آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
رمضان ... ناسك الزمن



مرات القراءة:1526    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 رمضان ... ناسك الزمن

للشاعر محمود حسن اسماعيل

إعداد : إبراهيم الحمدو العمر

يقبل رمضان فتحتفل له القلوب والأرواح ، ويستعد له المسلمون ويستقبلونه كأحسن ما يُستقبَل وافدٌ عزيزٌ، ولم يكن الشعر غائباً في استقبال رمضان؛ بل كان الشعراء - وهم من أرق الناس شعورا ومن أرقاهم خيالا-  يستعدون بقوافيهم احتفاءً به، وكانوا يجدون في رمضان مسرحا لخيالهم الشعري الذي يهيم وراء كل معنى جميل.

 ورمضان فضاء واسع يحمل الكثير من وحي الجمال والرقة، ففي رمضان تتألق الروح في مدارج الشفافية إذ يتخفف الجسم من أعباء الطعام والشراب، ومع هذه الروح ظلال من الخشوع والتقوى والإخلاص ومراقبة القلب لله عزوجل، وفي رمضان مباهج اعتاد عليها المسلمون وهم يستشعرون أنه شهر الله تعالى، فهي عادات تعظيم وتبجيل واحترام، ولا تخرج عن الاهتمام بالعبادة، فيه انتظار على موائد الإفطار، في هذا الانتظار متعة الروح رجعت من رحلة في عالم الصفاء والطهر الذي عرجت إليه على أجنحة من الجوع والظمأ، وفيه امتناع عن شهوات النفس التي لا تتأنى في الهجوم عليها في غير ه من الشهور، وفيه السحور و المسحراتي، وفيه مدفع رمضان، وفيه قناديل رمضان وزينته، وفيه المآذن المنارة والمساجد المضاءة، وفيه صلاة التراويح وبهجتها، وألفة القلوب حينما تجتمع في بيوت الله ، وفيه الأطفال الذي تستخفهم روح المرح الطفولي بعد الإفطار فينفلتون من البيوت بأهازيجهم وألعابهم، وهذه كلها معانٍ تستثير الخيال الشعري، البارع في التقاط معاني الجمال والتأثر بإيحاءاته، وتتنزل بالمعاني السامية على روح الشاعر، وترفد وجدانه الشعري بفيوضات من المعاني المتعالية على التراب، المتسامية على المادة، المتصلة بالروح ولطافتها وسحرها، ولكن! أين ديوان رمضان الحافل  بكل هذه المعاني ؟ لقد كتب الشعراء كثيراً، وليس كله مما يغني القلب المتطلع لسمو المعاني في رمضان أو يرقى إلى عظيم مكانتها.

كثيرون هم الذين كتبوا عن رمضان وجماله وعبق الإيمان في صباحاته وأماسيه  ، وبعضهم وجه شعره لانتقاد ظاهرة الاهتمام بالطعام التي تصرف المسلمين عن الروح إلى المادة، وينتقمون من النهار الجائع بالليل المليء بأنواع الأطعمة، كما يقول الشاعر معروف الرصافي ( 1877 - 1945م) :

ولو أني استطعتُ صيامَ دهري *** لصمتُ فكان ديدنيَ الصيامُ

ولكن لا أصوم صيام قوم *** تكاثر في فطورهم الطعام

إذا رمضان جاءهم أعدوا *** مطاعم ليس يدركها انهضام

وقالوا يا نهار لئن تُجِعْنا *** فإن الليل منك لنا انتقام.

و ربما يكون الأديب الرافعي ( 1880 – 1937 م ) في طليعة الذين تميز شعرهم في هذه المناسبة -كما يقول الدكتور فاروق شوشة- في قصيدته الرمضانية التي استقبل بها ضيفا يزور كل عام كالغمام يذهب ويبقى أثره، وهو خير ضيف يجمع المسلمين على خير السجايا في مناسبة هي الأحب إلى قلوب المسلمين، يقول رحمه الله :

فديتك زائراً في كل عام ... تُحَيّا بالسلامة والسلام

وتقبل كالغمام يفيض حيناً ...ويبقى بعده أَثَرُ الغمام

وكم في الناس من كَلِفٍ مشوق ..إليك وكم شجيٍّ مستهام

رمزتَ له بألحاظ الليالي ..وقد عيّ الزمان عن الكلام

ولم أر قبل حبك من حبيب ..كفى العشاقَ لوعاتِ الغرام

فلو تدري العوالم ما درينا ..لحنّت للصلاة وللصيام

بني الإسلام هذا خير ضيف ..إذا غشي الكرام ذرا الكرام

يَلمُكموا على خير السجايا ..ويجمعكم على الهمم العظام

ثم جاء الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل (شاعر الكوخ ) ليستقبل رمضان بقصيدة سماها ( الله والزمن).

فمن هو الشاعر :

(محمود حسن إسماعيل)

ولد بقرية النخيلة بمحافظة أسيوط في 2/7/1910، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بين مدارس أسيوط والقاهرة.

ثم لحق بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وتخرّج فيها عام 1936، حيث حصل على ليسانس العلوم العليا، ولم يلبث أن انتقل مستشاراً ثقافياً بالإذاعة المصرية، وعمل فيها عدة سنوات، سافر بعدها في أواخر السبعينيات إلى الكويت بعد أن أُحِيلَ إلى التقاعد حيث عمل مدة سنتين أو ثلاث إلى أن توفي هناك في 25 نيسان سنة 1977م، فنقل جثمانه إلى مصر حيث دفن في ثراها.

تميز شعره بوصف الطبيعة، والوقوف على ملامح الجمال الخلابة في كل تفاصيلها، وكان شعره صدى لأنات الحزانى والمساكين، والفلاحين الذين ليس لهم من متع الدنيا سوى أكواخهم الكئيبة، حتى عرف بشاعر الكوخ، ولا يتسع المقام للكلام عن شعره ودواوينه أكثر من هذا.

الله والزمن

قصيدة في ديوانه المسمى (صوت من الله )  وقد حلق فيها  إلى قمة لا تدانى من الإبداع الشعري، محاولا أن ينقل تصوره عن هذا الشهر الجوّاب في الآفاق، الوفي الذي يعاود الزيارة في كل عام، القانع من الضيافة بالمقام فقط بين من يزورهم، الذي سن للكرام شرعا عُلْوِيّاً في معنى الإحسان :

أضيفٌ أنتَ حلّ على الأنام            وأقسم أن يُحيّا بالصيام

قطعتَ الدهر جوّابا وفياً                يعود مزاره في كل عام

تخيّم لا يحدّ حماك ركن         فكل الكون مهد للخيام

نسختَ شعائر الضيفان لما      قنعت من الضيافة بالمقام

ورحت تسن للأجواد شرعا            من الإحسان عُلويّ النظام

بأن الجود حرمان وزهد                أعز من الشراب أو الطعام

هذه هي مقدمة القصيدة، ومعانيها قريبة من معاني الرافعي حتى البحر والروي واحد فيهما، ليطوف بنا بعد ذلك في مجالات نفسية وروحية بعيدة المدى، تقودنا فيها موهبة لماحة دقيقة في رصد سحر الجمال في مظهره الحسي والمعنوي، ترصد لنا مشاهد مستلهمة وصورا محكية عن رمضان بعد أن طافت في أجوائه النقية، وترسم لنا بفرشاتها ظلالا موحية تتعانق فيها المآذن المنارة بآهات التائبين؛ فتخزى الذنوب والمعاصي ؛  لأن اليائسين قد أووا إلى منارة الغفران، ولأن الداعين مستجاب لهم في هذا الشهر الكريم، وتصور لنا انتظار الصائمين للأذان الذي يفزع الأفلاك ويضوع عطرا، تكاد لهوله تهوي النجوم، وغيرذلك من المشاهد الشعرية العجيبة في مفردات تدل على إحساس مرهف لمعنى رمضان والصيام متسائلاً:

أشهرٌ أنت أم رُؤيا متابِ== تألّق طيفُها مثل الشهابِ?

تمرّغ في ظلالك كلٌّ عاصٍ ==وكلُّ مُرجّسٍ دنسِ الإهابِ

فأنت مُحيِّر الآثام...تجري ==فتلحقها بأحلامِ العذاب

تراك شفيع توْبتها, فتَخزى== وتوأدُ تحت أجنحةِ الشبابِ

وأنت منارة الغفرانِ, يأوي ==إليك اليائسون من المتابِ

وعند الله سؤْلك مُستجابٌ ==ولو حُمّلْت أوزار الترابِ

ثم يعرج الشاعر على حالة المذنبين التائبين، وانهزام اليأس أمامهم، وآهات المحرومين والعطف على البائسين، وأولئك البخلاء الذين يفزعون فتصبح حجارتهم معيناً ندياً، ومشهد الناس في انتظار المغيب يرتقبون الأذان، ومشهد المساواة بين الغني والفقير يجوعون معا ويحسّون بمرارة الحرمان معاً،  وكأن هذا الجوع سوط يجلد أولئك الذي غاضت في نفوسهم معاني الإنسانية والعطف فيلهمها التراحم والحنين:

وقفْتَ خطاكَ عند البائسينا ==فكنْتَ لليلهم فلقًا مُبينا

تساقُ إليك أمواج التّحايا ==فتدفعها لبابِ المُعوزينا

فكمْ آهات محرومٍ حداها ==إليك البؤسُ, فانقلبت رنينا

فأنت مُفزّع البُخّالِ...تجري ==خطاك على حجارتهم مَعينا

وأنتَ مُلقّن الأيدي نداها ==ومُكْسبها التراحمَ والحنينا

يخافُك كلُّ قارونٍ شحيحٍ ==فيخجل أن يردّ السّائلينا

وفي مشهد آخر وقافية أخرى يتصور الشاعر أن رمضان محاء الذنوب أو فارسٌ مهندُه يصعق المعاصي بما تحيله نجوى الصائمين إلى دعاء مستجاب :

ومنذ تهلُّ ترهبُك الذنوبُ== وتختشع السرائرُ والقلوبُ

وتفزعُ أن تُقابلك المعاصي== فتهرعُ, أو تُقنّعُ, أو تذوبُ

ويُجفل أن يراك أخو هواها ==ولو قتلت مشاعره العيوبُ

كأنك فارسُ الأيام, تبدو ==فيصعقها مُهنّدك الغضوبُ

كأنّ بكفّك البيضاء سرّا ==من النجوى, تكتَّمهُ الغيوبُ

تُجابهُ كلّ غيّانٍ عنيدٍ ==فيكتتمُ الغَوايةَ أو يتوبُ

ويلتفت إلى البناء الإنساني في رمضان فيخص المجتمع بهذه النفحات:

جعلْتَ الناس في وقت المغيبِ ==عبيد ندائكَ العاتي الرّهيبِ

كم ارتقبوا الأذانَ كأنّ جُرحا ==يعذّبهم تلفّتَ للطبيبِ

وأتلعت الرقاب بهم, فلاحوا ==كركبانٍ على بلدٍ غريب

عُتاةُ الإنسِ أنت نسخْتَ منهم== تذلُّلَ أوجهٍ وضنَى جُنوبِ

فَيا...من لقمةٍ وحفيف ماءٍ ==يُقلّب روحهُ فوق اللهيبِ:

علامَ البغي والطغيان? إني== كفرْتُ بمنطق الدنيا العجيبِ

ثم كم يشده منظر المآذن المتجملات لأجل هذا الشهر! :

تلفّتْ للمآذن حالياتٍ ==كحوريات خلدٍ سافراتِ

تفوحُ مباخرُ النسّاكِ منها ==فتحسبُها غصونًا عاطراتِ

تلألأُ حولها أطواق نورٍ ==سعيْن لعطرهِ مُتجمّلاتِ

كأنك حاملٌ وحْيًا إليها ==وقفْن لسحْرهِ مُتلهفاتِ

إذا صاح الأذانُ بها أَرنّتْ== بإلهامٍ كموج البحْرِ عاتِ

يذكّر بالهداية كلّ ناسٍ ==ويوقظُ كلَّ غافٍ في الحياةِ

و يحلق الشاعر على صدى ذلك النداء الخالد الذي يصيخ له الكون مسحوراً ، وتفزع الأفلاك لروعته، وتقذف رجومُه الغواةَ حينما يتلوه تالٍ في سكون الليل:

وهذا المُعجزُ العالي الرخيمُ== أذانُ الله, والذكرُ الحكيمُ

تلاهُ في سكونِ الليل تالٍ ==فكاد لهوله تهوي النجومُ

نداءٌ تفزعُ الأفلاكُ منه ==ويخشع في مساربه السّديمُ

على سمْع الهداةِ يضوعُ عطرًا ==وتُقذفُ منه للغاوي رجومُ

أصاخ الكون مسحورًا إليه ==وخرّ لبأسهِ الأزلُ القديمُ

تنزّلَ فوق صدرك من عُلاهُ ==بشيرُ الوحي, والدّينُ القويمُ

ثم تزداد عاطفة الشاعر توهجا وروحانية فيخاطب رمضان الذي وصفه بأنه ناسك الزمن، ويبثه حزنه، ويحمله أشواقه التي عي بحملها جسمه الضعيف بكلمات مضمخة بتسبيح العابدين وتذلل التائبين وآهات العشقين:

سلامًا ناسك الزمنِ القويِّ ==من القلب الحزين الشاعريّ

حملْتُ إليك أشواقي وسرّي ==لتحملها إلى الأفق العليِّ

تمائميَ التعبُّد بالأغاني ==على نغماتِ قيثارٍ شقيِّ

أمرّ به على زمني غريبًا ==كطيرٍ تاه في ظُلم العشيِّ

وأعزفُ للصبائح والأماسي ==فينتفض الغناءُ لكلّ حيّ

كأني ما ذرفتُ أسى زماني ==ولا أفضى صدايَ بأيّ شيِّ!









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع