آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
عبادات نصف شعبان في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه



مرات القراءة:3680    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

عبادات نصف شعبان
في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه


إعداد الدكتور محمود أحمد الزين

 

 

المقـدمــة

الحمد لله الكريم المنان، واسع الفضل والإحسان، أحمده سبحانه حمد العلماء العاملين والأولياء المقربين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله شهادة حق اليقين، وأصلي وأسلم على رسوله المصطفى الأمين وحبيبه المجتبى سيد العالمين، وخاتم النبين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأبرار المتقين، الذين آزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه.


أما بعد :


فإن الله تعالى قد تفضل على عباده الراغبين في التوجه إليه، ففتح لهم أبواب التقرب إليه، وواعدهم في جوف الليل وخواتيمه بالمناجاة، وجعل لهم صيام النهار وسيلة إلى المصافاة، ثم خص سبحانه بعض الليالي والأيام بمزيد الفضل وواسع الإكرام، منها ليلة القدر في رمضان، ومنها ليلة النصف من شعبان،

والكلام الآن في قيام ليلة النصف من شعبان، وفي صوم يوم النصف من شعبان.


قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه لطائف المعارف ص 195 :( وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها وقد قيل إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية ) ، قلت : بل الأقرب من هذا القيل هو أن تكون الأحاديث فيها صحت لديهم وخالد ومكحول من أعظم الفقهاء ووجوه التابعين ،أو كانوا يرون أن المرسل حجة كما قال جماعة من أئمة الفقه كمالك وأبي حنيفة أو على الأقل كانت لديهم من العمل بالضعيف من حيث الصنعة الحديثية في فضائل الأعمال قال الإمام أحمد : ( إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يرفع حكماً فلا نصعب )[1] وقال : ( ربما أخذنا بالمرسل إذا لم يجئ خلافه )[2] والمرسل عند أكثر المحدثين ضعيف وعن أبي داوود فيما أحذ عن الإمام أحمد رضي الله عنه : أن الحديث ( الذي فيه رجل لم يسم يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه ) والراوي الذي لم يسم مجهول العدالة والضبط فهو من الضعيف .


وفي اتباع هذه الجماعة من السلف ما يدفع عن العمل كونه بدعة لأنهم مجتهدون والمجتهد مأجور بنص الحديث والله لا يأجر على البدعة وتابع المجتهد مثله لأنه اتبعه بأمر الله : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، ومن قال عنه من المجتهدين إنه بدعة فهو بدعة عنده حسب اجتهاده ، وأما التابعون المكورون فقد ذهبوا إلى ( أنه يستحب إحياء ليلة نصف شعبان جماعة في المسجد وقد وافقهم من أئمة الاجتهاد إسحاق ابن راهويه وقال في إحيائها في المساجد جماعة ليس ذلك بدعة )[3]


وكره الاجتماع عليها في المساجد جماعة من علماء الشام كالإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله ، كذا قال ابن رجب وهو بحسب رأيه ، ولا يضر ذلك من تابع مكحولاً وموافقيه من التابعين والأئمة .


ثم قال ابن رجب : ( وقال الشافعي [ هو في أول صلاة العيد من كتاب الأم ] : بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال : ليلة الجمعة والعيدين وأول رجب ونصف شعبان أخبرنا إبراهيم بن محمد قال : رأيت مشيخة من خيار أهل المدينة يظهرون على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العيد فيدعون ويذكرون الله حتى تمضي ساعة من الليل ... قال الشافعي : وأنا أستحب كل ما حكيت في هذه الليالي على أن لا يكون فرضاً.[4]


ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان ، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك وهو من التابعين فكذلك قيام ليلة النصف من شعبان ) انتهى من لطائف المعارف ص196


وهي ليلة بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلها فقال ـ فيما رواه الطبراني عن معاذ بن جبل ـ : (يطلع الله عز وجل على خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)([5]). والليل يبدأ من غروب الشمس كما قال الله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ووقت الإفطار هو أول الليل كما هو معلوم.


والمشاحن: المعادي لأخيه المسلم وأوقات المغفرة جديرة بأن يغتنمها العبد في الصلاة والدعاء والذكر والقرآن، وهذا هو المقصود من الإخبار بفضيلة الليلة إلا أن يقوم دليل على منع تخصيصها بالقيام، كما جاء في الحديث النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام .


قيام ليلة النصف من شعبان


ومشروعية القيام في هذه الليلة داخلة في عموم قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً}.

وما كان له دليل عام فهو كاف لإثبات المشروعية، ولا يجوز لأحد أن يعترض على شيء من أفراده وحالاته إلا أن يأتي بدليل خاص يستثني ذلك الفرد أو تلك الحالة، فمن استثنى بدون دليل للاستثناء فهو معارض لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا على عكس ما ليس له دليل عام فهذا يمنع كل فرد من أفراده حتى يأتي دليله، وهنا في ليلة النصف من شعبان جاء الدليل الخاص مؤكداً للعام، ومن لم يكتف بالدليل العام، بل أصر على المطالبة بالخاص فقد ترك ما أمره الله به، فإن اتهم من اعتمد على الدليل العام بالبدعة فقد زعم أن ما شرعه الله تعالى بدعة، ويقال له حينئذٍ: إن حديث (كل بدعة ضلالة) عام، فهات دليلاً خاصاً على أن قيام نصف شعبان وصيامه بدعة، إذا كان الدليل العام لا يكفي حسب زعمك، وإذا كان في ليلة النصف تلك الفضيلة، والليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فينبغي للعبد أن يغتنمها بالعبادة صلاة أو دعاء أو تسبيحاً أو تلاوة قرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر أمته بفضيلة جوف الليل وآخره حث أمته على قيام الليل بالصلاة والقرآن والدعاء وكل أنواع الذكر ـ كما هو معلوم مشهور ـ وكذلك كل وقت فيه فضيلة زائدة على غيره يستحب للعبد أن يغتنمه بذلك، إلا أن يأتي دليل خاص يمنع منه كما جاء النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ويومها بالصيام.
والجماعة في كل ذلك مشروعة، وإن لم تكن واجبة، روى البخاري([6]) عن ابن عباس رضي الله عنهما (أنه صلى صلاة الليل مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم).


وقيام الليل أوله أوآخره كله خير، وإن كان آخره أفضل من أوله.

وتلاوة القرآن جماعة مشروعة في كل حال، روى مسلم ([7]) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).


والتعبد بتلاوة القرآن في الليل فيه أحاديث عامة كثيرة، ويغني عنها في هذا الموجز قول الله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}([8])، وطاعة هذا الأمر تحصل بأن يقرأ واحد ويستمع الباقون كما يحدث ذلك في الصلاة، ويجوز أن يُقرأ القرآن قراءة جماعية بحيث يقرؤون كلهم بصوت واحد؛ لأن ذلك داخل في عموم أمر الجماعة بالقراءة، وقد جاء في حديث صلاة الليل في رمضان عند البخاري أنه (كان الرجل يصلي لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط)([9])، وكلهم يقرؤون القرآن، فإذا جاز أن يقرأ كل فرد لنفسه في آن واحد مع ما فيه من تشويش بعضهم على بعض، فجوازه إذا كانوا يقرؤون بصوت واحد أولى؛ لأنه يخلو من التشويش مع دخوله في عموم أمر الجماعة بالقراءة، بل صح ما يدل صراحة على جواز ذلك، وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يجعلوا شعارهم في بعض المعارك ”حم لا ينصرون“ ([10])، و [حم] آية من القرآن، أمروا أن يرددوها معاً شعاراً لهم في الحرب، والحديث صريح في مشروعية القراءة الجماعية.

وكذلك جاء في القرآن الأمر بالذكر مطلقاً دون قيود بجمع ولا إفراد، فلا يحل لأحد أن يستثني منه حالة إلا بدليل خاص ، قال تعالى : {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً}([11])، وهذا خطاب للجماعة، فكيف تكون الجماعة فيه غير مشروعة.

وروى الإمام مسلم([12]) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه)، والجماعة تشملها تلك الأحيان ، وقد ذكر ابن قدامة في المغني 3/295 أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال : لا بأس بالتعريف إنما هو ذكر ودعاء ومعنى ذلك أنه لا بأس به لأن فيه أمرين مشروعين الذكر والدعاء ، والتعريف هو اجتماع الناس في المساجد على الذكر والدعاء يوم عرفة عشية .

والاجتماع ليلة النصف من شعبان مثله ذكر ودعاء وقرآن وصلاة ليس فيها ما يُنكَر ولكن المنكرين يفرضون نفسهم أو اجتهاد أئمتهم على الناس وينكرون اتباع الأئمة الآخرين ولو كان أولئك الأئمة من كبار فقهاء السلف الصالح المرضي عنهم .

فإن قالوا: لا نقبل إلا بإجماع السلف قيل لهم : هل أجمع السلف على إنكار الاجتماع ليلة النصف من شعبان في المساجد وهل طردوا المجتمعين من بيوت الله .

وجاء في الحديث الثناء على الذكر الجماعي نصاً فيما رواه البخاري ومسلم([13]) قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم منهم ـ ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك… يقول: فما يسألونني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة… قال: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار… قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم).

وقوله عنهم: ”قوم، وجلساء“ صريح في أنهم جماعة، واتحاد أقوالهم يدل على أنهم يقولون ذلك معاً، علماً بأن الأمر في الآية {اذكروا الله ذكراً كثيراً} أمر للجماعة مطلق لا يجوز لأحد أن يقيده بحالة خاصة إلا بدليل، فإذا لم يوجد دليل يقيده بقي على إطلاقه امتثالاً لأمر الله تعالى.

وقد أوَّل بعض الذين ينكرون الذكر الجماعي هذا الحديث بأن المراد به الاجتماع على القرآن؛ لأنه ذكر، وهذا تأويل مخالف لصريح الحديث؛ لأنه قال: (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك) وهذا ليس قراءة قرآن، وقال: (ويسألونك الجنة ويعوذون من النار)، وهذا دعاء جماعي، وقد قال الله تعالى: {ادعوني أستجب لكم}، وهذا خطاب للجماعة، فالجماعة مشروعة في كل حال، ولا يجوز استثناء حالة إلا إذا جاء النهي عنها، وكلمة الذكر تشمل القرآن والدعاء وكل الأذكار، فلو لم يكن في الحديث تصريح بالأذكار الأخرى غير القرآن لما جاز أن يفسر لفظ الذكر ببعض معانيه ويترك بعضها، فكيف وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن صراحة؟!

ولا بد إذا ذكرت هنا مشروعية الدعاء من أن نذكر دعوة خاصة كان سيدنا عمر بن الخطاب يدعو بها، وكذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهي([14]): (اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنباً فامحه فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة) رواه الطبري في تفسيره بسند صحيح، ولكن أنكره بعض الناس في عصرنا؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ”كل شيء يمحوه الله إلا الشقاوة والسعادة“ فلماذا اختار هؤلاء قول ابن عباس وتركوا قول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ، وهما أستاذان لابن عباس؟ وكان الأئمة إذا اختلف الصحابة قدموا الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، فهلا فعلوا مثلهم وامتثلوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)([15])، وإن لم يفعلوا فهلا تركوا الإنكار على من أخذ بسنة أحد الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وغيره: (لايرد القضاء إلا الدعاء)([16])، أي يغير ما كتب في اللوح المحفوظ، أما علم الله فلا يتغير ولا يتبدل، وهذان الصحابيان ينظران إلى أن قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}([17]) لفظه عام يشمل محو الأحكام وإثبات غيرها وهو النسخ، ويشمل محو القضاء، وإثبات غيره، وهما أعلم بكتاب الله ممن قال: إن المراد بالآية النسخ فقط، وأعلم منهم باللغة القرآنية، وهما حجة على غيرهما من الصحابة، وليس العكس، ودليل العموم يؤيدهما ولا مخصص له.

وقد روي أثر محو الشقاء مفصلاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه([18]) قال: ”ما دعا قط عبد بهذه الدعوات إلا وسع الله عليه في معيشته: يا ذا المن ولا يمن عليك، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء، وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير فإنك تقول في كتابك: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}“، وهذا الأثر ـ وإن كان ضعيف الإسناد ـ يصلح للعمل به لأنه تفصيل للرواية الأخرى الصحيحة ولأنه في فضائل الأعمال، وإذا كان ربنا سبحانه قد أذن بالدعاء عاماً، ”وهو سميع الدعاء“ وأذن به مطلقاً في قوله: {ادعو ربكم} فإنه يحق لكل إنسان أن يدعو بأي دعاء من تلقاء نفسه ـ إذا لم يكن فيه مخالفة تتعارض مع المشروع ـ فالدعاء الذي يحتمل أن يكون من كلام السلف أولى بالجواز؛ لأنه إذا لم يكن من كلامهم دخل في الجواز العام.


صيام النصف من شعبان


وكذلك أنكر بعض الناس في عصرنا صيام نهار النصف من شعبان؛ لأن فيه حديثاً ضعيفاً، رواه ابن ماجه: (إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها) لكن إذا كان هذا الحديث ضعيفاً فإن صيام نصف شعبان له أدلة صحيحة خاصة وعامة، فمنها العام في أوسط كل شهر كالذي رواه النسائي([19]) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر) والأيام البيض ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، سميت بذلك لبياض لياليها بضوء القمر، وفيها حديث آخر رواه الترمذي([20]) وقال عنه: حديث حسن ”أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة)“ وروى مسلم([21]) عن عائشة رضي الله عنها (أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً)، فهذه الأدلة الشاملة لنصف شعبان وغيره من الشهور كافية في إثبات المشروعية، ومن لم يرض بها وطلب دليلاً خاصاً بنصف شعبان فهو مخالف للسنة، ونتيجة هذا القول هي أن العموم في القرآن والسنة لا فائدة له، ولا يعمل بكل أفراده، وحينئذ يقال له: هات حديثاً خاصاً في النهي عن نصف شعبان، وإذا كان العموم لا يكفي فلا يكفي استدلالك بحديث (كل بدعة ضلالة)؛ لأنه عام غير خاص بنصف شعبان.

ومع ذلك جاء من الأحاديث ما هو خاص بأوسط شعبان، وهو ما رواه الإمام مسلم([22]) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه: (أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين مكانه).

وتفسير سرر شعبان هو أوسطه؛ لأن مسلماً رواه أيضاً بلفظ([23]) (سُرة هذا الشهر) وسرة الشيء أوسطه لا آخره، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه مسلم برقم (1082): (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه).
وإذا نهى عن صوم آخر يومين من شعبان ـ وفيهما يكون ”السرر“ أي أن القمر يستتر ولا يظهر ـ فأحق ما يفسر به أمره بصوم ”سرر شعبان“ أو ”سُرته“ هو وسطه، وبذلك يحصل الجمع بين الحديثين، أما تفسيره بآخر الشهر ففيه ترك لحديث النهي عن صيام آخر يومين من شعبان، وفيه ترك لرواية صيام ”سُرة شعبان“، أو تأويل للسرة والجمع مقدم عليهما، ومع ذلك فلو فسر ”السرر“ بآخر يوم من الشهر ـ كما قال جمع من أهل العلم ـ فحسبنا صيامه صلى الله عليه وسلم من كل شهر أوسطه، فشعبان مثل غيره على الأقل، بل حسبنا قول الله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}([24])؛ لأنها تعني أن الصيام خير في كل حين إلا حيناً نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم خصوصاً، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي ـ الذي رواه الشيخان([25]) (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) وذلك لأنه من الصبر، وقد قال الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}([26]).
وقد عد العلماء الحديث الضعيف مقبولاً في فضائل الأعمال كما سبق عن الإمام أحمد وأبي داوود والسبب في ذلك هو أنه إن صح ذلك الحديث الضعيف فقد عملنا به وإن لم يصح فالعمل بمضمونه داخل في عموم الحديث الصحيح أو الآية الشريفة .


ولذلك قال ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف ص194:


( وأما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة الأيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه ففي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها " الحديث .

فاعتمد عليه ابن رجب رغم ضعفه لأنه مشمول ضمن الحديث الصحيح في الأمر بصيام الأيام البيض )

ولكن المنكرين يفرضون رأيهم بأنه لا يجوز العمل بالضعيف ولو في الفضائل مع أن رأيهم هذا ضعيف جداً عند المحدثين المحققين والله والي التوفيق إلى الحق .


خـاتمـة


أخي المسلم: احرص على كل خير في نصف شعبان ليله ونهاره، فكل طاعة هي من ذكر الله تعالى ، كما نقل الإمام النووي ([27])، وذلك لأن المطيع يتذكر ربه عند الطاعة وينوي بها تعظيم ربه، وتلك هي حقيقة الذكر {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}([28])، وحسبك هذه الآية في بيان مكافأة الذاكرين، وإن كانت الآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 


________________________________________
[1] ـ مسودة أل تيمية 273
[2] ـ مسودة آل تيمية 273
[3] ـ لطائف المعارف 196 وقال نقله عنه حرب الكرماني
[4] ـ الأم 2 / 485 ـ 486
([5]) المعجم الأوسط والكبير (20/108) برقم (215) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/65): رجالهما ثقات، وله شواهد عدة، وهو عند ابن ماجه عن أبي موسى (1/445) برقم (1390).
وقال ابن حجر في مختصر الترغيب رواه الطبراني وصححه ابن حبان ص116
ورواه البيهقي عن الحجاج عن مكحول عن كثير بن مرة الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( هذا مرسل جيد وروي من وجه آخر عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أيضاً بين مكحول وأبي ثعلبة مرسل جيد ) شعب الإيمان 3/381
وقال البيهقي : ( وقد روينا هذا من أوجه وفي ذلك دلالة علىأن للحديث أصلاً من حديث مكحول وقد رواه ابن لهيعة عن الزبير بن سليم عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبيه قال سمعت أبا موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بمعناه .شعب الإيمان 3 /382
وقال بعد ذكر حديث عائشة قلت هذا مرسل جيد . 3 /383
قلت وبهذا يظهر أنه بمجموع الطرق صحيح
([6]) أول أبواب العمل في الصلاة برقم (1140) قال: ثم قام يصلي … ثم ذهبت فقمت إلى جنبه) وعند مسلم باب الدعاء في صلاة الليل ورقمه (1789) قال: فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن).
([7]) صحيح مسلم برقم (2699).
([8]) سورة المزمل/20.
([9]) صحيح البخاري برقم (1906).
([10]) رواه أبو داود، في الجهاد، وأحمد في مسنده (4/65) و (4/289) و (5/377)، والترمذي في الجهاد برقم (1682)، والحاكم في المستدرك (2/107) وقال : صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
([11]) سورة الأحزاب /1 .
([12]) صحيح مسلم برقم (373).
([13]) صحيح البخاري برقم (6045)، وصحيح مسلم برقم (2689).
([14]) رواه الإمام الطبري في التفسير (13/168)، ورجاله رجال الصحيحين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم وأصحاب السنن، انظر التقريب، ومقدمة الفتح، وقد ذكر الطبري أسانيد أخرى تعضده، وروي عن شقيق دون التصريح بذكر ابن مسعود، وأحد إسناديه رجاله رجال الصحيحين غير عثام فمن رجال البخاري والسنن، ورواه الطبراني في الكبير (9/171) وقال الهيثمي (10/185): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود.
([15]) رواه ابن ماجه في المقدمة برقم (42) والحاكم (1/96) وقال: على شرطهما وأقره الذهبي، ورواه الترمذي برقم (2676) وأحمد (4/126).
([16]) رواه الترمذي برقم (2139) وحسنه، وابن ماجه برقم (4022) وحسنه الهيثمي، ورواه الحاكم (1/493) وصححه ووافقه الذهبي.
([17]) سورة الرعد /39.
([18]) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (7/85) وفيه عبد الرحمن بن إسحاق ، ضعيف كما في التقريب ، يرويه عن القاسم بن عبد الرحمن وهوثقة كما في التقريب، عن جده عبد الله بن مسعود ^، وروايته عنه مرسلة ـكما في تهذيب التهذيب، فالإسناد ضعيف، وهو صالح للعمل به في فضائل الأعمال عند الأكثرية الساحقة من المحدثين.
([19]) باب صوم النبي % برقم (2345) .
([20]) سنن الترمذي (2/126) برقم (761) .
([21]) صحيح مسلم برقم (782) .
([22]) باب صوم سرر شعبان ورقمه (1161) .
([23]) ورقمه (1161) والحديث هنا ليس فيه لفظ ”شعبان“ غير أن الصحابي واحد، والألفاظ متحدة فهو حديث واحد اختلفت ألفاظه باختلاف الرواة، مع أن بعض العلماء جعلهما حديثين، وهو خلاف الظاهر، فيكون شعبان من جملة العموم.
([24]) سورة البقرة /184 .
([25]) صحيح البخاري برقم (1805)، وصحيح مسلم برقم (1151)
([26]) سورة الزمر /10 .
([27]) الأذكار ص (30) ط / دار الهدى.
([28]) سورة البقرة /152 .

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع