادر الخير والشر.( 277)

وفي قوله، تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾.[الأنعام: 65]. وعيد وتهديد للمجتمعات التي تعلن الكفر والعناد لربها وتتعالى على أوامره وشرائعه، أنه قادر على أن يبعث عليكم عذابًا من جهة العلو كما أرسل على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة، أو من تحت أرجلكم أى من السفل كما حدث لفرعون وجنده من الغرق، ولقارون حيث خسف به الأرض. أو يلبسكم شيعاً، أي: يخلط عليكم أمركم فتختلفون شيعاً وأحزاباً، وفرقًا مختلفة الأهواء، متباينة المشارب، مضطربة الشؤون، كل فرقة تتبع إمامًا لها تقاتل معه غيرها، فيزول الأمن ويعم الفساد، ويقتل بعضكم بعضاً فتذيق كلُّ طائفة الأخرى ألمَ الحرب، والأسرِ والنهبِ والتشريد.

والناظر لحال الأمة اليوم وما يجري في بعض البلاد العربية يرى مصداق هذا الوعيد الإلهي جليًّا لا يحتاج إلى تأويل.

وأما في جانب التمحيص فقال، تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾.[العنكبوت: 1، 2، 3] والمعنى: أن الناس لا يتركون دون فتنة، أي: ابتلاء واختبار، لأجل قولهم: آمنّا، بل إذا قالوا: آمنا فتنوا، أي: امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، حتى يتبيّن بذلك الابتلاء الصادق في قوله: ( آمَنَّا ) من غير الصادق. (278 )

وقال، تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾.[آل عمران: 140، 141] والتمحيص:التنقية والتخليص من العيوب. والمحق: الإهلاك، وقد جعل الله مَسَّ القَرْحِ المؤمنينَ والكفارَ فاعلًا فعلًا واحدًا: هو فضيلةٌ في جانب المؤمنين، ورزيةٌ في جانب الكافرين. فجعله للمؤمنين تمحيصًا وزيادةً في تزكيةِ أنفسهم، وجعله للكافرين هلاكًا.(279 )

6- المفهوم السادس: الغفلة عن الفتنة تدعو إلى الضلال والركون إلى الشهوات.

قال الله – تعالى - عن بني إسرائيل وأمثالهم: ﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾.[المائدة: 71] أي: ظنوا أن الله لا يصيبهم بفتنة في الدنيا جزاء ما عاملوا به أنبياءهم، أي ظنوا ألا تنزل به مصائب في الدنيا فأمنوا عقاب الله في الدنيا بعد أن استخفوا بعذاب الآخرة.

فمن أمن الفتنة فإنه لا يراقب الله في ارتكاب القبائح والمعاصي، ويكون همه مقصورًا على تدبير أمور الدنيا العاجلة ويغمض عينه عن الآخرة، فيصيبه بسبب ذلك العذابان العاجل بالفتنة والآجل بالعذاب والهوان والصغار. ( 280)

فالمؤمن دائم الحذر من الفتنة، ولا يأمن عقاب الله واختباره قال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.[الأعراف: 99] أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم. ولذلك قال الحسن البصري، رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.(281 ) وقال الزمخشري: فعلى العاقل أن يكون في خوف من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. ( 282)

والأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال في المعاصي، اتكالاً على عفو الله. وقال الحنفية: إنه كفر كاليأس، لقوله، تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.[يوسف: 87]. ﴿ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾.[الأعراف: 99]. ( 283)

واستدل الشافعية بحديث ابن مسعود أنه قال: الكبائر: الإشْراكُ باللهِ - عَزّ وجَلَّ - و الأمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ و القُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ واليأسِ مِنْ رَوْحِ اللهِ. ( 284)

وروى ابن أبن حاتم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ: « الشِّرْكُ بِاللهِ وَالإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ».( 285)

وهذا لا كون الأنبياء آمنين من مكر الله، وكذلك أولياؤه الذين قال عنهم: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.[يونس: 62]. لأن الخوف والإشفاق من الله هو شأن الأنبياء والصالحين لعظيم خوفهم من الله وإجلالهم له، وهم قدوة لغيرهم. ولذلك روي في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر التعوذ من الفتن. فكَانَ يَتَعَوَّذُ فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: « أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الْأَعْوَرِ الْكَذَّابِ ».( 286) وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.(287 )

7- المفهوم السابع: الابتلاء والاختبار للأنبياء والمؤمنين لإصلاحهم وإرادة الخير بهم، وللكافرين والجاحدين لإرادة الشر بهم.

الابتلاء، والاختبار للأنبياء والصالحين، إصلاحٌ لهم وشحذ لهممهم وتنقية لأعمالهم وإظهار لطيب معدنهم وتنبيه وتبصرة لما ينبغي أن يكونوا عليه.

روى الترمذي وأحمد وغيرهما عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: « الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».( 288)

وقال - تعالى - في شأن موسى، عليه السلام: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾.[طه: 40]. وقال في داود وسليمان: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾.[ص: 24]. ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ﴾.[ص: 34]. فاختبرهم وابتلاهم ليهذبهم ويصفيهم. ( 289)

وقال تعالى في شأن إبراهيم، عليه السلام: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾.[الصافات: 104، 105، 106]، أي: الابتلاء والاختبار البيّن الذي يتميز فيه المخلص من غيره، أو المحنة البينة، وهي المحنة الظاهرة صعوبتها، وما وقع لا شيء أصعب منه ولا تكاد تخفى صعوبته على أحد، ولله - عز و جل - أن يبتلي من يشاء بما يشاء وهو - سبحانه - الحكيم الفعال لما يريد. ( 290)

والابتلاء والاختبار للكافرين والجاحدين إرادة الشر بهم، قال، تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾.[الدخان: 17]. وقال، تعالى: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾.[طه: 85]. أي: أضللناهم. فيستدل بما تقدم أن الاختبار والابتلاء يكون لإرادة الخير والشر. ( 291)

8- المفهوم الثامن: المؤمن لا تزيده الفتن إلا صلابة وصبرًا، والمنافق لا تزيده إلا حيرة واضطرابًا.

ورد في حديث الملْحَمَة المتقدم

ك « ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لاَ تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلاَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً. فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ تَمَادَتْ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِى كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ».(292 )

وأخبرنا الله عن موقف المؤمنين رغم جراحهم وقلة عددهم من إشاعة المرجفين في غزوة حمراء الأسد فقال، تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. [آل: 173] 

وفتنة الملك لأصحاب الأخدود وتوعدهم بالحرق لم يزدهم إلا إصرارًا على موقفهم وثباتًا على إيمانهم، وقد بين الحق - جل وعلا - أن هذا الوعيد لم يكن إلا لفتنتهم عن دينهم فقال، جل وعلا: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾.[البروج: 8] ثم توعدهم وكل من يفعل فعلهم بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾.[البروج: 10]

وقد روى القصة بطولها الإمام مسلم في صحيحه وفيها: « فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا. أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِىٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ: يَا أُمَّه اصْبِرِى فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ ».(293 )

وشبيه بتلك القصة قصة ماشطة ابنة فرعون، روى ابْنُ عَبَّاسٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا ؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا فَقَالَتْ: بِسْمِ اللهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللهُ. قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْبَرَتْهُ، فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ، فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا. قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَتَدْفِنَنَا. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ. قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا، فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ. قَالَ: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ ».(294 )

9- المفهوم التاسع: موقف المؤمن من الفتن التي يَحيكها أهل الشر.

كثيرًا ما تتكشف لنا خطط أهل الشر ومكرهم وكيدهم للإسلام وأهله، ومن تلك الخطط ما يزال طَيَّ الكتمان، ومنها ما بَدا بعضٌ منه، ولكن المسلم الحذر لا يخفى عليه كيدهم ومكرهم المتواصل، والذي حذرنا منه القرآن فقال، تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾.[النساء: 71] وقال، تعالى: ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ﴾.[النساء: 71] وأعلمنا الله - جل وعلا - أنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾.[البقرة: 120] والكفر ملة واحدة.

ولكن المؤمن له هدف واحد لا يحيد عنه، يستفرغ جهده ويبذل وسعه، ثم يستلهم الفرج من الله وهو القائل: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾.[الأنفال: 30] فكم من خطط حيكت للمسلمين فردها الله على أصحابها ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ﴾.[المائدة: 64]

وقد أخبرنا الصادق المصدوق أن الله يُؤَيِّد هذا الدينَ بالرجل الفاجر.(295 )

وكم من خطط كانت مصدر خير للأمة أيقظتها من سباتها وترهلها إلى عودتها لمصدر عزتها وهو الجهاد في سبيل الله، وهذا ما كان بعد فتنة التتار، والحروب الصليبية المتكررة على الأمة، بل إن الكيد لهذه الأمة كان من أول يوم ولدت فيه، فتحالف الكفر عليها في غزوة الأحزاب، وتواصل مكر اليهود على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فمرة ألَّبُوا عليه المشركين وحالفوهم، ومرة دَسُّوا له السُّمَّ في الطعام، وحاولوا قتله أكثر من مرة، ولا يزال المسلمون يعانون من كيدهم ما يعانون. بل إن الشيطان أخذ على نفسه العهد بالكيد والإضلال لكل صاحب منهج يختلف عن مناهج أهل الشر، ولكن هل يُمكَّن من ذلك ؟ ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾.[ص: 82، 83]

وصراع الحق والباطل لن ينتهي إلى أن تقوم الساعة ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾.[الحج: 40]

ولكن هذه الأمة كلما ابتليت نفت خبثها كابتلاء الذهب بالنار، فهو يجلو عنه غِشَّه فيعودَ نقيًا ناصعًا.



الخاتمة



نجمل الملاحظات في هذه الدراسة في نقطتين رئيستين: الأولى نظرةُ تأمُّلٍ شاملة للأحاديث الواردة في الأحداث التي تجري للعرب في الفتن والملاحم، والثانية تشمل ما ورد عن عدد العرب في الفتن والملاحم.

أولًا: نظرة تأمُّلٍ في الأحاديث الواردة في الأحداث التي تجري للعرب.

1- نحن عندما نقرأ هذه الأحاديث التي تشير إلى تلك الأحداث نقرؤها في باب واحد أو أبواب متتابعة، وترتسم في مُخيِّلتنا كأنها متتابعة الحدوث، ولكنها في الواقع والحدوث الزمني هي متفرقة وقد تكون متباعدة، وهذا قد يحدث مثله في أمم الأرض فيجري بينهم اقتتال وحروب طاحنة، وتحدث فيهم الزلازل والبراكين المروعة والفياضانات الهائلة، وهذه سنة الله في الكون، وإنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - العرب بالذكر لأنهم أصل الإسلام كما أشرنا إلى أقوال العلماء في ذلك.



2- سنة الله في الكون التدافع ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:251] ويزداد هذا التدافع وتقوى حِدّته عندما يكون بين حق وباطل فيُمْتَحن أهلُ الحقِّ ويبتلون لتمحيص مواقفهم وثباتهم على حقهم ودفاعهم عنه قال، تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾[آل عمران:141]، وقصة أصحاب الأخدود مثال واضح على ذلك.

والبلاد العربية وبخاصة جزيرة العرب وبلاد الشام قديمًا وحديثًا كانت مسرحًا لذلك التدافع، وتلك الأحداث الجسام؛ لأنها أرض مباركة وهي مهد الرسالات السماوية بعث الله فيها أعدادًا كبيرة من الرسل -كما أسلفنا - وبها ختمت آخر الرسالات ببعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وستبقى محطَّ أنظار أهل الشرِّ، وابتلاء أهل الحق بهم؛ لأنها مقر المقدسات الإسلامية، ففيها المساجد الثلاثة التي لا تُشَدّ الرحال إلا إليها، ولا تقام فريضة الحج إلا بها. وهي التي أذّن فيها أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بالحج تنفيذًا لأمر الله، فأسمع الله كلَّ من كَتَبَ له أداءَ فريضةِ الحجّ وهم في أصلاب آبائهم، فعلى قدر المكانة يكون الابتلاء، والأمم في حروبها لا تكتفي بمهاجمة الأطراف بل مقصدها دائمًا العواصم والقلب، فهذه البلاد هي عاصمة أمة الإسلام ومحورها.



3- هذه الأمة كتب عليها حمل راية الإسلام وارتبط عزها به فإذا غفلت عن هذه المهمة أو تراخت أسرع إليها الابتلاء لتصحو من غفلتها وتعود إلى مهمتها، فهي تتحمل مهمة ثقيلة أشفقت منها الشم الرواسي ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ( 296) عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[الأحزاب: 72] فلا بد أن تبقى على هذا المستوى وكلما أوغلت في السبات العميق جاءتها دَواهٍ عظام لتؤرق جفنها وتحرمها النوم طويلًا بمقدار ما فرطت وأهملت وتراخت.

4- هذه الأمة بما تحمله من رسالة الحق هي كالذهب يفتن بالنار كلما خَبَا، أو لحق به ما يشوبه، فيعود إلى بريقه ولمعانه ويتخلص من الشوائب، ولذلك هي على مر التاريخ لـمّا يكثر ابتلاؤها وجراحها تصحو من غفلتها وتعود إلى دينها ورشدها فتكون النهاية لها والنصر حليفها فيمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].



5- فهذا الدين جاء ليبقى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. وبقاء الأمة مرتبط به فكلما بعدت عنه ابتليت لتعود إليه فإذا عادت إليه عاد لها عِزّها وكرامتها وسيادتها وعلُوّها وتمكينها في الأرض.



6- الأمة كالجسد إذا أصابه مرض عضال قد يحتاج إلى عمليات جراحية ليتحقق الشفاء، أو بتر بعض أعضائه حفاظًا على الباقي، فالابتلاء والمحن كمبضع الطبيب قد يؤلم كثيرًا ولكن يأتي بعده الشفاء التام.



7- حال المؤمن في الفتن بين أمرين: الأول: كوني لا يملك المرء تجاهه إلا التسليم لحكمة الخالق - جل وعلا - متى يكشفه وكيف تكون العواقب ومتى النصر؟ كل ذلك موكول أمره إلى حكمة الخالق، جلّ وعلا.

والثاني أمر تكليفي فهو مكلف بأن يجتهد في استبانة وجه الحق والوقوف معه ضد الظلم، والاجتهاد في نصرة دين الله والابتعاد عن مواطن الشُّبه، ممالا يستبين فيه وجه الحق.

ثانيًا: حول عدد المسلمين في الفتن والملاحم:

وردت عدة أحاديث تصف حال المسلمين وقلة عددهم في الملاحم والفتن، منها أحاديث صحيحة يستفاد منها قلة عددهم دون تحديد لهذا العدد،كما جاء في حديث أم شريك عند خروج الدجال، فقالت: يَا رَسُولَ اللهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: «هُمْ قَلِيلٌ».( 297) وكما في حديث ابن مسعود الطويل في وصف الملحمة التي تكون بين الروم والمسلمين في آخر الزمان «فَيَتَعَادُّ بَنُو الأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلاَ يَجِدُونَهُ بَقِىَ مِنْهُمْ إِلاَّ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ».(298 )

ومنها أحاديث ضعيفة أعرضنا عن ذكرها اكتفاء بهذه الأحاديث الصحيحة.



ويؤخذ من هذه الأحاديث:

1- أن المسلمين لا يُنْصرون على عدوهم بكثرة العدد وإنما بما يحملونه من مبادئ الإسلام، والصدق في دفع الظلم ورفع راية لا إله إلا الله،، ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:65]

2- أن قلة العدد أمام الكثرة الكاثرة من الأعداء لا تصلح حجة للتخاذل عن دفع الظالمين ورفع راية الإسلام والدفاع عنه، فمعظم المعارك التي خاضها الصحابة والمسلمون في الفتوحات كانت أعداد أعدائهم تفوقهم عشرات المرات.

3- كما يؤخذ من ذلك أن ناصري الحق دائمًا قلة أمام الباطل وأهله ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: 116] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].

4- أن العدد القليل إذا كان ذا مبدأ صحيح مُتراصّ البنيان يدافع عن مبادئ سامية ينتصر على العدد الكثير ذي المبدأ الباطل المبني على أهداف دنيوية وضيعة ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة: 249]. وقد ورد في الحديث: «وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ».( 299)



والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات







فهرس المصادر والمراجع



1- الأحاديث المختارة لأبي عبد الله: محمد بن عبد الواحد بن أحمد المشهور بالضياء المقدسي, تحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش, الناشر: مكتبة النهضة الحديثة, مكة المكرمة, الطبعة الأولى: 1410ه.

2- اختيار الأَوْلَى في شرح اختصام الملأ الأعلى، لزين الدين عبد الرحمن بن احمد بان رجب الحنبلي (ت: 795 هـ)، تحقيق جاسم الفهيد الدوسري، الناشر مكتبة الأقصى، الكويت، الطبعة الأولى 1406هـ 1985م

3- الاشتقاق، لابن دريد أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة، تحقيق : عبد السلام محمد هارون، الطبعة: الثالثة.

4- أضواء اليان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الجكني الشنقيطي (ت: 1393هـ)، الناشر دار الفكر، بيروت، 1415هـ 1995م.

5- إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض: أبو الفضل اليحصبي ت (544) ه

6- أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لأبي بكر الجزائري جابر بن موسى بن عبد القادر، الناشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية الطبعة الخامسة 1424 هـ 2003م.

7- بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار، للأبي بكر محمد بن أبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري، (ت: 384 هــ ) تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت،1420هـ - 1999م.

8- البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي محمد بن يوسف ، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود – الشيخ علي محمد معوض، الناشر دار الكتب العلمية ، بيروت، 1422 هـ 2001م.

9- البحر المديد لابن عجيبة أحمد بن محمد بن المهدي، الناشر درا الكتب العلمية، بيروت ط الثانية 1423هـ 2002م.

10- البداية والنهاية لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (ت 774هـ) تحقيق: علي شيري, الناشر: دار إحياء التراث العربي الطبعة الأولى 1408 هـ - 1988 م

11- بذل الماعون في فضل الطاعون، الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت582هـ)، تحقيق: أحمد عصام عبد القادر الكاتب، الناشر: دار العاصمة، الرياض.

12- تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي: أبي الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي, ت (1205), تحقيق مجموعة من المحققين, الناشر دار الهداية.

13- تاريخ العالم الإسلامي، للدكتور إبراهيم العدوي، ط معهد الدراسات الإسلامية، 1418هـ 1998م.

14- تاريخ دمشق، ابن عساكر، الناشر: دار الفكر ، بيروت ، الطبعة: الاولى 1419 - هـ - 1998 م

15- التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور, ت (1393) ه, الناشر: دار سحنون, تونس.

16- الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري أبو محمد، تحقيق : إبراهيم شمس الدين، الناشر : دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ، 1417

17- تفسير القرآن العظيم لابن كثير: أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ت (700 -774) هـ تحقيق: سامي بن محمد سلامة, الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية 1420هـ - 1999 م

18- تفسير الخازن المسمى ( لباب التأويل في معاني التنزيل )، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن الناشر: دار الفكر ، بيروت ، 1399 هـ /1979 م

19- تفسير البغوي معالم التنزيل، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت:516 هـ)، تحقيق محمد عبد الله النمر وآخرين، الناشر دار طيبة ط الرابعة 1417هـ 1997م.

20- تفسير أبي السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، محمد بن محمد العمادي أبو السعود، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.

21- تفسير الكشاف، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، تحقيقعبد الرزاق المهدي، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.

22- تفسير الجلالين، جلال الدين محمد بن أحمد المحلي ، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الناشر : دار الحديث ، القاهرة الطبعة الأولى.

23- تفسير النسفي مدارك التنزيل وحائق التأويل، لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، (ت: 710هـ)، الناشر دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.

24- تهذيب اللغة للأزهري: أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري, ت (370) ه, تحقيق: محمد عوض مرعب, الناشر: دار إحياء التراث العربي, بيروت, الطبعة الأولى: 2001م.

25- التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي محمد عبد الرؤوف المناوي (ت:1031هـ) تحقيق: د. محمد رضوان الداية, الناشر: دار الفكر المعاصر , دار الفكر - بيروت , دمشق الطبعة الأولى ، 1410.

26- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي ت (1376) هـ تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق, الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م

27- التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي زين الدين عبد الرؤوف المناوي، الناشر مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، ط الثالثة 1408هـ 1988م.

28- حاشية السندي على صحيح البخاري، محمد بن عبد الهادي السندي، الناشر دار الفكر.

29- حاشية السندي على النسائي، نور الدين بن عبدالهادي أبو الحسن السندي، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، الطبعة الثانية ، 1406 – 1986

30- حاشية السندي على سنن ابن ماجه المسمى ( كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه) محمد بن عبد الهادي أبو الحسن نور الدين السندي (ت: 1183 هـ )، الناشر دار الجيل ، بيروت.

31- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي ت (671) هـ تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم اطفيش, الناشر: دار الكتب المصرية, القاهرة الطبعة: الثانية ، 1384هـ - 1964 م

32- الدر المنثور للسيوطي عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، الناشر دار الفكر ، بيروت، 1993.

33- دلائل النبوة للبيهقي أحمد بن الحسين بن علي أبي بكر البيهقي (ت:458هـ) ، تحقيق عبد المعطي قلعجي، الناشر دار الكتب العلمية ، ودار الريان للتراث، ط الأولى 1408هـ 1988م.

34- سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: محمد ناصر الدين, الناشر المكتب الإسلامي, دمشق – بيروت, الطبعة الثانية: 1399ه 1997م.

35- سنن ابن ماجه للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ت ( 273 ) هـ اعتنى به رائد صبري بن أبي علفة, الناشر مكتبة الرشد, الرياض, السعودية, الطبعة الأولى 1426هـ 2005م ( مع مجموع الكتب الستة).

36- سنن أبي داود للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت:275) هـ, الناشر: درا الكتاب العربي, بيروت.

37- سنن الترمذي المسمى جامع الترمذي للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ت ( 279) هـ , تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين, الناشر: دار إحياء التراث العربي, بيروت.

38- سنن الدار قطني للدار قطني: علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي, ت (358) ه، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني, الناشر: دار المعرفة, بيروت، 1386ه 1966م.

39- سنن الدارمي لأبي محمد عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي (ت:255هـ) تحقيق فواز أحمد زمرلي, وخالد السبع, الناشر: دار الكتاب العربي, بيروت, الطبعة: الأولى ، 1407ه.

40- السنن الصغرى المجتبى, للنسائي: أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي (ت:303 هـ) تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة, الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية, حلب, الطبعة الثانية ، 1406 ه 1986م.

41- السنن الكبرى للإمام النسائي أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي (ت:303هـ) تحقيق د. عبد الغفار سليمان البندراي, سيد كسروي حسن , طبعة دار الكتب العلمية, بيروت الأولى 1411هـ 1991م.

42- السنن الكبرى للحافظ البيهقي أبي بكر أحمد بن حسين بن علي (ت 458 ) هـ طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن, الهند الطبعة الأولى 1352 هـ وفي ذيله الجوهر النقي لابن التركماني.

43- السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية،للدكتور مهدي رزق الله أحمد،ط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، الرياض،1992م.

44- الصحاح في اللغة للجوهري أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري, (ت: 398) هـ الناشر: دار إحياء التراث العربي, بيروت الطبعة الأولى 1419هـ 1999م

45- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان, لأبي حاتم: محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي, ت (354) ه, تحقيق: شعيب الأرناؤوط, الناشر: مؤسسة الرسالة, بيروت, الطبعة الثانية: 1414 ه 1993م.

46- صحيح ابن خزيمة محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري (ت:311هـ) تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي الناشر: المكتب الإسلامي – بيروت: 1390 ه - 1970 م.

47- صحيح البخاري للإمام البخاري أبي عبد الله محمد بن إسماعيل (ت:256) هـ, الناشر دار السلام, الرياض, الطبعة الأولى: 1417ه – 1997ه.

48- صحيح مسلم للإمام أبي الحسين بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت:261) هـ الناشر: دار بن حزم , بيروت, الطبعة الأولى: 1419- 1998.

49- صفة جزيرة العرب للهمداني لسان اليمن الحسن بن أحمد بن يعقوب، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، الناشر مكتبة الإرشاد، صنعاء، ط الأولى 1410هـ 1990م.

50- عمدة القاري شرح صحيح البخاري للإمام العيني بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد ت (ت: 855 ه) ضبط وتصحيح عبد الله محمود محمد عمر, الناشر: دار الكتب العلمية , بيروت , الطبعة الأولى 1421هـ 2001م.

51- عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (ت:1329هـ) تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان, الناشر: المكتبة السلفية , المدينة المنورة الطبعة الثانية: 1388هـ 1968م

52- غريب الحديث للحربي إبراهيم بن إسحاق الحربي أبي إسحاق, (ت:285) ه, تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد, الناشر: جامعة أم القرى, مكة المكرمة, الطبعة الأولى، 1405ه.

53- غريب الحديث للخطابي أبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي, (ت:388) ه, تحقيق: عبد الكريم إبراهيم العزباوي, الناشر: جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1402ه.

54- فتح الباري شرح صحيح البخاري, لابن حجر العسقلاني أحمد بن علي بن حجر, ت (852) هـ , الناشر: مكتبة دار السلام , الرياض, الطبعة الأولى: 1418ه-1997م.

55- الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق : يوسف النبهاني، الناشر دار الفكر، بيروت الطبعة الأولى: 1423هـ - 2003م

56- فيض الباري على صحيح البخاري، لمحمد أنور الكشميري، دار المأمون، شبرا الطبعة الأولى 1357 هـ 1938م.

57- فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي (ت: 1031هـ) الناشر: دار الكتب العلمية بيروت, الطبعة الأولى: 1415 ه - 1994 م

58- القاموس المحيط, للفيروز آبادي: محمد بن يعقوب (ت:817هـ)

59- اللباب في علوم الكتاب لابن عادل عمر بن علي بن عادل الدمشقي،تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت ط الأولى 1419هـ 1998م.

60- لسان العرب لابن منظور: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري, ت (711) ه, الناشر: دار صادر, بيروت, الطبعة الأولى.

61- المحيط في اللغة للصاحب بن عباد إسماعيل ابن عباد بن العباس بن أحمد, ت (385) ه, الناشر: عالم الكتب, الطبعة الأولى: 1414هـ 1994م.

62- المختصر في أخبار البشر لابن كثير (ت: 732)، الناشر المطبعة الحسينية، مصر، ط الأولى.

63- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري علي بن سلطان محمد الهروي المشهور بملا علي القاري ت ( 1014 ) هـ الناشر: المكتبة الإسلامية لصاحبها رياض الشيخ.

64- المستدرك للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري, ت (405) ه, تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا, الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت, الطبعة الأولى: 1411 ه1990م.

65- المسند للإمام لأحمد بن حنبل أبي عبد الله ( ت 241 ) هـ, تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين, الناشر: مؤسسة الرسالة, الطبعة: الثانية 1420هـ 1999م

66- مسند أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي (ت:307هـ) تحقيق: حسين سليم أسد الناشر: دار المأمون للتراث – دمشق الطبعة الأولى: 1404 - 1984

67- المصباح المنير للفيومي أحمد بن محمد بن علي, ت نحو (770) ه, طبعة المكتبة العصرية, بيروت, الطبعة الأولى 1417هـ 1996م.

68- المصنف في الأحاديث والآثار، ابن أبي شيبة ابو بكر عبد الله بن محمد، تحقيق كمال يوسف الحوت، الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى 1409هـ

69- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للمصطفى بن سعد السيوطي الرحيباني (ت: 1243هـ)

70- معالم السنن للخطابي: أبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي, ت (388) ه, تحقيق محمد راغب الطباخ, الناشر: المطبعة العلمية, حلب, الطبعة الأولى: 1351ه 1932م.

71- معجم البلدان لياقوت بن عبد الله الرومي الحموي أبي عبد الله شهاب الدين ، (ت 626هـ) الناشر دار الفكرن بيروت.

72- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي، الناشر دار العلم للملايين، بيروت، ومكتبة النهضة، بغداد، الثانية 1978م.

73- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي, ت (656) ه, تحقيق محيي الدين مستو وآخرين, الناشر: دار ابن كثير, دمشق, الطبعة الأولى: 1417ه 1996م.

74- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي, ت (676) ه, الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت, الطبعة الثانية: 1392ه.

75- الموسوعة العربية العالمية، الناشر مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1419هـ 1999م.

76- النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ( ت 606 ) هـ اعتنى به رائد صبري بن أبي علفة, الناشر بيت الأفكار, عمان .

77- الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي (ت: 468هـ)، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الناشر دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 1415هـ 1995م.

78- يأجوج ومأجوج فتنة الماضي والحاضر والمستقبل، د. الشفيع الماحي أحمد، الناشر: دار ابن حزم، 2001م.



فهارس البحث 



([1]) تهذيب اللغة للأزهري، والصحاح للجوهري، (مادة: فتن).

([2]) النهاية في غريب الحديث، (مادة: فتن).

([3]) لسان العرب لابن منظور، (مادة: فتن).

([4]) الصحاح، (مادة: فتن).

([5]) فتح الباري لابن حجر: (11: 176).

([6]) انظر التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور: (1/643).

([7]) الأعراف: (27).

([8]) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور: (6/276).

([9]) التعريفات للجرجاني: (212)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي: (549).

([10]) عمدة القاري (23/242).

([11]) غريب الحديث للحربي: (3: 932).

([12]) غريب الحديث للحربي: (3: 932)، والدر المنثور للسيوطي: (1: 495).

([13]) غريب الحديث للحربي: (3: 932).

([14]) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل: (4: 19).

([15]) غريب الحديث للحربي: (3: 934).

([16] غريب الحديث للحربي: (3: 934).

([17]) غريب الحديث للحربي: (3: 940)، والوجيز للواحدي: (285)،واللباب في علوم الكتاب لابن عادل: (3: 347).

([18]) غريب الحديث للحربي: (3: 940).

([19]) النكت والعيون للزركشي: (2: 446).

([20]) تفسير القرطبي: (6: 213).

([21]) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل: (3: 347).

([22]) غريب الحديث للحربي: (3: 937).

([23]) البحر المحيط لأبي حيان: (8: 192).

([24]) غريب الحديث للحربي: (3: 939).

([25]) تفسير البغوي: (8: 36). و تفسير أبي السعود: (8: 208)

([26]) غريب الحديث للحربي: (3: 932).

([27]) أضواء البيان: (7: 545).

([28]) غريب الحديث للحربي: (3: 938).

([29]) البحر المديد لابن عجيبة: (4: 300).

([30]) تفسير السعدي: (327).

([31]) تفسير البغوي: (3: 380).

([32]) تفسير الكشاف: (2: 264).

([33]) تفسير النسفي: (4: 279)، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل: (1: 694).

([34]) تفسير القرطبي: (19: 295).

([35]) غريب الحديث للحربي: (3: 936).

([36]) غريب الحديث للحربي: (3: 938).

([37]) أضواء البيان للشنقيطي: (4: 79).

([38]) غريب الحديث للحربي: (3: 939).

([39]) أخرجه ابو داود ح (1084)، عن أبي هريرة.


([40]) أخرجه البخاري, ح(4808)، ومسلم، ح (2740)، عن أسامة بن زيد، رضي الله عنهما.

([41]) أخرجه البخاري: ح (2335).

([42]) أخرجه البخاري: ح (6007).

([43]) أخرجه أبو داود: ح (3070).

([44]) معالم السنن للحظابي: (3: 46). وعون المعبود: (8: 225).

([45]) النهاية في غريب الحديث (مادة: لحم).

([46]) أخرجه أحمد (ح: 19525) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ سَمَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ أَسْمَاءً مِنْهَا مَا حَفِظْنَا فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ قَالَ يَزِيدُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ». قال القرطبي في المفهم: وأما رواية من روى: « نبي الملحمة»: فهذا صحيح في نعته، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه، فإنَّه قد جاء فيها: أنه نبي الملاحم. قال الحليمي رحمه، الله: و أما نبي الملحمة فلأن الله - تبارك و تعالى - فرض عليه جهاد الكفار و جعله شريعة باقية إلى قيام الساعة.



([47]) أخرجه أحمد (ح: 23445) عن حذيفة.

([48]) تاج العروس (مادة: لحم).

([49]) المفهم للقرطبي (6/476).

([50]) سنن أبي داود (ح: 4301) وصححه الألباني.

([51]) عون المعبود (11/275).

([52]) أخرجه أبو داود (ح: 4242)، وأحمد (ح: 6168).

([53]) النهاية في غريب الحديث (مادة: حلس)

([54]) معالم السنن (4: 337).

([55]) مرقاة المفاتيح (10: 34)

([56]) أخرجه أبو داود (ح: 4242)، وأحمد (ح: 6168). عن ابن عمر.

([57]) أساس البلاغة (مادة: فتن)

([58]) تسورن الذهب: أي لبسن أساور الذهب.



([59]) قال المناوي في فيض القدير (1: 528): (ربط) جمع ربطة، براء مفتوحة، كل ثوب لين رقيق أو كل ملاءة لبست بلفقين. ولكنه ضبطه في التيسير في شرح الجامع الصغير (1: 319) (ريط) بالياء المثناة بدل الباء الموحدة، فقال: جمع ريطة، براء مفتوحة فمثناة تحت، كل ثوب لين رقيق أو نحو ذلك. فلعله مروي باللفظين والأمير يسير في ذلك، فالمعنى متقارب فيهما.

([60]) (عَصْب)، بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، برود يمنية يعصب غزلها : أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض أو هي برود مخططة. (فيض القدير: 1: 528).

([61]) أورده السيوطي في الجامع الكبير وعزاه للخطيب البغدادي. ( الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير ح: 1885). قال المناوي: إسناده ضعيف.

([62]) فيض القدير (1: 528).

([63]) أخرجه لبيهقي في شعب الإيمان (ح: 10308)، وفي إسناده رجل مبهم.وأخرجه أيضًا أبو يعلى (ح: 780)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (11: 140): رواه أبو يعلى والبزار وفيه راو لم يسمّ وبقية رواته رواة الصحيح.



([64]) مرقاة المفاتيح (10: 34).

([65]) مرقاة المفاتيح (10: 34).

([66]) معالم السنن(4: 337).

([67]) مرقاة المفاتيح (10: 34).

([68]) أخرجه أبو داود (ح: 4242)، وأحمد (ح: 6168). عن ابن عمر.

([69]) الفائق للزمخشري (مادة: دهم).

([70]) معالم السنن (4: 337).

([71]) غريب الحديث لابن الجوزي (1: 409).

([72]) أخرجه ابو داود (ح: 4246)، والنسائي في الكبرى (ح: 8032)، وابن حبان في صحيحه (ح: 5963)، قال الأرنئوط : إسناده صحيح. وأحمد (ح: 23330).

([73]) المرقاة المفاتيح (10: 25، 33).



([74]) أخرجه البخاري (ح: 3411)، ومسلم (ح: 1847).

([75]) فتح الباري (13: 36).

([76]) أخرجه مسلم (ح: 144).

([77]) يقال: شظية، ويقال شطبة.

([78]) الديباج على صحيح مسلم (1: 160- 162).

([79]) غريب الحديث (مادة: ربد).

([80]) شرح النووي على مسلم (2: 173).

([81]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ح: 9132).

([82]) أخرجه احمد (ح: 26618).

([83]) لسان العرب (مادة: عرب).

([84]) المحيط في اللغة، والمصباح المنير(مادة: عرب).

([85]) المحيط في اللغة (مادة: عرب).

([86]) معجم البلدان لياقوت الحموي: (4/96).



([87]) تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري (مادة: عرب).

([88]) تهذيب اللغة (مادة: عرب).

([89]) الموسوعة العربية العالمية (16/197).

([90]) لسان العرب (مادة: عرب).

([91]) النُّجْعَة: طلب الكلأ، يقال: انتجع القوم ذهبوا لطلب الكلأ، والانتواء هو لانتقال من مكان إلى مكان آخر. المعجم الوسيط (مادة: نجع، نوى).

([92]) تهذيب اللغة (مادة: عرب).

([93]) تهذيب اللغة، ولسان العرب (مادة: عرب).

([94]) المختصر في أخبار البشر (1/99).

([95]) سورة النجم: (50- 51).

([96]) هود آية: (58).

([97]) هود آية: (66،67).

([98]) ينظر تفصيل أمرهم في تاريخ الطبري: (1/128).



([99]) المصباح المنير (مادة: عرب).




([100]) المختصر في أخبار البشر (1/99- 100 ). 



([101]) الموسوعة العربية العالمية (16/198).

([102]) المصباح المنير (مادة: عرب).

([103]) الموسوعة العربية العالمية (16/198).

([104]) انظر البداية والنهاية (1/121).

([105]) يرجع إلى معجم البلدان لياقوت (2/137 - 138). وأطرار الشام أطرافها.

([106]) صفة جزيرة العرب للهمداني (ص 84) .

([107]) معجم البلدان (2/137 - 138).

([108]) أخرجه أحمد بإسناد حسن (ح: 1691) عن أبي عبيدة.

([109]) أخرجه مسلم (ح: 2812) عن جابر.

([110]) صفة جزيرة العرب للهمداني (ص85)، ومعجم البلدان لياقوت الحموي (2/137 - 138).



([111]) أخرجه البخاري (ح: 3168)، ومسلم (ح: 2880).

([112]) أخرجه الحاكم في المستدرك (ح : 8295)، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى (ح: 18597).

([113]) أخرجه مسلم (ح: 2945)، والترمذي (ح : 3930)، وأحمد (ح: 27620).

([114]) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ح: 6708)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.

([115]) أخرجه الطيالسي في مسنده (ح : 2494)، وأحمد (ح : 7897). قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن سمعان فقد روى له أبو داود والترمذي والنسائي وهو ثقة .وأخرجه أيضًا: ابن حبان في صحيحه (ح : 6827).

([116]) أخرجه أحمد (ح: 22450). قال الهيثمي في المجمع (7/230): إسناده جيد، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.



([117]) جاء في النهاية في غريب الحديث والأثر: الموتَانُ بوزن البُطْلانِ: الموْتُ الكثيرُ الوُقوعِ. والقُعاص بالضم: داء يأخذ الغَنم لا يُلْبِثُها أن تموت. يقال : قَعَصْتُه وأقْعَصْتُه، إذا قَتَلْتَه قَتْلاً سريعاً (مادتا: موت, وقعص).

([118]) فتح الباري (13/107).

([119]) أخرجه البخاري في سياق وصية طويلة لسيدنا عمر - رضي الله عنه - للخليفة من بعده، (ح: 3497).ولفظ أحمد في المسند (ح: 362) وَأُوصِيكُمْ بِالْأَعْرَابِ فَإِنَّهُمْ أَصْلُكُمْ وَمَادَّتُكُمْ.

([120]) تاريخ العالم الإسلامي، للدكتور إبراهيم العدوي ط معهد الدراسات الإسلامية 1418هـ ، 1998م، (ص 11)

([121]) حاشية السندي على صحيح البخاري (5/431).

([122]) عمدة القاري (24/270).

([123]) فتح الباري (13/107).

([124]) عمدة القاري (15/328).

([125]) عمدة القاري (15: 328).



([126]) النساء (آية: 164).

([127]) دلائل النبوة للبيهقي (2/43 – 46)، فتح الباري (6/402).

([128]) أخرج مسلم في صحيحه (ح: 166) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا»؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ. قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَام - هَابِطًا مِنْ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ»؟ قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى. قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ – السَّلَام - عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي». ووجه القاضي عياض رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لهم على هذه الحال مع أنهم أموات بعدة توجيهات منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أري حالهم قبل هذا ومثلوا له في حال حياتهم، وكيف تلبيتهم حينئذ وحجهم، كما قال في الحديث: (كأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى يونس). إكمال المعلم (1: 517).

([129]) السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية للدكتور مهدي رزق الله أحمد (ص 54).



([130]) أخرجه مسلم (ح : 2894) عن أبي هريرة.

([131]) أخرج البخاري في صحيحه (ح: 6707) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: « لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ». وفي صحيح مسلم (ح : 2927) « لاَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلاَ مَكَّةَ ». عن أبي سعيد.

([132]) أخرج مسلم عن أبي هريرة (ح:2897) «فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ- أي الدجال - فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّهُمْ فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِى الْمَاءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِى حَرْبَتِهِ ».

([133]) أخرج مسلم في صحيحه (ح: 7937) عن النواس بن سمعمان في حديث طويل أن البي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ».

([134]) أخرجه مسلم (ح: 2913).



([135]) الأعماق ودابق: موضعان بقرب حلب، دابق في الشمال، والأعماق بين حلب وأنطاكية، وهو العَمْق أيضًا. انظر: تاج العروس (مادتا: مرج ، عمق).

([136]) أخرجه مسلم (ح 2896).

([137]) أخرجه البيهقي (ح: 8959).

([138]) صحيح البخاري (ح: 1518).

([139]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (ح:18390). والضياء المقدسي في المختارة (ح: 241).

([140]) أخرجه ابن ماجه (ح: 4090)، عن أبي هريرة، قال البوصيري في الزائد: إسناده حسن. والحاكم في المستدرك (ح: 8646)، وقال صحيح على شرط البخاري، وقال الذهبي على شرط مسلم.

([141]) لسان العرب (مادة: عرب).

([142]) أخرجه ابن ماجه (ح: 4077).

([143]) أخرجه مسلم (ح: 156).



([144]) أخرجه أبو داود (ح: 4284)، وصحح الشيخ الألباني إسناده. وأحمد في المسند (ح:11331) قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

([145]) أخرجه مسلم (ح: 2894) عن أبي هريرة.

([146]) أخرجه أبو داود (ح: 4313) عن أبي هريرة.

([147]) أخرجه البخاري (ح: 3257).

([148]) أخرجه الترمذي (ح: 2237)، والحاكم في المستدرك (ح: 8608)، وقال إسناده صحيح واقره الذهبي.

([149]) أخرجه البخاري (ح: 7613).

([150]) أخرجه مسلم (ح: 2937) من حديث النواس بن سمعان الطويل في التحذير من الدجال.

([151]) أخرجه مسلم (ح: 156).

([152]) أخرجه مسلم (ح: 2937).

([153]) أخرجه مسلم (ح: 118) عن أبي هريرة.



([154]) أخرجه مسلم (ح: 2947) عن أبي هريرة.

([155]) أخرجه البخاري (ح: 3005).

([156]) أخرجه أحمد (ح: 2667). عن ابن عباس، وصححه الأرنؤوط.

([157]) أخرجه البخاري (ح: 3168) عن زينب بنت جحش، رضي الله عنها.

([158]) أخرجه البخاري (ح: 4306)، ومسلم (ح: 2886).

([159]) قِسِيّكم: بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس، والأوتار: جمع وتر بفتحتين، وفيه زيادة من المبالغة إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير ولا يستعملها في الشر دون الخير. انتهى ملا على القاري في( المرقاة، (10: 29).

([160]) أخرجه أبو داود (ح: 4259)، وابن ماجه (ح: 3961)، والترمذي (ح: 2194)، وأحمد (ح: 19730). والحديث صحيح.

([161]) غريب الحديث لابن قتيبة (2/320). وقال: الرَّدَاح: الجمل العظيم من الإبل، وقوله: يَهْرَج: أي يَسْدَر. وقال الجوهري: هرِج البعير، بالكسر، يَهْرَج هرجًا، إذا سَدِر من شدة الحر وكثرة الطلاء بالقطران.. الصحاح ( مادة: هرج). ويقال: سدِر البعير، بالكسر، يسدر سدرًا وسدارة: تحير من شدة الحر. الصحاح (مادة: سدر).

([162]) غريب الحديث للخطابي (2/ 486). والاستيعاب لابن عبد البر (1: 25).

([163]) سير أعلام النبلاء (3: 11).

([164]) سير أعلام النبلاء (3: 445).

([165]) سير أعلام النبلاء (5: 442).

([166]) الاستيعاب لابن عبد البر (1: 25) نقل هذا عن وكيع، ثم قال: أما عبد الرحمن السلمي فالصحيح عنه أنه كان مع علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه.

([167]) فتح الباري (7: 30).

([168]) الفائق للزمخشري، والنهاية في غريب الحديث ( مادة: صقع).

([169]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ح: 37125).



([170]) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ح: 35)، والبيهقي في شعب الإيمان (ح: 4966).

([171]) أخرجه الطبري في مشكل الآثار (ح: 2768) عن أبي هريرة أو غيره شك أبو جعفر الرازي.

([172]) أخرجه أحمد (ح: 143)، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه. قال شعيب الأرنؤوط إسناده قوي.

([173]) أخرجه أبو داود (ح: 4242)، وأحمد (ح: 6168).

([174]) أخرجه البخاري (ح: 2361) عن النعمان بن بشير.

([175]) أخرجه البيهقي في الكبرى (ح: 20698) عن بريدة، وابن ناجه (ح: 2426) عن أبي سعيد الخدري. قال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، لأن إبراهيم بن عبد الله قال فيه أبو حاتم: صدوق.

([176]) فتح الباري (13: 31).

([177]) نقل ذلك ابن عبد البر في الاستيعاب(1: 25).

([178]) شرح النووي على صحيح مسلم (18: 10).

([179]) نيل الأوطار(6: 61).

([180]) فتح الباري (13: 34).

([181]) أخرجه البخاري (ح: 19)، ومالك في الموطأ (ح: 1744).

([182]) أخرجه البخاري (ح: 3405).

([183]) أخرجه الترمذي وحسنه (ح: 2406)، ,احمد (ح: 22289).

([184]) أي فسدت، النهاية في غريب الحديث (مادة: مرج). وشبك بين اصابعه، أي: شبك النبي بين أصابعه ليمثل لهم اختلاطهم، وكيف يمرج بعضهم ببعض ويلبس أمر دينهم فلا يعرف الأمين من الخائن ولا البر من الفاجر.

([185]) أخرجه أبو داود (ح: 4343). قال الألباني: حسن صحيح.وأحمد (ح: 6987)، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب فقد روى له أصحاب السنن.

([186]) أخرجه البيهقي في الكبرى (ح: 20698) عن بريدة، وابن ناجه (ح: 2426) عن أبي سعيد الخدري. قال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، لأن إبراهيم بن عبد الله قال فيه أبو حاتم: صدوق.

([187]) أخرجه الترمذي (ح: 2507) عن ابن عمر، وابن ماجه (ح: 4032)، وأحمد (ح: 23147)، واللفظ له. قال الأرنؤوط: إسناده صحيح.

([188]) أخرجه الترمذي (ح: 1650)، والحاكم (ح: 2382)، وأحمد (ح: )، وعند الحاكم وأحمد ( ستين عامًا). بدل (سبعين عامًا).

([189]) سبل السلام (8: 288).

([190]) أخرجه أبو داود (ح: 4341)، والترمذي (ح: 3058).

([191]) أورده في كنز العمال برقم (8710) وعزاه إلى ابن حبان في الروضة، والعسكري في المواعظ. واخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (4: 161) عن ابن عمر.

([192]) التمهيد لابن عبد البر (17: 446).

([193]) مرقاة المفاتيح (9: 282).

([194]) أخرجه البخاري (ح: 2634)، واللفظ له، ومسلم (ح: 1888).

([195]) فتح الباري: (6: 7).



([196]) المرقاة (9: 282).

([197]) أخرجه مسلم (ح: 2882).

([198]) أخرجه أبو داود (ح: 4242)، وأحمد (ح: 6168).

([199]) النهاية في غريب الحديث (مادة: حلس).

([200]) معالم السنن (4: 337).

([201]) مرقاة المفاتيح (10: 34).

([202]) أخرجه أحمد (ح: 2667). وصححه الأرنؤوط.

([203]) أخرجه مسلم (ح: 2867).

([204]) أخرجه البخاري (ح: 4808)، ومسلم (ح: 2740) عن أسامة بن زيد.

([205]) أخرجه مسلم (ح: 2899).

([206]) جامع البيان (28: 139).

([207]) أخرجه الطبراني في الكبير (ح: 554)، والصغير (ح: 892) عن معاذ بن جبل.



([208]) أخرجه ابن ماجه (ح: 3989)، وفي سند ابن ماجه عبد الله بن لهيعة، وثقه أحمد وغيره، وضعفه آخرون لاختلاطه، روى له مسلم بعض شيء مقرونًا بغيره. تهذيب التهذيب(20: 342)، والتقريب (2: 319)، وإسعاف المبطأ برجال الموطأ (ص: 34).

([209]) أخرجه البخاري (ح: 989).

([210]) أخرجه البخاري (ح: 6653)، ومسلم (ح: 2672) عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى.

([211]) أخرجه مسلم(ح: 2908) عن أبي هريرة.

([212]) الاشتقاق لابن دريد (ص: 322).

([213]) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (مادة: هرج).

([214]) هو جزء من حديث أخرجه بتمامه أحمد (ح: 19653) ابو يعلى (ح: 7247) قال حسين سليم عن إسناد ابي يعلى: رجاله ثقات. وقال شعيب الأرنؤوط عن إسناد أحمد: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير أسيد بن المتشمس فمن رجال ابن ماجة وهو ثقة.

([215]) أخرجه مسلم (ح: ). عن سعد بن أبي وقاص.



([216]) أخرجه الترمذي (ح: 2175) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد اللفظ له (ح: 21091). عن خباب بن الأرت. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.

([217]) أخرجه مسلم (ح: 2908) عن أبي هريرة.

([218]) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح: 118) وحسنه الألباني.

([219]) أخرجه أحمد (ح: 19653) عن أبي موسى.

([220]) فتح الباري (13: 15).

([221]) المفهم (5: 411).

([222]) شرح ابن بطال على صحيح البخاري (3: 27).

([223]) شرح ابن بطال على صحيح البخاري (5: 358).

([224]) أخرجه أحمد (ح: 19653) عن أبي موسى.

([225]) أخرجه مسلم(ح: 2908) عن أبي هريرة.

([226]) لسان العرب لابن منظور (مادة: أجج).



([227]) أخرجه البخاري (ح: 2769). و( المجان ) جمع مجن وهو الترس. و( المطرقة ) التي ألبست الطراق وهي جلدة تقدر على قدر الترس وتلصق عليها. شبّه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها ونتوء وجناتها.(حاشية السندي على النسائي: 6: 45).

([228]) الأنف الأذلف: هو الأفطس وهو القصير المنبطح.(شرح السيوطي على مسلم 2: 414)، وقال ابن قتيبة: الذَّلَف بالتحريك : قِصرُ الأنف وانبطاحُه. وقيل ارتفاع طَرَفه مع صِغَر أرْنَبتِه. (النهاية ، مادة: ذلف).

([229]) أخرجه البخاري (ح: 2771).

([230]) شهب الشعاف، وفي الروايات الأخرى: صهب، قال الأزهري : صُهب الشِّعاف يريد شعور رؤوسهم، واحدُها شَعَفة، وهي أعلى الشَّعَر. وشَعَفَة كلّ شيء: أعلاه . (تهذيب اللغة، مادة: شعف). والصهبة: هي حمرة في سواد.(أساس البلاغة، مادة: صهب). أو الشقرة في شعر الرأس. (الصحاح، مادة: صهب).



([231]) أخرجه احمد (ح: 22331). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (ح: 3419). قال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.

([232]) الملاحم لابن كثير (ص: 102).

([233]) البداية (2: 110).

([234]) تفسير القرطبي (11: 58).

([235]) الأعلاق النفيسة.

([236]) البدء والتاريخ (ص: 203) لمطهر بن طاهر المقدسي، قال الزركلي في الأعلام (7: 253): دل تحقيق المستشرق (كليمان هوار) على أنه مصنف كتاب (البدء والتاريخ) وكان المعروف أنه من تأليف أبى زيد (أحمد بن سهل) البلخي، كما في كشف الظنون وخريدة العجائب، إلا أن البلخي توفى سنة 322 وكتاب (البدء والتاريخ) صنف سنة 355 ه.

([237]) البدء والتاريخ ( ص: 206).

([238]) الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين ابن الخطيب (1: 14-15).



([239]) تاريخ ابن خلدون (1: 76- 77). باختصار يسير.

([240]) أخرجه مسلم (ح: 2937).

([241]) تفسير القرطبي (11: 58).

([242]) اجفَظّ، أي: ملأها الدم. قال الصاحب بن عباد: الـمُجْفَئِظُّ : كُلُّ شَيْءٍ يُصْبِحُ على شَفا المَوْتِ من مَرَضٍ . وهو الـمُـنْتَفِخُ أيضاً . وأصْلُ الجَفْظِ : المَلْءُ . وجَفَظتُ البَعِيْرَ : إذا ملأْتُ بَطْنَه ؛ جَفْظاً . (المحيط في اللغة، مادة: جفظ).

([243]) النغف بفتح النون والغين المعجمة وفاء وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم الواحدة (نغفة). الديباج شرح صحيح مسلم، للسيوطي (6: 253).

([244]) تَشْكَر شَكَرًا،أي: تمتلئ، غريب الحديث لابن قتيبة.

([245]) أخرجه ابن ماجه (ح: 4080) واللفظ له والترمذي (ح: 3153)، وأحمد (ح: 10640). وغيرهم.

([246]) أخرجه البخاري (ح: 3168)، ومسلم (ح: 2880).

([247]) فيض الباري على صحيح البخاري (4: 24).



([248]) المجلد الحادي عشر من المنار (ص: 284). ونقل هذا عنه الشيخ السعدي في رسالته.

([249]) في كتابه (يأجوج ومأجوج فتنة الماضي والحاضر والمستقبل).

([250]) تفسير ابن كثير (5: 198).

([251]) البحث منشور كاملًا في موقع المؤلف على النت.

([252]) أخرجه البخاري (ح: 3168)، ومسلم (ح: 2880).

([253]) أخرجه البخاري (ح: 3169)، ومسلم (ح: 2881).

([254]) أخرجه مسلم (ح: 2937).

([255]) مستفاد من رسالة الشيخ السعدي (يأجوج ومأجوج ص: 82 فما بعدها) ومن بحث د. حاكم المطيري.

([256]) ألمح إلى هذه المسألة الشيخ السعدي، وتبعه د. حاكم المطيري.

([257]) قال ابن عبد البر في الاستذكار (8: 583): سئل ابن وهب عن قوله في هذا الحديث (إذا كثر الخبث) فقال: أولاد الزنى.

([258]) النهاية في غريب الحديث والأثر (مادة: خبث).



([259]) المحيط في اللغة (مادة: خبث). شرح صحيح البخاري لاب بطال (10: 12).

([260]) التمهيد (24: 307).

([261]) فتح الباري لابن حجر (13: 109).

([262]) أخرجه البخاري (ح: 6147)، ومسلم (ح: 950).

([263]) مختلف الحديث لابن قتيبة (ص: 249).

([264]) أخرجه الترمذي (ح: 2685) عن أبي أمامة الباهلي.

([265]) التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (14: 28).

([266]) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (10: 245).

([267]) أيسر التفاسير (2: 207).

([268]) أخرجه مسلم (ح: 1920) عن ثوبان،

([269]) أخرجه الترمذي (ح: 2192) عن معاوية بن قرة عن أبيه.

([270]) أضواء البيان (5: 265- 266).

([271]) شرح النووي على مسلم (13: 67) مختصرا.



([272]) معالم السنن للخطابي (2: 236)

([273]) أضواء البيان (3: 75).

([274]) تفسير السعدي (ص: 643).

([275]) التحرير والتنوير (13: 206).

([276]) التحرير والتنوير (13: 206).

([277]) التحرير والتنوير (13: 207).

([278]) أضواء البيان (6: 155).

([279]) التحرير والتنوير (3: 233).

([280]) مستفاد من كلام الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (5: 167).

([281]) تفسير ابن كثير (2: 285).

([282]) الكشاف (2: 126).

([283]) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع



([284]) أخرجه البيهقي في الشعب (ح: 1050). والأشبه أنه موقوف على ابن مسعود.

([285]) تفسير ابن أبي حاتم (ح: 5244).

([286]) أخرجه أحمد (ح: 2667). عن ابن عباس، قال شعيب الأرنؤوط: صحيح.

([287]) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

([288]) أخرجه الترمذي (ح: 2398)، وقال حسن صحيح. وابن ماجه (ح: 4023)، وأحمد (ح: 1481).

([289]) بحر الفوائد الشهير بمعاني الأخبار للكلاباذي (ص: 229).

([290]) روح المعاني (23: 121).

([291]) بحر الفوائد للكلاباذي (ص: 229).

([292]) أخرجه أبو داود (ح: 4242)، وأحمد (ح: 6168).

([293]) أخرجه مسلم بطوله (ح: 305) عن صهيب.



([294]) أخرجه أحمد (ح: 2822)، وحسن الأرنؤوط إسناده، وابن حبان في صحيحه (ح: 2903)، وأبو يعلى (ح: 2517). قال حسين سليم: إسناده صحيح.

([295]) أخرجه البخاري (ح: 2897)، ومسلم (ح: 111) عن أبي هريرة: « إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ».

([296]) هي الفرائض والتكاليف كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، (تفسير ابن كثير: 6/488).

([297]) أخرجه مسلم (ح: 2945)، والترمذي (ح : 3930)، وأحمد (ح: 27620).

([298]) أخرجه مسلم (ح: 2899).

([299]) أخرجه أبو داود (ح: 2613) عن ابن عباس، قال أبو داود والصحيح أنه مرسل. وأخرجه أيضا أحمد (ح: 2682). وابن خزيمة (ح: 2538), قال المحقق الأعظمي: إسناده صحيح. وأبو يعلى (ح: 2587)، قال المحقق حسين سليم أسد: إسناده صحيح.