آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   الإسراء والمعراج
كلمة عن الإسراء والمعراج



مرات القراءة:53018    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

كلمة عن الإسراء والمعراج

 

بقلم العلامة الشيخ : محمد زاهد الكوثري

 

رحمه الله

 

اختص الله جلت قدرته حبيبه صلوات الله وسلامه عليه بخصائص ، ومن تلك الخصائص : إسراؤه تعالى بحبيبه ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى

وهذا ثابت بنص القرآن القطعي الثبوت ، القطعي الدلالة فيكفر منكره ،

وأما عروجه صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى وإلى ماشاء الله فثابت بصحاح الأحاديث النيرة فيعد منكره مبتدعاً لاكافراً .

وأما ادعاء أن أثر قدمه الشريفة على صخرة بيت المقدس حيث عرج منها فكذب مختلق لاأصل له عند نقاد الحديث

ومن السخافة البالغة زعم بعض الحشوية صعود الله جل جلاله من فوق الصخرة إلى السماء كما رواه النويري في نهاية الأرب عن أبي بكر الواسطي وهذا إنما يتقوله من ليس عنده من الإسلام نصيب.

وقد وقع في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر لحديث المعراج الطويل عند البخاري أوهام كثيرة بينها أهل الحديث.

ووقوع راو في أوهام في رواية لاينافي صحة باقي الروايات السالمة من العلل ، وبعد صحة الرواية وإمكان الأمر لايسع المؤمن إنكاره.

والإمكان العقلي في المعراج لامجال لإنكاره ، ووقوعه مقتضى الأخبار الصحيحة المستفيضة ، وقد مضى الزمن الذي كان أناس ينكرون فيه المعراج بزعم أن السماوات من الصلابة بحيث لاتقبل الخرق والالتئام ، تحكماً من غير دليل

وكان الرد القاصم لظهور هؤلاء المتقولين إذ ذاك هو تبيين تماثل الأجسام بحيث يجوز في جميعها مايجوز في بعضها من الخرق والالتئام اللذين نشاهد وقوعهما في بعض الأجرام كماهو طريقة المتكلمين الأعلام .

وأما العصر الذي لايتصور مفكروه صلابة السموات بل يعدون الأجرام العلوية تسبح في مدارات سير السابح في الماء والطائر في الهواء دون أن يحول حائل عن المسير في عالم الأثير فهم أجدر ألا يتوهموا الامتناع في الاعتلاء إلى السماء لمشاهدتهم عجائب التحليق في الأجواء كلما مدوا بصرهم إلى الفضاء.

وخلاف السلف في الإسراء هل كان مرة يقظة أو مناماً ؟ أو مرتين مناماً أو يقظة ، رفقاً من الله بحبيبه لعظم هول الإسراء المباشر قبل التمهيد له بالرؤيا المباشرة المسهلة لمشاهدة عجائب في حالة اليقظة ، جمعاً بين الأدلة مماهو مشروح في الروض الأنف .

لكن ليس لدعوى المنام شبه دليل فلا يقام لرواية النوم وزن ، حيث لم يذكر في ذلك إلا خبر منقطع أو خبر وهم فيه الراوي أو هاماً صريحة . فلا يقوى هذا وذاك أمام الأخبار الصحيحة المستفيضة من ثقات ضباط متقنين.

والتعارض إنما يتصور بين دليلين في مستوى واحد لابين الصحيح والواهي فلا داعي إلى ادعاء تكرار المعراج يقظة ، أو مناماً ويقظة ، عن رأي مجرد ولاتمسك في ادعاء أن المعراج كان مناماً بقوله تعالى ( وماجعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) لأن هذه الرؤيا بمعنى رؤية العين عند ابن عباس في صحيح البخاري ، والحلم لايكون مبعث فتنة للناس كماهو ظاهر.

ومجيء الرؤيا بمعنى الرؤية له شواهد في العربية : ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ... وكبر للرؤيا وهش فؤاده .

فلا معدل عما ذهب إليه جمهور أهل العلم في تعيين ليلة المعراج على أنحاء ، والذي رجحه النووي أنها الليلة السابعة والعشرون من شهر رجب .

وإليه ذهب ابن الأثير والرافعي ، ويرى هذا الرأي من قال: إنها قبل سنة ونصف من الهجرة كابن قتيبة وابن عبد البر لأن الهجرة كانت في ربيع الأول فالسنة قبلها من صفر إلى صفر تراجعا والستة الأشهر قبلها من المحرم إلى شعبان بالتراجع أيضاً فتكون الأيام الثلاثة من آخر رجب غير مذكورة تركاً للكسر من الطرفين ، وعلى ذلك عمل الأمة .

والاحتفاء بذكرى الإسراء والمعراج يذكرنا كيف كشف الله لرسوله عن بيت المقدس حتى تمكن من وصفه وصفاً دقيقاً فتعجبت قريش من ذلك الوصف المطابق للواقع فانكشف كفرهم العنادي كما ازداد المسلمون إيماناً بذلك وكذا إخباره عليه السلام عن العير التي سأله قريش عنها واعتبر الصحابة رضي الله عنهم بماحدثهم عن الآيات الكبرى التي شاهدها في ملكوت السماوات وتلقوا منه فرض الصلوات الخمس في تلك الليلة المباركة فواظبت الأمة عليها حتى صفت نفوسهم واتسع عرفانهم وأصبحت الصلوات الخمس معراجاًُ معنوياً لهم حيث يناجون ربهم عند وقوفهم للصلاة فترسخ في نفوسهم مخافة الله التي هي ينبوع كل خيلا للبشر .

انتهى من كتاب مقالات الكوثري رحمه الله ص 317