آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
إنما أنا رحمة مهداة



مرات القراءة:3607    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

إنما أنا رحمة مهداة

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه الأبرار المتقين ، وورثته الأخيار إلى يوم الدين أما بعد :

 فإن الله تبارك وتعالى قال لحبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، وقد سمعنا قبل قليل من المسجل من كلام سيدي محمد النبهان حفظنا الله به وجزاه عنا خير الجزاء أن معاني القرآن لاتتناهى وأن معاني رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتتناهى لأنه كان خلقه القرآن ، وقول الله تبارك وتعالى : وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين هذه الرحمة معانيها تتسع وتتزايد وتتعاظم إجمالاً وتفصيلاً ، أما إجمالاً فإن رسالته كانت رحمة وإن أخلاقه كانت رحمة وإن ذاته الشريفة كانت رحمة ، والرحمة كما قال الله تعالى ليست لناس دون ناس ولا لأمة دون أمة  ولا لمؤمن دون كافر بل هي رحمة للعالمين .

الرسالة رسالة رحمة ليست الرحمة فيها رحمةً تنظيرية قائمة على بيان المبادئ والقواعد وحدها ولكنها رحمة حقيقية عملية تشمل الخلق جميعاً في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإن هذه الرسالة حققت للخلق من الخير والمنافع العاجلة والآجلة مالا يقع تحت حصر  

هذه الرسالة كانت إنقاذاً للإنسانية من شرور الابتعاد عن الله من شرور الكفر بالله من شرور معاصي الله التي كانت تملأ الأرض فساداً ، جاءت هذه الرسالة فلما طبقت عمت رحمة الله للعالمين وقد قلت إنها رحمة حتى للكافرين ، فالكافرون كانوا في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ويأكل بعضهم بعضاً دون سابق إنذار ودون غاية إلا المرابح والمكاسب العاجلة ، والإسلام رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه الحرب تماماً وإنما جعل هذه الحرب ذات غاية إنسانية عظيمة هي إقامة عدالة الله عزوجل في أرضه ، أقيمت عدالة الله حتى مع الكافرين فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما شهد له أعداؤه إذا حارب لايغدر ، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي جيوشه  : لاتقتلوا طفلاً صغيراً ولاامرأة وشيخاً كبيراً ولاتقطعوا شجرة ( وقطع الشجر ربما وقع إذا كانت هناك مصلحة عسكرية أو كان العدو قد اتخذها لنفسه دريئة يمكن أن يقع هذا ولكن الشجر في نفسه له حقه في هذه الرسالة الربانية فيوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم جنده وهم يدخلون بلاد الأعداء لاتقطعوا شجرة )

هذا الأمان فيما يتعلق بأهل الكفر في حين الحرب ، أما في حين السلام فكان الأمر أعظم من ذلك كثيراً :

حين تقف أمة من الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رسالته أو من جيوشه موقف المسالمة موقف الموادعة موقف الاتفاق موقف التسليم في هذه الحالة تكون لها حقوق عظيمة جداً ، صحيح أنهم تؤخذ منهم الجزية ولكن هذه الجزية كأنها حماية لهم يصانون بها ممن قصدهم من الأعداء حتى إن بعض قادة المسلمين أديت إليه الجزية ثم هاجم العدو تلك البلدة التي كانوا قد افتتحوها حديثاً فلما وجدوا أنفسهم لايقدرون على حمايتها ردوا إلى أصحاب البلد جزيتهم ، من يفعل هذا ؟! من يفعل هذا إلا الذين تقيدوا برسالة السماء رسالة رحمة الله للعالمين

في المجتمع المسلم الأمر في الرحمة والتراحم أعظم ، العدالة تقام على أدق مايكون ، وقد ذكر العلماء في قول الله تبارك وتعالى فيما يتعلق بالقصاص بعد ذكر الآية : ولكم في القصاص حياة قالوا : إن القصاص حياة للقاتل وحياة للمقتول ، حياة للقاتل حين يهم بالقتل فإذا علم أن أمامه القصاص ارتدع وحياة للمقتول إذا ارتدع القاتل عاش المقتول ، ثم هذا القصاص كما أنه حياة للقاتل وحياة للمقتول هو حياة لأقوامهما ، كانت الثارات والحروب تأكل الأخضر واليابس فلما أقيم القصاص كان رجل برجل وامرأة بامرأة وهكذا العدالة تقوم على أتم الوجوه .

لو رجعنا إلى ماهو أهم من ذلك وأعلى وجدنا في هذا القرآن في هذه الرسالة المحمدية أمراً في غاية العظم هو قول الله تبارك وتعالى : إنما المؤمنون إخوة ، الناس مستويات كثيرة فمنهم من يأخذ هذه الأخوة في أرقى مستوياتها ، ومنهم من يأخذ منها على المستوى المتوسط ، ومنهم من يأخذ على المستوى الأدنى ولكن هذا الإخاء قائم دائماً ، وانظر كيف وصف الله تعالى إخاء الأنصار للمهاجرين قال تبارك وتعالى : يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وفي حالة الخصاصة يكون الإنسان فقيراً تكون حاجاته ناقصة عما هو محتاج إليه ومع ذلك يؤثر بهذا القليل الذي لايكفيه يؤثر به أخاه ، وصور ذلك بين المهاجرين والأنصار كثيرة .

إنها رسالة الرحمة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

أما أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم رحمة فهذا باب تتحدث عنه فلا تنتهي كما تتحدث عن عظمة الرسالة فلا تنتهي ، الرسالة والرسول شيء واحد ، الرسالة كلام أنزله الله ، والرسول صورة تحيى بين الناس من هذه الرسالة الربانية فكيف تكون هذه الصورة ؟

إنها الصورة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق : انتبه ! ( إنما بعثت لأتمم ) لحظة البعثة المحمدية هي لحظة القدوة في الأخلاق الإنسانية العظمى لأنه كان قدوة لأمته من حين مابعث ولايمكن أن يوجد إنسان وهو يمكن أن يقتدي به مهما ارتقى مستواه إذن كان صلى الله عليه وسلم عند بدء الرسالة في درجة من الخلق العظيم لاتحد ولاتتناهى ، وهذه الأخلاق هي جزء من هذه الرسالة أو هو الوجه العملي لهذه الرسالة

تريد أن ترى عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم ! تريد أن ترى رحمته ! تريد أن ترى جوده ! تريد أن ترى شجاعته ! كلها تجدها في منتهى العظمة وتجد لها غاية في منتهى العظمة أيضاً

وجد في العرب كرماء وكرماء كثيرون حتى إنه يروى عن حاتم أنه ذبح فرسه ليطعم الناس ولم يأكل من ذلك الطعام شيئاً مع أنه جائع نعم ولكن لماذا ؟! قال هذه الغاية لزوجته :

أما إن المال غادٍ ورائح * ويبقى لنا من بعده الأحاديث والذكر

ولكن أين هذا من جود رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يعطي الناس عطاء لايقارنه هذا المستوى الذي يروى عن حاتم وأضرابه وإنما هو الشيء الذي لاحدود له كما قال بعض الذين دخلوا في الإسلام يوم حنين : ( أشهد أن هذا عطاء ماجادت به إلا نفس نبي ) عطاء كثير هائل (واد من الغنم ) قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أيعجبك هذا ؟! قال : نعم قال خذه فهو لك قال : أشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله والله ماجادت بهذا العطاء إلا نفس نبي

ماالغاية ؟! الغاية أن يردهم إلى الله ، أن يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، أن يخرجهم من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم ، أن يخرجهم من ظلمات الشقاق والاختلاف والقتال الذي لامعنى له إلى الإخاء ، إنما المؤمنون إخوة ، دخلوا في الإسلام فكان أحدهم يؤثر أخاه بجرعة الماء التي تتوقف عليها حياته

كل هذا من تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجوع هو ويجوع الناس ولكن يجوعون يوماً فيجوع ثلاثة أيام ، إنها رسالة الرحمة ، وإنه رسول الرحمة ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : إنما أنا رحمة ، ماقال أرسلت رحمة ، هذا الحديث يشرح الآية أرسلناك رحمة قد يتوهم متوهم بغير برهان أن الرحمة في الرسالة وحدها ، الرحمة في الرسالة والرحمة في الرسول صلى الله عليه وسلم ، إنما أنا رحمة مهداة

وذات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت مظهراً لهذه الرسالة العظمى هذه الذات الشريفة ظهرت فيها الأخلاق العظيمة التي هي روح هذه الرسالة بل كانت الذات المحمدية نفسها رحمة للعالمين لاللمؤمنين وحدهم ( الذات النبوية )

انظر : المشركون آذوا رسول الله أشد الأذى وتحدوه غاية التحدي وأعلنوا الجحود كل الجحود : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (الأنفال32)) المنصف يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق فاهدني إليه ، ولكن هؤلاء قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق ( حتى ولو كان من عندك ) إن كان هذا هو الحق ....( الآية ) من الذي دفع عنهم العذاب ؟! ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33الأنفال)) ( أنت )كلمة تدل على الذات لاتدل على الرسالة التي يحملها وحدها ولا على الأخلاق التي تنبع من هذه الذات الشريفة ولكن أنت هنا تدل على الذات الشريفة نفسها (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) انظر ليست رحمة للمؤمنين وحدهم بل للكافرين أيضاً .

إذا كان صلى الله عليه وسلم ذاته الشريفة رحمة للكافرين فماهو أثرها على المؤمنين ؟

انظر إلى رحمة الذات المحمدية التي جعلها الله في هذه الذات ماذا أثرت على المؤمنين :

قال صلى الله عليه وسلم :  " يأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ ( يعني أصبح هؤلاء هم رحمة لرؤيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ نَعَمْ فَيُفْتَحُ. (البخاري 4/37 ط طوق الحمامة) ( مسلم 4/ 1962)

الفتح نعمة إلهية جاءت متسلسلة من هذه الذات الشريفة إلى من شاهدها ثم انتقلت إلى من شاهد الذي شاهدها ثم انتقلت إلى الذي شاهد من شاهد من شاهدها ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) حتى لايتوهم متوهم أن الرحمة في الرسالة وحدها قال صلى الله عليه وسلم : إنما أنا رحمة مهداة

ثم هذه الذات الشريفة كان أثرها عاماً شاملاً للأجيال الثلاثة كلها ، خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم

ثم ماذا ؟!

 حتى الأشياء الجامدة التي لامست تلك الذات الشريفة أصبحت رحمة لخلق الله ، هذه سيدتنا أسماء ابنة الصديق رضي الله عنها أخرجت لبعض التابعين جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالت : هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عند عائشة حياتها فلما ماتت قبضتها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها ( مسلم 1641رقم 2069 ) ، جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء جامد لامس هذه الجسد الشريف فإذا هذا الشيء الجامد يغدو رحمة لخلق الله عزوجل

إنما أنا رحمة مهداة ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

هذه نبذ يسيرة من كل باب من أبواب هذه الرحمة التي جعلها ربنا عزوجل في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفيمن لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيمن أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على امتداد الدنيا إلى يوم القيامة فأنت ترى هؤلاء الذين أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لايزالون إلى يومهم هذا أخلاقهم رحمة سيرتهم رحمة أعمالهم رحمة معاملتهم رحمة ذواتهم رحمة فيها من البركة مالايعلمه إلا الله

والأمر في هذا الباب أكثر من أن يحصى لذلك ينبغي أن نتذكر دائماً حينما نقرأ قول الله عزوجل : وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو مظهر القرآن والقرآن لايتناهى لاتتناهى معانيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم لاتتناهى أخلاقه ولاتتناهى معاني الرحمة فيه ولامعاني العظمة وكل مافيه من خير لايتناهى أبداً منذ ألف وأربعمائة عام والناس يكتبون في شمائل هذا الرسول صلى الله عليه وسلم وكأنهم لم يصنعوا شيئاً وقد صنعوا الكثير الكثير الكثير ولكن الأمر يظل متجدداً كما أن القرآن الكريم يتجدد كما قال صلى الله عليه وسلم : ولايخلق على كثرة الرد ، مهما رددت القرآن لاتشعر بأنه أصبح قديماً ، وكمالات رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك مع استمرار الزمن كل يوم تفهم لها معنى جديداً ويتبدى لك منها معنى جديداً فإذا هو يعطيك معاني لاتخلق على كثرة الرد من معاني قول الله عزوجل : وماأرسلناك إلا رحمة للعالمين

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع