آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
محمد رسول الله نشأة وبيئة



مرات القراءة:6647    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

محمد رسول الله ... نشأة وبيئة


للباحث العلمي بالموسوعة الفقهية

الشيخ: عبد الله نجيب سالم


 

 

 

• بين يدي البحث :

الحديث عن سيرة العظماء طريقة دأب عليها الكثير من البشر في القديم والحديث.

ذلك أن العظماء ـ أياً كانوا وأنّى وُجدوا ـ ذوو أثر فعال، وأصحاب مقام عال، وشأن رفيع، تقدم لهم الأمم الاحترام والتبجيل، وتمنحهم الحب والاحترام.

  والحديث عن العظماء، والبحث  في حنايا  سيرتهم، ما هو إلا مقدمة لتنشئة الجيل على خطاهم، أو بداية لاستكشاف واستظهار مكنون أفكارهم وآرائهم، أو محاولة للاقتراب منهم والاقتباس عنهم، أو مفتاح للاستعانة بهم في الخروج من أزمة أو محنة...

وإذ تمر علينا كل عام ذكرى مولد رسول الله ( محمد بن عبد الله )صلى الله عليه وسلم في فترة من أحرج فترات تاريخنا الإسلامي، بل وتاريخ البشرية، فإن من الواجب أن نقف مع هذه الشخصية التي كانت ـ وبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء ـ قمة القمم وفريدة العظمة.

إن محمداً كان رسول الله إلى البشرية كافة، يداوي جراحها، ويؤنس وحشتها، ويمسح دموعها ، وينقذها من شباك مشاكلها، ويحمل لها مشعل النور ، ويأخذ بيدها في طريق السلام والأمن والمحبة.


أرض النبوة ... جزيرة العرب :


شبه الجزيرة العربية التي انطلق منها الإسلام، وهي أكبر شبه جزيرة في العالم على إطلاقه ـ أكبرها مساحة لا عدد سكان ـ ومنذ إطلالة القرن السابع للميلاد، سَرَت في أجوائها نسمة علوية مباركة، همت غيثاً وندى على نارها ورمضائها، وجعلتها مهوى الأفئدة ومحط الأنظار لملايين من البشر، وأحدثت فيها تغييراً روحياً واجتماعياً، قل أن حلم التاريخ يحجمه وعظمته وروعته.

والذي يهمنا من هذه الجزيرة أحد أجزائها (الحجاز) الذي يحتوي ضمن مدنه على مدينتين، قدر لهما أن تصبحا أشرف بقاع المعمورة، وأحبهما إلى الأرض... إنهما مكة والمدينة.

مكة... بلدة في قعر واد غير ذي زرع، ذات مناخ صحراوي قاس، تقع على طريق القوافل بين الجنوب والشمال، بين اليمن والشام ، كانت ـ قبل الإسلام ـ مركز عبادة الأوثان، وكعبة الحجيج العربي، يؤمها العرب للتقرب إلى آلهتهم، ولأداء مناسك حجهم، ولتبادل سلعهم، وهذا بالطبع ما أفسح المجال أمام أهل مكة للمجد والسلطان والخيرات.

والمدينة ـ واسمها القديم لدى العرب يثرب ـ تقع أيضاً على ممر القوافل، إلا أن ترتبها أخصب ، ومياهها أغزر، هواؤها عليل، وظلها ظليل، وجَنْيُها وفير، وثمرها كثير، لا يعكر جوها إلا حزازات وثارات بين الأوس والخزرج، يؤججها بين الحين والحين ـ وكلما سنحت الفرصة ـ يهود حانقون ، امتهنوا بيع السلاح وإقراض المال لكلا الطرفين.

  وفي مكة ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وسمي اسماً لم يكن دارجاً بين الناس كثيراً (محمد)... (محمد)، ولكن أحداً ما لم يكن ليعرف ـ غير الله ـ أن هذا الاسم سيصبح مع الزمن أكثرَ الأسماء انتشاراً، وأشدها إلى القلوب حباً، وفي النفوس أثراً.

مات أبوه وهو في بطن أمه، وبعد ولادته رضع عند حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية قرابة السنتين. ولم تمض ست سنوات من حياته حتى خلفته أمه في كفالة جده عبدالمطلب يتيم الأبوين، وهو بعد غض العود، ثم لم ينشب جده ـ وهو في سن اليتم وعلى أبواب المراهقة ـ أن أسلمه مع إسلامه الروح إلى عمه أبي طالب
رعى الغنم وهو شاب يافع، وتميز خلال هذه الفترة بالعطف والحنان، والهدوء والموادعة، ولم يتعلم القراءة ولا الكتابة، فواجه  الدنيا أمياً، إلا أن الله اختاره ليرتل على الآذان أروع وأرق من كان من بليغ الكلام وساحر البيان.

ولعله لم يرض أن يعيش عالة على عمه أبي طالب ذي العيال الكثر والحظ القليل ، فآجر نفسه لقريش يرعى غنيماتها ... ولنسمع إليه صلى الله عليه وسلم وهو يذكر ذلك فيقول : ((ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم ، قالوا : وأنت يا رسول الله ، قال : نعم ، وأنا ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)) .

ويطيب لنا أن نصغي مرة ثانية إليه، وهو يحدثنا عن تلك الفترة من حياته، فيقول:

(( ولما نشأت بغّضت إليّ الأوثان، وبغّض إليّ الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك. ثم ما همت بسوء بعدها حتى أكرمني الله برسالته. قلت لغلام  كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي، حتى أدخل مكة، فأسْمُر كما يسمر الشباب. فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة، اسمع عزفاً بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم، فجلست لذلك، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مسّ الشمس، ولم أقض شيئاً، ثم عراني مثل ذلك مرة أخرى... )).

ويقول أيضاً عليه السلام عن شبابه: ((لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت)) وكان ذلك حلف الفضول بين قبائل مكة لنصرة المظلوم و إعانته.

كما اشترك في حرب نشبت بين قريش وبعض أعدائها، وفي تلك الحرب لم ترع العرب حرمة الأشهر  الحرم، ولا البلد الحرام، فسميت لذلك حرب الفجار. يقول عليه السلام ((كنت أنبل على أعمامي نبل عدوهم إذا رموهم به)) أي يدفع عنهم النبل ويحميهم منه، وهو بعد حدث السن.

كذلك شارك أعمامه في بناء الكعبة عندما قررت قريش إعادة بنائها، بعد تصدع جدرانها من سيل جارف.
ولقب ـ أيضاً ـ لصدق حديثه واستقامته وأمانته ـ بالصادق الأمين.

ولقد روت لنا كتب السيرة والتاريخ كيف أن قريشاً لما وصلت ـ وهي تبني الكعبة ـ إلى موضع الحجر الأسود تنازعت فيما بينها، من يضع الحجر الأسود في موضعه ويحوز شرفاً بذلك رفيعاً؟؟ واختلفت قريش، ولاحت أمارات الحرب في الأفق، إلى أن أشار عليهم أسنهم أبو أمية بن المغيرة: أن يحكّموا أول داخل من هذا الباب فقبلوا، ولما دخل عليهم رسول الله ـ وكان ذلك طبعاً قبل النبوة ـ تهللت أساريرهم وصاحوا فرحين : هذا الأمين رضيناه.. هذا محمد. فبسط رداءه، وأمر فحملت كل قبيلة ـ ممثلة في زعيمها ـ طرفاً من ردائه، حتى انتهوا به إلى موضعه، فأخذه بيده ووضعه مكانه.

وثمة حادثة أخرى لا تقل في دلالتها على عظمة شخصية رسول الله قبل البعثة عن حادث الحجر الأسود. فقد كان له عليه السلام عبد اسمه زيد بن حارثة، وكان غلاماً عربياً اختطفه البعض وباعه في سوق العبيد، فقام أبوه وعمه يبحثان عنه في أطراف الجزيرة العربية، وبعد لأي عثرا عليه عند رسول الله، فكلماه في فدائه، فاستدعاه رسول الله، واستوثق منه معرفته لأبيه وعمه، ثم قال بنفس كريمة: (( إن شئت أقمت عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال بلا تردد: بل أقيم عندك)). وما ذلك إلا لما لمسه من نبل المشاعر وحسن المعاملة والرعاية.


ومع انبثاق فجر الدعوة الوليدة، وقبل أن تتمكن الخصومة والحقد في قلوب أعدائه، صعد الصفا، وجمع الناس، وصاح فيهم قائلاً: (( لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟؟ قالوا : نعم، ما جربنا عليك كذباً قط . قال : فإني رسول الله إليكم)).

ولم يكن أمام محمد عليه السلام في صباه مجال كبير للاستفسار. إذ لم يغادر مكة يافعاً إلا مرتين. مرة مع عمه أبي طالب إلى الشام في رحلة تجارية، حيث لم تُطِق نفس أبي طالب ترك ابن أخيه الحدث وحيداً في مكة، وهو يعلم أنه يتيم الأبوين والجد.

وكانت المرة الثانية لما اشتد عوده، حيث استأجرته خديجة بنت خويلد، ليمضي في مالها تاجراً إلى الشام أيضاً، ثم يعود بالربح الوفير.

ولكن رسول الله في رحلتيه كلتيهما لم يتعد حدود بصرى الشام، وهي على تخوم الجزيرة العربية، ولم يختلط بأهل البقاع إلا خلطة البيع والشراء، ولم يُلْحظ في حياته كلها أي أثر خلفته في نفسه هاتان الرحلتان إلى بلاد المسيحية.. اللهم إلا ما ذكر من أن راهباً في منزل على الطريق، واسمه (بحيرى) سأله لما كان مع عمه صغيراً أسئلة عن حياته وظروفه، ثم أردف قائلاً لعمه: إنه النبي المنتظر... إياك أن يراه  اليهود فيكيدوا له.

ولم يكد يستقر به المقام عائداً من تجارته بمال خديجة، حتى أرسلت إليه تخطبه لنفسها، بعد أن امتنعت عن كثير من أشراف قومها. وتزوجها رسول الله وعمرها أربعون عاماً، بينما كان هو لايزال في الخامسة والعشرين.

لقد كان محمد عليه السلام من أرفع  بيوت مكة نسباً، ولكن هذا لم يكن كافياً لترشيحه للزواج من خديجة، لولا أنها طمعت في أخلاقه وأمانته واستقَامته، بينما لم يطمع هو بشيء منها سوى تأمين الراحة والاستقرار، بعيداً كل البعد عن النظر إلى مالها وحسبها.

البداية الأولى :

سارت السنون برسول الله صلى الله عليه وسلم نحو الأربعين، ذلك الموعد الإلهي الذي لم يكن رسول الله على دراية به، أو توقع لما سيكون فيه ، ولكن التاريخ يذكر لنا أن بعض المؤشرات الهامة ذات الدلالة سبقت الموعد ونوهت به.

كان مما تعوده قبيل نبوته أن يأوي إلى غار في جبل حراء، يتعبد الله بما وصل إليه من شريعة إبراهيم أبي الأنبياء وخليل الرحمن. ويبتعد في نفس الوقت عن الأصنام التي كرهها كرهاً شديداً ، ويبقى في غاره ليالي ذوات العدد، يعود  بعدها إلى مكة، يطلع على أخبارها، ويتزود من طعامها، ثم يعود أدراجه إلى معتكفه.

وفي غار حراء... كانت نفسه الكبيرة تطل من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتنة وانحراف، وفوضى واعتداء، ثم ترتد آسفة منكسرة، تبحث عن مخرج لذلك أو علاج... ولكن أنى لها ذلك.

وفي هذا الغار اتصل به الملأ الأعلى لأول مرة... إنه يصغي في دهشة وانبهار، وخوف واضطراب إلى صوت الملك (جبريل) وهو يغطه مرات... ((اقرأ)) فيجيب : ((ما أنا بقارئ)) ، ويتكرر الطلب، ويتكرر نفس الرد، لتنساب بعده إلى مسامع النبي الآيات العظيمة الأولى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ وانقطع الصوت رغم الإنصات، وارتفع الملك قبل انقضاء سحابة الدهشة.

ماذا حدث... قد يتصور المرء أنه مجرد حلم... لكن الآيات ترن في الآذان. والصورة تملأ العينين، والرهبة والخشية تدفع النبي مسرعاً إلى زوجته، ليدخل عليها وهو يرتجف... ((زملوني زملوني))... ثم يقول لها بعد فترة اطمئنان: ((يا خديجة والله لقد خشيت على نفسي)).

ووجد رسول الله مفتاح لغز العالم وسر الحياة... اقرأ ... إنه حقاً وبلا شك رأس الخيط وبداية إصلاح هذا العالم المنحرف... اقرأ باسم الخالق المعلم المبدع... اقرأ وانتشل نفسك من ظلمات الضياع، ولتكن قراءتك باسم الله حتى تتجنب مهاوي الظلم والأنانية، فتجمع بتلك القراءة: العلم والعدل بين يديك.

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق التي خطها الله له، وحمل العبء الذي ألقاه عليه، ومضى يواجه العالم بالنور بعد أن اشتدت عليه الظلمة، وبالمعرفة بعد أن أطبق عليه كابوس الخرافة، وبالحق بعد أن عبثت بموازينه أيدي الباطل، وبالسلام بعد أن عششت فيه عناكب الدمار


• تائهون... وفي الظلام:

لم تكد خديجة تدثر رسول الله  بعد عودته من حراء، حتى عاد إليه ما كان ارتعد منه ... عاد إليه الملك ثانية... فليس من شأن من حّمله الله مسؤولية الرسالة أن يندس في فراش... يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ... أنت نذير، والنذير أشد ما يكون انتباهاً، وأنت عارف بربك، والعارفون أكثر الناس تكبيراً لله وتمجيداً وإخلاصاً.
  قم أيها الرسول فادع وأنذر... وعلم وبلغ... فأنت طبيب هؤلاء المرضى، ودليل هؤلاء الحيارى، ومطعم هؤلاء الجياع، ورَواءُ هؤلاء العطاش... قم واحمل الخير والخبز والهداية والدواء والسلام والعلم.

ومع استمرار الدعوة تتابع الناس فرداً فرداً في الانضمام إلى موكب النور المتعاظم... خديجة، أبوبكر، علي، زيد  بن حارثة، عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، آخرون و آخرون... منهم الفقير والغني، العبد والسيد، والصغير والكبير، والمرأة والرجل، فهذا الدين للجميع بلا قيد من لون، ولا حد من موطن.
  ومضت ثلاث سنين صرفها الرسول في العمل السري المستتر، لقد آثر السير بتؤدة ووعي، دون ضجة أو صخب، وعليه إذن أن يتصل سراً بمن يتوسم فيه الخير والتربة الصالحة، ليضمن أن تترعرع الغرسة التي غرسها في قلب المجتمع الجاهلي، وتغدو صلبة الجذع والساعد، وتستطيع الصمود في وجه الرياح والأعاصير.

وجاء التوجيه الرباني مرة أخرى...فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ... وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جاء ليرتفع الصوت تدريجياً، وتظهر الشعائر متتابعة، وتقوم الحجة على الجميع.
  ولجأ المتعنتون والمتسلطون من قريش وأضرابها إلى أسلوب لم يعرف الاحترام ولا الواقعية ولا التعقل، لقد كان أسلوباً همجياً فاشلاً جنونياً... إنه الشتم والضرب بدون رحمة، والسخرية والاتهام بدون دليل ، والحصار الاقتصادي والاجتماعي بدون تمييز.


  ((سمية)) وعائلتها تضرب وينكل بها حتى الموت... و((بلال)) يربط بالحبال، ليجره الأطفال في أزقة مكة، أو يلقى فوق الرمضاء يتلوى تحت الحجارة الغليظة الثقيلة،... و((مصعب)) تلقي أمه في يديه ورجليه الأصفاد، و((المسلمون)) جميعاً يحصرون مع أقاربهم ـ ولو كانوا على غير دينهم ـ في شعب أبي طالب، فيمنع عنهم الماء والطعام ثلاث سنين، و((بنات الرسول)) يُطَلَّقْنَ من أزواجهن... سلسلة من المآسي لا تنتهي  حلقاتها، ولا يحتمل أذاها .

لكن كل أصناف العنت تلك، لم تفت في العضد، ولم تفل للمسلمين عزيمة، بل زادت من إصرارهم وثباتهم وتصميم على التمسك بالدين واتباع الرسول.

ولم ينج رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من الأذى ـ وإن كانت قريش تحسب حساباً لعمه أبي طالب قبل أن يتوفى في السنة العاشرة بعد البعثة ـ بل ناله بعض ما نال أصحابه ... في البداية تعرض للهزء والسخرية وعدم الاكتراث، لاعتقاد قريش أن دعوته ليست إلا صيحة سرعان ما تذهب أدراج الرياح، لا يرددها إلا صدى الوديان  والشعاب ... ولكنها لما رأت الدعوة في انتشار مطرد، وتوسع مستمر دب الخوف في قلوب القرشيين من رجالات مكة، فأخذوا يبالغون في إيذاء النبي، بل وأخذه بالعذاب البدني...

ذات مرة بينما كان النبي يصلي بالكعبة، وقد  سجد خاشعاً، رمى أحد الأشقياء فوق رأسه فرث ناقة.
بل إن عقبة بن أبي معيط لقيه، فألقى رداء في عنقه وشده عليه، حتى كاد أن يخنقه، لولا أن تداركه أبو بكر، فأخذ يدفع عقبة ومن معه من الأشقياء عن رسول الله قائلاً: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله!!..

يـا الله... هل كان يعي هؤلاء ما يفعلون... أم إن الغشاوة أعمت قلوبهم، وأعشت أبصارهم، وقلبت الموازين أمامهم... أكانوا يعلمون أنهم يحاولون إيقاف أمر الله بقوتهم البشرية الضعيفة... أو يحاولون تغطية نور الشمس بأكفهم الصغيرة... أو يحاولون تعكير صفو البحر بحركاتهم الصبيانية الهزيلة.
  لقد استمر رسول الله في دعوته صلباً لا يلين، مثابراً لا يمل ، هادئاً لا يستفز... وكلما ازدادوا غياً وعنتاً، وظلماً ومقتاً، ازداد شفقة عليهم وحرصاً على هدايتهم... كان يردد: ((اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)). 


• رسالة عظيمة... ونبوة خاتمة :

وهكذا كانت البداية في مكة صعبة بطيئة، إلا أنها راسخة ثابتة.


  وانطلقت الدعوة بعد إلى المدينة المنورة (يثرب سابقاً) وفي المدينة أرست قواعدها الفكرية والتنظيمية، ودافعت عن نفسها دفاع الأبطال، ووسعت رقعة أرضها، وازداد أتباعها ، حتى بدأت جحافل النور تكشف ظلمات الباطل رويداً رويداً، بالسلم مع المسالمين، وبالحرب مع الموتورين، إلى أن عمت الدعوة جزيرة العرب في أقل من عشرين سنة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.

ولم يكد يمضي ربع قرن على الدعوة، إلا وهي تقف على قدميها، تخاطب العالم وتصارعه، ويعلو صوتها بالبيان والمحاججة، وتدفع بأبنائها دعاة وفاتحين، ومعلمين ومخلّصين، يدقون أبواب الأمم الغالبة المتخمة في الشرق والغرب، والتي كانت من قبل تعامل العرب على أنهم بدو رحل، ترضيهم حفنات التمر، وتخيفهم ومضات السيوف وقعقعة الجحافل.









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع