آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
رمضان



مرات القراءة:3454    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

رمضان

 

بقلم الشيخ علي الطنطاوي

 

نشرت سنة 1957

 

من كتاب صور وخواطر من  215 إلى 223

 

هذا الحديث عن رمضان ، وفي رمضان النور والعطر ، وفي رمضان الخير والطهر ، وفي رمضان الذكريات الكثر ، ففيه نزل الذكر ، وفيه ليلة القدر ، وكان فيه نصر بدر ، وفي آخره عيد الفطر .

ورمضان نور على المآذن ، ونور في القلوب .

ورمضان صوم عن الطعام ، وصوم عن الحرام .

إن كانت الحياة تنازعاً على الحياة فهذا الشهر إدراك لسر الحياة ، وإن كان العمر كله للجسم فهذا الشهر للروح .

وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام فهذا الشهر للحب والوئام .

هذا هو رمضان الذي أبصرت وجهه من كوّة الطفولة فأحببته ورأيت أثره الخيِّر في كل مكان في دمشق فأكبرته ، ثم لم أعد أراه أبداً ، فعلمت أني قد افتقدته وأضعته .

إن رمضان الذي عرفته لم يعد يتردد على دمشق . إن هذا رمضان جديد ، يحمل اسم رمضان الأول الذي رأيته أول مرة من أكثر من أربعين سنة ولكنه ليس ذلك ال ( رمضان ) .

رمضان القديم كان يغمر أرجاء دمشق كلها ، فكنت تحس به حيثما سرت . تراه في المساجد الممتلئة بالمصلين والقارئين ، والمتحلقين حول كراسي المدرسين ، وتراه في الأسواق ، فلا تجد عورة بادية ، ولامنكراً ظاهراً ، ولامطعماً مفتوحاً ، ولامدخناً ولاشارباً ، وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن لأن أفسق البائعين لايغش في رمضان ، والمرأة تعمل مطمئنة إلى أنها مهما أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام ، لأن المسلم الصائم لايشتم ولايلوم في رمضان ، والرجل يجيء إلى بيته وهو آمن أن يجد من زوجه نكداً أو إساءة لأن المرأة المسلمة الصائمة لاتؤذي زوجها في رمضان ، ولو تركت بابك مفتوحاً لما دخل لص لأن اللصوص يضربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان .

أما رمضان الجديد فلا تعرفه هذه الشوارع الجديدة والأحياء الحديثة ولم يعرف بعدُ الطريق إليها ، ودمشق القديمة لم يعد يستطيع أن يسيطر عليها ، فالمساجد مملوءة بالنائمين والمتحدثين والمدرسين الجاهلين . والأسواق مفتحة المطاعم مملوءة بالمفطرين ، والصائمون تسوء أخلاقهم في رمضان من الجوع وشهوة الدخان ، والشياطين تصفّد في رمضان ولكن الفساق ينطلقون عاملين فيه كما كانوا يعملون قبل رمضان .

ولقد كان أشد الناس بعداً عن الدين إذا سمع مدافع رمضان تاب وأناب إلى الله ، ونزع نفسه الآثمة واستبدل بها نفساً زكية متعبدة ، كما ينزع ثوبه الوسخ ويستبدل به ثوباً نظيفاً ، والبيوت التي كان يسودها الخصام تتحول في رمضان إلى دور أمن وسلام ، والمدينة تصير كلها أسرة واحدة ، أو مدرسة داخلية يأكل الناس فيها في وقت واحد ، وينامون في وقت واحد ، ويقومون في وقت واحد ، إذا دنت ساعة الغروب رأيت الناس جميعاً مسرعين إلى بيوتهم / هذا يحمل صحن الفول المدمَّس ، وهذا يحمل الجرادق والبرازق ، وتكون المائدة منصوبة حتى أن أفقر الناس يجد في رمضان فطوراً شهياً ، لأن كل صائم في رمضان يتفقد جيرانه ومن حوله ، فلا يأكل هو الطعام الطيب والألوان الكثيرة وجاره لايجد إلا الخبز والجبن ، وتصطف الأسرة كلها حول المائدة ، يجمعها شعور واحد ، شعور واحد يجمع الغني والفقير ، والأمير والأجير ، هو الجوع ، أغنى الناس يشتهي قبل المغرب ملعقة من حساء أو رشفة من شراب . والأولاد يقفون على الشرفات ، أو على جوانب الطرقات ، فإذا رأوا مصباح المنارة أو سمعوا المدفع صاحوا بنغمة موزونة ولحن موقع : أذن . أذن . أذن . وطاروا إلى بيوتهم كما تطير العصافير إلى أعشاشها إذا رأت طلائع الليل ، وتخلو الطرق ، وتهدأ الأصوات ، ثم ترتفع من كل مكان ، من الكوخ ومن القصر على السواء ، كلمة : الحمد لله ، كلهم شبع ، وكلهم رضي ، وكلهم شكر ، الذي أكل السبعة الألوان ، والذي أكل الخبز والمسبَّحة والفول .

ثم يمضي الرجال إلى المساجد ليصلوا التراويح أو يصلوها مع أهليهم ، وتكون الأسواق مضاءة ، والأولاد مزدحمين فيها ، على بيانع المثلجات إن كان الوقت صيفاً ، أو بيات الفول النابت ، ومن أراد لهواً لم يجد إلا الحكواتي يقص قصة عنتر وكلها بطولة ونبل ، لاكهذه القصص الآثمة الداعرة التي تغضب الكلاب لو وصفت مجتمعاتها بمثل ماوصف به المجتمع الأميركي في قصة (( طريق التبغ )) التي طبعت من سنين قليلة عشرين مرة ، وبيع منها ملايين ، أو الكراكوزاتي ..

فإذا مضت ساعة بعد صلاة العشاء ، انطفأت الأضواء ، وخلت الأسواق وانصرف الناس إلى دورهم ليناموا . والمسحِّر لايجيء إلا وقت السحور ، لايجيء نصف الليل ، ليوقظك من نومك ، ويقرع بطبلته رأسك ، كما يفعل الآن ، وأنت مجبر أن تقول له : أشكرك ، وتدفع له أجرته على أنه كسر دماغك وحطّم أعصابك ، ولم تكن هذه الإذاعات التي لاتسكت لحظة في رمضان ، ولاكانت في البيوت هذه الأجهزة الشنيعة ، مصيبة المصائب ، الرّادَّ الذي تستطيع كل امرأة جاهلة ، وكل ولد لعّاب أن يزعج به مئة بيت ، ولايكلفه ذلك إلا أن يمد أصبعه وهو نائم فيدير زرّه أنملة ( سانتي متر ) فيدخل الداء العصبي على كل من سكن هذه البيوت ، ويهرب رمضان المسكين بأمله وخشوعه وطهره . إن رمضان لايستطيع أن يعيش إلا في الهدوء والسكون ، فكيف يعيش في هذه الضجة الهائلة ، وكيف يتفرغ الصائم لعبادته وكيف يتوجه إلى ربه ؟ وكيف ينام ليقوم إلى السحور ، إذا كان كل صاحب رادًّ ، لايُسمع وحده بل يسمع أربعين جاراً وكانت الأصوات لانقطع طول الليل ، والمسحر يجيء من الساعة الواحدة ؟! وهؤلاء الموسيقيون الفاشلون الذين عجزوا عن أن يكونوا رجال فن ، فأسبغوا على غنائهم ثوب الدين ، والدين يبرأ منهم ، وتغزلوا بالرسول صلى الله عليه وسلم بدلاً من التغزل بليلى وسلمى ، والبياعون يأتون من طلوع الشمس ، مصلح البوابير ، وبياع الحليب ( واللي عنده سجاد للبيع )) ، والأولاد الذين يتخذون الحارات والجادات ملاعب للكرة !

وكيف يشعر بوجود رمضان من يركب الترام فيرى أمامه من يدخن وينفخ في وجهه الدخان ، ويرى المطاعم مفتحة والأكلة يأكلون ، ويرى الناس إن صاموا عن الشراب وعن الطعام ، لايصوم إلا القليل منهم عن الكذب والغش والغيبة والبذاءة والحلف بغير الله ، أو الحلف كاذباً بالله ، ولايصوم إلا القليل عن الغضب والبطش والأذى ؟! وليس الصيام في الحقيقة إلا تدريباً خلقياً ، ليس الصوم جوعاً وعطشاً فقط ، خلق الله ملائكة ، وخلق شياطين ، وخلق وحوشاً وسباعاً . فالمَلَكُ خير كله ، والشيطان شر كله ، والسبع طبيعته البطش ، لولاه ماعاش ، وخلق الإنسان من الثلاثة جميعاً ، ففي الإنسان ملك وشيطان وسبع ، المَلَك له الإيمان والرحمة والطاعة والخشوع والسمو النفسي ، والشيطان له الشهوة المحرمة والكذب والاحتيال والإفساد ، والسبع له الغضب والبطش والقهر . والصيام في الحقيقة صيام عن السبعية والشيطانية لتخلص النفس في هذا الشهر للملكية . فإذا لم تظهر على الصائم أخلاق الملائكة ، وإذا بقي يغضب ويبطش كالسبع . ويشتهي ويفسد كالشيطان ، فإنه لم يعرف حقيقة الصيام .

لقد كان رمضان الذي يجيء دمشق من أربعين سنة رمضاناً حقيقياً ، وماأدري أمات وجاء غيره ، أم قد شاخ وعجز عن أن يطوف دمشق كلها أو أن يثب فيدخل في نفوس أهلها ، فصار يثبت وجوده في المفكرة والتقويم وفي أضواء المآذن ومدافع القلعة فقط ، فقط لاغير ؟ أم أنا الذي تغير وتبدل ؟ كنت أنظر قبل أربعين سنة بعين صبي لم يقارف إثماً . فكنت أرى رمضان ، فلما أثقلت الآثام أجفاني لم أعد أراه ؟

وكان أهل دمشق في مثل طهارة الأطفال ، لم تشوّه أصباغ الحضارة الأخوة بين أفرادهم ، ولم تكن قد هتكت أستار الصيانة ، ولا مزقت براقع الحياء ، كانت المرأة لزوجها وولدها وربها ، والرجل لزوجته وولده وربه ، فكانوا يرون رمضان كلهم . يرون هلاله في الأفق ، ونوره في القلوب ، وأثره في البيوت والأسواق والمدارس والمساجد ، ويشعرون حقاً أن قافلة العمر كانت تمشي بهم في صحراء مجدبة ، فإذا كان رمضان ، مشت في الواحة التي تعبق بريّا الأزاهير ، وترقص على أنغام الشحارير ، فيكون من ذلك أنس للنفس وراحة للروح .

فأين ذلك الرمضان ؟ أين هو ؟ دلوني عليه ! دلوني عليه أجدْ فيه ماضيّ الذي فقدته ، وأنسي الذي أضعته . رمضان الذي يتوب فيه كل عاص ، ويتصل فيه كل منقطع ، ويشهد فيه كل محجوب ، وتسطع فيه الأنوار في كل قلب ، حتى لتمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب ، ويقوم الناس في الأسحار ساعة يتجلى الله على الوجود تجلي الرحمن والغفران ، وينادي المنادي من السماء : ألا من سائل فأعطيه ، ألا من مستغفر فأغفر له .فيهتفون من أعماق قلوبهم : ياأرحم الراحمين ، ويسألون الله ويستغفرونه ، فيحسون أن قد صعدوا بأرواحهم إلى حيث يرون الأرض كلها ومن عليها ذرة تجول في هذا الفضاء . الدنيا بأطماعها وأحقادها ومغرياتها ، ويتذوقون أعظم اللذاذات ، اللذة التي لاتقاربها لذة ، لذة الاتصال بالله ، ومناجاته في سكنات الليل ، وهدآت الأسحار ، فتسطع أنوار الإيمان في كل قلب ، ويمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب ، والقلب كالنسر الذي يضرب بجناحيه في طباق السماء ولكنا قيدناه بقيود المادة ، ثم أغرقناه في حمأة المطامع والشهوات ، فكيف يطير نسر مقيد الجناح غارق في الطين ؟

 

هذا هو رمضان .... فحلوا القيود فيه عن قلوبكم ، واغسلوها من أوضار الحمأة التي غمستموها فيها ودعوها ترتفع لتطلع على جمال الوجود ، وترى من هذا المرقب العالي جمال رمضان . 

 

 







مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع