آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
الصيام أسرار وأنوار



مرات القراءة:3750    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الصيام أسرار وأنوار

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام

كتبه الشيخ : عبد الهادي بدلة


الصيام عطاء الرحيم الرحمن، لأهل اليقين والإيمان، في كل زمانٍ ومكان، إنه نداء الإكرام والإنعام، والتقريب والتحبيب، والتحفيز والترغيب، والهمة والامتثال، إنه نداء أمة خير الأنام "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام" لا نداء بقية الأمم، يا أيها المساكين ويا أبناء الماء والطين ويا ....

ونداء الإيمان يطفئ نداء اللون والعرق، والعصبية والإقليمية، ويضيء نداء الأمة والقيم والمدينة المنورة.

وفي جميع القرآن الكريم، جاء النداء للمؤمنين بلفظ الجمع : يا أيها الذين ... لا بلفظ المفرد.

فما أجمل هذا النداء وما أنداه !!

وما أكمله وما أعظمه وما أبهاه !!

وهنا ضوءٌ إلى الاهتمام بالوحدة والاجتماع والاعتصام، والبعد عن التفرق والتشتت والاختصام، وتقوية أواصر التضامن والتكافل، حتى يكونوا جميعاً كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً.

 

{ كتب عليكم الصيام }

كسنن الكون التي كتبت ليستقيم ويستمر، جاء الصيام مكتوباً ملائماً للحياة والأحياء، لا محيص للإنسانية عنه، ولا بد لها منه، مطلوباً بالمعقول والمنقول.

ومن ثمََ جاء الفعل مبنياً للمفعول: إنه التوثيق للفريضة بالكتابة، والتأكيد على مواءمتها للحياة، لأنها نداء الفطرة المكتوبة أزلاً، وجوداً وحدوداً، الخروج عليها يورث المتاعب والمصائب.

وهنا ضوءٌ إلى الاهتمام بالصيام، والقيام به خير قيام، والوفاء به وأدائه كاملاً كالدَين الموثق بالكتاب.

والتأكيد على أن شريعة الإسلام صالحةٌ ومصلحةٌ للإنسان، ولكل زمانٍ ومكان.

 

 

{ كما كُتب على الذين من قبلكم }

الصيام بديعٌ ولكنه ليس بدعاً من الأمر، وهو جديدٌ قديم، حبيبٌ طبيب، دواءٌ مجربٌ نجح من أخذ به، ووصل من دخل فيه، هو بالتحقيق قابلٌ للتطبيق، مارسه قبلكم أمم، ناجعٌ وناجحٌ لموافقته ويسره ومسايرته، نفعه عميمٌ وهو عظيمٌ جدّ عظيم.

أمارة ذلك أنه شريعةٌ لكل الأمم، جاء به جميع الأنبياء والمرسلون.

وهنا ضوءٌ أن الأمر إذا عمّ زال معه الهم، وكان أدعى للأخذ والهم، وأن [الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد].

 

{ لعلكم تتقون }

قال مكي بن أبي طالب رحمه الله: كل ما ورد في القرآن "لعلّ" فهو للتعليل، عدا قوله تعالى "وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون" فهي بمعنى "كأنكم ". ا.هـ

تلخيص منافع الصيام كلها في "لعلكم تتقون".

فبالتقوى تنتفع بالكتاب المبين، الذي أنزل في رمضان هدىً للمتقين .

وبالتقوى تقوى على الإتقان والتقنية "واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيءٍ عليم".

وبالتقوى تعرف قيمة الوقت والقوت "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون".

وبالتقوى تحصل النجاة والوقاية، من جميع الآفات والسيئات، من الماديات والمعنويات، في الحياة وبعد الممات "ثم ننجي الذين اتقوا" "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً".

وبالتقوى تحصل الخير كله، "والله يحب المتقين" "إنما يتقبل الله من المتقين" "والعاقبة للمتقين" "ولنعم دار المتقين".

وهنا ضوءٌ أن أوامر الشرع الحنيف جاءت لسعادة هذا الإنسان الضعيف.

وأن الفريضة هي لك، وفوائدها ترجع عليك، وأن "من عمل صالحاً فلنفسه" .

وأنها جاءت لإصلاح الخلل، لا لإبطال العمل .

للتهذيب لا للتعذيب ، للمراقبة لا للمعاقبة .

 

{ أياماً معدودات }

الأيام جمع قلّةٍ، وهي قلّةٌ قليلة لأنه جمع مؤنث سالم كما يعرف العالم.

وهي ليست سَنةً كاملةً، ثلاثمائة وستين يوماً، بل هي أيامٌ معدوداتٌ وأوقاتٌ محدوداتٌ تقدمها فتجني بعدها الكبير الكثير.

وكذلك جميع العبادات جزاءٌ غير محدودٍ على ثمنٍ معدود، فسبحان الرب المعبود، ما أجزل هبته وعطاياه، و ما أعظم هذا الجود.

إنه أسلوبٌ بديع، لاستنهاض الهمم على الاغتنام، لتلك الأيام، التي تتقضّى سريعاً كالأحلام، في متعةٍ وراحة، ويسرٍ وسماحة، ودعوةٌ إلى الاستفادة من القليل قبل الرحيل، وإيقاظٌ لاستثمار العمر القصير قبل النهاية والمصير .

وهنا ضوءٌ أن الفريضة محبوبةٌ مطلوبةٌ وإن كانت مكتوبة.

وأن بذل الزهيد طاعةً للمجيد يجعلك تحصل الحسنة والمزيد.

وأن نجاح التربية والتعليم، يكون باستخدام التقليل بالإضافة إلى التعليل والتدليل.

 

{ فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيامٍ أخر }

من كان مريضاً فأفطر، فليس على المريض حرج، ومن كان مسافراً فأخذ بالرخصة فقد ذهب المفطرون بالأجر.

ولقد فتح له المجال العليم العلام ليعوضه فيما يستقبل من الأيام بالعدد ذاته، وترك له أن يختار الزمان، ولم يشترط عليه التوالي في قضاء الصيام.

وهنا ضوءٌ أن وجود البديل لا بد منه في تنشئة الجيل.

وأن الغرض من العبادات هو التهذيب لا التعذيب.

وأن العبد إذا مرض أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً.

 

{ فمن تطوع خيراً فهو خيرٌ له }

الخير قيمةٌ كالحق والجمال والكمال، و هي كالقاموس المحيط مليءٌ بالجواهر وبما ينفع الناس ...

والإلزام بالخير خيرٌ والتطوع به خيرٌ كبير، سواءً أكان التطوع بالصيام أو بالإطعام، لأن التطوع بالخير خيرٌ أكبر، فله أجرها وأجر من عمل بها، والتطوع بالشرّ شرٌّ أكثر، فعليه وزرها ووزر من عمل بها.

وهنا ضوءٌ شديدٌ يؤكد على الإمساك عن تقديم ما هو شرٌ سواءً أكان جهازاً أو إنجازاً، مالاً أو أعمالاً، لاسيما وأنت تملك القرار وتستطيع الاختيار.

 

{ وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون }

فهل ينتبه العالم بعد هذا إلى الصيام، وهو خيرٌ محققٌ لجميع الأنام، مهما توالت السنون والأيام ؟؟؟

بيد أن الجاهل دائماً هو عدو نفسه، معادٍ لأهل العلم، والغافل مفرطٌ خاسرٌ دون انتباهٍ ولا فهم.

وهنا ضوءٌ وهو أن شأن أهل الإيمان الاهتمام بشهر الصيام.

والإشارة واضحة: إن كنتم لا تعلمون فسلموا لمن يعلم والله عليمٌ حكيم.

 

{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى الفرقان }

رمضان هو الشهر الوحيد، الذي جاء ذكره باسمه في الكتاب المجيد، وصيامه هو إحياءٌ لذكرى نزول القرآن، وشكرٌ على تلك النعمة الكبرى على كلّ بني الإنسان.

ورغم أن أيام الصيام هي أيامٌ معدوداتٌ إلاّ أنها أيامٌ مميزاتٌ، ولو لم يكن لها من الفضل، سوى نزول الذكر، لكان ذلك هو أعظم الشرف والفخر.

كيف وهي مجمع خيراتٍ "وأن تصوموا خيرٌ لكم".

إن شهر رمضان هو تطهيرٌ للإنسان بالتقوى "لعلكم تتقون".

وفيه نزل القرآن وهو تنويرٌ للإنسان بالهدى "هدىً للناس".

والتطهير والتنوير متلازمان، ولا بد منهما في تحقيق السعادة للإنسان.

والعجب كل العجب ممن يتشاغل في شهر القرآن عن القرآن وهو المأدبة العظمى من الله الرحيم الرحمن.

وهنا ضوءٌ أن القرآن فيه بيان الطريق "هدىً للناس".

وفيه دلائل التصديق "وبيناتٍ من الهدى".

وهو وسيلة التفريق "والفرقان".

 

{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه }

الرؤية طريق الصيام [صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته]، وعين الإنسان هي طريق صيام شهر رمضان، سواءٌ رأى بعينه، أو رُؤيت بعين غيره، وسواءٌ أكانت بواسطةٍ أو بغيرها.

وعلى الحساب أن يأتي معاضداً ومسانداً لا معارضاً ومعاكساً.

الأصيل الرؤية "الكتاب" والمعين على ذلك الحساب.

ولا تعارض بينهما عند أولي الألباب.

وهنا ضوءٌ أن من أعظم ألوان العبودية لله الصيام، ومن أعظم آيات الربوبية القرآن، وهما معاً في شهر رمضان.

وأن الطاعات منوطةٌ بالشهود، وأن المحرومين هم العميان وأرباب الجحود.

والمحروم من حرم بركة هذا الشهر [بعداً لمن أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له] . آمين .

 

{ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيامٍ أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }

لقد تعددت الآراء في حالة الاختيار، هل الصيام أفضل أم الإفطار؟

والإشارة في الآية واضحة، الأقرب إلى الشرع هو الأفضل، فمرةً [ليس من البر الصيام في السفر] متفقٌ عليه، وأخرى [أي ذلك شئت] مستدرك الحاكم، والعنوان العريض "وأن تصوموا خيرٌ لكم".

وهنا ضوءٌ الأيسر ما قرره الشرع لا ما أقره الطبع.

والعسير ما خرج عن دائرة الشرع بالقليل أو الكثير.

الأقرب إلى الشرع هو الأيسر دائماً، والأبعد عنه هو الأعسر.

تأمل [ذهب المفطرون بالأجر] [أولئك العصاة] متفقٌ عليه.

خصوصية الأمة المحمدية رفع الإصر والتكليف باليسر، في كل الأمور، تأمل "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".

فاضرب صفحاً عن شبهات المشككين والمرضى والمأفوفين.

 

{ ولتكملوا العدة }

الإسلام حريصٌ على إكمال الأمور، فالصيام وهو أيامٌ معدوداتٌ ينبغي أن تأتي به كاملاً، لا أن تصوم منه أياماً وتترك أياماً أخرى.

إنه دواءٌ ربانيٌّ تمام نفعه بإكماله، وعدم التزامك بالأيام التي ينبغي فيها تعاطي الدواء لا يمنحك الشفاء العاجل ولا التعافي الكامل.

وهنا ضوءٌ أن تحصيل ثمرات الأوامر الشرعية، والتكاليف الربانية، لا يكون إلا بالالتزام بها كما أمر الشرع، كمّاً وكيفاً، حقيقةً وشكلاً.

كما يضيء اللفظ إلى أهمية الاهتمام بما جاء به الإسلام.

 

{ ولتكبروا الله على ما هداكم }

الغاية من العبادة تحقيق العبودية، وعلامة العبودية تعظيم المعبود، والتكبير أمارة التعظيم، وهو ثناءٌ على الله العظيم، الذي أنزل القرآن هدىً للناس.

وحينما تتحقق المغفرة في رمضان لذنوبك الكثيرة، ومعاصيك الكبيرة، لا تملك إلا أن تقول أيام العيد السعيد: "الله أكبر الله أكبر".

[أجل عفو الله أكبر من ذنوبك يا حبيب] صدق الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم .

وهنا ضوءٌ أن العمل ليكون مقبولاً، وفي الميزان ثقيلاً، ينبغي أن يختم بالاعتراف بالتقصير استغفاراً، وبالانصراف إلى تعظيم الله تكبيراً، ومن كبّر ربّه صغر في عينه عمله، ومن صغر عمله في عينه عظم عمله يوم الدين. سبحانك اللهم لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

 

{ ولعلكم تشكرون }

الشكر نسبة النعمة إلى المنعم، والقدرة على الصيام نعمةٌ من الله، وثمرات الصيام ومنها المغفرة والعتق من النار نعمة، والقرآن الذي أنزل في شهر رمضان من أعظم النعم.

"ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنيٌ حميد".

وإن من حِكم فرض الصيام تأدية بعض الشكر لله تعالى على ألوان الإنعام. وصدقةُ الفطر كالذكر، وهي لونٌ من ألوان الشكر.

وهنا ضوءٌ أن الطاعات تبعث على الشكر، فمن صام كما أراد الله، كان شكراً بإذن الله، فتمسك بذلك يا عبد الله.

 

وأخيراً :

لاحظ أسلوب الآيات وهي تتحدث عن فرض الصيام كيف جاءت بتحببٍ وتحفيز، وتسهيلٍ وتيسير، دون تهديدٍ ولا تشديدٍ، ولا وعيد ولا تعسير، وهذا أسلوبٌ فريدٌ في تعليم الدعاة، وتبيان الطريق فيم يدعون وكيف يدعون.

يقربون ويحببون، ويرغبون ويسهلون، وييسرون "وما يعقلها إلا العالمون".

إن الصيام فريضة الله، وهو لمصلحة الصائم "لعلكم تتقون"، حكمته ظاهرةٌ، وخيره كبير "وأن تصوموا خيرٌ لكم".

وأيامه معدودةٌ والعذر فيه مقبولٌ والشكر عليه واجب .

والحمد لله رب العالمين

 

 







مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع