آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الشمائل والأخلاق
كرمـــه



مرات القراءة:4811    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 كرم السيد النبهان رضي الله عنه

 

الكرم صفة عانقت حياته رضي الله عنه حتى كان عيناً لها، لا تتكلف بسقي من حولها، ولا تنقص بمن يرد عليها، مذهبه في ذلك: أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً  

 

قال رضي الله عنه : ( مالي = ما، لي ، عزَّ مالك = عزٌّ مالك، ذلَّ مالك = ذلٌّ مالك .، يعني لا عزّ لمن أعزّ ماله بالحرص والبخل، ولا ذّل لمن أرخصه بالبذل والصدقة، وقال أيضاً:  نحن وما ملّكنا له، نحن وما ملّكنا زكاة، وما خطر لي يوماً من الأيام أن أضع عندي قرشاً سورياً، المال عندي مثل المكوك، يدخل من هنا ويخرج من هنا!! ). أي لمحتاجيه، فلم يكن عنده مال خاص لنفسه، بل هو بيت مال للمسلمين وغيرهم، يفرح بالعطاء والخدمة، وما ملّت يداه الجود والنفقة، يتفقد الأرامل والأيتام والمساكين والأرحام، وذوو الحاجة لديه بين غاد ورائح، هذا يزوجه، وذاك يفي عنه دينه، وآخر يبني له مسكناً، علماً أنّه ما ملك طيلة حياته بيتاً يسكنه،. يؤثر على نفسه وعياله أهلَ العوز، ولا يفرّق في العطاء بين المسلم وغيره تخلقاً بأخلاق الله تعالى، ولا يردّ السائل ولو كان كذاباً أو محتالاً مع علمه بأحواله تخلقاً بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطوا السائل، ولو جاءكم على فرس  قال رضي الله عنه : (أعطوهم مقدار ما يدفع الحاجة، على احتمال أنّهم صدقوا).

يصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، ويقول: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن وافق أهله فذاك، وإلاّ فكن أنت أهله

ولا يقبل الهدية من أحد حتى يعلم صدق المُهدي، قال رضي الله عنه : (نحن همّنا أن نعطي للناس، لا أن نأخذ منهم، ولا نقبل الهدية حتى نعلم صدق المهدي، يجب علينا أن نكرم جارنا، بل عدونا إذا كان محتاجاً).

ولا يرى لنفسه حظاً في العطاء، بل ينسب النعمة إلى المنعم عزّ وجل، ذلك شأنه في جميع أحواله وله الباع الطويل في الإقراض فلا يقول للمقترض: اكتب لي ورقة بالدين، أو احلف بالله، أو جئني بضامن أو كفيل، وإنما يضع اسم المقترض في سجل وأمامه إشارة [×]، فإن عاد بالقرض قبله، وإلاّ سامحه من غير مطالبة، وإليك ميزان الإقراض عنده قال رضي الله عنه : (إذا أردت أن تُقرض شيئاً من الدنيا فانظر إن كان حبك للمادة أكثر فلا تقرض أحداً أبداً، فإنّك من بعدُ مفضوح، وإن كان حبك للمعنى أكثر فأقرض، وضع على الشيء المقترَض خطين، إن أتاك القرض فخذه، وإن لم يأتك فلا تطالب به أبداً).

ولا يرى بأساً في تحديد أجل القرض، ويزيد لمن يقترض منه عند الوفاء دون شرط مسبق، اقتداءً برسول الله رضي الله عنه .

           عام الجفاف والمجاعة

في سنة 1958م أودت بسوريّا سنوات ثلاث غُبر سوداء، وأصاب البادية جفاف وقحط شديد، هلكت فيه أكثر الماشية وارتخصت أثمانها، حتى أصبح ثمن الشاة الواحدة ليرتين سورية، وبقيت الإبل هياكل في مباركها فجمع رضي الله عنه ذوي الوجاهة والمال يذكّرهم بحالة البدو، وقدّم كل ما عنده كما هو شأنه في كل مشروع يعمد إليه ومما قاله لهم:  الصدقة أفضل من حج التطوع . فجمعت الأموال الكثيرة، وأرسل النسوة بحليهنّ من الذهب والجواهر، وأمر رضي الله عنه بشراء الآف الأطنان من الدقيق والتمر، وألّف لجاناً للتوزيع .

حدثنا الشيخ عمر الملا حفجي أحد القائمين على التوزيع قال: أمر رضي الله عنه أن يكون التقسيم على النحو التالي:

أولاً: كيس دقيق(جوال) وكيس تمر لكل عائلة .

ثانياً: يعطي لشيخ النـزل ضعفين، وعشرة أضعاف لشيخ العشيرة، أما سبب التفاوت في الحظوظ فيرجع إلى تفاوتهم في الحاجة إلى المؤن التي تقَدَّم للضيوف .

وشمل العطاء البادية المنكوبة من مدينة (أبو كمال) على الحدود العراقية حتى مشارف حمص فقضى على المجاعة وأنقذ الأرواح .

ماذا قال أمير عشائر (عنـزة) ريكان المرشد؟

قال رضي الله عنه :  (لما وصلت سيارة التوزيع أمير (عنـزة) بكى كثيراً ثمّ ضحك! فسئل: لماذا بكيت يا أبا طراد ولماذا ضحكت؟ فأجاب: بكيت لأنّكم ضيوفي وليس عندي ما أقدّمه لكم  لا كراعَ غنم ولا عود زرع أخضر، وضحكت لأني فهمت أن هناك مؤمنين تسأل عن مؤمنين، ومسلمين تسأل عن مسلمين).وذلك عمل لم تتمكن الدولة من القيام به وقتئذٍ .

ودفع رضي الله عنه مرة لولده عبد الله ستة عشر ألف ليرة سورية ليشتري حنطة يبذرها ديماً، فجاءه بعد أيام رجل اسمه عبد الرحمن الأبيّض و شكى له حاجته إلى ست عشرة ألف ليرة سورية تماماً، فأمر رضي الله عنه ولده بدفع المبلغ إليه هدية.

جاءت إليه لجنة بناء مسجد من قرى حمص فقال لهم:  لا مال عندي لأعطيكم، ولكن اتبعوني إلى الدار ...فخرج إليهم بسجاد من بيته وأهداه لمسجدهم!!

حدّثنا ابن أخيه الشيخ محمّد علي النّبهان قائلاً: جيء إلى حـلب بخمسمائة رأس من غنمه رضي الله عنه فأمر الوكيل ببيعها وإحضار الثمن، فقال أحد ولديه لوالدي الحاج علي: يا عمّي قل لوالدي يقتطع لحاجتنا شيئاً من المبلغ!فقال له: يا أخي يا أبا أحمد أليس فرض الزكاة كذا وكذا فأنت أعط أكثر، واجعل لأولادك سهماً من الثمن فأجابه رضي الله عنه :( هذه زكاتك يا بخيل، أما زكاتنا فنحن وما نملك لله تعالى) . وذرفت عيناه رضي الله عنه فأخرج من الطاولة أمامه رسائل عديدة، وقال للحاج علي: كان عليّ أن لا أظهرها لأحد ولكن.. وأخذ منها واحدةً وقال: كيف لي أن أنام وعندي رسائل المحتاجين من المسلمين؟ هذه أرملة تهدم بيتها  القديم حجرةً فحجرة حتى أصبحت تقيم مع أولادها في المطبخ، فكيف أتركها وهي بحاجة إلى بناء غرفة)؟ .

ينفق ما عنده رضي الله عنه ، ويستدين  ويعطي، ومن مآثره رضي الله عنه إعلام من حوله أن سيأتيه غداً مال من وارد القمح أو القطن أو غير ذلك، فمن عنده حاجة فليتهيأ، وعُرف أمره بين الناس، فمن به فاقة ذهب إلى الشيخ النّبهاني، فتجده رضي الله عنه شريك كل ذي همٍ في همه، والمشكلة مهما صعبت فهي سهلة عنده ما دامت تُحَل بالمادة، ومن أقواله رضي الله عنه : والله يا أولادي لو كان عندي بعدد ورق الشجر ليرات لوزّعتها عليكم . .

وقدم إليه رجل يتوعد عمه بالقتل، لأنّه أغلى عليه مهر ابنته، فدفع له رضي الله عنه كامل المهر وأصلح بينهما 

وحدثنا خادمه الحاج مصطفى سروجي رحمه الله تعالى قائلاً: جاءه ذو حاجة لأربعين ألف ليرة سورية وهو يبكي، ولم يكن عنده وقتئذٍ أربعون قرشاً، فهدّأ روعه واستضافه، حتى إذا أصبح الصباح استدان رضي الله عنه المبلغ ووهبه لضيفه!!

ومثل هذه الأمور إن خلا منها يوم، لا يخلو منها أسبوع، فهو رضي الله عنه وارث لمرتبة  استدن عليّ . التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

سأله أحد أصحابه الحاج فوزي شمسي قال: هل كلّفك الله تعالى يا سيّدي بأن تستدين وتعطي للناس؟ فأجاب رضي الله عنه :( أما تحمد الله يا حاج فوزي أن أراك الله هذه المرتبة، وكنت تسمع بها فقط؟.

وسمعته رضي الله عنه يقول: حسبت البارحة الدين الّذي علي فكان مليون ليرة سورية . ثمّ قال: مثل مليون بعرة)! .

وبلغت ديونه المليون ونصفه ليرة سوريّة، وهو مبلغ كبير آنذاك فجاءه حاصل الزراعة فأوفى أكثر دينه..

ورأيت عنده رضي الله عنه سجلاً بأربعمائة عائلة فقيرة، يوزع عليها المؤن والكساء، لاسيّما أيام الشتاء ورمضان والعيدين .

ويوم النحر يضحّي الأربعين والخمسين من البقر والغنم، ويقسم اللحم على الناس، لا يفرّق بالعطاء بين كبير وصغير أو ذكر وأنثى..

هذا إضافة لما يقدّمه رضي الله عنه يومياً للضيوف في البيت والمسجد وجبتين على السنّة والاتّباع ومهم أن نذكر أنّه رضي الله عنه لا يأكل من أموال الزكاة والصدقة والمساعدات التي تصل إليه ولا يطعم أبناءه وبناته منها.

إن الرجل الّذي أعرض عن الدنيا طيلة فترة سيره وسلوكه، فإذا به بعد خروجه للناس يأخذها بحق ويعطيها بحق، لا يمنّ على أحد ولا يذكر عطاءه، ولا يرى لنفسه حظاً فيما أعطى، لأنّه يشهد أن المعطي والآخذ هو الله سبحانه وتعالى، وأنّه مجرّد آلة .









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع