آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   واحة حلب الشهباء
مدينة حلب أوائل القرن العشرين



مرات القراءة:5472    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

مدينة حلب أوائل القرن العشرين

بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان

تقع مدينة حلب في شمال سوريّا، وتبعد قليلاً عن الحدود مع تركيّا، وكانت في أيام الدولة العثمانيّة البوابة الأولى الأكثر أهميّة للعالم العربي، وهي الثغر الدائم الصامد في وجه الحملات الصليبيّة، وهذه المدينة بقلعتها الأثريّة العريقة التي تتوسطها هي الصخرة القويّة التي كانت جيوش الغزو تصطدم بها وترتد إلى الوراء خاسرة مدحورة. إن تاريخ حلب مليء بالمواجهات والتضحيات، وبسبب ذلك بنيت أحياء المدينة حول القلعة، من جهاتها الأربع، ثم طوّقت بأبواب محكمة ما زالت حتى اليوم قائمة، وأهمها باب الحديد وباب النصر وباب النيرب وباب الفرج وباب جنين وباب المقام وباب الأحمر، وتمتد الأحياء الحلبيّة بين القلعة التي تتوسط المدينة القديمة والأبواب التي تحيط بالمدينة من كلّ الجهات، ويطل باب القلعة الرئيسي على باب المقام الذي يقع خلف الأحياء الجنوبيّة، كالأصيلة وباب النيرب وجنينة الفريق، ومن الجهة الغربيّة من القلعة تقع الأسواق القديمة العريقة العجيبة في تنظيمها المتماثلة والمتداخلة في تركيبها، والتي يقود بعضها إلى البعض الآخر، وتبتدىء بسوق الزرب الذي يطل مدخله على القلعة ثم يتجه السوق نحو الغرب، وتمتد الأسواق على طرفي هذا السوق، ويقع التداخل في الأسواق الفرعيّة، الصغيرة والكبيرة الضيقة والعريضة، وكلّ سوق يختصُّ بسلعة معينة، بحيث يتمكن صاحب الحاجة أن يبحث عن حاجته مباشرة، ويجد عشرات الدكاكين تبيع هذه السلعة بأسعار موحدة تقريباً وكلّ زبون يذهب إلى التاجر الذي اعتاد أن يشتري منه، فهناك سوق للجلود وسوق للحبال وسوق للذهب وسوق للجوخ وسوق للقطن وسوق للسجاد وسوق للخضار وسوق للعطّارين، وسوق للأحذيّة، وتتوسّط هذه الأسواق خانات شهيرة تنسب لأصحابها أو للبضاعة التي تباع فيها، وهي خانات ذات أبواب كبيرة، وتمتد على أطرافها غرف متوسّطة الحجم، وغالباً ما تتألف هذه الخانات من طابقين، كانت تستخدم هذه الخانات لإقامة التجار الذين كانوا يقصدون المدينة لشراء البضائع المختلفة، وبعض هذه الخانات واسع وله شهرة واسعة، وأصبحت هذه الخانات من أبرز المراكز التجاريّة في المدينة، وما زالت حتى اليوم تؤدّي هذا الدور التجاري. وتضم أحياء حلب أهم الحمّامات العامّة وأجملها، وهي منتديات اجتماعيّة للحفلات ولقاءات الأسر، وتقام حفلات الزواج في هذه الحمامات قبل أن تقام في الدور الحلبيّة الواسعة، كما يتم التعارف بين الأسر والعوائل في اللقاءات الأسبوعيّة في الحمّامات العامّة، وهناك تقاليد حلبيّة خاصّة في الحمّامات، حيث تتناول الأسرة طعامها في الأماكن المعدّة لكلّ أسرة. وتحظى المساجد بمكانة خاصة في هذه المدينة العريقة، والمساجد ذات قدسيّة دينيّة واجتماعيّة وذات مهمة ثقافيّة وتعليميّة، ومعظم الحلبيين يؤدون صلواتهم في مساجد الأحياء الكبيرة، المجهزة بالسجّاد العجمي النفيس والزخارف الأثريّة المعتادة، كالثريّات الثمينة، ويحظى إمام المسجد وخطيبه بمكانة المربِّي والموجِّه والمعلِّم، ويكون له دور الناصح والحكم في المنازعات ويستفتى في القضايا الشرعيّة، كما يحتكم إليه في الخلافات الأسريّة والتجاريّة وفي قضايا الإرث، ويقوم بدور إيجابي في حضّ الأغنياء على مساعدة الأسر الفقيرة، وغالباً ما يتكفّل سكّان كلّ حي بالمحتاجين والعجزة والنساء الأرامل من سكّان ذلك الحيّ. وبالإضافة إلى الدَوْر الثقافي والعلمي للمساجد، فهناك مدارس شرعيّة في المساجد، وتبنى هذه المساجد على شكلّ مدارس داخليّة محاطة بالغرف الصغيرة التي يسكنها طلاّب العلم من القادمين من الأرياف، أو ممَّن أرادوا التفرغ للعِلْم، ومدارس حلب كثيرة وعريقة، وهناك عشرات المدارس الشرعيّة، كالمدرسة الخسرويّة والمدرسة الحلوانيّة والمدرسة الإسماعيليّة والمدرسة الشعبانيّة، وهذه المدارس منتشرة في كلّ الأحياء، وقد نجدها في حيّ الفرافرة الذي كانت تسكنه الأسر الثريّة ذات المكانة الاجتماعيّة أكثر ممّا نجدها في الأحياء الأخرى، وكلّ مدرسة تنسب لبانيها ومؤسسها، وما زالت هذه المدارس تؤدّي دورها العلمي في التكوين والتوجيه. وتوجد في حلب أكبر المساجد وأجملها، وتسمى الجوامع، وأشهر الجوامع «الجامع الأموي الكبير» الذي يتوسط الأسواق القديمة وتطل معظم أبوابه على الأسواق المختلفة من الشّمال والجنوب والغرب والشرق، ويؤدّي معظم تجار الأسواق القديمة صلاتهم في الجامع الأموي الذي يطلق عليه جامع سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام ويطلق الحلبيّون لفظة «المدينة» على تلك الأسواق القديمة، والمدينة (بتسكين الميم) تعني تلك المنطقة التجاريّة المقفلة من الأعلى والمتّصلة، وما زالت لفظة «المدينة» هي اللفظة المتداولة في المجتمع الحلبي. «المدينة» هي مدرسة تجاريّة، تخرّج منها كل تجار حلب، ويعود الفضل إلى هذه المدرسة في تكوين العقليّة التجاريّة لدى الحلبيين، وهذه المدرسة لا تعلم فنون التجارة فقط وإنّما تلقِّن القيم الأخلاقيّة في التعامل التجاري، وأهم ذلك الصدق والأمانة والوفاء والالتزام بالكلمة وعدم الغش في السلعة وأداء الديون في مواعيدها، والكلمة مقدّسة عند تجار المدينة، فإذا اشترى بكلمة فالعقد ملزم ولا رجعة فيه، وإذا باع فكلمته معتمدة وموثوق بها في وصف سلعته، وإذا باع فإن ربحه محكوم بالتقاليد التجاريّة المعتادة فلا يتجاوز الربح المعتاد عند التجار، وإذا خالف هذه الأخلاقيّة فسرعان ما ينعزل عن مجتمع التجار وينصرف الناس عن التعامل معه، ويشيع في المدينة كلها خبر ذلك السلوك، وكلّ تاجر من تجار المدينة له بطاقة مكشوفة يعرفها الجميع في التجارة وفي الصداقة وفي الزواج، فإذا لم يكن صادقاً في تجارته فلا أحد يزوِّجه أو يرضى بتزويج ابنته من ابنه، لأنَّ سلوكيَّته ليست صادقة، وهذا لا يؤتمن في التعامل ولا يطمئنُّ إليه. والويل كلّ الويل لمن يمتنع عن سداد دينه في موعده رغبة في أكل أموال الناس بالباطل، فمن امتنع عن السداد بسبب كارثة أو خسارة أو غرم أو حريق وقف الجميع معه وساعدوه، وخففوا عنه أعباء ديونه بالإبراء أو التأجيل، وقد يعيدون له رأسماله إن كان من أهل الصدق والأمانة. ومن اليسير علينا أن نكتشف الكثير من أخلاقيّة الحلبيين في مروءتهم معاملاتهم التي اشتهروا بها، إنهم أهل دين ومروءة وفضيلة، هكذا كانوا في بداية هذا القرن. كان هناك النقاء والصفاء في طبائع الأفراد، وكان هناك التماسك والتكافل في تكوين المجتمع، وهذا التكوين الذاتي جعل حلب ذات طبيعة أخلاقيّة محببة إلى النفس، وهي طبيعة مريحة. كانت هناك الفضيلة هي التي تحكم سلوك الأفراد، وتوجِّه هذا السلوك، والأسر الحلبيّة يعرف بعضها البعض الآخر، وهناك تداخل بين الأسر، بسبب المصاهرات، وبخاصة بين أبناء الحي الواحد، وكانوا يفضّلون أن يقع التزاوج بين الأسر المتكافئة في الأحياء المتجاورة، لأسباب متعددة، أهمُّها توفّر الاحترام المتبادل القائم على معرفة كلّ أسرة للأسرة الأخرى وإمكانيّة حل كلّ المشكلات بالمودة والحوار، وإذا وقع التصادم والخصام فلا حدود لآثاره السلبيّة وبخاصّة في الأحياء التي يغلب عليها التكوين القبلي والعصبية العشائريّة، وغالباً لا يكون ذلك بالنسبة للأسر التي حظيت بقدر من العلم والثقافة، تكون أكثر تهذيباً بتأثير الثقافة وطبائع التحضّر. وتتميز الشخصيّة الحلبيّة بالحدة في معظم الأحيان والصراحة في إبداء الرأي والشجاعة في المواقف، وعدم قبول أنصاف الحلول، والدفاع عن الحقوق بكلّ قوة، وعدم قبول المساومة فيما يمس الحقوق الذاتيّة، وبسبب ذلك تعزّز شعور الشخصيّة الحلبيّة بالكرامة، ولا يمكن للحلبيّ أن يفرّط في كرامته أبداً، ولو خسر حياته وماله وأبناءه. ولعلَّ سبب ذلك هو الطبيعة الجغرافيّة لهذه المدينة، وقلة المياه التي جعلت المدينة جافة وقليلة الأشجار، وهذه الظاهرة أثرت على سلوك الحلبيين وجعلتهم أشداء في تكوينهم، إذا صادقوا فهم في قمة الوفاء والإخلاص، وإذا خاصموا فهم في قمَّة الحدَّة والعنف والانفعال، وقد اعتدلت هذه الطبائع بتأثير التربيّة والثقافة. وهذه الطبيعة تظهر في الأحياء النائيّة الخارجة عن نطاق الأبواب، بسبب ظاهرة الهجرة من القرى القريبة إلى المدينة، وأهل هذه الأحياء النائيّة تغلب عليهم طبائع الحدَّة والانفعال، وتسيطر عليهم النزعة القبليّة والتناصر العشائري، والاعتزاز المبالغ فيه في قضايا الشرف سواء تعلق ذلك بسلوكيّة المرأة أو تعلّق ذلك بعادات الثأر والقتل المتبادل الذي لا نهاية له، وهذه الأحياء تعتز بخصالها وتتمسّك بتقاليدها، وتعتبر ذلك من خصوصيّاتها الأخلاقيّة، وينظر هؤلاء إلى غيرهم من الأحياء الأكثر حضارة وثقافة نظرة استخفاف، ويضيقون بقيمهم السلوكيّة، ويأخذون عليهم ضعفهم وعدم تمسُّكهم بالقيم الموروثة. هذا صراع قديم أشار إليه ابن خلدون في مقدِّمته عن طبائع البداوة والحضارة، وطبائع البادية والمدن، وأثر العمران في طبائع البشر، ومن اليسير أن نجد في البوادي قيماً أخلاقيّة تختلف عن قيم المدينة، في الشجاعة والكرم والمروءة والتضحيّة كما نجد أثر ذلك في سلوكيّات الأفراد وطبائع الشعوب. وطبائع أهل حلب هي أقرب لطبائع المنطقة الشماليّة الشرقيّة من سوريّا، ويدخل ضمن هذه المنطقة حلب والرقَّة وحماه ودير الزور، والحسكة، ومن اليسير أن نجد طبيعة المنطقة الوسطى والمنطقة الغربيّة مختلفة، فالمنطقة الغربيّة التي تشمل المنطقة الساحليّة الممتدة إلى حمص ودمشق هي ذات طبيعة مختلفة، وبالرغم من وجود مناطق ريفيّة واسعة فإنَّ سكَّانها يختلفون في طبائعهم عن المناطق الشماليّة والشرقيّة. وأهل حلب لا يضيقون بطبائعهم بل إنهم يعتبرون الشخصيّة الحلبيّة هي النموذج الأفضل، بسبب استقامة سلوكهم وتمسكهم بالوضوح والدفاع عن الحق، ولعلَّهم بسبب ذلك نجحوا في مجال التجارة، حيث ظل المجتمع الحلبي محافظاً على تقاليده وقيمه الأخلاقيّة. ويتميز المجتمع الحلبي بالوفاء العجيب وهو مجتمع تشعر فيه بالوفاء المريح، ولهذا المجتمع تقاليده العريقة في أفراحه وأتراحه، وهي تقاليد مقدَّسة ذات مكانة في النفوس، وهو مجتمع محافظ على تقاليده، ولا يفرِّط في شيء من هذه التقاليد، ويعتبر الخروج عنها مدعاة للنقد والتجريح. والبيت الحلبي بيت دافىء بأهله، وهو متماسك متداخل، وهذا التداخل والتماسك يؤدّي إلى صراعات داخليّة مبعثها التماسك والدفاع عن الذات في مواجهة الآخر، والأفراح في حلب صادقة وجميلة، ويحبُّ الحلبيون الجمال ويتعشقون الفن والطرب والموسيقى والأصوات الجميلة، وأمسيات حلب من أروع الأمسيات جمالاً وحياة، وفي الليل ينتعش كلّ شيء بتأثير نسمات الهواء العليل ذات الطبيعة المحببة الجميلة. والأسرة الحلبيّة متماسكة إلى درجة كبيرة ومتكافلة ومتناصرة وكلَّما أوغلت في الأحياء الشعبيّة وجدت ذلك أكثر وضوحاً، والدار واسعة وتضم الأب وأبناءه وأحفاده، ومن المعيب أن يخرج أحد الأبناء من دار أبيه مهما كبرت أسرته. ومعظم هذه الظواهر الاجتماعيّة التي كانت سائدة في بدايّة القرن الماضي تراجعت بتأثير الحياة الاجتماعيّة الجديدة التي بدأت مع تأسيس المدارس الحديثة والجامعات في تطوير ذلك المجتمع، وتغيير النظام الاجتماعي فيه، كما تطورت العادات والتقاليد والقيم السائدة. لم تعد الأحياء متباعدة كما كانت في الماضي، فقد بدأت الرحلة من الأحياء القديمة إلى الأحياء الجديدة التي بنيت خارج الأسواق القديمة، وهجر سكان الأحياء القديمة دُورهم الواسعة في الأحياء المجاورة للقلعة إلى الأحياء القريبة التي كانت أراضي زراعيّة خارج المدينة، كما أقيمت المدارس في كلّ الأحياء وبعد أن كانت الأميّة مسيطرة وسائدة في أيام الدولة العثمانيّة أصبحت الأميّة نادرة، وأصبح الإقبال على العلم والثقافة كبيراً، وبعد أن كانت المرأة تعيش وراء القضبان تحت تأثير القيم الخاطئة بدأت تشعر بذاتيتها وأخذت تؤدّي رسالتها في التكوين والتربيّة، وارتقت المفاهيم الدينيّة بتأثير التوعيّة والتوجيه، وأصبحت المساجد تؤدّي دورها في تنمية القيم الروحيّة وتصحيح التقاليد الاجتماعيّة، وبدأ المجتمع يتطلع إلى فهم أوسع للقيم الإسلاميّة المنسجمة مع القيم الدينيّة الأصيلة. بدأ التغيير في كلّ شيء ابتداءً من سقوط الدولة العثمانيّة التي كان عهدها الأخير مطبوعاً بالتخلف الاجتماعي، وبدأت المدينة تتنفس هواءها النقي بفضل ظهور روّاد قادوا العمل الوطني والتوعية الاجتماعيّة الذين نشروا العلم والثقافة. وبالرغم من كلّ مظاهر التغيير فقد ظلَّت حلب محتفظة بخصوصيتها الأصيلة، متمسِّكة بقيمها الإسلاميّة معتزَّة بعقيدتها ممسكة بمقود حركتها نحو المستقبل، وما زال المسجد يؤدّي رسالته في ترسيخ القيم الإسلاميّة، والإسلام في هذه المدينة هو الثقافة الشعبيّة العامَّة المسيطرة، ولا يمكن لأي ثقافة أخرى أن تغلب ثقافة الإسلام أو أن تُضعف من عقيدة الأمة. وبفضل هذه الثقافة حافظ المجتمع الحلبي على وجوده واستمراره، واستطاعت هذه المدينة العريقة أن تؤدّي دوراً مهما سواء على مستوى العلاقات التي كانت تربط بلاد الشام بالدولة العثمانيّة أو على مستوى التجارة بين البلدان التي كانت خاضعة للدولة العثمانيّة. وبالرغم من كلّ مظاهر التمسك بالموروث الديني والثقافي والقيم الاجتماعيّة السائدة فإنَّ المجتمع الحلبي هو مجتمع تعددي، وهو مجتمع متسامح في إطار هذه التعدديّة، ومن اليسر أن تجد التعايش الديني قائماً بين المسلمين والمسيحيين، وهناك أقلّيات كثيرة في حلب كالأرمن وغيرهم من الطوائف المسيحيّة التي سكنت هذه المدينة، ولا نجد ذلك التعصّب المذموم فالأحياء الإسلاميّة ممتدة عبر المدينة القديمة، والأحياء المسيحيّة معروفة وممتدة، والاحترام المتبادل قائم بين الطوائف الدينيّة وبين رجال الدين، ولا نجد أي مظهر من مظاهر التوتر النفسي، والجميع يمارسون عبادتهم بكلّ حريَّة، والمسيحيون يحترمون المقدَّسات الإسلاميَّة ويراعونها.