آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
شهرالإخلاص والتزكية



مرات القراءة:1859    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

شهرالإخلاص والتزكية

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان شهر أكرم الله تعالى به هذه الأمة أمة الإسلام شهر يدع المؤمن شهوته وطعامه وشرابه من أجل الله تعالى فلا يفعل منها شيئاً إلا على الوجه الذي أمره الله به ، وهذا هو معنى الإخلاص  وهو من تزكية النفس التي بعث لأجلها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكر الله تعالى في قوله : ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .

وإنما كانت التزكية غاية بعثته صلى الله عليه وسلم - مع أن الآية ذكرت معها تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة - لأنهما يقصدان للعمل ، والعمل لا ينفع إلا بالإخلاص لله تعالى ، والتزكية لا تكون بهذا الإخلاص في أمر أو اثنين أو ثلاثة إنما تكون بتهذيب النفس حتى يصير الإخلاص لوجه الله تعالى خلقاً ثابتاً لها وملكة راسخة فيها ثابتة أمام كل الصوارف من أنواع الشهوات ، والصوم هو تدريب النفس على مقاومة إغراء الشهوات حتى يتمكن الإنسان من تصريف نفسه فيها على الوجه الذي شرعه الله تعالى أياً كان وفي أي مجال كان ، وبهذا يكون كمال الإيمان الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به " وحينئذ يسهل العمل بأوامره صلى الله عليه وسلم لأن عمل الإنسان بما يهواه يطيب له وتتمتع النفس حين تقوم به .

ولأهمية تزكية النفس - وهي كمال الإخلاص - يمكن أن يلاحظ الإنسان تضمن الأحكام الإلهية القصد إليه حيثما نظر منها ففي الصلاة - وهي تذلل وانكسار - تطهير من التكبر والتذكير بالافتقار المتأصل إلى الله في كيان كل إنسان أي إن الإنسان حين يصلي بقلب حاضر يدع رداء التكبر والاغترار بالغنى كما يدع الصائم شهوته وطعامه وشرابه لوجه الله تعالى ، وفي الزكاة تطهير من حب المال وتنمية لشعور الرحمة والعطف على الآخرين فهي تزكية تنظيف وبناء ، وفي الحج رحلة من الوطن الذي يألفه الناس طبعاً إلى بلد الله الحرام حيث يؤدي أعمالاً كلها إخلاص لله تعالى ويتذكر أن هذا البلد أنشأه الخُلَّصُ المخلصون من أحباب الله أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل وأمه السيدة هاجر عليهم السلام ، وهذا الحال الروحي يكتمل بخلع الثياب المميزة بين الفقراء والأغنياء والسوقة والأمراء ، يتجرد الإنسان من هذه الشهوات كلها لوجه الله تعالى وحده لا شريك له ، ولا يفقد الإنسان هذا المراد الرباني حيث نظر من أحكام الشريعة الإسلامية وهذا ما بعث لأجله رسول الإسلام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كما قال الله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانـوا مـن قبل لفي ضلال مبين ) .

وقد كلل الله تعالى جهود نبيه صلى الله عليه وسلم بالنجاح فكان أصحابه رضي الله عنهم بسبب ذلك " خير أمة أخرجت للناس " بشهادة الله تعالى : منهم الخلفاء الزاهدون ومنهم القادة المتواضعون ومنهم الأمراء الفقراء والقضاة العادلون الأمناء ومنهم العلماء العاملون الباذلون العلم بلا عطاء ولا أجر ، وكم سمع الناس من أخبار الخلفاء الراشدين التقشف وضيق المعيشة مع أنه كانت في أيديهم خزائن الأموال ، وكم سمعوا من أخبار القادة مثل كلمة خالد بن الوليد رضي الله عنه : " إنما أقاتل لله لا لعمر ، والله لو ولى علي امرأة لسمعت وأطعت " وهل سمع الناس بأمير يقدم اسمه إلى أمير المؤمنين ضمن قائمة الفقراء فقراً مدقعاً كما سمعوا بأمير حمص في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو هل سمعوا بالقضاة الذين كانوا يقضون بأشد الأحكام على الأمراء حتى يردوا شهادة بعضهم أو عن الرجال الذين يكرههم الأمراء على القضاء أو يحبسونهم لإصرارهم على رد وظيفة القاضي ، وليس أقل من هذا أن يبذل العالم ماله لطلابه بدل أن يأخذ على التعليم أجراً كما فعل أبو حنيفة رضي الله عنه وكما فعل الليث بن سعد رضي الله عنه وعن كل علمائنا وأئمتنا الذين ملؤوا الدنيا بنور العلم ونور الأخلاق ، وهل كان ذلك منهم إلا بعد تزكية نفوسهم حتى كان هواها فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إن الصيام بداية الدروس في الترفع عن الشهوات التي هي أظهر الشهوات وأكثرها تعلقاً بحياة الإنسان وأقواها سيطرة عليه وقهرها هو بداية الطريق وعون على المضي فيه ، وعلى المسلم أن يسير في كل ما أمر الله به سير الإخلاص الذي أمر الله به في الصيام وأثنى على أهله ووعدهم جزاءً لا يحده إلا جوده الذي لا حدود له فقال سبحانه وتعالى : " يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصوم لي وأنا أجزي به  " .

وقد بدأ الله تعالى آيات الصيام بآية بين فيها المراد منه والسبب والحكمة من مشروعيته والثمرة التي يجنيها منه فقال سبحانه وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " فإذا كانت التقوى هي العمل بما يرضي الله تعالى ومباعدة مالا يرضيه فإن التقوى لا تتحقق بدون أن تكون مبنية على الإخلاص لوجه الله تعالى ، ولا يبلغ العبد كمال التقوى - وهي الغاية من الصيام - إلا إذا كان الإخلاص سجية لها وذلك بتزكية النفس قال الله تعالى : " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه إلى يوم الدين.