آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
معجزة الرسالة في أرض العرب



مرات القراءة:1713    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

معجزة الرسالة في أرض العرب

 

بقلم : الشيخ عبد الله علوش*

             

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي خلقنا فهدانا المقصد وأنار لنا السبيل فكان له الأمر من قبل ومن بعد والصلاة والسلام على سيدنا محمد كان لنا رائداً وهادياً ومبشراً ونذيراً وعلى آله وصحبه أجمعين ورضي الله عن سيدي محمد النبهان صاحب الفضل وحارس الشرع ومنبه القلوب ومصحح الأفهام وعن أولياء الله والصالحين إلى يوم الدين وبعد :

 

كان من شيم العربي في الجاهلية أن لا يخضع لأحد ، ولا يقر بسلطان عليه ، ويرى في نفسه أنه لا تحده قوة ولو كان عاجزا عنها ولكنه يرضى من نفسه أن لا يعترف بها ولو كلفته حياته وربما سيطر عليه تقليده (ولأنه يراه نابعا من إرادته ) فهو راض به ولكنه لا يقبل أن يفرض عليه ، ومن هنا نراه لا يتحد مع أحد ولا ينتظم في دولة ولا ينضوي تحت سلطة أحد، إضافة لذلك فهو يملك نفساً متمردةً وطبعاً قاسياً و عقلاً متحجراً يقيم الدنيا ولا يقعدها لكلمةٍ أو نظرةٍ أو قصيدةٍ أو مفاخرةٍ أو أصغرَ من ذلك أو أكبر ولذلك فإن الدارس لتاريخ العرب المتأمل في أحداثهم وأيامهم سوف يرى أن أرض العرب شهدت فيما بينها حروباً ضروساً لأجل ناقة أو فرس وربما دامت الحرب شهوراً أو سنيناً وربما فنيت القبيلتان ولا يقر بعضهم لبعض بهزيمة ولا تلين له قناة ولو بقي وحيدا فريدا ولو أخذنا نماذج في ذلك ( داحس والغبراء: فرسين تسابقتا سبق أحدهما الآخر ) تبع ذلك مقتلة عظيمة (حرب البسوس) لأجل ناقة ، بين بكر وتغلب دامت أربعين عاماً وبلغ ضحيتها سبعين ألفاً حتى أفنت الفريقين ولم يخضع فريق لآخر (الحرب بين الأوس والخزرج) مائة عام ولم يقر فصيل لآخر بهزيمة وعندما جاءت رسالة الإسلام المتمثلة في شخص النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، واجهته العرب ابتداء  بنفس الأسلوب ( عدم الاعتراف ) لظنهم أنها وسيلة سيطرة أو حجز لحرياتهم أو استغلالهم والهيمنة عليهم ولجهل أكثرهم حاربوها وتربصوا بها ولكن هذه الرسالة اقتحمت العقول فاستنهضتها وأجبرتها على التفكر والتدبر ( أولم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة ) ،( فلينظر الإنسان مم خلق )، ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعو له)

وغزت القلوب والنفوس فأنارتها وأفهمتها

(قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أورحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم )

(قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين)

( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلادهل من محيص )

ودغدغ الوجدان فأشعره (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه )

(فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) فتبين لهم أن هذه الرسالة شيء آخر غير ما يظنون أو يتوهمون،فانفتحت لها القلوب وهفت لها النفوس ،فتغلغلت في الأعماق واتسعت لها الجوانح ، فترى القوي الغليظ يجهش باكياً ولم تنزل له من قبل قطرة ، وترى القاسي الجافي أشد وداعة من الحمل ، وذاك المتجبر قد اقشعر جلده خاشعا لله....

وترى الجاهل بالأمس يهب اليوم العلم والحكمة للعالمين ، وترى العقول الضيقة المتحجرة قد اتسعت للسموات والأرض ، وترى القلوب المتنافرة أشد حباً من الأم لرضيعها......

يا سبحان الله ....

من ألف هذه القلوب المتنافرة ....

من فتح هذه القلوب المقفلة ....

من جعل هذا ينتحب لشاة تسلخ قبل أن تستقر وقد وأد ابنته بالأمس بيديه ..

من أخضع هذه النفوس فتسابقت لتقول لبيك رسول الله فداك الأب والأم والمال والولد وكانت من قبل عصية على كل شيئ ....

من جمع هذه الأمة بعد أن كانت شذر مذر ....

من فقّه هذه العقول بعد أن تعطلت حتى عبدوا الحجر والشجر ..

من ألان عريكتهم ونقى سريرتهم حتى يبكيه الشوق للجنة ويصعق لذكر جهنم ..... 

إنها الرسالة .... رسالة رب العالمين 

( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) أليس لهذه الرسالة فعل المعجزة ؟

بل هي المعجزة ذاتها 

عمر رضي الله عنه ذهب ليقتل النبي صلى الله عليه وسلم فرجع جنديا يقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم 

ثمامة دس خنجراً في ثيابه يتحين الفرصة ليطعن أبغض الناس إليه ( رسول الله ) وفي لحظات تعرض لنسيم الرسالة فتحول مسلما ليقول يا رسول الله أنت الآن أحب الناس إلي.....

خبيب يصلب فتنهشه الرماح والسيوف ويجيب أبا سفيان والله لا أحب أن يصيب النبي شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي....

عبد الله بن حذافة السهمي يرى أمام عينه قدراً تغلي فيوضع فيها أسيرٌ من المسلمين فتطوف عظامه ويحمل هو إليها فتذرف دموعه ليقول ما أبكي إلا لأن لي نفساً واحدة يا ليت لي مائة نفس تموت هذه الميتة في سبيل الله....

أبو بكر رضي الله عنه يأتي بكل ما يملك في سبيل الرسالة ويبقي لعياله الله ورسوله....

النساء المسلمات يبادرن الصدقة حتى شققن أذانهن وبذلن القرط خشية أن يسبقن....

الفقراء (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون )

سعد بن الربيع الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر عبد الرحمن بن عوف فيقول أقسم مالي نصفين أعطيك نصفه، ولي بستانان اختر أحدهما ، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها فتتزوجها ، وهذه الرسالة جعلت عبد الرحمن في قمة العفة والنزاهة فيقول بارك الله في مالك وأهلك دلني على السوق....

امرأة من الأنصار من بني دينار استشهد أبوها وأخوها وزوجها في أحد وهي تسأل ما حال رسول الله فقالوا على ما تحبين فتقول دعوني أنظر إليه فلما أطمأنت قالت كل أمر بعدك جلل يا رسول الله...

سعد بن معاذ رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم في بدر حارب من شئت وسالم من شئت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد....

هكذا فعلت الرسالة....

عندما أسلم أبو سفيان رضي الله عنه عشية فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس أن يحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ففعل فمرت به القبائل على راياتها ويسأل أبو سفيان من هؤلاء فيجيبه العباس، حتى مرّ رسول الله صلى الله عليه و معه المهاجرون والأنصار فانبهر أبو سفيان لهذه الجموع المسلمة فقال يا عباس ( ما لأحد بهؤلاء من طاقة... لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ) فقال العباس يا أبا سفيان (إنها النبوة أي الرسالة) قال ( نعم إذاً ) أي لم يجمع هؤلاء ملك ولا سلطان ولا سيطرة بل جمعتهم النبوة والرسالة فاعترف أبو سفيان لأنه خبير بأخلاق العرب لا يخضعهم شيء من هذا وما خضعوا وتوحدوا إلا لهذه الرسالة العظيمة....

عرفها العربي فأسلم لها القياد وفتح لها القلب فتخلى عن فوضويته فانضوى تحت هذا النظام الإلهي الجديد سامعاً مطيعاً راغباً غير راهب لأنه وجدها .

رسالة أمن وأمان وسلم وإسلام .

رسالة عدل وإنصاف تأبى الظلم والطغيان رسالة رحمة وصدق تأبى التجبر والخداع .

رسالة عفة ونزاهة تأبى الطمع والجشع .

رسالة تواضع ومساواة لا مكان فيها للفوقية والتعالي ، إذا جاعوا كان صاحبها أشدهم جوعا ، إذا شبعوا كان آخرهم شبعا ،إذا طبخوا فكان على بعضهم الذبح والسلخ وعليه جمع الحطب ، إذا حفروا خندقا كان أول من أمسك المعول ، إذا فزعوا كان أقربهم لمكان الفزع وآخرهم وروداً منه....

هكذا وجد العربي الرسالة فقلبت حياته من قمة القسوة والجهل والغي والضلال إلى ذروة الرحمة والمعرفة والرشد والهداية، وأنا عندما أقول العربي لا انتقص أثرها في غيرهم بل كانوا بها جديرين وبهديها مهتدين (وقد كان فيهم بقية من علم الأولين ) ولكني أراها في العرب أميز وعندهم أبين وأظهر ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون )

ولعل ابن خلدون قد نظر نظرة إمعان إلى واقع العرب مع الرسالة حينما قال (لا يتوحد العرب إلا على يد نبي أو ولي صالح ) وما ذلك إلا لأن فعل الرسالة المتمثل بالنبي وأثرها المتمثل بالولي هو الذي يجمع الشمل ويفعل في العربي مالا يفعله غيره وهو طرح يؤيده واقع تاريخ الأمة فقد انتظمت الأمة الإسلامية جمعاء في عقد فريد تحت لواء الرسالة زيّن تاريخها ردحاً من الزمن يقوى بالتمسك بها وينفرط بالتخلي عنها فما أحوج هذه الأمة اليوم وهي تتلمس أسباب القوة والوحدة أن تجدها في الرسالة فقد جمعتهم من قبل بعد شتات وقوتهم بعد ضعف وهدتهم بعد ضياع ...................

 

اللهم اجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين والحمد لله رب العالمين

 

* تخرج في الكلتاوية عام 1989م