آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
فضل شعبان وضرورة دوام الالتجاء لله



مرات القراءة:2851    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

فضل شعبان وضرورة دوام الالتجاء لله

 

د. محمد سعيد رمضان البوطي

 

إن فاتني أن أحدثكم في الوقت المناسب عن فضيلة ليلة النصف من شعبان، فإنه لم يفتني أن أحدثكم عن فضيلة هذا الشهر كله، فبِقطع النظر عن ليلة النصف من شعبان، شعبان كله شهر متميز من أشهر العام، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحفل به بعد شهر رمضان كما لم يكن يحفل بأي شهر من شهور العام، هذا الشهر هو الشهر الذي ترتفع فيه الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى كما قال عليه الصلاة والسلام، هو الشهر الذي يرحم الله- عز وجل- فيه المسترحمين، ويغفر لعباده المستغفرين، هذا الشهر شهر يعتق الله سبحانه وتعالى فيه أعدادًا لا تحصى.. لا يحصيها إلا الله- عز وجل- من النار، ولقد روى أسامة بن زيد عن رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه سأله قائلاً‏:‏ يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من شهور العام كما تصوم من شهر شعبان، فقال عليه الصلاة والسلام "‏ذلك شهر يغفل عنه كثير من الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى الله- عز وجل-، فأحب أن يرتفع عملي إلى الله وأنا صائم"‏، أخرجه النسائي، وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت‏:‏ "‏ما من شهر أكثر صيامًا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- منه في شهر شعبان"‏ والسبب ما قد ذكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر الذي رواه أسامة بن زيد‏.‏

 

وروى البيهقي بإسناد جيد كما قال عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فصلى وسجد وأطال السجود حتى ظننت أنه قد قُبض، فلما رأيت ذلك قمت وحركت أنمله فتحرك، فرجعت فسمعته يقول في سجوده‏:‏ "‏اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، فلما سلم قال لي: "يا عائشة:‏ أظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خاس بك‏؟"‏ قلت لا والله يا رسول الله، ولكنني ظننت أنك قد قبضت- أي لطول سجوده وعدم تحركه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "أتعلمين أي ليلة هذه‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ إنها ليلة النصف من شعبان، يطلع الله عز وجل فيها على عباده فيقول‏:‏ ألا هل من مستغفر فأغفر له، ألا هل من سائل فأعطيه، ألا هل من داع فأستجيب له، ويؤخر أهل الأحقاد كما هم"،‏ والأحاديث التي وردت في فضل شعبان عمومًا، وليلة النصف من شعبان جزء من ليالي هذا الشهر المبارك كثيرة، وهي في جملتها صحيحة وقوية لا يلحقها الريب‏.‏

 

أيها الإخوة نحن كلنا بحاجة إلى أن ننتهز فرص تجليات الله تعالى على عباد الله بالرحمة، نحن كما تعلمون مثقلون بالأوزار، ولسنا نملك- والحالة هذه- سوى أن نتصيد هذه الأوقات التي أنبأ عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، والتي يتجلى الله عز وجل فيها على عباده بالرحمة، ليس لنا من سبيل إلا أن ننتهز هذه الفرص لنتعرض لرحمة الله، نتعرض لمغفرته، نتعرض لإكرامه، ونبسط أكف الضراعة والافتقار إليه، داعين متضرعين أن يخفف عنا عز وجل من ذنوبنا، وأن يكرمنا بالعفو والعافية التامة، وأن يرحم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مما قد أصابها‏.‏

 

فرصة بين يدي شهر رمضان المبارك تتمثل في هذا الشهر الذي يغفل عنه كثير من الناس كما قال رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أتأمل وأنظر في رحمة الله عز وجل، المفروض أن يكون العبد المسرف على نفسه المثقل بالأوزار هو السبّاق إلى باب الله عز وجل يطرقه ويستجدى منه المغفرة والصفح، ولكن الأمر يجري على العكس من ذلك، الله عز وجل هو الذي يلاحق عباده، هو الذي يلاحق التائهين المعرضين الغافلين السادرين في غيِّهم، يدعوهم إلى أن يعودوا فيصطلحوا معه، يدعوهم إلى أن يعودوا فيجددوا البيعة له، يدعوهم أن يعودوا إلى رحابه ليرحمهم وليغفر لهم وليحط عنهم من أوزارهم وآصارهم.

 

تلك صورة من صور رحمة الله عز وجل بعباده، إنها لظاهرة تجعل الإنسان يذوب خجلاً من الله، بل محبة لله عز وجل أن يلاحق الله عز وجل عباده الشاردين التائهين العاصين له، العاكفين على أوزراهم في مثل هذا الشهر المبارك، ليقول لهم‏:‏ أما آن لكم أن تعودوا، أما آن لكم أن ترفعوا رؤوسكم عن الغي قبل أن تنتهي الفرصة ويحين المعاد، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ‏﴾ (الحديد:16) تلك صورة من أجلِّ صور رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، ولكني إذ أقول هذا أيها الإخوة لا أعني ما قد يفهمه بعض الناس من أن المسلم يغنيه أن يلتفت إلى الله عز وجل في مثل هذه الفرص فيتزود لنفسه بالكثير أو القليل من رحمات الله عز وجل ومغفرته، حتى إذا زالت هذه الفرصة وانطوت عاد مرة أخرى إلى غيِّه، عاد مرة أخرى إلى شروده وانحرافه.

 

إياكم أن تفهموا هذا، إن فرص الله عز وجل متوالية ومتسلسلة ومترابطة، وتلك صورة أخرى من صور رحمة الله عز وجل بعباده ينبغي للإنسان أن يعاهد الله عز وجل على أن يُقبل إليه إقبالاً دائمًا ولا يدبر، ﴿‏وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (‏الحجر‏:‏ ‏99‏)‏ أي الموت، ينبغي للعبد الذي آمن بالله أن يعقد صفقة مبايعة مع الله عز وجل تتضمن معنى قول الله تعالى‏:‏ ‏﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏﴾ ‏(‏الأنعام‏:‏ ‏162‏)‏ لن ألتفت عنك، لن أعرض عنك، لن أطرق غير بابك، لن تعود يدي عن التوجه إلى رحابك، هكذا ينبغي أن يبايع كلّ منّا ربه سبحانه وتعالى، ما يجوز وما ينبغي للإنسان أن يلتقط فرصًا تلوح أمامه في حياته ليقبل فيها على الله، وليغسل كيانه من الأدران والآثام، ثم يعود مرة أخرى ليثقل ظهره بأمثالها في انتظار فرصة قادمة آتية، لعل الفرصة لا تأتيك، لعل الموت يكون سباقًا إليك‏.‏

 

ينبغي أن نعلم أيها الإخوة أن عبوديتنا لله عز وجل لا تظهر وتختفي، عبوديتنا لله عز وجل هوية دائمة لا تتحول قط، ومن ثم فينبغي أن تكون عبادتنا لله عز وجل دائمة مستمرة، والعبادة تتنوع لكن أول أنواع العبادات وأقدسها الدعاء الضارع، التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء الضارع، الدعاء الضارع دائمًا، لا الدعاء الضارع عندما تطوف بالإنسان مصائب ورزايا ونوائب، الإنسان ما دام عبدًا لله فهو في كل لحظة بحاجة إلى عناية الله، ومن ثم فهو بحاجة في كل لحظة إلى أن يمد يد الافتقار والمسألة إلى الله ‏﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏﴾‏ ‏(‏غافر‏:‏ ‏14‏)‏ هذا كلام الله سبحانه وتعالى، وما ينبغي للإنسان أن يكون كما قال الله عز وجل ‏﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ﴾ ‏‏(‏الحج‏:‏ ‏11‏) ما ينبغي أن يكون أحدنا في حالة يذكر الله، وفي حالة أخرى يتيه عن الله عز وجل، نحن في كل الأحوال عبيد الله عز وجل، ومصيرنا في كل الأحوال معلق على كرم الله سبحانه وتعالى ولطفه وإحسانه‏.‏

 

من الناس مَن إذا مرُّوا بواحة من العافية والنعم نسوا الله، وإن لم ينسوه تصوروا أنهم ليسوا بحاجة إلى أن يمدوا يد المسألة إلى الله، لأنهم لا يعانون من مصيبة، ولا من مشكلة، فإذا ادلهمَّ الخطب، وإذا غابت النعم تذكروا عندئذ أنهم بحاجة إلى الله، هذا مظهر من مظاهر اللؤم أيها الإخوة، أنا مادمت عبدًا في كل الأحوال محتاج إلى أن أمد يد المسألة إلى الله، إن كنت في حالة عافية ونعمة ورغد عيش فأنا بحاجة أن أقول لله‏:‏ يارب أبقِ عليّ نعمك، أبقِ عليّ عافيتك، لا تفقدني هذا الإكرام الذي تمتعني به، وإن رأيت أن هذه النعمة تزول فأنا أيضًا بحاجة إلى أن أسأل الله عز وجل وأقول له يارب‏:‏ عرفني نعمك بدوامها، ولا تعرفني إياها بفقدها، وإن رأيت أن الله عز وجل قد أحاطك بعنايته وبإكرامه، فانظر إلى عباد الله من حولك، انظر إلى أولئك الذين ابتلاهم الله عز وجل، واعلم أن الله عز وجل جعل عباده بعضهم فتنة لبعض، وصدق الله القائل‏:‏ ‏﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا‏﴾‏ ‏(‏الفرقان‏:‏ ‏20‏)‏‏.‏

 

إذن، في كل لحظة أنت بحاجة إلى أن تسأل الله عز وجل، إن لم تسأله لنفسك فاسأله لإخوانك، ادع الله عز وجل لإخوتك الذين تنظر وتسمع أنباء المصائب التي تتهاوى عليهم، ولله عز وجل في كل شيء حكمة، ترى هل يطبق المسلمون معنى كلام رسول الله‏:‏ ‏(‏المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى‏)، هل يشتكي العالم الإسلامي كله ويئن كما يئن المسلمون في أفغانستان وفي فلسطين، أم أننا نسرح ونمرح ونأكل ونلهو وننام ملء أعيننا ولا يهمنا هذا الأمر بشكل من الأشكال، أو يهمنا بقدر الحديث تعليقًا عن هذا الأمر تسلية وإزجاءً للوقت، هذه الأمور أيها الإخوة ينبغي أن نكون على بينة منها، لاسيما في هذا الشهر المبارك، ونحن على يقين أن أقوى سلاح ماضٍ يستعمله عباد الله المؤمنون لاستنزال النصر عن الله عز وجل هو سلاح الالتجاء إلى الله، وسلاح الدعاء الدائم والدائب على أبواب الله سبحانه وتعالى بعد التوبة وبعد الإنابة والإخلاص.

 

كما قال عز وجل‏:‏ ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏﴾‏ (‏غافر‏:‏ ‏‏14‏)،‏ والله عز وجل وعد، ولاشك أن وعده منفذ، وصدق الله القائل ‏﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ‏﴾ (‏آل عمران‏:‏ 151‏)،‏ هذا وعد من الله عز وجل ووعده نافذ، ولكن الله عز وجل يريد أن يسمع من عباده الضراعة، يريد أن يسمع من عباده حديث الشكوى، يريد أن يسمع من عباده ما يدل على ذلِّ عبوديتهم له عز وجل، ويريد من عباده قبل ذلك أن يتوبوا وأن يؤوبوا، وأن يصلحوا ما بينهم، وأن يصلحوا ما بينهم وبين مولاهم وخالقهم عز وجل، أسأل الله سبحانه وتعالى، أن يرزقنا صدق التوبة والإنابة، وأن يعيدنا إلى رحابه، وأن يجعلنا ممن يلتصق بأعتاب كرمه وجوده داعين متضرعين، ملتجئين بانكسار‏.‏

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع