آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   أبحاث
عوامل التحصين من الإرهاب



مرات القراءة:3235    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

عوامل التحصين من الإرهاب

 

إعداد الشيخ : إبراهيم الحمدو العمر

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين والهادي إلى الصراط المستقيم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

لم يكن الإرهاب يوماً اختياراً إنسانياً أو خلقاً ترتضيه البشرية وبني الإنسان الذين كرمهم الله بالعقل ؛ لأن الإنسان بطبيعته يحب الحياة والتنعم بما حباه الله من خيراتها ، ويحب حياة الدعة والنعيم والتعايش وهذا هو المنهج الإلهي (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأعراف32 ، إن الله أنزل الإنسان إلى هذه الأرض بغرض بنائها وخلافته فيها ، والحفاظ على ما أوجده الله على ظهرها ، لا بغرض هدمها وتدميرها  ، فالإنسان مؤتمن عليها يحق له الانتفاع فيها بما لا يؤذي الآخرين ، ولا يفوت عليهم مصالحهم ، وبدون تدمير للطبيعة ولا انتهاك لجمالها ولا إفساد لتوازنها ، وكلما اتسعت آفاق الإنسان الفكرية كلما توسعت دائرة تعاملاته مع الآخرين ، واستفاد من بني الإنسان على اختلاف ألوانهم وأديانهم وأعراقهم ، لأن في هذا تحقيق مصالح الإنسانية ولن يستغني الإنسان عن أخيه الإنسان ، والإنسان يميل إلى  الاجتماع بطبعه وتدعوه فطرته للحفاظ على حياته ، بل إن من أساسيات ديننا الحنيف الحفاظ على الحياة وعدم التعرض لها بالضرر مهما كان قليلاً ، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ  ) الإسراء 77

 ، قال صلى الله عليه وسلم : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) سنن ابن ماجه 7/144

 ويستوي في ذلك تعريض الإنسان حياته الخاصة للضرر أو حياة الآخرين ، (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا  النساء (29) (30)

 ، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) الأنعام 151

، ولقد فرض الله عز وجل أشد العقوبات على من يسعى في الأرض فساداً قال الله تعالى : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) المائدة 33

من هنا نعلم أن الإرهاب حالة استثنائية في حياة الأمم ، تسهم في تكوينها عوامل خاصة منحرفة عن الصراط المستقيم والمنهج الفكري السوي ، تجعل بعض الناس يميل إلى هذا السلوك المنحرف الذي يقضي فيه على نفسه أولاً ثم حياة الآخرين نتيجة انحراف غير طبيعي في تكوينه العقلي والثقافي والديني ، أو نتيجة ظلم اجتماعي أو تمييز عنصري أو ضيق في ظروف الحياة  ، ومهما كانت مبرراته فهو سلوك منحرف اتفقت الشرائع على تحريمه  فلا وجود له في  مجتمع يتحلى بالتقدم والحضارة ، وينشد الخير لبني الإنسان ، قائم على قواعد الشريعة السمحة التي تضمن حق التعايش والتعاون للجميع ومع الجميع ، وهو مجتمع السلام بكل معانيه ، لما فيه من خصائص تجعل من يتدبرها ويعيشها أبعد الناس عن مخاطر التطرف ومزالق الإرهاب الخطيرة ، وإن هذه الخصائص لديننا هي  المعالجة الحقيقية للإرهاب من منظور إسلامي ، وواجب نشرها يقع علينا جميعاً ، وفي مقدمة من يجب عليه ذلك الدعاة ، فإن الداعية هو من يبلغ للناس دين الله ، ويبصر الناس بمعاني الإسلام ، ويفقهم بشريعة ربهم التي تعبدنا الله بها ، ويتقدمهم في تأدية فرائضهم ، وهو صاحب الدور الأول والفعال في توجيه الناس نحو هذه المفاهيم النقية التي تعكس صورة الإسلام بشكل صحيح ، بعيد عن التشويه والتشويش والتعكير ، ونشر الوسطية - سمة الإسلام البارزة - وتعميمها على أفراد المجتمع ؛ لتكون هذه المعاني حصناً للمجتمع تقيه من معاني الإرهاب والتطرف التي يستغلها دعاة الضلال باسم الدين ، ولتصحيح المفاهيم المغلوطة التي نبتت كالأعشاب السامة في تربة الإسلام الخصبة ، غرسها أناس انحرفت عقولهم وانحرف سلوكهم ، ولا يقتصر مكان الداعية على المسجد ، ولكن المسجد هو منطلقه الأهم ، ولا على خطبة الجمعة ، ولكنها الأبرز من مهماته  ، من هنا فإن الكلام عن دور الداعية والمسجد وخطبة الجمعة في التحصين من الإرهاب كلام قريب من بعضه ، وكلامنا عن واحد منها هو تقريباً كلام عن جميعها ، فيجب على الداعية  أن ينشر خصائص الإسلام وأن يحسن عرضها ، لتعريف المسلم وغير المسلم بحقيقة دينه النابذة للإرهاب وأهله ، والنأي به عن مهاوي الردى ، ومخاطر الشر ،

وإليك هذه الخصائص التي تعالج الإرهاب من منظور إسلامي :

أولاً : فقه التعايش

إن الإسلام على مر العصور كان لا يفرق من حيث التعايش بين دين وآخر ، ولا جنس وجنس ؛ فالله عز وجل جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف قال تعالى  ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) الحجرات 13

  ، فالتعارف مع الآخر من صميم  ديننا ، والناس بنص القرآن الكريم خلقوا من نفس واحدة : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الأعراف 189

فالأخوة الإنسانية قائمة بين بني الإنسان على اختلاف أديانهم ، وهذا إقرار لمكانة الإنسان ولحقوقه ، وتكريمه بكل مظاهر التكريم ، سواء في مكانته الاجتماعية ككائن إنساني مستخلف ومكلف ، أو في حقوقه التي تُعتبَرامتداداً لوجوده ، كحقه في الحياة والكرامة والحرية والمساواة فالعنف أمرمرفوض في السلوكية الإسلامية ، لأنه عدوان ، والعدوان أمر محرم في نظر الإسلام لأنه ظلم ، وجاءت الشريعة الإسلامية لمحاربة الظلم ، ومن أقسى أشكال الظلم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض ، وحفلت كتب الفقه بالكثير من الأحكام الفقهية التي أقرها الإسلام لترسيخ مبدأ العدالة في العلاقات الإنسانية ، وأكد الإسلام على الطهارة لضبط السلوك واستقامته ، و هي طهارة للظاهر من النجاسات وللباطن من الأوصاف الذميمة والجرائم والذنوب ، وهذه كلها تنعكس على فكر الإنسان وسلوكه وتصرفاته ، لكي تتجنب أخطر مسلك وهو الاعتداء على النفوس وإزهاقها ، ولخطورة ذلك وجسامته ولاهتمام الإسلام به نجد كتب الفقه قد أفردت مساحات واسعة للكلام عن العقوبات وتفصيلاتها ، وعن الحدود وتقنينها كل ذلك حماية لبني الإنسان كي لا يعبث بمصيرهم  من مرضت نفوسهم ، وانحرف سلوكهم ، والأنبياء في منظور الإسلام أسرة واحدة فالمسلمون يؤمنون بجميع الأنبياء والرسل قال الله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) البقرة285

 هذه هي خصوصية المسلم ، ولقد احترم الإسلام جميع الأديان واعتبرها ذات رسالة واحدة فالكل من عند الله ، والكل يؤمن بالله ، وبما جاء من عند الله ، والكل جاء لغرس قيم الفضيلة ومحاربة الانحراف والمظالم في حياة البشرية ، من هذه المعايير كان المسلمون - ولا يزالون – أكثر انفتاحاً مع الآخر ، ولقد نهل المسلمون من معارف الأمم على اختلاف أنواعها ، واقتبسوا من علوم الشرق والغرب في كل الميادين - وبالأخص الميدان الفكري - لأن التعددية الثقافية مظهر من مظاهر الثراء الحضاري، لذا كانت لترجمة العلوم من الأمم الأخرى سوق رائجة ازدهرت في صدر الإسلام  ، وحفلت الخزانات العلمية بنفائس الكتب المترجمة والمؤلفة ، وخصوصاً في عهد المأمون ،  واندثرت في إطار الحضارة الإسلامية الحضارات ذات الطبيعة القومية أو النزعة العنصرية ، فقدموا من مزيج ذلك إرثاً حضارياً ، وعطاء تقدمياً نهضت به حضارات العالم اليوم ، كل هذه الأسباب جعلت المجتمع الإسلامي مجتمعاً متواصلاً ، متلاحماً مع الآخرين ومتعاوناً معهم في جميع مجالات التعاون اللامحدود ، فهو تعاون اقتصادي واجتماعي وسياسي وعسكري ، وذلك لما في المجتمع الإسلامي من قيم الفضيلة التي جعلت آفاق الرؤية الإنسانية عندنا أوسع وأرحب ، فصاغت قاعدة سليمة وعادلة للتعاون المثمر المفيد ، وتحقيق مصالح الناس على حد سواء  ، وهذا ما يؤكده تاريخنا الإسلامي الذي احتضن أروع صورة من صور هذا التعايش ، في ظل قوميات متباعدة، ولغات متباينة، وبين شعوب متنافسة ، وخذ مثالاً لذلك تعايش النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة ، وأنواع التعاون الذي عقده معهم ، والمعاهدات العسكرية والأمنية والاقتصادية التي توضح آفاق الاتصال وطبيعة العلاقة مع من يخالفوننا في ديننا وهذه إحدى المعاهدات مع اليهود كما هي في سيرة ابن هشام : ( هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، أنهم أمة واحدة ، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ) إلى آخر هذه المعاهدة ، إنها معاهدة لم تغفل نوعاً من أنواع التعاون سواء العسكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي ، ولا تجد فيها أثراً لمغمز تفريق بيننا وبين من يخالفنا في ديننا ، بل تجد فيها دليلاً صارخاً على أننا شركاء في الإرث الإنساني ، نعمل جميعاً لما ينفع البشرية ويسمو بها ويرقى ببني الإنسان ، وليست هذه هي المعاهدة الوحيدة ، بل لها أخوات كثيرات مثلها ، فلقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم في أول عام من الهجرة إلى ودان ، فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة ، وفي ربيع الأول من العام الثاني للهجرة ، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ووادع أهلها ، ثم وادع صلوات الله عليه بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أظنني بحاجة لعرض صفحات من تاريخ الخلفاء في هذا الشأن ، ففي هذه المعاهدة التي ذكرتها مقنع لأولي الألباب ،  وإذا ما مشينا في التاريخ أكثر وقلبنا صفحاته ، نجد في قصور الخلفاء الأطباء من غير المسلمين والعلماء والمترجمين والعسكريين والاقتصاديين وغيرهم ، فكان التعاون مع الآخر وعدم رفضه ميزة المجتمع المسلم ،  كل ذلك لأن ديننا يرفض العنف بكل أشكاله ، ويدعونا إلى الاندماج مع الآخر ، مع حفاظنا على هويتنا ، ويسعى لإقرار السلام في الأرض ، والإسلام معناه السلام ، وهو أبلغ دليل على ما يحمله من خير للبشرية ، وإن هذه الشواهد كفيلة بأن تجعل من يقرأها ينظر إلى جميع الناس نظرة رحمة واعتدال ، وتدعونا للتكافل والأخوة واستثمار قدراتنا الإنسانية بما يحقق للمجتمع خيره وبره ورشده وصلاحه  ، وإن من يقرأ هذه الحقائق من تاريخنا قراءة واعية ، خالية من التعصب ، وبعيدة عن عمى الألوان ، لا بد أنه سيصبح أبعد الناس عن أذى الناس وأقرب الناس لنفع الناس ، ولقد علمنا معلمنا صلوات الله عليه أن (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس )  وجاءت كلمة الناس عامة لتشمل كل أصناف البشر على اختلاف أديانهم وأعراقهم ولغاتهم ، فأين موضع العنف والتطرف والإرهاب من دين هذه حقيقته ؟ أما إن الحقيقة التي لا غبار عليها ، أن دين الإسلام مثله مثل كل الأديان ما جاء إلا لخير الإنسانية ، بل هو غيث مريع جاء لينقذ الإنسانية من تصحر الأخلاق والفضيلة والإنسانية وهو خاتم الديانات جاء ليؤيدها ويعضدها ، وكان الجامع لكل ما فيها من خيروبر ، وأقدرها على التعايش ، خالياً من كل معاني الإرهاب الممقوتة

 

ثانياً : حرية اختيار الدين

لقد جعل الإسلام اختيار الدين أمراً شخصياً ، ليس لأحد أن يجبر إنساناً على اعتناق دين معين كائناً من كان ، وقد أبدلنا الله من الإكراه أسلوباً حضارياً لا مثيل له في تاريخ الحضارات ، وهو أسلوب الحوار والمجادلة الحسنة مع المخالف ، قال الله تعالى : ( وجادلهم بالتي هي أحسن )  ، ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن )  وإذا ما عرفنا أن  أهم أسباب الإرهاب في العالم قائم على مبدأ المخالفة في الدين ، تتجلى لنا بوضوح حكمة المبدأ الإلهي ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )  ، وتتجلى لنا عظمة قوله تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)  ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو التفسير العملي للقرآن الكريم ، وكان خلقه القرآن - يتعامل مع من حوله على اختلاف أديانهم وبدون تفريق ، ولم يكن يجبر أحداً على اعتناق الإسلام ، إنما كان الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة حتى مع أجلاف المشركين ، ولما توسعت بلاد الإسلام كانت هناك مجموعات كبيرة من القبائل المسيحية العربية لم تتبع دين الإسلام ، فترك لها النبي صلى الله عليه وسلم حرية اختيارها للدين الذي ترضاه ، وحرية ممارسة شعائرها كما تريد ، واحترم أماكن عبادتها ، وكتب لهم بذلك معاهدات  لضمان حقوقهم كمعاهدته لنجران التي يقول فيها  : ( ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله ، على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم ، لا يغيروا أسقفاً عن أسقفيته ، ولا راهباً عن رهبانيته ، ولا واقفاً عن وقفانيته ، ثم قال : وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبداً ، حتى يأتي الله بأمره ؛ إن نصحوا وأصلحوا )  ، وانظر معي إلى قوله صلى الله عليه وسلم : (لهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله ) لتعلم كم يحترم هذا الدين الإنسانية على اختلاف أديانها ؟ وإلى قوله : (أبداً حتى يأتي أمر الله ) لتعلم استمرارية عمل المسلمين بهذا الحكم إلى قيام الساعة ، وأنه حكم دائم مستمر ليس لأحد أن يتصرف فيه من هوى نفسه ، وفي عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أهل إيلياء (القدس)كتاباً ينص على حريتهم الدينية واحترام معابدهم : ( هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملتهم ، لا تسكن كنائسهم ، ولا تهدم ، ولا ينتقص منها ، ولا من حيزها ، ولا من صليبها ، ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ) 

وكتب سيدنا خالد بن الوليد لأهل عانات : ( ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاؤوا ، من ليل أو نهار ، إلا في أوقات الصلاة وأن يخرجوا الصبان في أيام عيدهم )  ، ولقد شهد التاريخ الإسلامي في قرونه الأولى بناء كنائس كثيرة ؛ لأن لكل أهل دين حريتهم في أداء شعائرهم ، وهذا ما لم تر له البشرية مثيلاً عند أصحاب الديانات الأخرى ، ولقد أدهش ذلك السلوك الإسلامي  الغربيين أنفسهم يقول العلامة الفرنسي غوستاف لوبون : ( رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفاً أن مسامحة محمد صلى الله عليه وسلم  لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية ، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص ، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته ) ، وقال روبرتس : ( إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى ، وإنهم - مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم - تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارا في التمسك بتعاليمهم الدينية )   وهذا يقودنا إلى الكلام عن التسامح الديني في الإسلام ، وضمان حريات الآخرين لما بين حرية اختيار الدين وبين التسامح من ارتباط .

ثالثاً : دين التسامح

إن معرفة طبيعة ديننا في التعامل مع الآخرين ضرورية ؛ فإن كثيراً ممن ينتسبون إلى هذا الدين يظنون أن كره الناس هو شعار ديني ، وهم في ذلك واهمون ، والعكس هو الصحيح ، وإذا علمنا أن كره الآخرين هو أول أسباب الإرهاب وأهم دواعيه ندرك أهمية انتزاع الكره من نفوس من ساءت مفاهيمهم لطبيعة ديننا ، و نكون قد قضينا على أول سبب من أسبابه ، فإن الإنسانية لم تعرف ديناً يحمل من قيم التسامح ما يحمله ديننا مع من خالفنا من يهود أو نصارى أو مجوس أو هندوس أو غيرهم ، ومعرفة هذه القيم ترد ذا العقل السليم إلى صوابه ، فإن القرار الإلهي واضح في أن الله لاينهانا عمن خالفنا في عقيدتنا أن نحسن إليه ونبره قال الله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يخالفوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين )  وهذه الآية نزلت في المشركين الوثنيين من قريش وغيرهم من العرب ، وقد شرعت برهم والإقساط إليهم ، والقسط هو أن نعطيهم حقهم ، والبر أن نزيدهم شيئاً فوق حقهم ، وأما أهل الكتاب فالمعاملة معهم أوسع ولا تحدها حدود فلنا أن نؤاكلهم ونصاهرهم ، وأن تصبح المرأة الكتابية زوجة المسلم وأم أولاده ومربية جيل من المسلمين ، وأن يصبح أهلها أصهارا وأخوالاً  هذا غاية التسامح الذي ما بعده تسامح ، والله عزوجل قادر على إجبار الناس على الإيمان ولذا فليس لأحد أن يكرههم عليه قال تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) 

والفصل بين أهل الديانات من اختصاص الله تعالى يوم القيامة ، فهو جلت عظمته الحاكم المطلق ، وهو الجازي بالأعمال : ( وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون )  والعدل مطلوب مع كل الناس ، ولا يجوز أن يحملنا اختلاف الدين على عدم الإنصاف وترك العدل ، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا  اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )  ، وأدب الحوار مع المخالف مبدأ قرآني ، نص الله عليه حتى لا تتحير فيه الظنون ، ولا تخطئ فيه الاجتهادات ، قال الله تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون )  ، ولما تحير بعض المسلمين في النفقة على ذويهم من المشركين  هل تجوز أم لا ؟ نزل قوله تعالى حاضاً لهم على التسامح معهم والإحسان إليهم ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا منه خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون )  ، فمطلوب منا الإخلاص وإن كان المنفق عليهم من المشركين ، هذه مبادئ في أصول التسامح مع غير المسلمين أسسها القرآن لهذه الأمة وقد جاءت السنة المطهرة لتفسرها نظرياً وعملياً ، روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : ( قدِمَتْ علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت إن أمي قدمت وهي راغبة ( أي راغبة من ابنتها أن تصلها وتحسن إليها ) أفأصل أمي ؟  قال : نعم صلي أمك )  ، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس معاملة لأهل الكتاب ، يزورهم ويكرمهم ويعود مرضاهم ، ذكر ابن إسحاق في السيرة : (أن وفد نجران - وهم من النصارى – لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، دخلوا عليه مسجده بعد العصر فكانت صلاتهم ، فقاموا يصلون في مسجده ، فأراد الناس منعهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم ، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم ) فأي تسامح أكثر من هذا ؟ وروى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم ) ، وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله  ، ولقد كان كثير من الصحابة يستطيع أن يقرض حبيبه صلى الله عليه وسلم ، ولكنه التشريع النبوي والسماحة ، وكان صلوات الله عليه يتهادى ويتبادل الهدايا مع غير المسلمين ، وكانت زوجاته تهدي زوجات غير المسلمين ، وما كان يرى بذلك بأساً بل هي أخلاق النبوة التي جعلته عليه الصلاة والسلام يقوم لجنازة يهودي ، ولما أخبر أنها جنازة يهودي قال لهم صلوات الله عليه مستنكراً استنكارهم : ( أليست نسمة ) ؟ فالنسمة عند نبينا صلوات الله عليه تستحق الاحترام ، 

وعلى هذا النهج النبوي سار الصحابة الكرام رضوان الله عليهم مقتفين أثر نبيهم صلوات الله عليه في التسامح ، فلقد صرف عمر رضي الله عنه معاشاً دائماً ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين ، ثم يقول مبرراً ذلك : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين )  وهذا من مساكين أهل الكتاب ، وعند مقدمه رضي الله عنه الجابية في دمشق مر في طريقه بقوم مجذومين من النصارى فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم القوت )  

ولما طعن أبو لؤلؤة المجوسي خليفة المسلمين عمر رضي الله عنه ، وخشي أن يجعل بعض المسلمين ذلك ذريعة لإهانة أهل الذمة ، قال الخليفة المطعون وهو على فراش الموت : ( أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً ، أن يوفي بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ، وألا يكلفهم فوق طاقتهم )  ، وما عرفنا عاهل دولة يقتله أعداؤه ثم يوصي بهم خيراً سوى هذا العظيم رضي الله عنه ، ولا ننسى موقفه يوم حضر لتسلم مفاتيح القدس لما طلب ذلك بطريركها (صفرينوس) فاستجاب الخليفة رضي الله عنه ، ولما حانت الصلاة وطلب صفرينوس من أمير المؤمنين الصلاة في كنيستهم ، لم يفعل رضي الله عنه خوفاً من أن يستغل المسلمون ذلك بعده فيطالبوا بموقع الكنيسة بحجة أن أمير المؤمنين صلى فيها ، ثم كتب لهم عهدته العمرية المعروفة ، وأعطاهم الأمان على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم ، وهذا عبد الله بن عمرو يأمر غلامه بأن يعطي جاره اليهودي من الأضحية ، ويكرر الوصية مرة بعد مرة حتى دهش الغلام وسأله عن حكمة هذه العناية بجاره اليهودي ، فيقول ابن عمرو رضي الله عنهما : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (مازال جبريل  يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )  ، وهذا فهم عجيب لفقه الحديث ، وليس وقوفاً جامداً عند ألفاظه ، بل لقد كان الصحابة يتبعون جنائز من يموت بينهم من أهل الكتاب ، ويشيعونها تعاطفاً منهم مع مشاعر من يتعايشون معهم بغض النظر عن دينهم ، كما حصل مع أم الحارث بن أبي ربيعة - وهي نصرانية - لما ماتت فشيعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .  ، ولقد انعكس هذا المبدأ على أحكام العلماء في التعامل مع غير المسلمين ، واستمدوا منه فقههم في استخراج الأحكام حين يتعلق الأمر بفرائض الإسلام كالزكاة مثلاً ، أو غيرها من التعاملات حتى في التعاملات السياسية ، فلقد ذهب ابن سيرين وعكرمة والزهري إلى جواز إعطائهم من الزكاة ، روى ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد : ( أنه سئل عن الصدقة فيمن توضع ؟ فقال في أهل المسكنة من المسلمين وأهل ذمتكم )  ، وذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك قال : ( حدث الدار قطني أن القاضي إسماعيل بن إسحق – وهو من كبار المالكية – دخل عليه عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي فقام له القاضي ، ورحب به ، فرأى إنكار الشهود لذلك ، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل : قد علمت إنكاركم ، وقد قال الله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم )  وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين ، وهو سفير بيننا وبين المعتضد ، وهذا من البر ، ولقد فسر الإمام القرافي معنى البر الذي أمر الله به في التعامل مع أهل الذمة بقوله : (الرفق بضعيفهم ، وسد خلة فقيرهم ، وإطعام جائعهم ، وإكساء عاريهم ، ولين القول لهم - على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة - واحتمال إذابتهم في الجوار - مع القدرة على إزالته - لطفاً منا بهم - لا خوفا وتعظيما - والدعاء لهم بالهداية ، وأن يجعلوا من أهل السعادة ، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم ، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم ، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم ، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم ، وإيصالهم لجميع حقوقهم)  ولقد نقل ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع) الإجماع على توفير الحماية لأهل الذمة حيث قال : ( إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ، ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ) قال صلى الله عليه وسلم : ( من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة )  وقال أيضاً صلوات الله عليه : ( من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً )  ولقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً بمعاهد وقال : ( أنا أكرم من وفى بذمته )  وهذه الأحاديث غنية عن  الشرح والتوضيح ، وروي أن سيدنا علياً رضي الله عنه أتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة ، فقامت عليه البينة فأمر بقتله ، فجاء أخوه فقال إني قد عفوت ، قال : لعلهم هددوك وفرقوك ؟ قال : لا ، ولكن قتله لا يرد علي أخي ، وعوضوا لي ورضيت ، قال أنت أعلم ، من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا )  وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر - وقد ضرب ابنه مصريا وافتخر بآبائه قائلا:خذها من ابن الأكرمين . فاقتص منه عمر قائلاً (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحرارا أمهاتهم ؟) (ابن الجوزي: مناقب عمر بن الخطاب 99) تلك هي سنة المسلمين في التعامل مع مخالفيهم في كل عصور الإسلام يقول (ول ديورانت)  في كتابه قصة الحضارة 13/131 : ( لقد كان أهل الذمة - المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون - يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام ، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم ، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم ...إلى أن يقول : ولكنهم كانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم ) ، وفي العصر العباسي اشتهر كثير من العظماء ، وكانوا أطباء الخلفاء والمقربين لديهم ، يقول (آدم ميتز) في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري :( ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال ، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة ، فكانوا صيارفة وتجاراً وأصحاب ضياع وأطباء ، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلاً يهوداً ، على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى ، وكان رئيس النصارى في بغداد طبيب الخليفة ، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده ) ، بل لقد كانوا يتولون كثيراً من المناصب دون تمييز بينهم وبين المسلمين ،وفي عامة عصور الإسلام تجد هذه السماحة سائدة ، ولا تفقد منها شيئا ولو أردنا الاستقصاء لأعيانا البحث لأن تاريخنا مليء بها يقول (غوستاف لوبون) : ( إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم ) – فتأمل - ! 

هذه هي بعض المزايا المشرقة من سماحة الإسلام مع غير المسلمين ، والتي تدعو المسلم لأن يكون أكثر حكمة وسماحة وانفتاحاً ورحمة حينما يتعامل مع الذين يخالفونه في الدين أو الرأي ، ناهيك عن الذين يخالفونه الاجتهاد ممن هم على دينه ، وفي هذه البيئة الصحية القائمة على التفاعل البنّاء وتبادل المنافع عاش المسلمون دون تمييز مع غيرهم ، وقدموا للإنسانية عطاء حضارياً سبق الحضارات كلها ، ألا ما أجملها من أخلاق فقل لي بربك أين يجد الإرهاب له مكاناً بين هذه الأخلاق الفاضلة والأوامر التي أمرنا بها ربنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ؟

ثالثاً  : إياكم والغلو في الدين :

الغلو في اللغة هو الارتفاع ومجاوزة القدر ، وغلا في الأمر غُلّوا أي جاوز حده ، وغلا في الدين غلواً تشدد وتصلب حتى جاوز الحد ، وهذا هو المعنى الشرعي للكلمة ، يقول ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث مبيناً معنى (إياكم والغلو في الدين ) : أي التشدد فيه ومجاوزة الحد كحديثه صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ) انظر الصحاح للجوهري ولسان العرب ومعجم مقاييس اللغة ، فيكون المعنى الأعم للغلو هو: تجاوز الحد في تطبيق ما أمر الله تعالى وأخذ النفس بأشد مما فرض الله عليها والشدة في إطلاق الأحكام إن على النفس أو على الغير من هنا فإن من يطلع على هدي القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم يصل إلى نتيجة لا تقبل الجدل وهي أن هذا الدين دين يبغي صلاح النفس البشرية من خلال تكليفها ما تطيق وترك ما يعنتها ويشق عليها

قال صلى الله عليه وسلم  : ( إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين )  وقال صلى الله عليه وسلم : ( هلك المتنطعون قالها ثلاثاً ) رواه أبو داود قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث : هلك المتنطعون أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم  .  فالرفق وعدم الغلو من أساسيات ديننا الحنيف ، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ) قال ابن حجر في فتح الباري 1/94 : والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ، وتحكي السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن رفق النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: ما خُيرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تُنْتَهَك حرمة الله؛ فينتقم لله -تعالى-. . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (يسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّروا) 

لقد جعل الله تعال تكاليفنا على قدر وسعنا وطاقتنا ولم يكلفنا فوق ما نحتمل رحمة بنا قال تعالى : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) 

(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) 

(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) 

( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) 

(فاتقوا الله ما استطعتم ) 

فالتشديد ليس هدياً ، نبوياً عن أنس رضي الله عنه  قَالَ : جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبيّ  صلى الله عليه وسلم  ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبيّ  صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا أُخْبِروا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا وَقَالُوا : أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ ، قَالَ أحدُهُم : أمَّا أنا فَأُصَلِّي اللَّيلَ أبداً . وَقالَ الآخَرُ : وَأَنَا أصُومُ الدَّهْرَ أَبَداً وَلا أُفْطِرُ ، وَقالَ الآخر : وَأَنا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أتَزَوَّجُ أبَداً ، فجاء رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  إليهم  فَقَالَ : (( أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا واللهِ إنِّي لأخْشَاكُمْ للهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أصُومُ وَأُفْطِرُ ، وأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))  ، وعن أنس  رضي الله عنه  ، قَالَ : دَخَلَ النَّبيُّ  صلى الله عليه وسلم  المَسْجِدَ ، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ  فَقَالَ : (( مَا هَذَا الحَبْلُ ؟ )) قالُوا : هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ ، فَقَالَ النَّبيُّ  صلى الله عليه وسلم  : (( حُلُّوهُ ، لِيُصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ )).

(3)- وعن عائشة رضي الله عنها : أنَّ رَسُول الله  صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : (( إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ ، فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ )) ، 

(4)- وعن أَبي عبد الله جابر بن سمرة رضي الله عنهما ، قَالَ : كُنْتُ أصَلِّي مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلَوَاتِ ، فَكَانتْ صَلاتُهُ قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً .  رواه مسلم .

قوله : (( قَصْداً )) : أي بين الطولِ والقِصرِ ، كذلك كل عبادات الاسلام وتكاليفه إنما القصد منها تهذيب النفس الإنسانية لا العنت والمشقة فديننا دين يسر ودين وسط ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً )  فمن استبدل بهذا اليسر شدة فهو ممن بدل دين الله ، ولم يرتض ما أراده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالف سنته وهديه ، قال صلى الله عليه وسلم : (سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي)  ، فإذا جاءنا من يشدد على الناس أو يتعنت أو يتعصب أويتطرف ، ويريد أن يلزم الناس بتشدده ، ويهدد المخالفين ، ويقتلهم ، بعد حكمه عليهم بالتفسيق والتبديع والتكفير باسم الدين ، فهو ممن خرج على دين الله وعلى المسلمين وسلطانهم بغير حق ، فديننا دين يسر ، لا دين إلزام بمذهب أو رأي ، أو حمل الناس على قول عالم ،  ولنا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فلقد كانوا يختلفون حتى  بين يدي معلمهم صلوات الله عليه لأن  تبادل الرأي والاجتهاد فيه إثراء للعبقرية الإسلامية - ومعلوم أن الاختلاف والاجتهاد إنما يكونان فيما لم يرد فيه نص قطعي الثبوت والدلالة – ولقد أشار النبي صلى الله إلى أن التشدد والغلو يفرز الإرهاب والعدوان كنتيجة طبيعية وذلك في قصة الرجل الذي اعترضه على فقال : ( إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لايجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) متفق عليه ، وهذا دليل نبوي على أن أناساً من ملتنا ،  ويقرؤون كتاب ربنا ، ويصلون في مساجدنا ، سيخرجون علينا باسم الدين والقرآن ، ويخرجون على الأمة باسم الإسلام ، وأن منهم من يتجرأ على قتل من خالفه رأيه من المسلمين دون غيرهم ، فليس هؤلاء من الإسلام في شيء ، وإن زعموا أنهم يطبقون دين الله ، ويصدق في هؤلاء ما قاله سيدنا علي كرم الله وجهه للخوارج حينما قالوا له : لا حكم إلا الله فأجابهم بقوله : ( كلمة حق أريد بها باطل ) عن عبيد الله بن أبي رافع  أن الحرورية لما خرجت مع علي بن أبي طالب فقالوا : لا حكم إلا لله ، قال علي رضي الله عنه : كلمة حق أريد بها باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء الذين يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم وأشار إلى حلقه)  ، وما أكثر الذين يخرجون في زماننا باسم الدين وأنهم أنصاره بعد الله تعالى ، فيخرجون على الأمة وسلطانها وعلمائها ، والعلاج الحقيقي لهؤلاء هو الرجوع إلى هدي نبينا صلى الله عليه وسلم ، الذي حذرنا صلوات الله عليه من الشذوذ أو الخروج على الجماعة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه )  ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يجمع الله أمر أمتي على ضلالة أبداً اتبعوا السواد الأعظم ، يد الله مع الجماعة من شذ شذ في النار )  ، فلا خير فيمن فارق ما اجتمعت هذه الأمة هائماً في بوادي العنف والفرقة والكراهية  .

دور مراكز الإفتاء في التحصين من الإرهاب

ثقة الناس بعلمائهم قوية جداً في مجتمعاتنا ، وقد اعتاد الناس غالباً أن يأخذوا كلمتهم بالقبول دون نقاش من هنا فإن استغلال هذه الثقة واجب لنشر العقائد السليمة والمنهج الوسط وتبليغها للناس من خلال مراكز الإفتاء التي تستقبل أسئلة أبناء المجتمع وتعالجها وترد عليها بالحكمة والموعظة الحسنة وتنتزع من عقول الناس ما علق  بها من فتاوى مغلوطة تسربت إليهم عمن ليسوا أهلاً للفتوى أو ممن لهم توجهات لاتتناسب مع أخلاق ديننا ووسطيته وإن تسهيل سبل الوصول إلى المفتي المؤهل للفتوى تجعل الناس يعيشون حالة من الرضا حيث إن الوصول إلى حكم الإسلام لا يكلفهم أي عناء وهذا ما يجعلهم يبادرون بأنفسهم للاستفسار عما يجول بخاطرهم أو عما يحدث حولهم أو ما يخص علاقتهم بالله عز وجل لتصحيح عباداتهم أوما يسمعون عن طريق وسائل الإعلام التي أصبحت تتصدر إذاعة المعلومة ونشرها بين الناس بغض النظر عن صحة هذه المعلومة أو عدم صحتها بل ربما تثير هذه الوسائل بعض القضايا الحساسة التي  تمس ديننا وأمننا وواقعنا في بعض الأحيان ومثل هذه القضايا الخطيرة لا يستطيع أن ينقذ الناس منها إلا مراكز الإفتاء التي أعدت نفسها لتبليغ دين الله بل إن هذه المراكز تضطلع بدور أهم وهو العمل على الحد من فوضى الفتاوى واضطرابها وتناقضها ذلك أن فهم هؤلاء العلماء في هذه المراكز لحقيقة الشرع وتبصرها بأوجه الخلاف بين الفقهاء مع درايتها بواقع المجتمع وما يصلح له يجعلها تنقل الحكم الشرعي بدقة  لأن الدقة في تنزيل الحكم  الشرعي على ما يخصه من أحوال السائلين لا يقل أهمية عن دقة الحكم الشرعي ذاته وهذا ما لا يقدر عليه إلا المؤهلون لذلك ممن اختصوا بالفتوى وإيصالها وطرق استخراجها من هنا فإن العلماء يشددون في الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي لما للإفتاء من أهمية في ديننا ومجتمعنا والحق أن مراكز الإفتاء صمام أمان تقي الناس من اضطراب عقائدهم وتشويهها وتغذيهم بصفاء الشريعة ونقاوتها وسماحتها وتبلغهم حكم الله بدقة لأن المفتي يوقع عن الله عز وجل وتجعل الأمة - وخصوصاً شبابها - في مأمن من أن تتخطفها أيدي أصحاب الأهواء والأغراض ، إذا عرفنا أهمية مراكز الإفتاء تتضح أمامنا الخطورة البالغة حينما يصعب على الناس هذا الوصول للفتوى الصحيحة فإنهم حينئذ يصبحون عرضة للاضطراب في أفكارهم ومعتقدهم  وهذه الحالة تجعلهم لا يميزون بين الحكم الشرعي الصحيح و غير الصحيح  وبين من يسير بهم على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة وبين من يتخذ الإفتاء لخدمة أغراضه ومصالحه نسأل الله العصمة من ذلك

خطبة الجمعة ودورها في التحصين من الإرهاب

إن  إعداد خطبة الجمعة من الأهمية بمكان حيث إنه يجب النظر فيها إلى الضروري الأهم من المواضيع التي يجب تبليغها للمسلمين والأخذ بعين الاعتبار اختيار الوقت المناسب لها فإن جعل الخطبة في غير وقتها الصحيح ربما يؤدي إلى معنى عكسي في عقل المستمع ونفسه وربما يثير في المجتمع بعض المعاني السلبية  لأن عقلية المستمع في بعض الأحيان تكتنفها عوامل خاصة تجب مراعاتها والحفاظ عليها والأخذ بها إلى مرفأ المفاهيم الصحيحة وبر الهدوء النفسي وتأخير معالجة بعض القضايا أيضاً ربما يؤدي إلى تلفت المجتمع ذات اليمين وذات الشمال باحثاً عمن يلبي له رغبته في معالجة هذه القضايا ذلك لأن المسلم تعوّد أن يكون المنبر هو نافذة عقله التي ينظر منها إلى قضايا المجتمع الداخلية أو التي تحيط به وترِد إليه أخبارها عن المجتمعات الأخرى ولا ينبغي أن يتأخر دور الخطبة عن أداء المعلومة المناسبة في الوقت المناسب ولا ينبغي أن يهمل دورها بل يجب أن تبقى رئة المجتمع التي يستنشق منها أسباب الحياة الآمنة في مجتمعه وذلك بالاهتمام بشعور المستمع ومراعاة حق الله في نشر ثقافة الإسلام وتبليغ دعوته حتى لغير المسلمين بمنهج وسط معتدل قائم على التوازن الفكري والروحي والاجتماعي آخذاً بعين الاعتبار مصلحة المجتمع على اختلاف أطيافه فإن دعوة الإسلام عامة  ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )  والرحمة هي التي تحقق السلام الذين أمرنا الله أن ندخل فيه للمجتمع  (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) 

لأن الإسلام بكل تعاليمه يهدف إلى تحقيق السلام في المجتمع الإنساني حتى يأمن الإنسان على نفسه وأهله وماله من كل المخاوف التي تحيط به و لم تعرف البشرية دينا اشتهر بالسلام كما اشتهر الإسلام ، فالله هو السلام  ويدعو إلى دار السلام و التحية بين أهله السلام ، ثم إن لفظ (الإسلام) مأخوذ من مادة السلم والسلام، لأن السلام والإسلام يلتقيان في توفير الطمأنينة والأمن والسكينة والتقدم،

 وهذا لا يكون إلا بإعداد الكوادر المؤهلة الواعية لإعداد خطبة الجمعة التي لا تغفل  قضية حساسة من القضايا المعاصرة إلا وتتكلم فيها بهدوء وروية واتزان على ضوء مفاهيم الشريعة الوسطية السمحة ليكون المنبر ناشراً للمفاهيم التي جاءنا بها ديننا الحنيف ولتؤدي دورها الصحيح في تهذيب المجتمع وتربيته وحسن سلوكه  وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تردنا من هنا وهناك  ولابد من إعداد بالخطيب الذي يلقي هذه الخطبة على مسمع الجمهور ، ودور الخطيب في طريقة الإلقاء ضروري في إبراز أهمية الموضوع وجعله أدخل إلى عقلية القارئ وقناعته وفهمه وربما يُذهب بهاء الموضوع ورونقه أسلوب إلقائه وبرودة ملقيه وكم من خطيب تسمع إليه فلا يحرك في نفسك ساكناً فتخرج من المسجد كما دخلت إليه وآخر لا يترك مكاناً من إحساسك إلا ويثيره ليشبعك بالمعاني التي يلقيها عليك ويقنعك ،

دور إمام المسجد في التحصين من الإرهاب

لا يقتصر دور إمام المسجد على الصلوات وتقدم الناس في المحراب وإن كان ذلك شرف ما بعده شرف ولكنه بالإضافة إلى ذلك عنصر فعال في بث معاني المحبة والمودة والتقريب بين الناس والأخذ بيدهم إلى جو العبادة والطهر والصفاء والخلوة مع الله عز وجل في لحظات تأمل وتفكر ودعاء وصفاء وانقطاع عن أسباب الأرض إلى أسباب السماء وجعلهم يعيشون مع كلام الله ويحسون خطابه بأرواحهم ويتلذذون بالكلام معه في صلاتهم فالقرآن هو مخاطبة الله لنا والصلاة هي مخاطبتنا له وهؤلاء يعيشون حالة مصالحة بينهم وبين الله وبينهم وبين نفوسهم وبينهم وبين مجتمعهم ويخرجون من المسجد وقد ارتسمت علامات الرضا على قسماتهم وانتشرت هالة النور حول أجسادهم ، لا تفقدهم في مجال خير ينفع المجتمع ولا تجدهم في دهليز شبهة تُدْخِلُ الريبة عليهم ،كلامهم حكمة ، وسكوتهم عبرة وفعالهم بناء لمجتمعهم ، وهم أبعد الناس عن معاني الإرهاب لأن تربيتهم لؤلؤية وأيديهم متوضئة وسلوكهم على طريق الحبيب المصطفى صلوات الله عليه قد أسدل الله عليهم كنفه ورعايته ووقاهم بحمايته وستره يربطهم بالمسجد إيمانهم العميق ويقوي هذه الرابطة إمام المسجد باتزان فكره وحكمة دعوته وعدم تكفيره أي أحد من المسلمين  كل ذلك  ينعكس على من يحضر في المسجد يجعله يؤثر بمن حوله بحاله قبل مقاله وحسن تعامله له أثره في نشر  الطمأنينة في نفوس الناس وإن من واجب الإمام أن يكون صورة صادقة في نقل المعاني السامية لنفوس من يصلي معه وبذلك يكون أداة تعبير صادقة عن المعاني التي ترقى بالمجتمع وتسير به في طريق السلام و الإسلام

 

دور البيئة في التحصين من الإرهاب

البيئة الصالحة أول سبب من أسباب صحة المجتمع السلوكية والأخلاقية وهي العامل الرئيسي في تربية الجيل  وبيئة الإنسان هي أسرته ومحيطه ومدرسته ومجتمعه فهو ينشأ بينهم ويتلقى معارفه الاجتماعية عن طريقهم  وأهمها في بداية حياة الإنسان الأسرة فإذا ما شب تنازعت عليه عوامل المجتمع من حوله من هنا فإن التركيز على هذا العامل في تنشئة الجيل أمر ضروري

والأسرة هي أهم وأول العوامل  المؤثرة في أبنائها  ،ومن الواجب أن تحسن تنشئتهم والأخذ بيدهم لأسباب السعادة وجعلهم أدوات بناء لمجتمعهم والبعد بهم عن أسباب الشقاء حتى لا يكونوا أدوات هدامة ولقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك حين قال : ( الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عن رعيتها ) والولد إنما يولد على الفطرة وعنده قابلية للخير والشر الذي يغرس فيه فواجب الأبوين أن يغرسا فيه بذور الخير للمجتمع  والمحبة للآخر والسلام مع ما حوله وأن يغرسا فيه قيم الفضيلة والرجولة والشهامة والفتوة وأن يبعداه عن الكره والبغض والحقد على الآخرين والعنف والتطرف فإنه ثبت في علم الاجتماع أن ما يغرس في شخصية الإنسان في طفولته المبكرة وشبابه المبكر يصبح من الصعب تبديله أو زعزعته فإذا ما لقن الأبوان الولد سلوكاً عدوانياً تجاه الآخر سوى في الفعل أو الكلام أو تعويده أن يحكم على الآخرين من كرهه لهم فإن هذا السلوك لا يمكن انتزاعه بسهولة بل حتما سيجعل هذا الطفل يسير في طريق العنف والإرهاب وسيظل هذا راسخا وله أثره السلبي في تعامله مع الآخرين وربما يصبح جزءاً من عقيدته الدينية فيبقى معه إلى آخر العمر ذلك لأن عملية التطبيع الاجتماعي ونقل الموروث الاجتماعي من جيل لجيل عن طريق الأسرة لها تأثير لا يقف أمامه أثر أي منظمة اجتماعية أخرى في تحديد المواصفات والسلوكيات الشخصية وتشكيلها في الطفولة المبكرة فعقلية الطفل في فترة التلقي هذه صفحة بيضاء تنظر ما ينقش فيها وعجينة طرية في يد الأبوين وهما الوحيدان  القادران على تشكيلها دون أي مؤثر خارجي فهو شديد التأثر سهل التشكل شديد القابلية للإيحاء وللتعلم ضعيف الإدراك والإدارة يعتمد في كل شيء على أبويه لذلك فالسنوات الأولى في حياته خطيرة وحاسمة ولها أثرها في تكوين شخصيته المستقبلية ، ويحسن في هذه الفترة توعية الأسرة وبالأخص الأم حتى تنشأ عندنا أجيال حضارية تبني ولا تهدم وتجمع ولا تفرق وتصون ولا تبدد وتعشق السلم والسلام  كما أمرنا ربنا جل جلاله : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )  وتعمل لخدمة الوطن وأمنه واستقراره ، فإن الوطن إنما هو مجموعة الأفراد

إن الأصول الأخلاقية الأولى المكتسبة يتلقاها الإنسان عن بيئته وأهمها الأسرة  والمحيط الذي يعيش به ويتأثر بمناخه ، و هي المؤسسة الأولى التي تعود إليها المسؤولية في التنشئة الاجتماعية والسلوك التربوي للإنسان و لها الدور الأول في توجيه الفرد التوجيه الصحيح فإذا ما اهتمت هذا الأسرة في تنشئة أبنائها تنشئة بعيدة عن معاني الغلو  والتطرف والإرهاب نشأ لدينا جيل متزن في أخلاقه وسلوكه ونظرته لما حوله وفرق كبير بين من يعيش في أسرة تشعره بدفء الأمومة وحنوها وتغذي في فطرته عوامل الحب والأخوة والحنان فينشأ محباً لمحيطه متفاعلاً مع الآخرين وعنصراً فعالاً في كل مجالات الخير التي تربى عليها ، أقول فرق بين هذا وبين من ينشأ في أسرة مفككة بعيداً عن حب الوالدين والأهل كارهاً لمن حوله ومن هذا شأنه لا يمكن أن ينتظر منه المجتمع إلا النقمة والكراهية والنظرة السوداء لمن حوله ،

ويمكننا أن نضع بعض النقاط التي يمكن للأسرة من خلالها تجنيب أبنائها أسباب الإرهاب والوقاية منه

1- الرفق في المعاملة

الرفق في معاملة الأولاد والانتباه الدقيق في مراقبتهم مطلب الأسرة وذلك بأن يكون الوالدان على حذر في طريقة التعامل التربوية التي يعالجان من خلالها أخطاء الأطفال أو المراهقين من أبنائهم حتى والشباب وذلك لما تتركه هذه المعاملة وهذه المعالجة للأخطاء في هذا الظرف بالذات من بصمات في نفسية الولد لا يمكن أن تنتزع منه بسهولة  والدراسات النفسية تظهر أن تربية الأبناء إذا شابها التسيب والإهمال أو كان الأب ذا اتجاهات عدوانية مع أبنائه فإن هذا كفيل بإنشاء أبناء عدوانيين جداً وغير منضبطين ،وذلك لأن الأب إذا كان هذا أ أسلوبه لا يمكن أن يعطي الأولاد مساحة فكرية يحاولون بها الرجوع إلى فطرتهم لفهم أغلاطهم ولا يعطي الطفل العطف اللازم الذي يحتاجه لتؤتي العملية التربوية ثمارها وكذلك لن يترك مجالاً لأولاده لكي تأخذ العملية التفكيرية طريقها الصحيح  إلى أذهانهم  وعملية التفكير تحتاج إلى رياضة ذهنية طويلة كالرياضات البدنية حتى يتعلم الولد من خلالها وزن الأمور بشكل دقيق وصحيح وإن لتوضيح الخطأ وتعريف الولد به أهمية كبرى في فترة التربية حتى يعرف الولد مكمن الخطأ فلا يقع  فيه ثانية بل هي أهم من العلاج ذاته وأخطر من هذا أن يترك الوالدان أسلوب العقل والمنطق في مخاطبة أبنائهم ويلجآن إلى استخدام العقاب البدني أو مصادرة إرادة الأبناء والإكثار من استخدام أسلوب المنع معهم إذا كان هذا المنع لا يقصد منه غرض تربوي فيحصل  من غير مبرر مشروع  فإن هذا الأسلوب من شأنه أن يخرج عن حدوده التربوية  اللائقة اللازمة وأن ينقلب إلى عكس المطلوب ويعطي النتائج السلبية للتربية ذلك لأنه ينشئ في الولد نفساً عدوانية وعنفاً يجعله بذلك مؤهلاً لأن يكون إرهابياً بامتياز خصوصاً إذا وصل الولد إلى مرحلة التفتح الذهني فإنه ليس الأب الوحيد المؤثر على الولد في هذه المرحلة بل تتحكم في الطفل وتؤثر فيه غرائزه وشهواته ومتطلباته وكذلك الزملاء الذين يختلفون في أسلوب تربيتهم وعاداتهم وتقاليدهم والمدرسة والشارع والتلفاز  وهنا لا بد من لفت النظر إلى أنه يجب على الوالدين أن يكون عندهما من الحكمة ما يميزان به بين أساليب التربية الصالحة لكل فترة عمرية من أبنائهم فإن تربية الطفل الذي يحبو على الأرض غير تربية الطفل إذا بدأ يتكلم ويدرك وتصبح له طلبات وآراء صغيرة مثله فهذه مرحلة يحسن فيها تربية الطفل بإحاطته بجو العطف والحنان والمودة والتنزل إلى عقله فبهذا ينمو عقل الطفل في هذه المرحلة ولقد كان من عادة المربي الأول صلى الله عليه وسلم أن يتنزل لمستوى الأطفال ويداعبهم بما يستوعبون ويقف مع هموهم الصغيرة ويعالجها لهم والأحاديث في ذلك كثيرة وهي صفحة من الهدي  النبوي عظيمة وكل هديه عظيم صلوات الله عليه  أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير يا أبا عمير ما فعل النغير ) والنغير طائر صغير كان يلعب به الطفل فكان صلوات الله عليه يمزح مع الأطفال ويكنيهم ويسمح لهم يلعبون بما أرادوا من الألعاب ويخاطبهم على قدر عقولهم ويرش الماء في وجوههم مداعبة لهم ويحمل الصغار على عاتقه ويقطع خطبة الجمعة ليرحم عثرتهم ويهتم بتهذيب مظهرهم  دون تشدد أو تزمت في ذلك بل برفق ولين كما هو هديه صلى الله عليه وسلم (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)  وقال الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق، يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) 

والمسلم برفقه ولينه يصير بعيدًا عن النار، ويكون من أهل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بمن يحْرُم على النار؟ أو بمن تَحْرُم عليه النار؟ تَحْرُم النار على كل قريب هين لين سهل) .وفي هذا الأسلوب ما فيه من حسن التربية ونزع أسباب العنف المؤدية إلى الإرهاب من نفوس الناشئة ثم إن الطفل في هذه المرحلة غير الطفل إذا بدأ يتعلم في المدرسة وهذا أيضاً غير الطفل الذي بدأت المراهقة تأخذ طريقها إلى جسمه وعقله وعاطفته وهذا غير الشاب الذي بدأ يفكر بالزواج وبناء الأسرة وتأمين العمل ، وانظر معي إلى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ملاحظته التربوية الدقيقة حيث طلب منا أن نأمر أولادنا بالصلاة إذا كانوا أبناء سبع سنين وهي مرحلة يبدأ فيها الطفل بأولى مراحل الإدراك الصحيح ثم طلب منا أن نضربهم ضرباً غير مبرح وإنما ضرب تربية وتهذيب إذا بلغوا عشر سنين وهي مرحلة يفيد فيها هذا النوع من الضرب التربوي فالطفل فيها تصبح عنده نفس لوامة تلومه على الشر إذا فعله لأنه أصبح يميز بين الخير والشر ثم أمرنا صلوات الله عليه أن نفرق بينهم في المضاجع بعد هذه المرحلة لأنه بعد هذه المرحلة تبدأ المراهقة تأخذ طريقها إلى نفوسهم فيشكل بقاؤهم معاً ونومهم معاً خطراً سلوكياً ربما تظهر آثاره عند الكبر ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع   فيجب أن يكون لكل مرحلة من هذه المراحل أسلوب يليق به حتى تعطي العملية التربوية أكلها وحتى يستطيع الأب التحكم بقيادة سفينة الأسرة قيادة سليمة يأمن فيها من التمرد من أبنائه أو سقوط احترامهم أو خروجهم عن رأيه وهجرهم للبيت مما يشكل عليه عبئاً آخر في ضرورة إقناعهم واستراجعهم إلى محيط الأسرة حيث أن الولد إذا ألف هجر البيت يصبح طعماً سهلاً وفريسة لكل ذي هوى يتصيد مثل هؤلاء الشباب يستغل بذلك طيشهم وعدم فهمهم لما يجري ليؤدي من خلالهم أغراضه العدوانية  وربما يكون منها تسخيرهم في مجالات هدامة وأخطرها الإرهاب وأول ذلك إنما يكون بإفساد الأخلاق بأساليب منتشرة أصبحت معروفة لكل عاقل في المجتمع ومن المعروف أن أصحاب الأغراض دائماً يستغلون الشباب لما استقر في نفوس الشباب من نزعة التمرد على السلطة الأبوية ونقص الخبرة والتجربة والفراغ القاتل غير المنظم والحماس الطائش ، وليعلم الوالدان أنه  إذا وصل الولد إلى مرحلة التفتح الذهني فإنه ليس الأب الوحيد المؤثر على الولد في هذه المرحلة بل تتحكم في الطفل وتؤثر فيه غرائزه وشهواته ومتطلباته وكذلك الزملاء الذين يختلفون في أسلوب تربيتهم وعاداتهم وتقاليدهم والمدرسة والشارع والتلفاز وهذا يتطلب زيادة من الحكمة في التعامل معه ،

وإن مما يساعد على ضبط علاقة الوالدين بأبنائهما هو دفء العاطفة والاهتمام بالجانب الروحي للأبناء وتعزيز ثقة الأولاد بأنفسهم وإشعارهم بالعزة والكرامة والاحترام وذلك بتجنب تعنيف الأبناء أمام الآخرين وأمام بعضهم البعض حين يمارسون أي سلوك خاطئ لأن طبيعة الأولاد النفسية والعقلية وقلة ممارستهم للحياة تجعلهم عرضة للوقوع في بعض الأغلاط فينبغي أن تستغل هذه الأغلاط من الوالدين بغرض تنبيه الأولاد وجعلها فرصة لتغذيتهم بالعلم والأدب والخبرة بالحياة مع التنبيه الرفيق على خطئهم  فإذا لم ينفع مع المخطئ الأسلوب الهين بينا له الأضرار المترتبة على غلطه وسلبياتها وأنها يترتب عليها عقاب إن أصر عليها وباستمرار هذا الأسلوب تغرس في نفس الأولاد ثقافة اللين والرفق والحوار ويبعد عن العنف والشدة

وإن من الرفق في المعاملة أن يشعر الوالدان أولادهما بالقرب منهم ويمنحانهم دفء العاطفة فإن الأولاد بحاجة لقرب ذويهم منهم وهذا ما يعصمهم في الوقوع في كثير من الأغلاط لأن غياب القدوة يجعل الأولاد يعملون دون رقيب وربما يستغلهم قرناء السوء وأصحاب الأغراض والطفل كلما اقترب من أبويه كان أكثر هدوءاً وأكثر روية وأكثر انضباطاً فإذا ما استمر هذا الحال من دفء العاطفة أصبح ذلك الهدوء والاتزان خلقاً متأصلاً في الأولاد

ومن الرفق أيضاً أن يتجنب الوالدان النزاعات الزوجية أمام أولادهما فإن نفسية الطفل مرآة تعكس ما يعرض أمامها وتخزنه وإذا ما كبر تجده يقلد ما اختزنت ذاكرته فتعرض الأبناء لجدالهما وخلافهما يولد عقدة من العنف تستقر في مكامن النفس دون اختيار وتنعكس على نفسية الأولاد في الكبر ، وتجعل كراهية الآخر والميل إلى العنف راسخاً في داخله

ومن الرفق أن يعطى الأطفال الصغار مجالاً من النشاط الجسماني لتفريغ طاقة اللعب والطفولة الكامنة في داخلهم لأنها إن لم تفرغ تستحيل إلى طاقة عنف لا إرادية تصدر من الأطفال وهذا العنف يقودهم إلى عدم الفهم عن ذويهم وعدم قبول كلامهم وربما تستمر حالة العنف إن لم يحسن انتزاعها حتى الكبر ، فيجب أن يعطى الطفل ما يناسبه وأن يوفر الأبوان جوا من النشاط الجسماني يتناسب مع الولد في مراحل عمره طاقاته الكامنة حتى لا تستحيل عنفاً مدمراً بلا شعور يقول الدكتور محمد الزحيلي في كتابه الإسلام والشباب ص(123) : ( وعلاج ذلك أن يحسن الآباء معاملة الشباب وأن يهيئوا لهم البيئة الصالحة في البيت ومع سائر أفراد الأهل والأقارب وأن يختاروا لهم الاجتماعات المثمرة واللقاءات الهادفة .... ويأخذوا بيدهم إلى ممارسة المهرات المناسبة والهوايات المرغوبة وإملاء الفراغ ما أمكن لقول الشاعر :

إن الشباب والفراغ والجدة     مفسدة للمرء أي مفسدة )

 

ومن الرفق أيضاً تلبية طلبات الأطفال العقلية وتغذيتهم بالعلم المناسب والثقافة المعتدلة البناءة التي تخدم مصلحة الوطن  واختيار ما يناسب مستواهم العقلي لكي يقرؤوه وهذه القراءة تبقى بصماتها إلى آخر حياة الإنسان  وتجعله في مأمن من أن تؤثر فيه أفكار دخيلة على مجتمعنا الطهور أو أن تتخطفه أيدي الآثمين بتسويلاتهم الكاذبة وتهويلاتهم الخداعة والتلبيس عليه باسم الدين والإسلام ، واستغلال فراغهم الذهني وفراغ أوقاتهم فإن الفراغ تربة خصبة للإرهاب سهلة الاقتناص ولقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول : إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة ولقد قال الحكماء : النفس إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر ،

فإذا حصل الفراغ عند الأولاد فإنهم يصبحون عرضة لعوادي الشر ،

فالأسرة حينما تكون بصيرة بأساليب التربية الصحيحة تكون عصمة لأبنائها من أن يتخطفهم المنحرفون وتقيهم من السقوط إلى هاوية الإرهاب فدورها ضروري في تغذية أبنائها بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة وإبراز قيم الإسلام بأسلوب هادئ ومقنع وأن  تغرس في نفوس أبنائها أدب الحوار والقدرة على الاستماع واستيعاب الرأي الآخر وحب الآخرين وأن نفع الوطن والحفاظ عليه هو من أهم ما يجب على الأولاد الاهتمام به

ومن الرفق أيضاً ومن أهم ما ينبغي على الوالدين هو غرس شعور السعادة في نفوس الأبناء وإبعادهم عن عوامل القلق والاضطراب فإن الطفل حينما يشعر بالسعادة يصبح أكثر إلفاً للآخربن وأكثر محبة لهم وأكثر اندماجاً في مجتمعه وغير عدواني نحو نفسه ونحو الآخرين

 

 2- تعميق معنى طاعة ولي الأمر هو دور الأسرة 

إن طاعة ولي الأمر هي عصمة المجتمع من الوقوع في الإرهاب والسير في ركاب أهله لأن مهمته  الحفاظ على الوطن وأهله لكي يعيش الناس على ترابه بأمن وأمان يعبدون ربهم كما أمر ، ويمشون في مناكب الأرض دون خوف ولا حذر ، وتصلهم حقوقهم آمنين من الظلم والاعتداء  ولا يتحقق الأمن للمجتمع إلا بطاعته ولن تقوم نهضة للأمة ما لم يكن أفراده قد سلموا زمام طاعتهم لولي أمرهم فإن التخلف والضعف قرين المعصية والعنف  من هنا فإن أخطر ما يهدد المجتمع هو التنكر لولي الأمر ومحاولة التنصل من طاعته وإذا عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل طاعة ولي الأمر من طاعته عرفنا مكانة طاعته وخطورة معصيته  قال الله تعالى : ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )

حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ قَالُوا بَلَى نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ قَالُوا بَلَى نَشْهَدُ أَنَّهُ مَنْ أَطَاعَكَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَأَنَّ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ طَاعَتَكَ قَالَ فَإِنَّ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ أَنْ تُطِيعُونِي وَإِنَّ مِنْ طَاعَتِي أَنْ تُطِيعُوا أَئِمَّتَكُمْ أَطِيعُوا أَئِمَّتَكُمْ فَإِنْ صَلَّوْا قُعُودًا فَصَلُّوا قُعُودًا)  عن عرفجة قال سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) 

عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ) 

هذا هو قرار النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه فيمن خرج على طاعة ولي الأمر ،فزمام قوة المجتمع في الطاعة وإن هذه المفاهيم لن يتشربها الجيل مالم تكن الأسرة واعية لدورها في تنشئة أبنائها عليها وتغذيتهم بها في مراحل عمرهم المختلفة حتى تستقر نظرتهم لما حولهم ويضبطوا علاقتهم مع من أمرنا الله بطاعته وهذا الفهم لهذا المعنى الإلهي وتطبيقه هو أهم عامل من عوامل التحصين من الإرهاب 

3- عبادة الله والتفاعل الإيجابي مع المجتمع

العبادة هي الهدف الأساسي من خلق الإنسان قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )  وهي ذات أثر اجتماعي محمود لأنها تزيد من تمتين الروابط الاجتماعية من تعاون وتضامن وتكافل وتآلف وسمو في الأخلاق والعبادات التي شرعها الله عز وجل كلها ذات معان اجتماعية سامية فالصلاة طهارة للنفس والخلق وطهارة النفس والخلق هما الأساس في جعل الفرد عنصراً صالحاً في المجتمع والزكاة تعاون وتكافل والصوم تدريب وتقوية على الإرادة وحفظ للسان والخاطر وشعور بالفقراء والمحتاجين والحج تطهير من الرفث والفسوق وكلها فيها تحقيق معنى الوحدة بين المسلم وأخيه المسلم فالمسلمون يعبدون الله معاً بطريقة واحدة لا تختلف بين كبير وصغير وفي هذا ترسيخ الانتماء الاجتماعي بين الأفراد  والعبادات كلها تربط العبد بخالقه وتجعله متصالحاً مع الكون من حوله لأنه يرى ما فيه مسخر لخدمته فيحترمه ويسعى للحفاظ عليه وتطهر النفس من وساوسها وآثامها وتنظم الحياة وتقي الإنسان من الانحراف الخلقي والفكري لما فيها من ضبط لعقيدته وسلوكه وكلها تقوي أواصر المحبة بين الناس وتحث عليها  عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) 

والإنسان اجتماعي بطبعه ولا بد للإنسان من التفاعل مع محيطه لكي تستمر عجلة الحياة بشكلها الطبيعي وإن دور الأسرة هو غرس قيم العبادة التي تحقق هذا التفاعل في نفس أبنائها لكي يعيشوا بمحبة وسلام وأخوة بعيدين عن عقد الكراهية والعنف والعدوان فالمسلم يحب من المسلم ولا يظلمه ويقف إلى جانبه ولا يهجره ويساعد الضعيف والمحتاج ويكفل اليتيم والأرملة والمسكين ويكرم الجار ويفيده ويستفيد منه ويفقهه ويأمن جاره بوائقه ، يألف ويؤلف وإذا رأى على أخيه عيباً نبهه عليه قاصداً الخير له وإذا سعى لطلب الرزق كان خلقه السماحة في البيع والشراء والاقتضاء يقيل عثرة من عثر ويسامح من أعسر ويطالب بحقه بعفاف ويخدم وطنه ويدافع عنه ويسعى لخيره وبره ويكون عنصراً فعالاً فيه يؤدي ما عليه بأمانة وإتقان وبهذا يعيش المجتمع متماسكاً قوياً في ظلال السلم الوارفة ممقتاً لما يجر على مجتمعه الخيبة والهلاك وإلى هذه المعاني الإيجابية كلها دعانا ديننا الوسط قال الله تعالى ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم )   وما أظن أن خصلة من خصال الخير للمجتمع لم تشملها هذه الآية

 ومن لطائف الهدي النبوي في هذه المعاني ولا أريد الاستقصاء وإنما الإشارة فقط إلى بعض اللطائف ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا ». يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ :« بِحَسْبِ امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ».  قال رسول صلى الله عليه وسلم :( أحب الأعمال إلى الله من أطعم مسكينًا من جُوع أو دَفَعَ عنه مَغْرَمًا أو كَشَفَ عنه كَرْبًا 

عنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ بِهِ فَأَثْنُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ».  وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «للمسلم على المسلم ستّ بالمعروف : يُسلِّم عليه إِذا لقيَه ، ويُجيبه إِذا دعاه ، ويُشَمِّتُه إِذا عطس، ويعُودُه إِذا مرض، ويَتْبَع جنازَته إِذا مات ، ويحبُّ له ما يحبُّ لنفسه». 

" إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى به أذى فليمطه عنه" . أخرجه الترمذي عن أبي هريرة"

(إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل من شعوب أرحام القبائل لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ولا دنيا يتباذلون بها يتحابون بروح الله يجعل الله وجوههم نورا يجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن يفزع الناس ولا يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون هذه المعاني الجميلة والإيجابيات البناءة من واجب الأسرة أن تحمل أولادها عليها لتكون عوناً للأبناء على التفاعل الإيجابي مع محيطهم ولينعموا بعيش دافيء ومحيط هادئ

وأقرب طريق

دور المدرسة

المدرسة هي مصدر المعرفة والثقافة ولا يكاد يتخلف عن دخولها فرد من أفراد المجتمع وهي قادرة على نشر أية ثقافة بين أفراده من هنا فإن باستطاعتها أن تلعب دوراً هاماً في تحصين أبنائنا من الإرهاب وذلك من خلال اهتمامها بالمناهج التي تدرس لأبنائنا وصوغها صياغة تتناسب مع مبادئ ديننا وأخلاق مجتمعنا وثوابت تاريخنا وتقديم المعلومة التي تخدم جيلنا وتجعله جيلاً مخلصاً لمجتمعه مساهماً في بنائه ونهضته وتطوره وأن تساهم بتعليم مبادئ الإسلام السمحة بأسلوب مقنع يحبب الطالب بها وأن تسعى للحفاظ على توازن الطالب الفكري وتفريغ طاقاته من خلال نشاطات فكرية تسهم في تقوية ملكاته العقلية وبرامج رياضية تبني جسمه وتسهم في تخليصه من مخزون الطاقة الكامن لديه بطريقة صحيحة وأن تحسن اختيار المعلم والمشرف الناجح وتعده إعداداً علمياً وأخلاقياً وتربوياً يجعله يراقب الله في عمله ويكون قدوة لأبنائنا يلقنهم قيم الفضيلة والخير ويجنبهم الأخلاق الذميمة بأسلوب حكيم وهادئ وبحاله والتزامه قبل مقاله وأن تحرص على وحدة المدرسين فيما بينهم في الهدف والغاية وجعلهم يداً واحداً يكمل بعضهم بعضاً لتؤتي عملية التعليم ثمارها في خدمة طلابهم بعيدين عن أغراضهم الشخصية وخصوماتهم لأن خصومة المدرسين تسهم في تفكك أواصر المحبة بين طلابهم وترسخ مبادئ العنف في نفوسهم وتجعلهم يعيشون في قلق واضطراب يسيئون الظن بقدوتهم وترفض نفوسهم تقبل نصيحتها لما يرون من تناقض بين الفعل والقول  كل ذلك لبناء شخصية متزنة بعيدة عن الإرهاب ، بناءة تألف الخير وتبغض الشر

دور الإعلام

لا يخفى دور الإعلام في عالمنا المعاصر في توجيه الرأي العام ونشر الثقافات والسلوكيات وتقويمها ويستطيع الإعلام أن يلعب دوراً هاماً في التحصين من الإرهاب من خلال ما يعرض على شاشته السحرية كل يوم وذلك بأن يفرد برامج تثقيفية تساعد المجتمع في تخطي العنف بتوضيح مخاطره على المجتمع والنفس والفرد والكشف عن الأسباب المؤدية للعنف وكيفية الوقاية منه وتسليط الضوء على بعض مظاهره في المجتمع والمساعدة في تجاوزها مع استغلال وقفات الفواصل الإعلانية لبث رسائل من شأنها توعية المجتمع مع الاستعانة بشخصيات معروفة باتزانها وحبها للمجتمع سواء كانت هذه الشخصيات دينية أو سياسية أو غيرها فإن الكلمة في كثير من الأحيان تكتسب قيمتها من قائلها ومصداقيته وثقة الناس به ولا يخفى أن عرض الإسلام الصحيح هو من ما يجب الانتباه إليه خصوصاً وأن الإسلام هو شرع الله لخير الإنسانية وسلامتها واستقرارها ولكنه بحاجة إلى تضافر الجهود في عرضه بالصورة الصحيحة .