آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    طلب العلم والسلوك   في طريق طلب العلم
مفهوم العلم لدى الشيخ النبهان



مرات القراءة:1685    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

مفهوم العلم لدى الشيخ النبهان :

كان الشيخ يبحث عن العلم ، ولكن ما هو العلم الذي يبحث عنه  لم يجد ما يبحث عنه في علوم النحو والصرف ، ولم يجده في علوم الفقه والأصول والتوحيد ، كان يبحث عن علم آخر يشعر معه أن العلم يقوده إلى العمل ، وينعكس أثره على السلوك ، سمواً وتخلقاً وهمة . وأخذ يبحث عن العلم الذي يريد من خلال ما يسمعه من أساتذته ، فلم يسمع الجواب الشافي لسؤاله ، وأخذ يبحث عن ذلك من خلال الكتب المقررة للدراسة والتحصيل  فلم يجد الجواب .

وعكف على كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رضي الله عنه يقرأه كل يوم كان سعيداً بقراءته لهذا الكتاب ، لعله هو المعلم الأول الذي كان يلقنه المفاهيم الأولى للعلم الذي يبحث عنه .

ووجد أن العلماء اختلفوا في مفهومهم للعلم المطلوب والمحمود الذي يعد فرض عين وجاءت النصوص بالدعوة لطلبه ، وكان كل فريق من العلماء يدافع عن العلم كما يراه ذلك الفريق ، فقال المتكلمون إنه علم الكلام لأنه يدرك به التوحيد وتعلم به ذات الله وصفاته ، وقال الفقهاء هو علم الفقه لأنه يدرك به الحلال والحرام في العبادات والمعاملات وما يحتاج إليه الناس ،

وقال المفسرون هو العلم الذي تدرك به معاني القران وأحكامه وقال المتصوفة هو العلم الذي يدرك به العبد حاله ومقامه من الله تعالى وهو علم الإخلاص الذي ترتقي به النفوس وتصفو به القلوب .

وبدأت النافذة المغلقة تتفتح أمامه عن عالم جديد لم يعرفه من قبل  كان يشعر به في أعماقه  ولا يجد أثره في محيطه ، ولابد من التوغل في هذا الفضاء الرحب من المعرفة التي أشعرته بالسكون القلبي وأمدته برؤية معرفية .

والعلوم كما شرحها له الإمام الغزالي هي أصول لابد منها ولا يمكن لطالب علم أن يجهلها ، فإن جهلها فقد ضل طريقه ، وهي معرفة ما في كتاب الله وما في سنة رسول الله وما أجمعت عليه الأمة وما ورد عن الصحابة من آثار ،،،،،والعالم الذي يجهل هذه الأصول ولا يعلمها لا يسمى عالماً بحال من الأحوال ، وقد ضل من ضل بسبب جهلهم بهذه الأصول .

أما علوم الفروع فهي نوعان ، ما تعلق بشؤون الدنيا وهو الفقه  ، والفقهاء هم علماء الدنيا وما تعلق بشؤون الآخرة فهو علم أحوال القلب  وما يعتريه من صفات محمودة ومذمومة ، وما يجري في القلب ينعكس أثره على الجوارح ، فتستجيب لدعوة القلب وتوجيهاته واختياراته . ووقف الشيخ متأملا في ملامح هذا العلم ، ولعله العلم الذي يبحث عنه ، ويشعره بالسكون النفسي والطمأنينة التي يسعى إليها و تلك هي الضالة التي هجر عالمه الأول لأجلها ، إنه الحب الجديد الذي يشده بقوة إليه .  إنه يريد العلم الذي يقوده إلى المعرفة ، والمعرفة هي غاية العلوم ، والعلم الذي لا يقود صاحبه إلى المعرفة هو علم قاصر لا يؤدي الغاية المرجوة منه ، وأول الطريق لهذه المعرفة أن يتحرر الإنسان من كل تعلق له بالدنيا وأن يتجرد من كل العوائق وأن يطهو قلبه من كل الكدورات وأن يكون ورعه ليس ورع الصالحين الذين يبتعدون عن الشبهات في مجال الحلال والحرام ، وإنما يمتد هذا الورع لكي يشمل الإعراض عن كل ما سوى الله مما تتعلق به النفس ويميل إليه القلب .

رافق أخذه للعلوم الشرعية قراءة في كتب الصوفية ابتداءً بالرسالة القشيرية ثمّ إحياء علوم الدين ومجموعة رسائل القصور العوالي للإمام الغزالي و البرهان المؤيد و حالة أهل الحقيقة مع الله لسيّدنا أحمد الرفاعي  أجمعين.

وكلَّما تفحّص كتب القوم ونظر في سيرة رجل من أهل الله الأكابر ساءل  نفسه: أيمكنه أن يكون مثل هذا؟          

وتفقَّه على مذهب الإمام الشافعي   وولع  بالسيرة النبوية ولعا شديداً، وواكب حفظ القرآن ومراجعته، وأحبّ العلوم كلّها إلا الكلام والفلسفة، فلم يجد لهما في قلبه هوىً، ثمّ أنّه رغب في السفر إلى بغداد سنة 1344 هـ 1926م ليدرس على مشايخ العراق قبل أن يكمل دراسته في الخسروية، فجاء يودِّع شيخه نجيب سراج رحمه الله فقال له:  يا شيخي، علم الكلام هذا أنا لا أحبه! ، فأجابه رحمه الله تعالى: هو ما وجد أصلاً من أجل الاعتقاد بل من أجل الردّ على الخصم، فقال  : (لقد أرحتني يا شيخي فجزاك الله عني خيراً). لكنه عدل عن رغبته في السفر، ليقوم مقام والده في التجارة فترة غيابه للحج. ولم تقتصر دراسته كعادة بعض طلبة العلم على حفظ المتون، يرددونها بلا فهم، ويلتقمونها بلا مضغ، قال رضي الله عنه : (حفظ المتون بلا شروح طريقة عقيمة ), لذلك فهو يدقق ويفهم ويكتب على حواشي ما يقرأ هوامش وتعليقات، وعلى ما هو عليه من وعي وفطنة ربما يضيف لشيخه معنىً في مسألة أو تحقيقاً في قضية، قال رضي الله عنه : (كنا نقرأ درساً في معجزاته رضي الله عنه فذكر الشيخ تسبيح الحصى والطعام بكفّه صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: يا شيخي، المعجزة ليست في التسبيح بل في سماعه، لأن التسبيح واقع، شئنا أم أبينا، قال الله تعالى: تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم   [الاسراء 44] فالمعجزة في سماع التسبيح لا في التسبيح، فسكت رحمه الله وقال: الحق معك).

انتهى من كتاب الدكتور محمد فاروق النبهان ( الشيخ محمد النبهان) وكتاب السيد النبهان تأليف الشيخ هشام الألوسي ( مع تصرف)