آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية 
الخاتمة



مرات القراءة:7576    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

وفاة الشيخ محمد النبهان

بقلم حفيده الدكتور محمد فاروق النبهان:

اشتهر الشيخ بقوة بنيته وسلامة صحته، فلم يكن يشكو من مرض، وقلما كان يصاب بصداع أو زكام أو آلام، ولم يكن يألف حياة اـرض والاستسلام له.
كان يحب رياضة المشي، ويخرج إلى المزارع لكي يمشي في دروبها، ولم تكن ملامح الشيخوخة تظهر عليه، كان يقاومها بقوة إرادته وبنشاطه الدائم، ولم يتوقف نشاطه اليومي في الكلتاويّة في الصباح والمساء، وكان يستقبل زواره وإخوانه، ويتناول طعامه معهم في الكلتاويّة عند الضحى وبعد العصر، ويشاركه في الطعام كل من كان في مجلسه.


بزوغ ملامح الإرهاق في السنوات الأخيرة:

في السنتين الأخيرتين من حياته بدأت ملامح الإرهاق تظهر عليه، بسبب مرض السكر الذي كان يشكو من أعراضه، وأهم أعراضه الانفعال، ولم يكن من عادته الانفعال والغضب، كان يكظم غيظه ويغلب عليه الحلم، وكان هادىء العبارة، صبوراً في المواقف الصعبة.

ولابدَ أن أحداث «قرية التويم» قد أزعجته، ولكنه لم يكن يتحدث عنها، وكنت في كل مساء أعود معه من الكلتاويّة إلى داره، أو أزوره بعد عودته إلى الدار، أو أراه في فترة الظهيرة في غرفته أثناء القيلولة.

كنت أحدثه في كل شيء، وأحياناً أداعبه بكلمات محببة إليه، فيأنس بذلك، وكنت أحمل معي مجموعة من المطالب، لبعض أفراد أسرته أو لبعض إخوانه، التمس منه أن يأذن لهم بها، فكان يقول لي بتحبب وود، إذا اقتنعت بهذا فلاباس به.. ولم يكن أحد يناقشه في أمر، لا لأنهم يخافون منه، ولكنهم كانوا يحترمون ما يقول.. وإذا اقتنع بأمر فسرعان ما كان يأخذ به.

عندما أعود إلى حلب من السفر كنت أزوره مباشرة فيفرح بقدومي ويعود إلى الدار في وقت مبكر عند الظهر والمساء لكي يسألني عن أحوالي ويطمئن عن أسرتي، وإذا رأى زوجتي أجلسها إلى جانبه وأكرمها وسألها عن أبيها وحدثها عن جدها الشيخ أبو النصر شيخه في السلوك، وأوصاني بها خيراً.

في كل أمسية كنت أجلس إلى جانبه على حافة الفراش الذي ينام عليه في فناء الدار العربية التي كان يسكنها، النور خافت ونسمات الليل في أمسيات الصيف تداعب الوجوه.. أحدِّثه في كل شيء ويحدثني، استفسره عن بعض الأمور ويجيبني.. ويشرح لي ما لا أعلمه من الأمور، ويستخرج من ذلك العبرة، ويختم ذلك بنصيحة أو كلمة نورانية تشعرك بسمو نظرته للأمور.

سألته يوماً في إحدى تلك الأمسيات عن سر ما وقع له من ابتلاءات فقال لي:

هذا امتحان لكم وليس لي، فأنا راض بقضاء ربي واختياره، يا ولدي: لقد وجدت الخير كله في الابتلاء، فالابتلاء يشعرني بعبديتي لله تعالى وبفقري إليه.

يا ولدي: أنا لا أطلب الابتلاء ولكن إذا أراده الله فأنا راض به وكيف لا أرضى بما رضي لي به حبيبي وقص عليَّ قصة سمنون المحب الذي خاطب ربه بقوله:

وليس لي في سواك حظ       فكيف ما شئت فاختبرني      

كنت أداعبه بكلامي فيبتسم، وأمازحه فيأنس، كان يعرف حبي له وكنت أعرف حبه لي، ولم يتدخل قط في أمر من أموري الخاصة إلا إذا استشرته فينصحني، ويوجهني بكلمات هادئة ولهجة محببة، وكنت أحياناً أفضي إليه بما يجول في خاطري فيشرح لي الأمور ويعيد إلى نفسي الأمل والرجاء.

ذكريات صيف عام 1974:

عدت من سفري المعتاد في بداية صيف 1974، رحبَّ بي أجمل ترحيب، كان في الكلتاويّة، عاد إلى البيت سريعاً، وكنت أرافقه، أمسكت بيده وهو ينزل درج الكلتاويّة، ولما استقر في غرفته، قال لي: حدثني عن زيارتك للمغرب.. لقد أبلغني المغاربة الذين التقيت بهم أثناء تشييع السيد المكي الكتاني بدمشق أنك كنت في المغرب، وألقيت درساً أمام الملك، وأعجب الملك به.

حدثته بالتفصيل عن تلك الزيارة وعن الدرس، قال لي:

إنني معك أينما كنت.. والأسفار لا تحجبك عني... أنا معك في شبابك كما كنت معك في طفولتك.

قلت له: أريد أن أعود إليك لكي أكون معك وفي خدمتك، أجابني بلهجة حانية ودودة دافئة:

ليس المهم أن تكون معي بجسمك وإنما المهم أن تكون معي بقلبك، والسفر ليس حجاباً، والحجاب هو إعراض القلوب..

ثم طلب مني أن آتيه بورقة فكتب:

«اللهم يسر ولا تعسر.. اللهم تمم بالخير.. يا كريم يا رحيم يا الله».

ما زلت احتفظ بهذه الورقة حتى اليوم..

في كل أمسية كنت أزوره، مشتاقاً لتلك الجلسة المسائية، فإذا تأخرت سأل عني..
كانت هناك امرأة فقيرة محجبَّة تطرق الباب بعد مغرب كل يوم، لا أحد يعرف عنها شيئاً، ولم يسألها أحد عن اسمها وسكنها، كان الشيخ يأمر أسرته بأن يعطوها طبقاً من الطعام يكفي لإطعام أسرة، كانت تأخذ الطعام وتأتي في كل مساء تحضر الطبق الفارغ وتأخذ الطبق المملوء، استمر الأمر لمدة سنوات وكان يحض أسرته على عدم سؤالها عن اسمها إذا أرادت إخفاء ذلك ويقول لهم لقد سخرنا الله لها فلا توقفوا رزقها.
وأوصاني بمتابعة طريق العلم، والعمل هو ثمرة من ثمرات العلم، والعلم لكي يعطيك ثمرته فأعطه كل ما عندك، فإن أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.. والعلم كله محمود، لأنه يعرفك بالأشياء كما هي في حقيقتها لا في صورتها الظاهرة، والعلم الحقيقي يوصل إلى الله تعالى، وليس هناك علم مذموم، فصفة الذم تأتي من استعمال العلم في المواطن الضارة، وأهم ثمرات العلم أن تدرك أن كل ما في الوجود من خالق الوجود، وكل ما في الأكوان من حقائق تتلمّسها من خالق الأكوان، وما يراه الإنسان من وسائط ما هي إلا أسباب مسخَّرة لخدمة الإنسان، ولابد من الإيمان واليقين بأن الله تعالى مطَّلع على كل شيء ويعلم كل شيء ويسيّر الكون بحكمته وتدبيره.

وقال لي:

يا ولدي:

ازرع الخير في كل مكان، لأجلك لا لأجل الآخر، لكي يكون الخير صفة من صفاتك، فلا يليق بالإنسان أن يفعل الشر، ولو مع من أساء إليه، ولا تمنعك إساءته لك من مواصلة الإحسان إليه، والله قد تولى أمر المحسنين، وواجه حقد الحاقدين بإحسانك إليهم وتجاهل ما يصدر عنهم.

يا ولدي:

إذا أحب الله عبداً ابتلاه لا لكي يؤلمه ويحزنه ولكن لكي يوقظه من غفلته ويسمع صوت عبده وأنينه مشفوعاً بالذل والانكسار إليه جل جلاله، فيقرّبه منه ويحققه بمرتبة العبديّة لله تعالى، فمن استعز بالله ألبسه الله ثوب هيبته.

يا ولدي

ليس الزهد ألا تملك المال، وأن تعيش في فقر مذل، وإنما الزهد أن تتحرر من قبضة المال والسلطة والجاه فلا تكون عبداً لهم، بل تخرجهم من قلبك، لكي يكون الله في سرك، ولا يكون له شريك في تفكيرك.

يا ولدي:

ليست التوبة أن تترك المعاصي خوفاً من النار وإنما التوبة أن تترك المعاصي والآثام لأنك تستحي أن يراك الله تعالى في مواطن المعصية، وهو الذي أنعم عليك بكل النعم الظاهرة والباطنة.
يا ولدي:

مما يعينك على تحمل الابتلاءات والمحن أن تشعر بالأنس بالله وأن يشعرك هذا الأنس بالطمأنينة والسكون، وينبثق النور في أعماقك فيشغلك عن همومك وأحزانك.
يا ولدي:

خذ بكل الأسباب المادية لتحقيق نجاحك الذي تتطلع إليه، ولكن سلِّم أمر تدبيرك لمن هو أعلم منك بشؤون مملكته وأحوال خلقه وما يصّلحهم، وهذا هو الأدب مع الله، فلا يكون في هذا الكون إلا ما يريده الله.

كان جدي الشيخ العارف يوصيني في كل أمسية بكلمة طيبة، بحاله حيناً وبمقاله حيناً آخر، كلمات قصيرة، إشارات وإيماءات ومواقف، ولم يكن من عادته أن يأمر وينهي، وإنما يوضح ويبين ويعلم.

كنت أدرك أنه في كل كلمة يغرس في كياني غرسه، وفي كل إشارة يضيء في قلبي شعلة، كان الغرس يدفن في نفسي، لا لكي يموت، ولكن ينبت في فصل الربيع بعدما يُسقى بماء الأمطار والآبار، وتشعر الأرض بدفء الشمس ونور القمر.

وذات يوم كانت الأمسية دافئة الكلمات واللمحات والعواطف، حدثته بما يسعده، فابتسم أجمل ابتساماته، كان فرحاً مسروراً لم أشهده من قبل بمثل ما شهدته في تلك الأمسية، تذكرت طفولتي عندما أردفني خلقه على الفرس في قرية الجابرية، وعندما حملني في حمَّامات الحمَّه المعدنية بين يديه يعلمني السباحة وعدت ذلك الطفل الصغير المدلل الذي لم يغادر طفولته الأولى.

بداية المرض:

قضيت تلك الليلة في داره، أسعدني ما رأيته في ملامحه من نضارة، أحسست بسعادته وفرحه، كان في الرابعة والسبعين من عمره، لم تكن تظهر عليه ملامح الشيخوخة، عند الفجر سمعته يصلِّي الفجر، ويقرأ ـ كما اعتاد أن يفعل ـ بصوت عال، وعند شروق الشمس نام من جديد، وعندما أفاق عند الضحى دخل الحمَّأم، وتوضَّأ وعاد شاحب الوجه متعباً، أخبرتني عمتي أنَّ أرض الحمام مليئة بالدماء.. اقتربت من الشيخ وسألته عن حاله وصحته وهل يشعر بأي ألم ؟.. أجابني أنه يشعر بإرهاق وضعف، وعرفت أنَّ نزيفاً داخلياً وقع له.

استلقى على ظهره في سريره.. وأغمض عينيه لمدة دقائق، وأدركت أنَّه فقد وعيه بتأثير الدم الذي نزف منه.. وقفت أمامه أتأمَّل ملامحه.. وانهمرت من عيني دموع سخيَّة، ولمَّا أفاق ورأى ملامح وجهي وآثار الدموع في عيني أمسك بيدي برفق، وقال لي: لا تخف أنا بخير.. سأقوم الآن..

اتصلت بأحد الأطباء وأبلغته بما حدث، قال لي: لابدَّ من نقله إلى المستشفى ـ هذا نزيف داخلي.. وقد يعاوده مرة أخرى..

أقنعته بضرورة أن يذهب إلى المستشفى للاطمئنان عليه، ارتدى ملابسه، وكأنه ذاهب إلى مناسبة اجتماعية، وخرج من داره، كان طريق الكلتاويَة قد امتلأ بإخوانه الذين وقفوا على جناب الطريق، تقدموا منه وسلموا عليه، سألهم عن أحوالهم.. واطمأن عليهم، وأوصى كل واحد منهم بوصية نحو من يخصه من أسرته وأصدقائه.

أمسكت بيده وهو يهبط درجات الكلتاويّة في طريقه إلى السيارة، أفلَتَ يده من يدي قائلاً: أنا أقوى منك، هل تصارعني.. أمسكتُ بيده مرة ثانية وطوَّقته بيديَّ ومَشَينا مسافة مائتي متر تقريباً إلى أن وصلنا إلى السيارة.

جلس إلى جانب السائق كما اعتاد أن يفعل دائماً، وسارت السيارة من الكلتاويّة والبياضة مخترقة المدينة من شرقها إلى غربها، ولما مرت السيارة أمام جامع الفرقان الشهير الذي كان من أجمل الملاهي الساهرة المطلة على المدينة، قال لي: هذا هو ملهى المونتانا الذي أكرمنا الله بأن يصبح مسجداً للعبادة والطاعة، وتوقَّفت السيَّارة أمام باب المستشفى، كان هناك عشرات من المحبين قد بلغهم الخبر، ووقفوا ينتظرون قدومه، واستقبله الأطباء بكل حفاوة، وأعدوا له مكاناً لإقامته.

لم تكن صحته تنبىء عن خطر يهدد حياته.. نزيف طارىء سوف يتوقف سريعاً.. كان يحدث من حوله وكأنه في مجلس من مجالسه..

أعطوه الدم الذي فقده، واطمأنت النفوس، ولما دخلت غرفته في المساء رأيت آثار الدم على وجهه، أخبرني الطبيب أن نزيفاً جديداً في فمه بسبب انفجار شريان داخلي.
كانت ردهات المستشفى وممراته مليئة بإخوانه الذين بلغهم الخبر، فجاءوا مسرعين للاطمئنان عليه.

جاءني الحاج فوزي شمسي والحاج محمد عجم والحاج ناصر الناصر وطلبوا مني أن نتحدَّث على انفراد، ولما جلسنا قال لي الحاج فوزي شمسي: الأعمار بيد الله والأمل بالله كبير، ولكن لو كتب الله الوفاة فأين سيتم الدفن، فوجئت بما سمعت وكأنني لم أتوقع ذلك أبداً، ولابد أنهم سمعوا من الأطباء ما لم أسمع.

قلت لهم والدمعة في عيني:

سيدفن في غرفته في الكلتاويّة وفي المكان الذي كان يجلس فيه وبقيت وحدي أفكر في الأمر.

هل يمكن أن ينتقل الشيخ إلى رحاب ربه بهذه السرعة؟.

هل يمكن أن يكون الموت قريباً منّا ونحن لا نشعر به؟.

لا.. لا يمكن أن يحدث ذلك.. الموت حق.. ولكن لماذا لا يتوقعه الإنسان، ولماذا يستبعده،

ولماذا لا يفكر فيه على الدوام ؟!!

وتذكرت الشيخ وهو يقول في مجالسه:

زوروا المقابر لكي تعتبروا.. وزوروا دور العجزة والمعوقين لكي تحمدوا ربكم وتشكروه.

الرحيــل:
ونام الشيخ بهدوء تلك الليلة، واطمأن الجميع إلى أن الفجر قريب، وطلع الفجر مبشراً، ومضى النصف الأول من النهار وكانت الملامح مطمئنة، سيعود الشيخ إلى بيته، وخرجت من المستشفى وأنا مطمئن، ولما عدت قبل المغرب سمعت من مأذنة جامع الفرقان المطلة على المدينة أول نداء حزين ينعي الشيخ...

دخلت المستشفى.. كان الصمت هو الكلام المعبِّر.. كانت الرؤوس مطرقة والعيون دامعة.. كانت الساعة الخامسة من مساء يوم السادس من شهر شعبان من سنة 1393 هـ.
وحمل النعش في سيارة مكشوفة.. جلست إلى جانب السائق، وجلس الحاج عمر ططري إلى جانب النعش الأخضر.. ودخلت دار الشيخ وكانت مكتظة بالنساء.. ووقف والدي ابن الشيخ الأكبر أحمد على باب الدار يستفسر، ولا يعلم ولما سألني احتضنته وأجشهت بالبكاء..
ولما رأت النساء خلف النوافذ ذلك ارتفع صوتهن بالبكاء والعويل، وعاد الشيخ إلى داره محمولاً على الأكتاف.

وارتفع صوت الشيخ أديب حسُّون من مأذنة الكلتاويّة ينعي الشيخ، وخلال دقائق امتلأت رحاب الكتاويّة بكل الطرق الموصلة إليها بمئات الإخوان الذين قضوا الليل كله في الكتاويّة، وهم لا يصدِّقون..

ما أروع القرآن وهو يذكِّر المؤمنين بالموت، إنه ملاقيكم أينما كنتم، وكيفما كنتم،

وحيثما كنتم، يذهب الرجال وتبقى الأعمال.

ويأتي صوت القارىء من بعيد يتلو قوله تعالى:

{إنك ميت وإنهم ميتون, ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 30 ـ 31].
رحل الشيخ إلى رحاب ربه بعد أن أدى الأمانة بصدق وإخلاص، كان يردد في مجالسه أنَّ الموت انتقال من عالم الكثافة إلى عالم اللطافة ورحلة العبد إلى ربه، وهي رحلة حب، والمؤمن يشتاق إلى لقاء ربه، ويجب أن يكون في جوار الله.

والذين يكرهون الموت إنما يخافون من ذنوبهم أن يحاسبوا بها عند الله، أما الذين استعدوا للموت بما اعدوه من زاد الأخرة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أحزان الكلتاويّـة:

وقف إخوان الشيخ في كل زاوية من زوايا الكلتاويّة ينتحبون ويبكون، إنهم لا يبكون لموت الشيخ، فالشيخ في رحاب من يحب، لم يأنس بالدنيا يوماً لكي يحزن لفراقها، ولم يتعلق بها يوماً لكي يحبها ويمسك بها، وإنما كانوا يبكون مجالس تربية وتكوين كانوا يأنسون بها، ويبكون وحدة كانت تجمعهم، وقلباً رحيماً كان يتسع لهم، وأباً حنوناً عطوفاً كان يحبهم، وكيف لا يحزنون وهم يفتقدون من كان يرعاهم ويضمهم إلى صدره ويمسح دموعهم إذا حزنوا وتألموا.

م تفتقده أسرته الصغرى، وإنما افتقدته أسرته الكبرى الممتدة في كل الأحياء، في حلب وفي الريف وفي بغداد والفلوجه وعشرات المدن والقرى.. كلهم أحسوا باليتم والوحدة والضياع..
رحل الشيخ وبقيت ذكريات أيَّامه حيَّة في أعماق النفوس، يتناقلها إخوانه، ويلقِّنونها لأطفالهم وأحفادهم الذين لم يَرَوا الشيخ، وإنما رأوا ملامحه من خلال ما سمعوه من آبائهم وأمَّهاتهم وذويهم.

خرجت حلب تشيّع الشيخ من الكلتاويّة إلى الكلتاويّة، من غرفته التي كان يجلس فيها ويستقبل فيها إخوانه إلى غرفته التي ضمَّت جسده في أحشائها، وكأنَّه طفل تأبى أمه أن تتخلَّى عنه، فتُمسِكُ به، وتضمُّه إلى صدرها في عناق أبديَ لا يتوقَّف.

جاءت الوفود من كل مكان، تشارك في تشييع الشيخ، وتُشيد بما شاد من شواهق الأعمال وروائع الرجال، ولم يترك الشيخ كتاباً يحمل أفكاره، وإنَّما ترك رجالاً يذكُرون آثاره، ولم يترك داراً للسكن، وإنَّما ترك داراً للعلم تضيء الليل بمصابيح الدعوة والفكر والثقافة.

عاشت الكلتاويّـة ثلاثة أيام وهي غائبة عن الوعي، لا يصدِّق أحدٌ أنَّ الشيخ قد رحل إلى الرفيق الأعلى، في رحلته الأبديَّة، من عالم الكثافة إلى عالم اللطافة كما كان يسميِّه، ومن ظلام الحجب البشرية إلى عالم النور والضياء.

 وهذه مقتطفات من كتاب السيد النبهان تأليف الشيخ هشام الألوسي وهو يتحدث عن انتقال الشيخ النبهان :

 

إشارات سبقت الوفاة

• إنّه شغل الأشهر الثلاثة قبيل وفاته رضي الله عنه يتحدث بدروسه عن وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر رضي الله عنه أن مزاراً في الغرفة التي يلقي فيها مذاكراته لم يظهر بعد!.

 • ومن سننه رضي الله عنه أن يوقظ أهل بيته قبل الفجر بنصف ساعة لصلاة التهجد، ولا يأذن لهم بالنوم حتى تطلع الشمس..وقبل وفاته رضي الله عنه بثلاثة أشهر، انتبه الأهل على غير عادتهم فلم يبق عن بزوغ الشمس أكثر من نصف ساعة، وسيّدنا رضي الله عنه لم يوقظهم، فماذا حدث؟. فزعت ابنته السيّدة رشيدة رحمها الله ودخلت إلى غرفته فإذا لحيته رضي الله عنه وقميصه قد ابتلاّ بكاءً، فسألته: لماذا يا أبت؟ قال رضي الله عنه : كان عندي رسول الله صلى الله عليه و سلم وبعض أصحابه يحدثونني عن أحوال إخواني من بعدي.

 • وقبل شهر ونصف من وفاته رضي الله عنه قلع رضي الله عنه جميع أسنانه عند طبيب الأسنان.

 • حدثنا الحاج عمر ططري(2) رحمه الله قال: قال لنا رضي الله عنه قبل وفاته بأيام هل بقي شيء ما بينته لكم؟ يوم السبت 24/ آب يوم الأحد 25/ آب يوم 25 يوم 25!! ولم يفهم أحد منا مقصده، حتى كان يوما الوفاة والتشييع.

• حدثنا خادمه الحاج مصطفى سروجي رحمه الله قال: في آخر خميس سبق الوفاة استأذنته رضي الله عنه كعادتي كل أسبوع بدخول الحمام معه رضي الله عنه فرفض، وقال لي: أنا راضٍ عليك يا مصطفى، ولكن لا حمام بعد الآن.

 • وفي الخميس نفسه دعا ربه عزّ وجلّ قائلاً: يا رب خذني إليك.

• حدثنا الشيخ عادل سعود العاني من الفلوجة بالعراق قائلاً: سافرت إلى حلب سنة 1974م ووصلت إلى الكلتاوية في الساعة العاشرة ليلاً من يوم الأربعاء الموافق 21/ آب وأول ما التقيت هناك بالحاج مصطفى سروجي رحمه الله، فحدثني قائلاً: إن سيّدنا حفظه الله قد اجتمع عصر اليوم بكثير من إخواننا في ساحة المسجد، وتكلّم معهم كلاماً طويلاً، وفجأةً شعر حفظه الله بوجع شديد في رأسه، فطلب إحضار عقار مسكن، ثمّ ذهب إلى البيت.

وفي اليوم التالي الخميس 22/ آب نقل سيّدنا رضي الله عنه إلى المستشفى على إثر إصابته بنـزيف دموي شديد ولم يكن في جيبه إلاّ خمس عشرة ليرة سورية استلمها منه حفيده السيّد بشار.! وفي اليوم التالي اتصل رضي الله عنه تلفونياً من المستشفى طالباً مقابلة العراقيين، وكنا ثمانية أشخاص، فذهبنا بصحبة أحد إخواننا الحلبيين، ولدى وصولنا سمعنا صوته رضي الله عنه وباللهجة الحلبية : (بدّي العراقيين)!

فدخلنا عليه رضي الله عنه وحداناً، وأنا آخر من دخل، ثمّ خرجنا إلى مسجد مجاور لأداء صلاة المغرب، ومن بعدها إلى الكلتاوية.

 وفي الساعة السادسة وست دقائق مع غياب الشمس يوم السبت السادس من شعبان/1394هـ الموافق للرابع والعشرين من آب/1974م ، فاضت روح السيّد النّبهان رضي الله عنه إلى بارئها.

 وسرعان ما ذاع الخبر و فوجئ أهل حلب بالحادث الجلل فضجت المآذن والبيوت والشوارع.. أما أهل الكلتاوية فمنهم من ألجمته المفاجأة! ومنهم من تفجر بالبكاء والعويل! ومنهم من سقط مغشياً عليه! و قبيل منتصف الليل بدأت أصوات المعاول تسمع من داخل الغرفة التي تقرر أن يكون مرقده رضي الله عنه فيها فهرب كل من رأى ذلك، ولم يبق في المسجد إلاّ نفر قليل.

 وبعد منتصف الليل تشرف بتغسيله الشيخ عمر الملا حفجي، والشيخ بشير حداد رحمه الله.

 ثمّ نقل رضي الله عنه إلى المسجد عند المحراب، وسمح لي بالدخول إلى الحرم، فاقتربت منه رضي الله عنه من جهة قدميه الشريفتين، فحصل شيء لم يكن بالحسبان، لقد فتح رضي الله عنه عينيه، وتبسم قليلاً حتى بدت نواجذه! ففقدت صوابي وكدت أصرخ ولكنني تمالكت نفسي.

وفي صباح اليوم التالي الأحد سجّي سيّدنا رضي الله عنه في غرفة الاستقبال مكشوف الوجه، وقبضته اليمنى وإصبعه كما هي في تشهد الصلاة، وإشراقة النور لم تفارق وجهه الشريف.

 لكن أمرين حيّرا الناس:

 أحدهما : أن الأطباء يقولون إنّه فارق الحياة ونـزف الدم من أنفه لم ينقطع!

 والثاني : أنّه شوهد مرات عديدة يفتح عينيه ويبتسم.

حدثنا الشيخ منير بشير حداد رحمه الله قال : يوم أن توفي سيّدنا رضي الله عنه فلت زمام صبري وأيقنت بالضياع، وسيّدنا رضي الله عنه وقتئذٍ مسجّى في النعش قبل أن يحمل فإذا به رضي الله عنه يخاطبني من النعش (لا تخف أنت معي) ! فهدّأ من روعي.

 في عصر نفس اليوم ( الأحد 25/ آب ) اجتمعت الوفود من سوريّا وخارجها حتى ضاقت بهم الكلتاوية فكان التشييع، وأثناءه نـزل مطر خفيف ابتلّ منه وجه الأرض ولم يكن غيم في السماء ففُسِّرَ ببكاء السماء عليه.

وحاول المشيعون إدخال النعش إلى الغرفة من شباكها، فتراجع مرتين فنادى منادٍ (واتوا البيوت من أبوابها) [البقرة 189] فأدخلوه من بابها القبلي.



محاضرات وكلمات عن السيدالنبهان

نستعرض هنا مجموعة من الكلمات والمقالات والأبحاث عن السيد النبهان قدس سره


التفاصيل






مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع