آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الخاتمة    محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان
كلمة لمفتي حلب الشيخ محمد الحكيم عام1975م



مرات القراءة:591    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

كلمة لمفتي حلب الشيخ محمد الحكيم عام1975م عن العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه.

يقدمه الشيخ محمد الشامي. رحمهما الله.

المقدمة: والكلمة الآن لعالِمنا الجليل سماحة مفتي حلب الأستاذ ( محمد الحكيم  ) الذي هو غنيٌّ عن التعريف.

وقد عَرّفتْ به محافل العالم الإسلامي أيضاً. فليتفضّل

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه  وأزواجه الطيبين الطاهرين.

يا ربي لا إله إلا أنت نورك ملأ أركان عرشك  يا الله.

اللهم بقدرتك قَدَرتَ على جميع خلقك، زيّنتَ السموات والأرض بالنور يا رب العالمين.

إلٰهنا أنت العظيم ، إلٰهنا أنت تحيي وتميت، إلٰهنا أرسلت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، كان أكبر نعمة.

  جاء النبي صلى الله عليه وسلم و لاتزال أنواره ساطعة، ولا تزال شموس  معرفته لدينه بازغة يا الله، فإن صحابته الأولين الغرّ الميامين ثم التابعين بعد ذلك والأئمّة و المستهدين في كل عصر على هدى النبي صلى الله عليه وسلم سائرون.

ونحن الآن قد اجتمعنا من أجل الاحتفال بذكرى رجُلٍ عالِم جليل ، هذا الرجل ملأ قلبَه حبُّ الإسلام، وقد أراد النهضة العلمية ، وقد أراد المحبة الإسلامية، فجَهَدَ من أجل ذلك جهدًا عظيمًا.

الشيخ محمد النبهان  عرفته من أكثر من خمسين عامًا.

هذا الرجل الذي طلب العلم على تقدّم في سنّه بالنسبة إلى طالبي العلوم، كان من عائلةٍ غنيّة ثريّة، كان من عائلة ذات مكانة دنيوية،  فإذا لأمرٍ يريده الله، حتى انطلق يريد طلب العلم الديني، وأن يكون هذا الطلب مفتاحاً للخير لنفسه ولأصحابه ولبلده.

 كان أثناء طلبه للعلم رزينًا عاقلًا طيبًا هادئًا صبورًا كريمًا سمحًا طَلْق الوجه، بسّام المُحَيَّا، يثابر على طلب العلم دون هوان.

 وأول ما دخل مدرسة القرناصية وكان معه طلاب علم هم رفاقه وفي طليعتهم المرحوم الشيخ عبد القادر الكرمان، وكنت أنا في أول طلب العلم، كنت أصغر منهم قدرًا وسنًّا، ولكن شاءت عناية الله أن الشيخ عبد القادر الكرمان رغب إلي هو والفقير رحمهم الله أن أقرأ له درساً في النحو والعربية، وقد ثابرنا على ذلك ،وكان الأستاذ الشيخ النبهان  مغرمًا بطلب العلم فثابر على ذلك، وأراد أن يذهب الى مصر وقد ذهب قليلًا، وأراد أن يذهب العراق، عاد وهو طالب علم قوي عالِم جليل.

كنت في مصر وكان يكاتبني مكاتبات جليلة ويرسل إلي رسائل كانت تُحبب الناس الي رحمه الله وأسكنه فراديس الجنان.

ما رأينا  إلا أن الشيخ محمد النبهان  أراد أن يجسّد الحياة العلمية بصورة عملية فلم يرد أن يكون مفكرًا عارفًا بالفكر فقط، بل أراد أن يكون تقيًّا زاهدًا وأن يربّي نفسه على السلوك  الطيب وعلى الطريقة الحميدة الرشيدة.

 إني أفتقر هذا الشيخ.

وأذكر لكم أنه في رمضان كان يأتي بالخبز وهو الخبز اليابس المعفّن ، كان يبلّه بالماء ويقف يسبّح الله سبحانه وتعالى ويذكره حتى إذا ما أذّن المؤذّن وشرب الماء جعل يتعشّى من هذا مع أنه كان غنيّاً قادراً ، وكان يستطيع أن يأكل لذائذ الطعام , تربيةً منه لنفسه انفرد بها دون إخوانه، أراد أن يستولي على إرادته ، أراد أن يستولي على عواطفه، أراد أن تكون إرادته وعواطفه فيما يرضي الله. أراد أن يتحمّل من  الشدائد والأهوال وأن يتحمل من المصاعب في سبيل أن يربّي نفسه ، لأجل أن يردّها للتربية، أن يردّها للتأديب  والتهذيب ، فجاء الناس يتحمسون حواليه،

وقد عاف (بمعنى ترك ) رحمه الله المناصب، عافها واتخذ منصبًا من هذا الموقف هو التوجيه والإرشاد ،وجمع الناس من حواليه بصفة الناصح بصدر واسع لامتكبر, غير ضيق في الفكر.

أعطاه الله قوة وأعطاه الله سبحانه وتعالى مدداً فكانت هذه الأمة في أعمالها وأفعالها  و خيراتها ببركاتها ومسراتها من جملة ما أنعم الله على هذه الأمة بالهدي النبوي الذي ورث منه شيئًا كثيرًا الشيخ محمد النبهاني، فكان لا يعرف إلا الإسلام ولا يعرف إلا الدين، على فكرة الإسلام الحقة بصدر واسع ونفسٍ ضَحوك ووجهٍ طيب المُحَيّا لا بنفس متزمّتة ولا بنفس مغرورة ولا بنفس ضيقة  العطاء ولا بنفسٍ ترى في الناس أنهم مخطئون ولا بنفس ترى أنها ارتفعت.

إنما كان يجمع الناس حواليه  وقد أداه الأمر أنه أنشأ هذه المدرسة بتخريج طلاب العلوم وبتدريسهم  ومن أجل أن ينشر العلم ، كان بفضل ذلك من فطرة الإسلام التي يحملها.

إن الاسلام قد انتقل إلى العالم فظل يحكم الدنيا أكثر من ألفي عام...

وكان العالم الغربي يعلم أن في الإسلام قوة عظيمة وأن في الاسلام حيوية، هذه القوة وتلك الحيوية إذا لجأ المسلمون إلى العلم وإلى المحبة فسوف يمتازون بـ القوة  والأخوّة ويجمعون العالم من جديد ويضيئون النور.

فالعالم الغربي إنما زحف على العالم الاسلامي لأجل أن يؤخر النهضة العلمية  والصناعية ، ولكن ما أسس المسلمون من مدارس حديثة كالمدرسة الخسروية بحلب  كان لها الدور في دعم النهضة الإسلامية وفي بعثها بإذن الله، فقد كانوا أساتذة ثقاة وكانوا نجباء جليلي القدر هم الذين يبعثون البعث  الإسلامي  المحمدي  في نفوس الطلاب والتلاميذ، فقد ظهر من هؤلاء الشيء الكثير، وكان  في طليعتهم الفقيد رحمه الله ، فإنه أراد أن يعيد نهضة علمية جيدة خصوصاً نحن الآن أمام  صهيونية مجرمة أثيمة ،هذه الصهيونية تكيد للأمة جمعاء، تسير تحمل آراء تضر الإنسانية..

 إنه الاسلام الحق.

 هذا الإسلام الذي بُنِيَ على العلم والحضارة والسماحة والمحبة، والشيخ محمد النبهان رحمه الله أحد من فهموا هذه الحقيقة فهماً جليلاً وكان صدره واسعاً حتى للحكومة فكان يتسع صدره واسعاً اتساعاً لتدرك الحكومة ما تفعل.

وكان بعيداً عن المشاكل، بعيداً عن الفتن ، كان يعلم الحقيقة.

أذكر أنني منذ عشر سنوات تقريبا دعاني الشيخ محمد الشامي للإفطار في رمضان ،وقد اجتمع أكثر من أربعين عالِماً هم زهرة علماء حلب ، اجتمعوا في غرفة الشيخ ،جئت متأخراً فقام و حياني وأجلسني مكانه ، ثم اقترح أن يبدي العلماء رأيهم فيما ظهر من عواقب جاءت جديدة على الناس ، فإذا الشيخ طلب مني أن أبيّن الرأي ، قلت له أنا الأول ؟ قال : نعم، أبديت رأياً كأنني عبّرت عن رأيه وكأنني هتفت بما يجول وبما يخالط خاطره  رحمه الله، لأنه كان يريد أن يسمع الجملة  الفذة ولا يريد أن يكون متورطاً ولا يريد أن يكون شرساً، لا يريد أن يكون رجلاً يأتي بالتورط بالأمور التي نعانيها وإنما يأتيها بالحسنى والموعظة الحسنة ، فاستقر الأمر بعون الله بواسطة تأييد الشيخ....

وكان الشيخ محمد النبهان أن كثيراً من الناس كانوا يستغلونه أحياناً..

كان رحمه الله بعقله الكبير وقدره الواسع يوقفهم عند حدّهم ، فنحن في هذه الذكرى نأتي ونذكر الشيخ محمد النبهاني دلالةً على أن رجلا أتى في عصور متأخرة كدنا نيأس كثيراً من النهضة ، مضى علينا ظروف  كثيرة فيها الفقر وفيها من التخلف وفيها من الظلام  الشيء الكثير يستولي على قلوب كثير من الناس ولكن فقدان الشيخ رحمه الله يعوض بواسطة أصحابه وأحبائه وتلامذته ومريديه، فعل فعلاً عظيماً كان أثره هنا وفي العراق أيضاً، من مدة رأيت له في العراق طلاباً له من مريديه يُجِلّونه ويذكرونه بالخير والفضل ،ان هذا لَدليل على أن هذه الفرصة لنجدّد العهد أمام الله تعالى بأن نسير قُدُماً في  الامام وأن نعلم بأنه لا نهضة لنا الا بالإسلام  ولا نصر لنا إلا بالإسلام والسير المبني على روح الاسلام الحقيقية دون تعصّب أعمى ولا تزمّت وانما هي سماحة لا بجاحة.

وإنني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم الفقيد وأن يصبّ عليه رحمته وأن يتغمده برضوانه  

وأن يجعل بإذن الله الأمة الأسلامية حتى تعتلي هذه البلاد التي يكيد لها الصهيوني والاستعمار وما ذلك على الله بعزيز

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 حفظ واستماع