آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
شهر رمضان والإنابة إلى الله ‏



مرات القراءة:2353    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

شهر رمضان والإنابة إلى الله ‏

 

الدكتور علي جمعة

 

 

1- ما أحوجنا ونحن مقبلون على أفضل شهور السنة‏,‏ شهر رمضان المعظم‏,‏ أن نبدأ بالرجوع إلى الله تعالى والإنابة إليه‏,‏ حتى إذا ما دخل علينا شهر الصوم يجدنا وقد أنابت قلوبنا إلى الله تعالى‏,‏ واستعدت لتلقي النفحات الإلهية والمنح الصمدانية‏,‏ فيقبلنا الله سبحانه عنده بقبول حسن‏,‏ والعطاء إنما يكون لصاحب الحاجة‏,‏ ولذلك قال عزوجل‏: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ} [التوبة:60].

 

فإذا استشعرنا حاجتنا إلى رحمات الله ومغفرته ورضوانه أغدق الله علينا الفضل وجاد علينا بالكرم‏,‏ فالعطايا الإلهية تستمطر بافتقار القلوب إلى الله تعالى والشعور بالخضوع له سبحانه‏,‏ كما قال موسى عليه السلام‏:‏ {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24],‏ وكما قال تعالى‏: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ}‏ [فاطر:15], فافتقار الإنسان إلى الله سبب للاستغناء به عما سواه‏.‏

 

2- وقد أمر الله عز وجل عباده بالإنابة إليه‏,‏ ووصف بذلك أنبياءه وعباده الصالحين‏,‏ فأضاف الإنابة إلى حبيبه المصطفى ونبيه المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم {ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ‏[الشُّورى:10],‏ ووصف بها إبراهيم عليه السلام {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} ‏[هود:75],‏ وداود وسليمان عليهما السلام {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} ‏[ص‏:24],‏ {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} ‏[ص:34], وشعيبا عليه السلام {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ‏[هود:88], وجاء الأمر الإلهي باتباع طريق المنيبين في قوله سبحانه‏:‏ {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} ‏[لقمان:15],‏ ووعد الله تعالى صاحب القلب المنيب بالجنة فقال‏:‏ {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق:32-33].

 

‏3- والمسلم مأمور بالإمعان في تدبر آيات القرآن‏,‏ والتعامل مع كلام الله عز وجل كلمة كلمة‏,‏ والوقوف عندها تفكرا ونظرا‏,‏ وعليه أن يتفاعل مع الأوامر الإلهية بعمل برامج لتنفيذها‏,‏ فإذا قرأ قوله سبحانه وتعالى‏: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} ‏[الزُّمر:54]‏، فعليه أن يقف مع نفسه ومع ربه ليضع برنامجا لكيفية الإنابة إلى الله تعالى‏,‏ ولذلك كما كانت الإنابة إلى الله تعالى حالة ينبغي للعبد أن يكون عليها مع ربه فإنها أيضاً عند أهل الله تعالى مرحلة من مراحل الطريق إلى الله سبحانه‏.‏ وهذه المرحلة تأتي بعد اليقظة‏,‏ والتوبة‏,‏ والمحاسبة‏,‏ وأصل الإنابة في اللغة يدل على الرجوع‏,‏ وهي تدور في كلام أهل الله على أربعة معان‏:‏ المحبة‏, والخضوع‏,‏ والإقبال على الله‏,‏ والإدبار عما سوى الله‏.

 

4- وأعظم ما تتجلى الإنابة في الصلاة‏,‏ ولذلك جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمود الأمر وأهم شيء فيه‏,‏ وقال في شأنها‏:‏ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة‏,‏ فمن تركها فقد كفر رواه الترمذي من حديث بريدة رضي الله عنه وقال‏:‏ حديث حسن صحيح غريب‏,‏ وإنما لم يقل ‏(‏فهو كافر‏)‏ رأفة بالأمة‏,‏ فلو قالها لخرج تارك الصلاة من الملة‏,‏ لكنه قال‏:‏ فقد كفر‏,‏أي‏:‏ ارتكب عملاً فظيعاً شنيعاً من أعمال الكفار‏,‏ وقال تعالى في عظم شأن الصلاة‏:‏ {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ} [البقرة:45],‏ ولذلك جمع الإمام الحافظ محمد بن نصر المروزي ‏[ت‏294‏ هـ‏]‏ الأحاديث الدالة على تعظيم شأن الصلاة في كتابه القيم تعظيم قدر الصلاة.‏

 

5- وشهر رمضان هو شهر الصلاة وشهر القيام حيث كانالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يرغب الناس في قيام رمضان ويقول‏:‏ من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏,‏ وقد سن سيدنا عمر للأمة في رمضان هيئة صلاة التراويح وكيفيتها‏,‏ فهي سنة نبوية في أصلها‏,‏ عمرية في كيفيتها‏,‏ وهي من الأدلة المتكاثرة على أنه ليس كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون بدعة‏, ‏بل البدعة منقسمة على بدعة محمودة وبدعة مذمومة‏,‏ كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده‏,‏ من غير أن ينقص من أجورهم شيء‏, ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده‏,‏ من غير أن ينقص من أوزارهم شيء رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.‏

 

6- والصلاة دليل الإنابة‏,‏ وهذه الدلالة تظهر في استقبال القبلة‏,‏ فإن ذلك يذكرك بالإقبال على الله وأنت فيها‏,‏ حيث جعل الله لك وجهة تتوجه إليها فلا تصلى إلى أي مكان‏,‏ وكان من الممكن أن تكون القبلة في اتجاه آخر‏,‏ كما كان من الممكن أن تكون صحيحة في أي اتجاه‏,‏ ولكنه سبحانه وتعالى جعلها إلى جهة الكعبة وحدها‏,‏ إشارة إلى الإقبال والتوجه‏,‏ فالصلاة تلفتك بالاستقبال إلى الإقبال‏.‏ وفي الوقت نفسه وأنت مستقبل القبلة تكون مستدبرا العالم‏,‏ وعندما تقول‏:‏ الله أكبر يحرم عليك الكلام والأكل والشرب والعبث واللعب {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]‏، يعني ساكتين‏,‏ فكما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏: ‏إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس‏,‏ إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أخرجه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي.

 

لقد أشارت الصلاة إلى المحبة بالعطاء‏,‏ وأشارت إلى الخضوع بالسجود‏,‏ وأشارت إلى الإقبال بالاستقبال‏,‏ وأشارت إلى التبري مما سوى الله بالإدبار‏, وهذه هي حقيقة الإنابة‏.









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع