آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    الكلتاوية:تاريخهاوفكرها
محبة الشيخ النبهان للكلتاوية



مرات القراءة:5359    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

محبة الشيخ النبهان للكلتاوية :

 

 

 

 

كان يحب هذا المكان ويراه الأجمل، كان يجد فيه راحته وأنسه، لو رأه موحشاً لما أقام فيه ولو رأه منعزلاً لما أنس فيه، أقام مدة طويلة من مقامه هذا في مجاهدات ورياضات نفسية أحياناً كان يتحدث عنها، كان سعيداً بحياته هذه.. وكان يجد لذته بل ويجد نفسه.

لا أعرف الكثير عن هذه المرحلة لأنني لم أشهدها ، بل عاصرت المرحلة الأخيرة منها حين كنت في الخا مسة من عمري حيث رافقت والدي في زيارته لوالده في مكان خلوته في الكلتاوية ، إذ لم أكن أعرف ماذا يعني هذا المكان وكل ما أعرفه أنني سأرى جدي . . .

لم يلفت نظري المكان . . . كانت ساحة الجامع الخارجية جميلة جداً كانت حديقة غناء مليئة بالأزهار والورود ، كما أن المياه تتدفق في الأحواض الماشية ، عبر ممرات حجرية بين أحواض الأزهار ، أشجار السرو الباسقة تلقي بظلالها على المكان ورأيت الشيخ يمسك بيده مقص الأزهار ويقطع اليابس منها وينمي الأ غصان الضعيفة ، ويزرع الأحواض بأجمل الأزهار .

لأول مرة اكتشفت جمال الحدائق وروعة ما تثيره في النفس من شعور بالسكون والطمأنينة ، كانت المياه تجري في الممرات والسواقي وأروع ما لفت انتباهي ذلك الصفاء النفسي ، الماء والأزهار والأشجار ونسمات المساء كل ذلك يولد شعوراً عجيباً بالبهجة .

الأ حجار الكبيرة الناتئة في الأطراف أعطت المكان روعة متميزة وكأنها أعدت بعناية من فنان أراد أن يضفي على المشهد الجمالي لمسة التراث العظيم ، ولم تكن أحجار الممرالرئيسي القديمة مجرد أحجار وإنما هي لوحات طبيعة رائعة.

لابد أن الشيخ رأى ذلك الجمال الطبيعي ، كان كل شيء في المكان ينطق بالحياة ، كانت هناك غرفة صغيرة وجميلة ونظيفة ، وأنيقة تضم مكتبة صغيرة وإلى جانبها حمام صغير. . .

في مساء ذلك اليوم امتلأت رحاب ذلك المكان بإخوان الشيخ ، مدت البسط وفرشت السجاجيد وجلس إخوان الشيخ وكأن على رؤوسهم الطير يسمعون كلام الشيخ بأدب وهو يحدثهم . . . وهم لكل كلمة منصتون والكل يسعى لخدمة الكل في حديث روحي ومناجاة لله تعالى .

تلك هي الكلتا وية كما رأيتها لأول مرة . . ما زالت روعة هذا المكان في ذاكرتي ، ولم أشعر بأنس بعد ذلك كذلك الأنس الذي أحسست به في ذلك اليوم . . ما زالت نسائم الربيع تداعب خيالي ، أبحث عنها فلا أجد لذة أروع منها . .

وزالت الكلتا وية القديمة ولم يبق لها من أثر ، وبقية في نفس طفل وفي مخيلته ، ومضت الطفولة وبقيت الصورة في الذاكرة ، ولم تزل وكأنها وليدة أمس قريب ، وزادت إشراقات الصورة وبخاصة بعد أن اكتشفت النفس الجديد مما كان غائباً عنها من أسرار الحياة وأسباب السعادة .

كانت أمسيات الكلتا وية القديمة من أروع الأمسيات ، كان اللقاء اليومي فيها ، لقاء الأحبة الذين اجتمعوا على محبة الله ، ليس فيها حديث عن دنيا تشغل أصحابها ومحبيها وتكدر صفاء نفوسهم ، كان الكل يترك أحماله وأثقاله خارج أسوار ذلك الحصن الروحي ، وكأنه في إجازة يريد أن تطول ساعاتها لكي تنعم النفوس بصفاء طويل . . .

سكن الشيخ في دار قريبة من جامع الكلتاوية ، في مدخل الكلتا وية ، كان يقضي بعض وقته في داره وبعضه الآخر في الجامع يلتقي إخوانه وأصدقائه ،

وفي يوم الجمعة يكون الجامع مكتظاً بإخوان الشيخ من الصباح إلى المساء ، لم تعد الكلتا وية مجرد مسجد للعبادة ، وانما أصحبت مقراً للشيخ عشرات الشباب من إخوان الشيخ يقيم فيها ، وبخاصة طلاب العلم ، كانت تعقد فيها مجالس العلم وحلقات الدروس لم يعد المكان نائياً وبعيدا  أصبح الحي كله يعج بالحياة ، عشرات الأسر من إخوان الشيخ سكنت في هذا الحي ، دروس ولقاءات واجتماعات يومية . . .

ازدادت حدائق الجامع جمالا وروعة ، والإنسان هو مصدر الحياة والبهجة ، فلا حياة بغير الاجتماع الإنساني ، ولم يعد الجامع يتسع لرواده من مختلف طبقات المجتمع كلهم كان يزور الشيخ ويرتاد مجالسه المتواصلة ، من الصباح إلى المساء ، أصبحت الكلتاوية هي المكان المحبب لمئات من الإخوان ، وهو المكان الأجمل في نظرهم عندما يسافر الشيخ تتوقف الحياة فيه  وعندما يعود تعود الحياة إليه . . فالحب يدفع القلوب لكي تلتفت حيث تحب ، وتجد أنسها في المكان الذي تحب . . .

أحببت هذا المكان كما أحبه غيري ، كنت أجد ذاتي فيه في تلك السن المبكرة من طفولتي ، هناك رفاقي وأصدقائي ، كنت في موطن الحب والرعاية من الجميع ، ألست حفيد الشيخ المقرب إليه . . .

أصبحت الكلتا وية بالنسبة لي مدرسة ، في كل يوم برنامج دراسي خاص بي، دروس متتابعة خاصة بي ، في التفسير والفقه والنحو والصرف والخط العربي والحساب . . هناك كانت طفولتي الأولى لذا كنت أضيق بأي مكان أخر .

كان الشيخ يشجعني على الدراسة ، ويحضني على ملازمة دروسي الخاصة التي كان يشرف عليها ، كان يسعدني ما يسعده من غير تكلف . . .

وكنت ألازمه في مجالسه ، ويصحبني معه في زياراته ولم أعش طفولتي العادية ، هذه هي طفولتي. .

لم تعد الكلتا وية مكاناً مجهولاً ، أصبحت لفظة الكلتاوية تعني الشيخ ومجالس الشيخ وإخوان الشيخ والذاهب إلى الكلتاوية هو ذاهب إلى الشيخ ، وإخوان الكلتا وية هم إخوان الشيخ وهم قوم متميزون بسلوكيات تربوية وروحية ، وهم في الأغلب أهل استقامة وورع ودين ، منهم علماء وتجار وعمال وطلاب وأصحاب مهن خاصة ، وكل منهم له مكانة متميزة في مجتمعه أصبحت الكلتا وية تعني الانتماء وليس المكان ، وتعني تلك الخصوصية التي ربى الشيخ أتباعه عليها ، وأهمها الاستقامة والنزاهة والخلق المحمود . . . أتباع الشيخ ومحبوه يرون في هذا الانتماء مصدر فخر واعتزاز وفرحة . .

كان الشيخ يستقبل في الكلتاوية شخصيات علمية زائرة ورجال فكر وشخصيات سياسية ورؤساء أحزاب وزعماء وقيادات روحية مسيحية ، كان الصعود إلى الكلتا وية أمراً مرهقاً ، ولكن لم يكن حائلا دون الزيارة لمن أراد ذلك . . .

كان الشيخ بابتسامته الدائمة يستقبل كل زواره بالمحبة ويحيطهم بالرعاية ، ويردد في مجالسه أنزلوا الناس منازلهم كماهي في نفوسهم وكما يعتقدون بأنفسهم وليس كما تعتقدون أنتم فيهم فهذا من حسن الرعاية لكي تشرح قلوبهم لكلمة الحق.

لم يكن الشيخ يحب السياسة ولم يفكر في زعامة سياسية ولم يجامل سياسياً بزيارة مودة ولم يرد زيارة لسياسي كان يزور العلماء ويحسن مجاملتهم ويزور المرضى والمقعدين والمسنين .

اشتهر الشيخ بنزاهته وورعه واستقامته وشجاعته في دفاعه عن المقدسات الدينية ، يحب في الله ولا حدود لحبه ، ويبغض في الله لمن أساء للدين والعقيدة ، وهذه المصداقية اكتسبها الشيخ من موقفه ، فهو لا يريد شيئاً إلا أن تحترم عقيدة الأمة وأخلاقها ، فمن أساء للدين فيجب التصدي له بكل شجاعة ، دفاعاً عن هذا الحصن المنيع التي تحتمي به الأمة من أخطار الضلال والانحراف . . . .

وفي فترة الخمسينيات وقعت حادثة بمدينة حلب اهتزت لها المدينة ، وذلك أن صحفياً اسمه أبو شلباية كتب مقالة بإحدى الصحف اليومية الشهيرة هاجم فيها الإسلام وأساء فيها لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولما اطلع الشيخ على ما كتب غضب عضبته التي هزت المدينة بأكلمها، وخرج من الكلتا وية مع نفر من إخوانه باتجاه دار الحكومة محتجاً على ذلك الصحفي المستهتر ، وسمعت أحياء المدينة وأسواقها بخروج الشيخ غاضباً ، وسارعت المدينة بكل رجالها للانضمام للشيخ وأغلقت الأسواق أبوابها ، وما أن وصل الشيخ إلى دار الحكومة أمام باب قلعة حلب حتى كانت المدينة كلها تسير خلفه في تظاهرة شعبية غاضبة لم تشهد لها المدينة مثيلاً من قبل . . . .

وهناك عشرات الوقائع التي خرج فيها الشيخ غاضباً لله ، فكانت المدينة تخرج معه وتؤيده وتسانده ، حتى أصبحت الكلتاوية أحد أبرز القلاع الإسلامية ، للدفاع عن خصوصية مدينة حلب الحصن الصامد للقيم الاسلامية . . . وما زال الجيل الحفيد يروي ما سمعه من الأباء والأجداد عن مواقف الشيخ وجهاده المتواصل لكي تظل أعلام الإسلام شامخة في هذه المدينة العظيمة بقيمها الأخلاقية وبخصوصياتها الروحية ، وبمساجدها التي تعد من أهم قلاعها الصامدة التي تجد عظمة هذه المدينة ورسوخ قيمها الإنسانية . .

حملت الكلتا وية بفضل جهاد شيخها مسؤولية التعريف بالإسلام والدفاع عن العقيدة الإسلامية ، والقيام بمهمة التوعية والتربية والتكوين ، أرادها الشيخ أن تكون شعلة مضيئة في الدروب المظلمة ، لتطارد ظلامها بنور المعرفة والثقافة والعلم ، وكان الشيخ يتحدث عن الظلمة والنور ، ويؤكد أن النور هو الأساس والظلمة عارضة والفطرة هي مصدر النور ، والظلمة تأتي من الغفلة والجهل . . .

ولابد من مقاومة الظلام بالنور الذي يولده العلم والمعرفة ، فالعلم هو أداة المعرفة ، والمعرفة هي طريق النور ، والنور يحتاج إلى زيت يضيء السراج الذي هو البصيرة ، ولا خير في علم لا يقود إلى نور وهداية . . .

 كان الشيخ يتطلع عبر نافذة المسجد الصغير في الكلتاوية القديمة، فيرى الهضبة الموحشة المهجورة بحفرها العميقة ومغاراتها المظلمة وتلالها المتعرجة المغطاة بالأوساخ ويطرق رأسه متأملاً شارداً حزيناً،

أليست هذه قصة الانسان من العدم الى الوجود ، ويردد قوله تعالى

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا

 إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

 إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا الانسان : ا _ 3 ‏) .

لا شيء كان يسعد الشيخ كما كان يسعده أن يرى ابتسامة الحياة على الوجوه ، كان يريد أن يرى الأمل ، لأن الأمل هو الحياة ، يرى الأطفال فيأخذ بيدهم ويداعبهم ويحبهم ويتلطف في معاملتهم ، ويرى الضعفاء فيفتح صدره لهم  ويسمع منهم ما يؤلمهم ، ويواسيهم بالكلمة الطيبة والعطاء ، ويرى المرضى فيؤنسهم بالمعاني الروحية ، ويقفون وقد انتصبت هاماتهم بالأمل والأنس .

ويطل من جديد على تلك الهضبة الموحشة ، فيسمع أصوات المشردين والتائهين من البؤساء والمنحرفين ، وهم يتبادلون الشتائم ويتنابذون بالألقاب، إنهم في حيرة وضياع ، لم يكونوا شريرين في أصل تكوينهم وفطرتهم ، كان يمكن أن يكونوا رموز خير وصلاح ولكن لم يجدوا الكلمة الحانية التي تبعث في قلوبهم دفء الحياة  فاختاروا حياة التشرد والتيه والضياع . . أحياناً كان يحاورهم ويسمع آلامهم ويدخل إلى نفوسهم الأمل فياْنسون وتدمع عيونهم ويعودون إلى طريق الاستقامة . . .

كانت الهضبة الموحشة المنعزلة خلف المسجد تؤرقه وتقض مضجعه ، ألم يكن فناء المسجد الداخلي موحشاً من قبل ، ألم يكن مكاناً مهجوراً فأصبح فيما بعد حديقة جميلة رائعة مليئة بأنواع الأزهار. . . .

صحا الشيخ يوماً من نومه، كان سعيداً ومبتهجاً، ارتدى ملابسه، وذهب إلى تلك الهضبة المهجورة يرافقه بعض إخوانه، وأخذ يطوف في أرجائها، ويصعد تلالها ويهبط في منحدراتها،رأى من هناك قلعة حلب الشامخة تطل على تلك الهضبة ، ورأى المدينة العريضة بأحيائها القديمة من تلك الهضبة التي بدت وكأنها قلعة ثانية في ارتفاع موقعها المطل على المدينة القديمة كلها .

 وقال لإخوانه: «أرى في هذه الهضبة المظلمة نوراً يضيء، وأرجو أن يوفقنا الله تعالى لإيقاد تلك الشمعة...».

وأشرقت الابتسامة في وجهه، كان سعيداً ومبتهجاً، وكأنه رأى ضالته المنشودة بعد أن أقلقه غيابها الطويل.

في ذلك المساء جلس الشيخ كعادته في ساحة المسجد الداخلي الجميلة، كان الماء يترقرق في بحيرة صغيرة، وينساب بهدوء عبر ممرات ترابية ليسقي الورود المتفتحة التي كانت مشتاقة لأسباب ونموها واكتمالها، وتحلق إخوانه حوله يشربون الشاي الأحمر بأكواب صغيرة وجميلة، قال الشيخ لإخوانه:

سنبني الكلتاوية الجديدة.... لكي تكون منارة علمية ومَعْلَمة ثقافية...

سنبنيها بأيدينا وبجهدنا لكي تؤسس على تقوى من أول يوم، سنضم الهضبة، المهجورة إلى الكلتاوية...

وسنقيم مدرسة للعلم والمعرفة والسلوك لتكوين علماء يعملون بما يعلمون، لا تلهيهم دنياهم عن أخراهم لكي يكونوا قدوة لغيرهم ، يبد ؤون بإصلاح أنفسهم ، يعملون لله لا لدنيا يطمعون في حظوظها ، يدافعون عن الحق ولا يخشون في الله لومة لائم . . .

وسرى همس بين الحاضرين ، كل يسأل صاحبه عما سمعه من الشيخ ، ويتساءلون في سرهم هل يمكن أن يتحقق هذا الحلم الجميل . . .

ووقف الشيخ أمام النافذة المطلة على تلك الهضبة المكتظة بالأكوام الترابية المبعثرة في ذلك الفضاء المهجور منذ عشرات السنين ، وأخذ يشير بيديه إلى حدود تلك الهضبة التي ليست لها أسوار تفصلها عن الدور السكنية العتيقة . . .

وانتشر الخبر بين إخوان الشيخ ، وأخذوا يتوافدون على الكلتاوية ، ويطلون من خلف النوافذ على ذلك الفضاء الذي لم يثر اهتمامهم من قبل . .

ويتساءلون هل يمكن أن يتحقق ذلك . . .

واستدعى الشيخ أهل الاختصاص في مجال البناء من مهندسين وخبراء ، واستشارهم في الأمر ، فأكدوا له صعوبة ذلك لأمرين : الأول هو صعوبة البناء في تلك الأرض المليئة بالكهوف التي سرعان ما تنهد لوجود فراغات واسعة تحت الأرض ، مما يستدعي متابعة الحفريات إلى الأرض الصلبة لإقامة الأ عمدة التي يقوم عليها البناء ، والسبب الثاني هو عدم إمكان نقل الحجارة والإسمنت والحديد عبر الأزقة الضيقة الموصلة إلى أعلى الهضبة ، لعدم إمكان وصول سيارات النقل ، وهذا يتطلب جهوداً مضاعفة ومصاريف باهظة . . .

واقترح بعض إخوان الشيخ أن يقع اختيار قطعة أرضية واسعة في منطقة سكنية خارج أسوار المدينة القديمة لبناء هذا المشروع عليها ، وهي مناطق أكثر جمالاً والمواصلات إليها أكثر يسراً . . .

سمع الشيخ ما قاله أهل الاختصاص والخبرة ، ولم يعقب على ذلك . . . كان من عادة الشيخ أن يسمع بهدوء كل الآراء ، ولا يناقش ، وتأكد أن الأمر ممكن ، بجهد أكبر ، وتكلفة أعلى . . . .

مضت أيام . . . كان الكل يترقب ما سيقوله الشيخ ، وجاء يوم الجمعة ، واجتمع إخوان الشيخ الذين اعتادوا أن يصلوا الجمعة في الكلتاوية ، وبعد الصلاة خرج الشيخ من المسجد وتبعه إخوانه ، وذهب إلى الهضبة التي تقع خلف الجامع ، كانت الأرض مليئة بالأوساخ والحجارة ، وسرعان ما مهدت الأرض وأزيل ركام الأوساخ وجمعت الحجارة ، وأصبحت الأرض صالحة للجلوس ، كان الجو ربيعياً والشمس دافئة ، وأطل الجميع على المدينة القديمة بمآذنها الجميلة وقباب مساجدها الرائعة ، وظهرت قلعة حلب

التاريخية بمئذنتها العالية وأسوارها الصامدة .

وانتقل مجلس الشيخ من الساحة الداخلية للجامع التي تحيط بها الأسوار العالية إلى الهضبة المطلة على المدينة القديمة ، وبنى سوراً من الجهة الشرقية يمنع دخول أحد وفتح باب من الجامع إلى هذه الهضبة ، وبذلك أصبحت جزءاً من الجامع ، والساحة الخلفية له . .

كانت هذه هي الخطوة الأولى في بناء الكلتاوية الجديدة ، بدأت بخطوات ضرورية وسريعة وجادة ، لم يكن الشيخ يفكر في الجهد المطلوب أو يخشى منه ، أما التكلفة فإنه سيتولى تيسير ذلك ، ومهمة العبد أن يأخذ بالأسباب وأن يعتمد عليه ، وأن يعمل بقدر استطاعته . . . .

لم يكن أحد يتصور أن الشيخ يمكنه أن يختار مكاناً آخر غير الكلتا وية ، مهما كان ذلك المكان ، كانت معايير الشيخ مختلفة ، الكلتاوية فقط ، هذا هو المكان الذي أحبه الشيخ وتعلق به واختاره لخلوته وتأملاته . . وهو المكان الذي ينشرح صدره فيه لا يأتيه إلا من قصده ، ولابد للوصول إليه من مشقة ، مشقة الطريق إليه ومشقة الصعود إليه ، ليس هو المكان الذي يدعوك موقعه إليه ، وليس هو المكان الذي تأنس النفوس بجماليته المادية ، فمن أحبه فقد رأى فيه خصوصياته ، ومن شهد هذه الخصوصيات ببصيرته تعلق قلبه به ، وهو الفرق بين الصادق وغيره . . . . فالصادق يذهب حينها يجد محبوبه ومقصوده ولو كان في أقصى مكان ، وغير الصادق ليس لديه ما يدفعه لمصعود القمة العالية .

ما زالت الكلتا وية حتى اليوم لا يذهب إليها إلا من أحبها وتعلق بها وقصدها ، وهناك رجال ونساء لم ينقطعوا قط عنها يأتون من أقصى مكان وأجمله ، ولا يجدون أنسهم إلا في الكلتا وية .

لعل هذا ما أراده الشيخ . . خطاب مستمر ، ليعرف به الصادق من غيره فمن رأى الخصوصية أحب المكان وتعلق به ، ومن حجب عن الخصوصية فهو محجوب وعذره مقبول فى التماس العذر لنفسه .

وفي الكلتاوية خصوصية أدركها الكثيرون وحجب عنها الكثيرون ، والخصوصية تدرك بالبصيرة والسريرة ، ولايدركها العقل ولايراها البصر .

بناء الكلتاوية الجديدة :

عندما انتقل الشيخ رحمه الله إلى الهضبة المهجورة وأقام حولها الأسرار ، أدرك إخوان الشيخ أن عهد الكلتاوية الجديدة قد بدأ ، وأن الخطوة الأولى قد بدأت ، وساد شعور من الفرحة والبهجة والحماس لم تشهده الكلتا وية من قبل . .

لم تعد الهضبة مهجورة وموحشة كما كانت من قبل ، ومهدت أرضها ، وأزيلت تلالها الناتئة المبعثرة، وأصبح ترابها نقياً نظيفاً، وأزيلت بقايا الأشجار اليابسة ، وأصبحت نسمات هوائها عليلة ، وكان يمكن أن تزرع أرضها بأنواع الأزهار لولا أن البناء كان يتطلب غير ذلك ، اشترى الشيخ الدور السكنية القديمة المحيطة بالهضبة وضمها إليها ، وأصبح المكان واسعاً جميلاً ، كي يتسع لكل الطموحات ، وابتدأت الحفريات في كل مكان تبحث عن الأرض الصلبة، كان الشيخ يأتي في الصباح ويمضي يومه في الإشراف على البناء . . . .

في يوم الجمعة كان إخوان الشيخ يسرعون للحضور إلى الكلتاوية منذ الصباح الباكر ، وكل فرد منهم يحمل معه ثوبه الخاص بعمال البناء ، يرتديه فخوراً به ، ويمتد صف طويل من الرجال من أسفل الشارع إلى أعلى مكان في مسافة تزيد عن مائتي متر ينقلون الأحجار والإسمنت في جسر بشري متواصل ، يعمل لله تعالى بصدق وحماس ونشاط ، وليس فيهم من عمل في هذا من قبل ، وكلهم في أعمالهم مخدومون ومكرمون ، كانوا يريدون أن يبنى هذا الصرح بجهودهم الفعلية ، وبمشاركتهم العضلية ، وهم سعداء بهذا العرق الذي يتصبب من جباههم ، وينشدون أروع الأناشيد وكأنهم في رحلة نهرية عبر الحقول الخضراء وكان فيهم الكبير والصغير والشيخ والشاب والطفل ، والتاجر والعامل والطبيب والمهندس ، اجتمعوا لحب كبير ، وقد زالت بينهم الفوارق وجمعتهم إرادة مشتركة أن يكونوا بناة لبيت من بيوت الله ، وأكرمهم الله بهذا الشرف والتكريم ، وهذا شرف لهم وجهاد في سبيل الله ، كان الشيخ يقف بينهم ويعمل معهم فيزداد نشاطهم وتشرق وجوههم بالفرحة والسرور ، كانوا يجدون لذة الدنيا في هذا الجهد الذي يبذلونه طائعين مختارين . . .

تظاهرة إيمانية صادقة ، مئات الرجال ومن كرام الرجال هم سادة في مجتمعهم ، ومن أهل الوجاهة والتميز والمكانة ، ما أروع ما كنت ألاحظه على وجوه هؤلاء من فرحة وسعادة كانوا يتنافسون أجمل التنافس ويتسابقون أروع التسابق وهم يختارون العمل الأشق لأنفسهم ، كل منهم يأخذ بيد أخيه ، فإذا وجد أخ أخاً له في الله قد أصابه التعب أخذ مكانه ، فكان الأول يدفعه برفق ومحبة ويقول له : أعني لكي أجهد نفسي في سبيل الله ولا تحرمني مما أكرمني الله به . .

كان الشيخ سعيداً بما كان يراه على الوجوه من سعادة وبهجة ويطلب من إخوانه أن يرفقوا بأنفسهم وألا يكلفوا أنفسهم مالا يطيقونه ، وأحياناً يمسك بيد أحد إخوانه برفق ويجلسه في مكان مريح إذا وجد فيه ضعفاً ، ويطلب منه أن يرفق بنفسه : فالمشاركة تتحقق بالقليل الذي يطيقه الإنسان ، ولايكلف الله نفساً إلا وسعها .

لم يكن بناء الكلتاوية مجرد بناء لمسجد ومدرسة ، وغنما هو جزء من تربية روحية ومجاهدة نفسية ، يقبل فيها العبد على ربه بالسلوكيات التي تعبر عن صدق افقبال ، ولوكانت الغاية هي مجرد العمل لقم عمال البناء بهذا الجهد ، وهو ايسر عليهم وإنما الغاية أن يروض السالك نفسه لكي يكون في خدمة الله ...

لم تكن تربية الشيخ لإخوانه تعتمد على تلك المجاهدات القاسية المتمثلة في إخماد الطبائع البشرية واإذلالها وسيطرة معاني الحزن والخوف الدائم عليها، فهذه مجاهدات سرعان ما تؤدي إلى إدبار القلوب وإعراضها ، فالقلوب تقبل وتدبر ، وليس هناك أشق من إدبار القلوب ، فالإدبار يؤدي إلى القطيعة ، ولابد من مراعاة النفس بالترويح عنها لكي يكون إقبالها دائماً ومستمراً ، وحظوظ النفس مطلوبة ، ولو في المجاهدات ، وهذا مما يؤدي إلى الطمأنينة والسكون ، فالنفوس القلقة سرعان ما يدفعها القلق إلى الإعراض والقطيعة . .

وبناء الكلتاوية أضاء شمعة في النفوس ، فكانت الفرحة واسعة وظاهرة حلم يتحقق وقلعة تشاد ، أقبلت النفوس راضية مطمئنة تبذل أفضل ما عندها من جهد لكي يكون البناء لله وفي سبيل الله .

ما أروع عطاء الإنسان عندما يقبل بقلبه ، فعندما يكون الإقبال بالقلب يكون الإنسان في قمة سعادته ، يعمل في الليل والنهار ، لا يشعر بتعب ولا إرهاق ، يعطي ويبذل ولا حدود لعطائه وبذله ، وعطاء الأبدان هو قمة العطاء . . .

أصبح يوم الجمعة يوم عيد وبوم فرحة ، فمنذ الصباح الباكر كانت أفواج الإخوان تتوافد فرحة متبهجة ، يعدون طعام الإفطار الجماعي ويتحلقون حول المائدة الكبيرة ، وسرعان ما برتدي كل منهم ملابس العمل دون أن يتخلف أحد عن ذلك ، إذ كل يعمل بقدر استطاعته ، فهناك الشباب وهناك الشيوخ ، وهناك الحب والإيثار ، عمل جماعي في سبيل الله .

ليس المهم مقدار ما يعملون وإنما المهم هو رمزية هذه الظاهرة الإيمانية ، ورمزية ما تدل عليه  تلك الرابطة القوية بين الإنسان والمكان ، رابطة البناء والتشييد ، سينتهي البناء يوماً ولكن ستظل رابطة التواصل قوية بين الإنسان والأشياء ، سيجد الإنسان ذاته في ذلك الصرح الذي أقامه بجده ، سيحدث أطفاله وأحفاده فيما بعد عن ذكريات شبابه ، في هذا المكان وقفت ، وفي تلك الزاوية جلست أستريح من عناء التعب .

سوف يحن الشيوخ فيما بعد لزيارة مرابع الشباب ، وفاء منهم لذاتهم ، إنهم يجدون أنفسهم في ذكريات أمسهم . . .

أليسة هي الجذور ، والبحث عن الجذور هو بحث عن امتداد الذات عبر الزمان . . . لماذا يشتاق الإنسان لوطنه ، إنه يجد في مرآته ذاته وكيانه  حيث الدفء والحياة .

بعد نصف قرن من ذلك اليوم . . . ما زلت أرى عشرات الرجال من ذلك الجيل معظمهم يتوكأ على عصاه ويذهب لصلاة الجمعة في الكلتاوية ، يصعد درجاتها الحجرية ، ويمشي في دروبها الضيقة ، وهو سعيد برحلته هذه ،

وعندما يصل إلى قمة ذلك المرتفع يشرق وجهه بالفرحة والبهجة والسرور ، إنه يتنسم ذلك الهواء النقي ، ويخاطب أولاده وأحفاده ، بالأمس كنت هنا قوي البنية ، هنا ذكرياتي الجميلة . . . إنها الأجمل في حياتي . . ويعود إلى داره وقد استعاد ابتسامته وأشرق النور في قلبه فأضاء ملامحه الشاحبة . . .

لم تكن الكلتاوية بالنسبة لإخوان الشيخ مجرد جامع شاركوا في تشييده ، وليس مجرد مدرسة أحبوها وتعلقوا بها ، إنها أكبر من ذلك ، إنها انتماء بل هوية ، لقد رضعوا منها ثقافتهم وفكرهم وقيمهم ، تعلموا فيها حقيقة الدين ، وارتبطوا بشيخهم برباط متين من المحبة والوفاء ، وذهب الشيخ وبقيت الرابطة كما هي لم تتغير ، واستمر الحب والوفاء عندما ارتفعت أعمدة المسجد عالية كانت الفرحة كبيرة ، إنه الأمل الذي انتظروه طويلاً ، وعندما بنيت قبة المسجد الخضراء رأوها الأجمل بين القباب لإنهم أحبوها ومن أحب شيئاً رآه الأجمل في عينيه ، وعندما ارتفعت المئذنة تعلقت أحداقهم بها ، وكأنها تدعوهم إليها حيثما كانوا ولو سكنوا ابعد الأحياء .

كان الشيخ خلال فترة بنا، الجامع يتابع كل شيء بنفسه ، يشرف على العمل ويحض على إتقانه ، كان سعيداً كل السعادة ، ونشيطاً كل النشاط ، وأسعده ما رآه من إخوانه من خماس وغبطة ومشاركة جادة في كل شيء ، واستمر البناء ثلاث سنوات ، وعلى مراحل ، زال البناء القديم كله ، ولم يبق له أي أثر . .

لم يكن الشيخ يحب الزخارف في بناء المساجد ،كان يضيق بذلك ويحب البساطة في البناء ، لكي لا ينصرف القلب وهو في رحاب الله إلى ما يشغله من أنواع الزخارف ، ويكون ذلك الانشغال حجاباً له ، فلا ينبغي للبصر أن يسبق البصيرة أو يتغلب عليها ، وهذا من أدب العبادة ، فمن انشغل عن ربه وهو في حضرته فهذا من قلة الأدب ، والمساجد هي أماكن للعبادة ويكون العبد فيها في حضرة ربه فلا يجوز أن ينشغل بمكان العبادة عن العبادة ، والقلوب لا تقبل على الله إلا عندما تدبر عن كل ما عداه . . . ومن شروط قبول الصلاة حضور القلب وخشوعه . . . فلا ينصرف القلب عن غير الصلاة إلى النظر في الأشياء التي تشغله ، وافنشغال يمنع الفهم ولايدرك المصلي ماتعنيه الصلاة من مناجاة لله تعالى وشعور بالتعظيم له ، وهذا هو الذي يولد الهيبة والشعور بالأمل فغن انصرفت الهمة إلى ظاهر الأشياء كالبناء والزخرفة والألوان والشكال الهندسية الجميلة التفت القلب إلى الدنيا ، وليس هذا هو المقصود من الصلاة ، والإلتفات القلبي يولد الخواطر المذمومة ، وهو سبب للغفلة ، ومن أحب الله انشغل به عن كل محبوب يحجبه عنه ، فلا يتعلق قلبه بالزخارف والشكال .

كان الشيخ في كل خطوة من خطوات البناء يقف في زاوية ويشرح لإخوانه ماتعنيه الصلاة ومايراد من الخشوع ، ومعنى التفات القلب ، ولابد من توجيه الهمة إلى الغاية المرجوة ، لتحصيل الفائدة من العمل ، ولكل عبادة ثمرة ، ولابد من الحصول على الثمرة المرجوة ، والخواطر الدنيوية لابد منها لانصراف همة بعضهم إليها ، ولذلك من الضروري التخفيف من اسبابها المولدة لها .

ارتفع البناء وظهرت معالم الكلتاوية الجديدة وكان الشيخ سعيداً بكل خطوة، انتقلت مجالس الشيخ من داره إلى الكلتاوية، وأصبحت مجالس الكلتاوية هي الأهم، بناء المسجد وبناء الإنسان، وتسابق الإخوان للعمل، ليس المراد العمل وإنما هو التعبير عن المشاركة والإسهام في بناء هذا الصرح، سواء أكان هذا الإسهام بالرأي أو بالجهد أو بالمال، وكان تسابق الإخوان رجالاً ونساء كبيراً على الإسهام في هذا البناء كل بحسب وسعه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

لم يقبل الشيخ إسهاماً من الدولة، كان يرفض ذلك ويرفض مشاركة أي جهة رسمية مهما كانت، لا بالمال ولا بالخبرة، ولا يقبل مشاركة أي أحد من خارج إخوانه، كان يريد أن يكون هذا المكان له خصوصية في بنائه،

لماذا لم يكن يقبل أي تبرع من الآخرين ؟!

ذلك تساؤل كان مطروحاً والشيخ يتمسك بهذا الموقف ولايجيب عن ذلك التساؤل ولايعلله ، وأحياناً كان يرفض إسهام بعض إخوانه المتثاقلين .

كان يردد في مجالسه أن الله تعالى سوف يتولى الأمر وليس لنا من الأمر شيء فالله هو المدبر ويخلق ما يشاء ويختار ما يشاء والتدبير مع الله هو من الجهل والغفلة ، ومن آداب العبودية ألا ينسب الإنسان لنفسه شيئاً .

وإذا سمع أحداً ينسب الأمر لنفسه أو ينسبه لأي أحد كان يعلمه بألا ينسب الأمور إلا الله ، وعلى الإنسان أن يأخذ بالسبب لأن الله تعالى أمره بذلك ، أما أن يطمع في الوصول إلى النتائج فهذا من الجهل بحقيقة العبدية لله تعالى والعبد لا حول له ولا قوة ، وما يحققه فهو من الله وبفضل الله ، والله هو الذي يشرح القلوب لما يريد في الوقت الذي يريد .

عندما كان يصادفه أمر على خلاف ما يريد لم يحزن قط ولم يشعر بالإحباط ، ويقول : علينا أن نفهم عن الله ما يريده منا ولو فهمنا عن الله ما يريد لأراحنا ذلك ولسلمنا الأمر إليه تعالى فهو أرحم بنا وأعلم بما يصلح لنا والله تعالى فيما يبتلينا يريد أن يكشف لنا سر العبودية فلا نلجأ إلا إليه ، ولا نعتمد إلا عليه ويؤكد في مجالسه أن الله تعالى ما عودنا إلا حسن الاختيار لنا ، ولو شهدنا حسن الاختيار لزال ما بنا من ألم المحن والابتلاءات .

في كل خطوة كان الشيخ يقف ويتحدث ويبين ، وشهدت ساحة المسجد الداخلي ، وفضاءاته الخارجية أروع مجالس الشيخ كان يتكلم وهو واقف وهو جالس ، ويتكلم وهو يعمل أو يمشي ويتكلم وهو يأكل أو يستريح ، كان حديثه متصلاً وكأنه يؤدي أمانة النصح والبيان باستمرار في كل مكان .

رأيته مرة يحدث عامل بناء وهو يضع لبنة حجرية فوق أخرى ، فلا يستقيم أمرها ويعيد العامل تركيزها بشكل آخر فلا ينجح في محاولته ، كان الشيخ يرقبه من بعيد ويبتسم ويتابعه وهو حائر لا يدري ما يفعل ، اقترب منه الشيخ وأخذ يحاوره بهدوء وقال له :

لا يا ولدي لابد في المجاورة من المجانسة فإذا وقعت المجاورة من غير مجانسة كانت متكلفة وقبيحة ولا يستقيم أمرها ، ألا أدلك على أمر ييسر عليك عملك وهو أن تختار لبنة أخرى مجانسة للأولى كي يقع التودد والتآخي بينهما ويكونان جداراً قوي البنيان يقاوم أعتى العواصف والتفت إلى إخوانه وقال لهم:

يا أولادي المجانسة شرط لحسن المجاورة ولحسن الصداقة والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . . .

وفسر ذلك بأنه إذا حسن التعارف في الأرواح وقع التآلف في الدنيا ، واذا وقع التناكر في الأرواح وقع الاختلاف في الدنيا .

 اكتملت الكلتاوية التي أصبحت تضم الكلتاوية القديمة وهضبة الكلتاوية والدور السكنية المجاورة لتلك الهضبة وأصبح المسجد يتوسط المكان بقبته الخضراء ومئذنته العالية وهناك فناء أمامي يضم المدخل الرئيسي الذي أصبح واسعاً وجميلاً وأزيل المدخل الحجري القديم ويضم الفضاء الأمامي غرفة الشيخ وغرفة مجاورة للضيوف وتطل غرفة الشيخ ـ التي دفن فيها فيما بعد ـ على الساحة الخليفة الجانبية المتصلة بالساحة الخلفية الجنوبية التي بنيت فيها الأبنية التي أصبحت فيما بعد مدرسة النهضة.

كان الشيخ يقضي نهاره كله في الكلتاوية ويستقبل إخوانه من الصباح إلى المساء وسكن في دار مجاورة للجامع وأصبحت الكلتاوية مكتظة بالعلماء على الدوام.

بإخوان الشيخ وضيوفه ، وكان من عادته أن يتناول طعامه في الجامع مع ضيوفه فيأكل ما هو موجود من غير تكلف ، ويدعو من معه لمشاركته طعامه من غير تكلف أيضاً .

ويقدم لضيوفه الشاي الأحمر بالكاسات الصغيرة المذهبة مع قطع من الليمون الحامض ، وهذا هو المشروب المفضل لدى الشيخ ولا يقدم غيره وتسهر مجموعة متخصصة من إخوان الشيخ على خدمته وهم متفرغون لذلك .

ويدخل ضيوفه إليه عندما يكون في غرفته من غير استئذان يستقبلهم بالمحبة والرعاية ولا يحتاج الرائي إلى موعد سابق إلا إذا كان لأمر خاص ، فعندما يجلس في غرفته يستقبل الجميع ويجلس من الصباح حتى الظهر وفي المساء من العصر حتى المغرب أو العشاء ، ولا أحد يمنع من زيارته مهما كان ذلكالشخص ، ويحظى الأطفال برعاية خاصة منه ويكرمهم ويتلطف بهم ويبادلهم الحديث وإذا شكى له أحدهم من سوء معاملة أبيه أو أمه دعاهم وأوصاهم بالأولاد خيراً .  (الدكتور محمد فاروق النبهان)