آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
تاج النبـــــوة



مرات القراءة:2302    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

تاج النبـــــوة

بقلم الدكتور محمود الزين

 

ببريق الجواهر وعظمها تتفاضل تيجان الملوك . أما تيجان الأنبياء فتتفاضل بمكارم الأخلاق وكمالها وظهورها في حياتهم طبعاً وسجية. كما يفوح الطيب من الزهور ويشع الضياء من البدور حتى يترقى الأمر إلى أن تفعل تلك الكمالات الخلقية في العقول فعل المعجزات تهدي الحائرين وتكسر عناد المتجبرين وتملأ باليقين قلوب المؤمنين . وبهذا الميزان يكون أعظم تيجان النبوة . هو تاج سيد المرسلين وإمام النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

بل إن المتأمل ليرى كل جوهرة من جواهر كمالاته صلى الله عليه وسلم معجزة مستقلة نطقت بها أعماله ومعاملاته ومحاوراته صلى الله عليه وسلم، ونطقت بها ألسنة من اهتدى بها وجذبتهم إلى طريق الحق القويم.

هذا عدي بن حاتم الطائي (زعيم قومه ) فر إلى بلاد الروم كرهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضاً وخوفاً من جيوشه التي أحاطت ببلاد طي وضمتها إلى طاعته خوفاً جعله يفر عن أخته وهي عرضه ويتركها للأسر بين يدي جيوش سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم يفاجأ بها لاحقة به طليقة من الأسر لا لمال فدت نفسها به ولا لخدمة أدتها وإنما لأمر واحد هو أنها قالت : يامحمد ( بلا ألقاب ولاتعظيم) أنا بنت حاتم الطائي. فقال لأصحابه:

(أطلقوها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله يحب مكارم الأخلاق)

من يقدر مكارم الأخلاق ويقدر أهلها حق قدرهم إلا صاحب الخلق العظيم ؟! ( إنما يعرف الفضل من الناس ذووه) خبر يهز سامعه ويملأ قلبه إجلالاً لصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم وسكن روع عدي واطمأنت نفسه وهفا قلبه إلى أن يلقى صاحب الخلق العظيم لقاء الآمن على نفسه يرى ماعنده ويسمع قوله ويتبصر في شأنه ، وأتى عدي المدينة المنورة فدخل المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد السلام وقام فأخذ بيده ومضى به إلى بيته ، وفوجئ عدي في الطريق بامرأة مسكينة كبيرة أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تريد منه حاجة فوقف لها في بعض الطريق فكلمته في حاجتها طويلاً، وهزت المفاجأة عدياً وفكر فتدبر فعرف ( وهو ملك في قومه) أنه أمام شمائل النبوة وتواضعها لاأمام جبروت الملوك وتفتح عقله وتفتح قلبه أمام المعجزة الخلقية معجزة التواضع . قال عدي: فقلت في نفسي والله ماهذا بملك : بلى والله باعدي إن الملوك لايقفون للناس في الطرقات يقضون حوائجهم بل لايجرؤالناس أن يكلموهم في الطريق بل لايجرؤن أن يقتربوا منهم ثم انظر باعدي إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه من طين سقفه جريد النخل وبابه نسيج من الشعر ، ياعجباً أهذا الذي تملأ راياته الآفاق وتسيح جيوشه في كل ربوع العرب منصورة مظفرة وما كادت المفاجأة الأولى تستقر في قلبه حتى يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقدم له الوسادة الوحيدة في البيت ويجلس هو على الأرض دون شيء، مفاجأة ثانية هزت كيانه وفتحت بالتواضع المعجز نوافذ عقله ليدرك إدراك اليقين هذا الفرق الهائل بين أخلاق النبوة وأخلاق الملوك . قال عدي بن حاتم : والله إنه ليس بملك ، نعم ياعدي لقد صدقت إنه فرق بديهي فالملك يكرم ضيفه ولكنه مهما أكرمه وأجله ورحب به لايقدمه على نفسه ثم هل يعقل من ملك تملأ راياته الآفاق وتنتشر جيوشه المظفرة في طول البلاد وعرضها وتغنم الذهب والفضة والشجر والأنعام ثم لايكون في بيته أمام وافد من الزعماء إلا وسادة واحدة وهو لايجلس عليها بل يقدمها لضيفه؟!

رعاك الله يابن حاتم مارأيت إلا موقفاً واحداً أو مواقف في ساعة واحدة فمنحتك الإيمان واليقين كيف بك لو أقمت بجوار صاحب الخلق العظيم مدة ورأيت مايراه أهل طيبة الطيبة كل يوم وكل ساعة وكل لحظة كيف يكون إيمانك؟!

لو أقمت مدة لرأيت ولعلمت لماذا يقدمون طاعته على آبائهم وأمهاتهم ويفدونه بذرياتهم وأموالهم ويفدونه بذرياتهم وأموالهم وأرواحهم وبكل شيء.

ماذا تقول لورأيت الأعرابي الغريب يقدم فيبحث عنه فيعلم أنه في المسجد فيدخل المسجد فينظر في الجميع فلا يعرفه فيسأل أيكم محمد؟

أي ملك في الدنيا لايميزه الغريب عن حاشيته بثيابه ولا زينته ولا مجلسه ولاهيئته؟ شتان شتان بين الملوكية وطبائعها وبين النبوة وشمائلها.

وما أنت قائل باعدي بن حاتم لوأتيت بيته فرأيته يحلب شاته ويخيط ثوبه ويرقع دلوه ويخصف نعله ورأيته في بيته يكون في مهنة أهله يعينهم في شؤون البيت؟!
هل تفعل الملوك من ذلك أي شيء؟!

لئن رأيت ذلك كله ثم رأيته مع أصحابه في سفر وقد أرادوا أن يطبخوا طعاماً فاقتسموا أعمال الطبخ بينهم فاختار هو أشقها وأكثرها تواضعاً فقال: ( وعلي جمع الحطب) قالوا إنا نكفيك ذلك قال: أعلم أنكم تكفونني ولكني أكره أن أتميز عليكم.

إذا رأيت هذا وسمعته بعد ذلك كله فلن تستغرب أن يقدموا طاعته على كل شيء وأن يقدموا أرواحهم فداء له – إنها كمالات شمائل النبوة.

قال عدي بعد تلك الجلسة الواحدة :

أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمد اً رسول الله .

 

 







مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع