آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
بين الرحمةِ والمغفرةِ والعتقِ



مرات القراءة:1186    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

بين الرحمةِ والمغفرةِ والعتقِ

 

بقلم الشيخ محمد بهاء الدين بادنجكي *

 

      

أيُّ شهرٍ ذاك الذي حباه الله من الخصائصِ والمزايا ما لو حبا معشارَ فضلِه لأيِّ شهرٍ لكانَ خليقاً أن يكونَ غُرَّةً بينَ الشهورِ ..؟!!

 

أيُّ سؤدَدٍ حواه شهرُ رمضانَ وأيُّ فخارٍ حازَهُ حتى يُذكرَ وحدَهُ دونَ سائرِ الشهورِ في الكتابِ العزيزِ ؟!!

 

نعم لقد ذُكر فيهِ باسمِهِ ، وأشادَ بأيامِهِ ولياليهِ ، بل وذُكِرَتْ ليلةٌ منهُ ثلاثَ مراتٍ بأنها خيرٌ من ألفِ شهرٍ تلك ليلةُ القدرِ ؛ كيف لا .. ؟ !! وهو الشهرُ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ وهو أعظمُ الكتبِ

على قلبِ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهو أشرفُ الرسلِ

لينذرَ أمةً هي خيرُ أمةٍ أخرجَتْ للناس .

إن الكريمَ ليُرجى نوالُه على الدوامِ فإذا خصَّ يوماً أو زمَناً لسائليه ألا يرد فيه طالباً فجُد وأنعم به يوماً ، فكيف إذا كان الباذلُ مَنْ يداه مبسوطتان ينفقُ كيف يشاءُ وهو أكرمُ الأكرمينَ ، وقد خصَّصَ بدلَ اليومِ شهراً لفيضِ كرمِهِ وعظيمِ جودِهِ ، حتى انسحبَ هذا الكرمُ الفيَّاضُ على على نبيِّه ومصطفاهُ محمد صلى الله عليه وسلم فلهو عليه الصلاة والسلام أجودُ بالخيرِ في رمضانَ من الريحِ المرسلةِ .

 

ولذلك يعجبُ صلى الله عليه وسلم أشدَّ العجبِ ممن أدركه شهرُ الكرمِ ، ومرَّت عليه ليالي الفضلِ ، وأقبلتْ عليه أيامُ السعدِ فلم يغتنمها ولم يغفرْ له ، فمتى بربِّكم يُغفَرُ لَهُ .

 

إذا لم تطبْ في طيبةٍ عند طيبٍ         به طابتِ الدُنيا فأينَ تطيبُ

 

إن الله عزَّ وجلَّ ليستنفرُ في هذا الشهرِ جميعَ كوامنِ الخيرِ ، ويستثير طِيبَ القلوبِ لينهضَ بالأخلاقِ الإنسانيةِ إلى مستوىً تتذوقُ فيه لذَّةَ الأمنِ والطمأنينةِ من خلالِ التكافلِ والتراحمِ ، وترفُلَ البشريةُ فيهِ بثوب الافتقارِ إليهِ من خلالِ الصيامِ ، والعزِّ به من خلال الطاعاتِ .

 

إن آخرَ ما توصلَ إليهِ العلمُ الحديثُ اليومَ في منهجيةِ التعليمِ أنَّه : لا تقدُّمَ بلا إبداعٍ ولا إبداعَ بلا تخصُّصٍ ، وما دام التخصُّص شرطٌ ضروريٌ للإبداع فتخصيصُ شهرٍ واحدٍ في السَّنة ليكونَ دورةً تأهيليةً للقيمِ والأخلاقِ الإنسانيةِ بين أفرادِ المجتمعِ من ناحيةٍ ، وخطوةً هامةً لإصلاحِ ما انهدمَ ورتقِ ما انفتقَ وترميمِ ما تداعى من العلاقةِ بين العبدِ وربِّهِ من ناحيةٍ أخرى ، هذا التخصيصُ المباركُ يأتي نَقلةً بل وقفزةً نوعيةً في حياةِ الفردِ والأمَّةِ على السواءِ .

 

ولا يكتفي الشارعُ الحكيمُ سبحانه بتخصيصِ شهر على العموم فحسب ، بل ويقسم هذا الشهر ثلاثة أقسام زيادةً في أهمية التخصص ، لينعُم العبد لحظة بلحظةٍ مستشعراً كلَّ يوم بالجزء الرمضاني الذي يحياه ويعيشه ، وكثيراً ما تبادر في ذهني تُرى لم كانت الرحمة في العشر الأوائل والمغفرة في الأواسط والعتق في الأواخر على هذا الترتيب دون غيره .

 

ثم رأيت الحكمة والمنطقية مصاحبة ملازمة لهذا الترتيب لأسرار يعلمها الله ، ذلك أن شهر رمضان ه شهر التوبة والإنابة ، وقد اشترط العلماء لقبول التوبة ثلاثة شروط : الإقلاع عن المعصية والندم على ما تقدم من اقترافها والعزم على عدم العود إليها .

 

ولنتصوَّر معاً علاقةً بين ابن وأبيه امتلأت بالجفاء والعقوق وتقطَّعت بالمخالفة والعصيان ، كما هو حال العباد مع ربهم ، وفي لحظة إيمانية مفعمة بالمسؤولية والندم جاء الابن إلى أبيه مقرّاً بذنبه معترفاً بجريرته قد ظهرت عليه علامات الانكسار وأمارات الخجل والحياء مما بدر منه ، ثم استجمع كل ما أوتيه من قوة وعزم فرفع طرفه لينظر في عيني أبيه ليراهما مغرورقتان بدموع الفرح يشرق فيهما شعاع من الرحمة والشفقة التي ملأت فؤاده فانعكست على قلب ولده حتى أحيت فيه بوادر الأمل ، فما كان من الولد إلا أن طمع في رحمة أبيه ، وفي الحال أعلن ندمه وتوبته وتوالت عبارات الاعتذار وألفاظ الندم على لسانه وجوارحه حتى أثَّر ذلك في قلب أبيه فتاب عليه وغفر له وصفح عنه وتعانقا فتصافحت القلوب وزالت كل النوازغ .

 

فلما كان الغد جاء الولد بزوجه وأولاده وأمواله ووقف بين يدي أبيه موقف المتفاني في خدمته ، فتقاطر الأطفال على يدي جدهم وأقدامه يقبلونه بحُب ووجد ، ووصل إلى سمع الجد صوت ابنه العائد من شروده قائلاً : يا أبت أنا طوعُ أمرِكَ ، ورهن إشارتك ، وأطوع لك من بنانك ، هذا مالي فخذ منه ما تشاء ، وهذه عائلتي التي هي بضعة منك أضعها تحت أقدامك ، وهذه رقبتي ملك يمينك ، فهل عساك رضيتَ عني ، وهل عساي أنال دعواتك وبركاتك فلو أفنيت عمري في برِّك ما وفيتكَ معشار حقك ، فقال الأب : اِذهب يا ولدي فاعمل ما تشاء فقد رضيت عنك .

 

هذه القصة الرمزيةُ هي محاكاة للعلاقة بين المسلم العاصي وربه الكريم الكافي ونَخلُصُ منها إلى أن

 

الاعتراف بالذنب والإقلاع عن المعصية تقابله عشر الرحمة

والندم على ما مضى وإعلان التوبة النصوح يقابله عشر المغفرة

والعزم على عدم العود وابتدار الطاعات على الدوام يقابله عشر العتق من النار .

 

اللهم يا سامع الصوت ويا سابق الفوت ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت نسألك بحرمة هذا الشهر العظيم وما نزل فيه من القرآن العظيم أن تخرجنا من ذل معصيتك إلى عز طاعتك ، ومن ظلمات الجهل بك إلى نور معرفتك ، تقبل منا الصلاة والصيام واجعلنا من عتقاء رمضان يا قديم الإحسان .

 

* تخرج في الكلتاوية عام 1995م

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع