آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
تأملات في حكمة الصيام



مرات القراءة:1185    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

تأملات في حكمة الصيام

 

بقلم الشيخ محمد بهاء الدين بادنجكي *

 

 

كلما حلَّ شهرُ الصيامِ الكريمُ في ساحةِ الأمةِ ، وعاش العبادُ أيامَه وساعاتِه في حبٍّ وحبورٍ ، تتبادرُ إلى الذهنِ عدةُ تساؤلاتٍ :

 

_ لِمَ أحبَّ اللهُ هذا الشهرَ وأعطاه كلَّ هذه الخصوصياتِ والفضائلِ حتى أنه أنزلَ أولَ آيةٍ _ تُعطِّرُ سمعَ الكونِ _ من قرآنه في أحدِ أيامِه المباركةِ ؟

 

_ ولِمَ أنزلَ في فضلِه وعلوِّ قدرِه آياتٍ تُتلى فقال : ((شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه ( أي في فضله ) القرآنُ )) وهو أحدُ التفاسيرِ في معنى الآيةِ ؟

 

_ وعلامَ كانَ أجرُ كلِ الأعمالِ الصالحةِ بما فيها الحجُ والجهادُ والصدقةُ مضاعفاً بقدَرٍ معلومٍ وبثوابٍ محددٍ إلا الصومَ ؟ وهذا هو فحوى حديثِ النبي r عن ربه تبارك وتعالى (( كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به ))

 

_ ولماذا يدخلُ أهلُ الطاعاتِ الجنةَ من أبوابٍ متفرقةٍ شتى ، ويدخلُها الصائمون من بابٍ واحدٍ هو باب الريان بعينه ؟ وكأن الله يريدُ أن ينظرَ إليهم كلُّ أهلِ المحشرِ ويغبطونَهم

 

_ وفيمَ كان خَلوفُ فمِ الصائمِ المتغيِّر ريحُه لخلوِّ المعدة من الطعام _ والذي يكون منفِّراً عادة _ فيمَ يكونُ طيِّباً عندَ الله بل هو أطيبُ من ريحِ المسكِ ؟

 

   والحقُّ يقال إن الإجابةَ عن هذه السؤالاتِ هي إجابةٌ واحدةٌ ومُلَخَّصُها أن كلَّ الطاعاتِ وأنواعِ البِرِّ والصِّلةِ مهما كانت شاقةً على النفسِ أو تخالفُ مراداتِها إلا أنها لا بدَّ أن تجدَ النفسُ لها مكاناً فيها تركنُ إليه وتطمئنُّ ، كي تخدشَ إخلاصَ الطاعةِ وسلامةَ النيةِ فيه ولذلك جعل اللهُ أولَ من يُلقى في النارِ يوم القيامة بل مَنْ يستعرُ بهم لهيبُها :

 

1_ مَنْ فَقَدَ الإخلاصَ لله في الجهاد في سبيلِه ألا وهو الشهيدُ المُرائي !!!

 

2_ و مَنْ فَقَدَ الإخلاصَ لله في الإنفاقِ في سبيلِه ألا وهو الكريمُ الجوادُ المُرائي !!!

 

3_ و مَنْ فَقَدَ الإخلاصَ لله في عِلمِه وتعليمِه ألا وهو العالمُ القارئُ المُرائي !!!

 

    وقِسْ على هؤلاءِ الثلاثةِ كلَّ صاحبِ عملٍ صالحٍ لم يُردْ فيهِ وجهَ اللهِ وحدَه .

 

وإنَّ مَنْ يُمعِنُ النظرَ في الصيامِ يجدُ أنه لا مدخلَ فيه للنفسِ وأهوائِها ، فالجوع والعطش أكبرُ كاسرٍ لسلطةِ النفسِ وماحقٍ لنَزَغاتِها وفاتكٍ بحِيَلِها ، والصومُ : في اللغة إمساكٌ ، والإمساكُ تصرُّف سلبيٌ لا يمكن للرياءِ ولا لعيونِ الناس أن يدخلَه أو يشاهدوه ، فكلُّ عملٍ صالحٍ يمكنُ أن يراه الناسُ فيثنوا على صاحبِه خيراً فيَخدِشوا نيةَ فاعلِه إلا الصومَ فلا يراه ولا يشعر به إلا اللهُ وحدَه ولذلكَ كان جزاؤه منوطاً بين العبدِ وربِّه من غير كَمٍّ ولا كيفٍ .

 

ومن هنا نستنتج أن الله عز وجل لم يشرعْ صيامَ شهرِ رمضانَ إلا ليربِّيَ عبادَه ويدرِّبَهم على آلية العملِ وأسلوبِ الطاعةِ الذي لا يقصدُ به العبدُ إلا وجهَ ربِّه .

 

فشهرُ الصيامِ ليس إلا مدرسةً حقيقيةً يتربَّى الداخلُ إليها على مجموعةِ فضائلَ وأخلاقيَّاتٍ موزَّعةٍ على عدة حصصٍ دراسيةٍ

 

1_ فحِصَّةٌ : كي ينظِّمَ العبدُ أوقاتَه لا سيما مواعيدَ طعامِه ونومِه الَّذَينِ ضاعت أعمارُ كثيرٍ من الناسِ بسبب الفوضى فيهما

 

2_ وحِصَّةٌ :ليجدَ الصائمُ فيها غُصَصَ الجوعِ وتباريحَ الظمأِ ، ليلتفتَ إلى تعظيم نعمةِ الله عليه حينَ يجدُ الطعامَ والشرابَ ولا يجدُهما الفقيرُ والمسكينُ

 

3_ وحِصَّةٌ :ليتعلَّمَ فيعا العبدُ أداءَ الطاعةِ التي لا يراها ولا يقْدُرُها أحدٌ من العبادِ فيجعلَ كلَّ طاعاتِه بمنأىً عن اعتبارِ أنظارِ الناس فيبتغي بها وجهَ اللهِ وحدَه

 

4_ وحِصَّةٌ :ليعتادَ فيها المسلمُ على القيامِ بين يدي الله في الليلِ فيجدَ لذَّةَ مناجاةِ الحقِّ سبحانَه وجميلَ الأُنسِ بكلامِه فيُعَمِّمَ هذا القيامَ على كلِّ أيامِ السنةِ

 

5_ وحِصَّةٌ : كي يستشعرَ فيها الإنسانُ ضعفَه وضآلتَه حين تُجَوِّعُه لقمةٌ وتسدُّ رمَقَه لقمةٌ ، فتصغرَ الدنيا في قلبِه وعقلِه ويرى مدى زهادتِها ووزنِها ، فالدنيا التي يُكتفى منها بلقيماتٍ وشربةِ ماءٍ حريٌّ من العبد ألاَّ يفنيَ عُمُرَه في طلبِها أومُتَلهِّفاً على تحصيلِها أو آسفاً على فواتِها .

 

هذا هو شهرُ رمضانَ المعظَّمُ وهذا هو شهرُ الصيامِ الذي نسألُ اللهَ سبحانَه أن يجعلَنا من عتقائِه في هذهِ العشرِ المباركةِ ، وأن يُعيدَ علينا فوائدَه وفضائلَه وعطاياه ، وأن يطويَنا في عباءةِ قولِ المصطفى

 

(( من صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدمَ من ذنبِه )) رواه البخاريُّ.

 

* تخرج في الكلتاوية عام 1995م

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع