آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة لنقيب الأطباء في حلب الدكتور ناظم النسيمي



مرات القراءة:42    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

كلمة لنقيب الأطباء في حلب الدكتور ناظم النسيمي

وذلك في عام 1975م 

عن العارف بالله الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

وبعد: فإن فقيدنا المرشد العارف بالله تعالى والذي نحيي ذكراه الشيخ محمد النبهان غني عن التعريف به لكثرة آثاره المجيدة الدالة عليه.

وإنما أتكلم في هذه المناسبة اعترافاً بفضله عليّ وتوجيهاته السامية لي وإقراراً بحسن صحبته وبليغ إرشاده، وتعريفاً بجانب من جوانب عظمته وإرشاده لمن لم يحظَ بالاستماع إلى حديثه الجزل وتوجيهاته الناهضة بهمة المؤمن النزيه.

إن حقائق العظمة في حياة مرشدنا الفقيد الغالي لعديدة الجوانب وعالية الشأن.

وسأختصر في هذا المقام على إيضاح جزء من إرشاده الخاص للسالكين..

 

*السلوك والإرشاد بين الصوفية من جهة وبين علم النفس والطب النفساني من جهة ثانية :

 

إن مراقبة النفس وتهذيبها وتعديل شدة بعض الميول والرغبات فيها لإحداث التلاؤم مع الإمكانيات والواقع والواجب والحياة الاجتماعية تكون بتوجيه الميول القوية الوجهة الصالحة المفيدة لصاحبها وللمجتمع الذي يعيش فيه، وبتنمية الميول النافعة الضعيفة كتنمية الميول الاجتماعية والمثالية لفتح المجال أمام التحويل والتصعيد المفيدين في التلاؤم .

ومما يساعد على حسن هذا التلاؤم أيضاً: مراقبة الشخص الشعورية لميوله ونوازغه ليعرف نفسه أولاً.

هذا ما يقرره علماء النفس والتربية والأخصائيون بمعالجة الأمراض النفسية.

 يقول أستاذي الدكتور فيصل الصباغ أستاذ الأمراض العصبية والنفسية في جامعة دمشق: (إن أحسن أشكال الملائمة مع الحياة هي الملائمة الناتجة عن مراقبة الشخص الشعورية لميوله ودوافعه، ولا يمكن توجيه الدوافع المسيرة لسلوكنا نحو غايات بناءة إلا إذا تعرضت منابع سلوكنا المختبئة في اللاشعور لنور الشعور الكامل حيث يمكننا مواجهة الواقع وتوجيه دوافعنا بواسطة المراقبة الشعورية.

وبالرغم عن أن سلوكنا يبقى موجها بالدوافع العميقة فإن معرفتنا لمنابع سلوكنا وتفهمنا للآليات التي يستخدمها العقل لا شعورياً للدفاع وللهرب من الواقع يُمَكننا من اختيار التي يقبلها المجتمع ويستفيد منها. وبذا نستطيع الاستعاضة عن هذه الآليات اللاشعورية بالمراقبة الشعورية الواعية).

قدمت هذه اللمحة النفسية ليعرف السالك أن معرفته لنفسه لعيوبها وتصرفاتها والتدقيق في نياته أي في الدوافع الأولى المحركة لسلوكه في هذه الحياة أساس متين لتخلقه بأخلاق الإيمان وسلوكه طريق الإحسان.

إن مراقبة الإنسان الشعورية لميوله ودوافعه هي أساس محاسبة النفس في الإسلام ووضع الشهوات ( أي الميول الشخصية أو النزعات ) في الحلال وجعل الأهواء تبعاً لشرع الله تعالى وإخلاص النية (أي الدوافع) لله سبحانه، وهذا من جملة ما اهتم به أجدادنا المتقون الأخصائيون بتربية النفوس والتعريف بطرق تزكيتها ،والمعروفون باسم المرشدين الصوفيين أو شيوخ التربية ،وقد عرفت تلامذتهم الذين يستطبون لنفوسهم عندهم في سبيل حياة نفسية مثلى وطمأنينة برضوان الله تعالى عرفوا بالمريدين أو السالكين لأن الواحد منهم أراد  تهذيب نفسه وتخلقها بآداب الإسلام وتحقيق إخلاص دوافعه لله تعالى وتطهير نياته من أي شرك خفي فأراد الله وحده وابتغى رضاه فقط فهو السالك في طريق الإحسان الذي عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه ) أي بحضورك وخشوعك وخشيتك فلا يسيطر على ساحتك النفسية وأفكارك إلا رضاه.

يمتاز المرشدون الحقيقيون على الأخصائيين في التربية وعلم النفس بما يلي:

1- أن معلوماتهم عن النفس والتربية مقتبسة من تعاليم القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن تعاليم السنة المطهرة، ومن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه وصحابته رضي الله عنهم أجمعين.

ويضيفون إليها خبرتهم في سلوكهم على يد أشياخهم و ينور طريقهم في التربية نور الفراسة الإيمانية التي نمت بالتقوى فأضحوا يغوصون في نفس المريد والسائل والجليس ،فيكون جوابهم لا على السؤال مستقلاً عن سائله بل على مقصد السائل من سؤاله وحالته النفسية حين السؤال ، ويوجهون كل سالك في ميدان نفسه على حسب استعداداته ووجهته كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل حيث يجيب على السؤال الواحد في مناسبات عدة بأجوبة مختلفة باختلاف أحوال السائلين، فطريقتهم هذه أقوى وأنجع من طريقة التحليل النفسي المعروفة عند الأخصائيين بها .

وكان مرشدنا رحمه الله تعالى على درجة عالية في هذا الباب.

 2- أنهم يبنون توجيههم الخلقي على أساس التمسك بالآداب الإسلامية؛ لأن الأخلاق على غير أساس ديني كالقصور المبنية في الهواء. أما علماء التربية اليوم فإنهم يبنون الكثير منها على أساس العرف الاجتماعي وتقاليد البيئة وهذه تتبدل رقياً أو انتكاساً وقد يعد حسناً ما كان يعدّ قبيحاً فلا تصلح الأعراف أن تكون مرتكزاً ثابتاً للنهوض بالأخلاق.

3- أنهم يشترطون في السلوك اتباع تعاليم الإسلام لأن تربيتهم ليست خلقية فحسب بل خلقية روحية معاً، وإن التمسك بالدين والإخلاص لله تعالى هو المنطلق في الرقي الروحي.

4- أنهم يصرون على إخلاص العمل بقصد الله تعالى وحده ابتغاء رضوانه.

يُرغبون المبتدئ بثواب الله ونعيم جناته، ويحذرونه من عقابه وعذاب ناره، ولكن السالك يرقى بعد ذلك بالإتباع والتهذيب إلى مرتبة يقوى فيها حب المثاليات عنده، فيحب الله ورسوله أكثر من أي محبوب أو مرغوب ويعبد الله لأنه إله خالق عظيم يستحق العبادة كما قالت رابعة العدوية رحمها الله تعالى.

أما علماء النفس فإنهم يرغبون بالذكر الحسن والسمعة الطيبة وبدرجة أعلى بتخليد وبدرجة أرقى يرغبون بفعل الجميل لأنه جميل فيلتقون في الدرجة الأخيرة مع المرشدين ولكن الدرجة العالية الأخيرة لا يبلغها إلا القلائل من الناس، وإن الذكر الحسن والسمعة الطيبة لا تغري العامة، وينتكس فيها الوسط من الناس عندما لا يرى تقديراً من أقرانه أو رؤسائه، وعندما يلاحظ أن النزيه لا يرتقي ارتقاء المنافق المستغل.

5- أن مراقبة النفس عند علماء النفس وعند المختصين بمعالجة الأمراض النفسية تعتمد على تفسيرات مادية وغريزية.

أما عند المرشدين الإسلاميين فإنها تعتمد على ملاحظة أن الله رقيب عليهم، مطلع على أعمالهم وعلى ما في نفوسهم من نوايا، وهو خالقهم، ورحيم بهم، وأعلم بما يصلحهم، وبذلك تتجه النفس إلى التوبة وإلى تصحيح الأخطاء وإلى سلوك الطريق الأقوم المؤدي إلى رضاء الله تعالى. وإن نمو الميول الاجتماعية والدينية والمثالية عند المريد نتيجة تطبيقه تعاليم الإسلام يساعد على تعديل الميول الشخصية لديه، وعلى سهولة التلاؤم العقلي، وحل النزاع النفسي بهدوء دون آثار ضارة.

وإذا كان المرشد كاملاً عارفاً باختلاف النفوس ونزعاتها عند مريديه سهل بتوجيهاته لهم تهذيب ميولهم والرقي بها في مقامات الكمال والإحسان.

فالمرشدون الصوفيون الحقيقيون هم المختصون بالتربية النفسية والدينية والمثالية معاً، ومجموعها كان أساس طرقهم الأولى. أما الخلافات الثانوية فهي شكلية، فهم يسيرون بطرق مستقيمة متجهة إلى نقطة واحدة هي رضوان الله تعالى.

وليس في بحثي مجال لذكر المتصوفة المدعين الذين إذا عرضنا أقوالهم وأعمالهم على الشرع الحنيف وآدابه السامية وجدنا تناقضاً عجيباً، فمن لم يتمسك بالشريعة ولم يتخلق بآداب الإسلام ومكارم الأخلاق فليس بصوفي ولو لقب نفسه أو لقبه أشياعه بذلك.

 

*عرفانه رحمه الله تعالى وأهليته للإرشاد:

 

تدل السيرة الزكية لفقيدنا الغالي وأخلاقه العالية واستقامته على الإتباع والتقوى وحاله المشرق وجهاده في قول الحق وصبره في الابتلاءات وما يتحدث به من جميل الفهم وبديع الإلهامات ورفعه لهمة مستمعيه يدل كل ذلك على أنه من أولياء الله الكبار المرشدين الكاملين والعارفين بالله تعالى المحققين.

إن مرتبة العارفين بالله تعالى عند الأخصائيين من سلفنا الصالح الباحثين في الأخلاق وعيوب النفس وطرق إصلاحها ثم في السير بها في مقامات الإحسان وفي معارج الكمال هي مرتبة الإيمان الكامل، مرتبة تقوى الله حق تقاته مرتبة الإحسان، مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه،

مرتبة القائلين إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً،

مرتبة الذين يقولون للجاهلين: سلاماً، وإذا مروا باللغو مروا كراماً،

 مرتبة الذين شغلت ساحتهم النفسية حب الله ورسوله فذاقوا حلاوة الإيمان، فأضحى هواهم ورغباتهم تبعاً لما جاء به المصطفى صلوات الله عليه وسلامه،

هي مرتبة السابقين المقربين (والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) سورة الواقعة 10-14.

إذا ألهمه الله تعالى فكاشف أو أكرمه بكرامة حسية أجراها فليس ذلك بمستغرب؛ فقد أعطاه الله تعالى الكرامة المعنوية، وهي أعلى من الكرامات الحسية هي كرامة رفع همة مجالسيه بنزاهة حيث تتلطف نفوسهم، وتسمو رغباتهم، وتزيد تقواهم، ويعيشون ساعات أو أياماً على الصفاء الزائد الذي خالط قلوبهم وشع نوراً بمجالستهم.

 هذه هي كرامة المرشدين الكاملين العارفين بالله تعالى المطمئنة نفوسهم بالله سبحانه الراضية عنه المرضية عنده.

 

*إرشاده الخاص للسالكين :

 

إن سيرة الراحل الكريم وأخلاقه الزكية وآثاره القيمة وكلماته الروحية المؤثرة وشهادة الأفاضل له كل ذلك يدل على أنه متمكن في مقام العرفان والإرشاد، ومع ذلك لم يتخذ طريقة، ولم يأخذ بيعة من أحد، ربما كان ذلك بسبب التبدلات التي شابت طرق القوم في القرون الأخيرة، ولضعف همة الناس وكثرة العلائق والعوائق التي تحول دون وجود المريد الحقيقي، ولحكم أخرى الله تعالى أعلم بها

نعم لم يدع إلى طريقة صوفية مع أنه سلك بالطريقة النقشبندية على يد المرشد الكبير أبي النصر خلف رحمه الله تعالى، وبلغ درجة العرفان، وأخذ الطريقة الشاذلية عن شيخها الشيخ محمد الهاشمي-رحمه الله تعالى-والذي عرض عليه أن يسلك المريدين في حلب فاعتذر عن ذلك بأنه لا يدعو إلى مشيخة، ولا يستطيع أن يكون شيخ طريقة كما حدّث هو بنفسه عن ذلك.

لقد كان رحمه الله تعالى كما سمعنا منه ومن رفاقه في السلوك أنه كان يمر في سلوكه على الأحوال الحسنة والمقامات السنية فلا يقف عندها لأنه كان متعلقاً بحب الحقيقة رافعاً همته إلى رضوان الذات الإلهية فحسب.

لقد كان في أتباعه والملتفين حوله من يرغب بتهذيب نفسه وتقوية اتباعه الشرعي وسلوك طريق الإحسان بصحبة أهله الصادقين مع الله تعالى الدالين عليه ليبلغوا بدرجات السبق معارج الكمال ورضوان الله تعالى والقرب منه وصدق الله العظيم :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) التوبة 119.

فكان رحمه الله تعالى بثاقب بصره وقوة فراسته ونور الإيمان عنده وفتح الله عليه وإلهامه يعرف نفوس جلسائه وسائليه فيعطي الجواب الحكيم ويوجههم في سلوكهم حسب ميادين نفوسهم ليرتقوا من مرتبة إلى مرتبة محاسبين نفوسهم ومهذبين لها وكانت محاسبة النفس عنده أهم شيء بالنسبة للمسلمين عامة وللسالكين خاصة.

وكان يرغب من أتباعه أن يجددوا التوبة والاستغفار لله تعالى وأن يقرؤوا فاتحة الكتاب قبل حضورهم مجلسه وذلك لتكون نفوسهم أصفى وأكثر تقبلا للمواعظ وليكون الجو إيمانياً مكتسباً نورانية مستدراُ للفتح الرباني وكان يقول: لا يخبرني أحد عن ذنب أحد، وكان لا يرضى لأتباعه أن تبدو عليهم أحوال تدل على الضعف أو الطيش أو الجذب العقلي وكان يقول: ما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مجاذيب وكان يريد لهم حسن الإتباع الشرعي وصفاء النفس وتفتح العقل.

كان يراعي رحمه الله تعالى في توجيه الناس أن يكون كلامه على قدر عقولهم وفهمهم ومستواهم وهذا يقتضي منه إعطاء مواعيد خاصة لبعضهم أو للمتقاربين في الفهم والسير ليجيب على أسئلتهم ويوجههم الوجهة الصالحة.

استمر على نهجه ذلك في الإرشاد سنين طويلة ثم اقترح عليه كثير من محبيه أن يجعل لهم مجلساً أسبوعياً عاماً يذكرون الله تعالى فيه ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ليعيشوا ساعات خالية من كل هم وخاطر إلا من هم وخاطر حب الله ورسوله والتمسك بشرع الإسلام ولتقوى المراقبة النفسية عندهم ويسمو الضمير الإسلامي فيهم فيصبحوا أكثر يقظة وبصيرة وتذكراً مصداقاً لقوله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) الأعراف 201.

استجاب الشيخ رحمه الله تعالى لرغبتهم فأصبح ذكرهم الجماعي بعد صلاة الجمعة سنة 1392هـ.

ولقد لمسنا علو همته رحمه الله تعالى ورفعه لهمة محبيه وتسامي سلوك الصادقين من جلسائه كما لمسنا طمأنينته ورضاه بالله تعالى على الرغم من كل المحن والمصائب والصعوبات والديون التي تراكمت عليه والمرض الذي كان ينتابه حيناً بعد حين فتراه يسير شؤون زراعته ويتابع أحوال مريديه ويجالس زائريه ويهتم بأمر المسلمين حتى تعبت أعصابه وجسمه في مراد الله تعالى وترعرعت القرحة الهضمية لديه ولكن همته العالية تتحمل المصاعب والمصائب وتسترها كأن لم تكن حتى نزفت قرحته وكانت سبب وفاته رحمه الله تعالى   

أسأله تعالى أن يزيد في مقاماته عنده العليا، وأن يجزيه عنا وعن الإسلام كل خير، وأن يعوض على المسلمين من العلماء العاملين خيراً

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

للحفظ والاستماع