آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
الأمين الأعظم صلى الله عليه وسلم



مرات القراءة:1907    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الأمين الأعظم صلى الله عليه وسلم


بقلم الدكتور محمود الزين

 

الأمين : لقب أطلقته قريش على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل النبوة مذ كان يافعاً ، وهي شهادة بل فوق الشهادة ؛ إذ الشهادة كلمة تقال في مناسبتها ولو مرة واحدة ، وأما اللقب حين يطلقه غير الوالدين على إنسان فمعناه أنهم لاحظوا اتصافه به مراراً و تكرر ذلك على عيونهم وعقولهم و ألسنتهم حتى ترسخ وزاحم الاسم الذي وضعه الأهل ليعرف به ابنهم .
فالمعنى الذي يدل عليه اللقب راسخ في عقول الناس ونفوسهم لا يمكنهم إنكاره وإن تنكروا له فَهِم غيرهم أن هذا بسبب العداء لا بسبب القناعة فهو حجة عليهم ؛ (والفضل ما شهدت به الأعداء)


ولذا طيب الله تعالى قلب حبيبه الأمين الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ بين له أنهم حين يتهمونه بالكذب لا يقولون ما تؤمن به قلوبهم وتقتنع به عقولهم وإنما يريدون الجحود ظلماً وهم على يقين من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم وعلى يقين من البينات التي رأوها في شمائله فنفت عنه كل احتمال في العقول للكذب أو الخيانة ، تلك البينات التي كلله الله بها ورأوها في محياه الكريم مضيئة على امتداد أربعين سنة قبل النبوة قال له سبحانه وتعالى : (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون )


والأمانة هي أصل الفضائل الذي تتفرع منه أغصانها الباسقة وترضع منه أوراقها الزاهية وزهورها الفواحة وثمارها اليانعة .
فالأقوال أمانة ،والأفعال أمانة : الصدق أمانة والوفاء بالوعد أمانة وحفظ الودائع أمانة وحفظ العهد أمانة والعفة عن أموال الناس وحرماتهم أمانة بل الحياة كلها أمانة.
والأمانة لا يحملها إلا الصابر على تبعاتها ، الشجاع في الدفاع عن حقوقها فليس المدافع عن حدود بلاده وقومه بأعظم شجاعة من الذي يحفظ من الذي يحفظ حقوقهم في قلب البلاد حتى يأمنوا على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم فتطمئن قلوبهم وتستقر نفوسهم ويناموا هانئين .
وقد وعى العرب هذه المعاني في كلمة الأمانة وعرفوا قدرها حين لقبوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ـ منذ ترعرع بينهم حتى بلغ أشده ـ بالأمين ولهجوا بذكر هذا اللقب الكريم في المواقف العظيمة التي تتطلب كمال الإنصاف وحكمة التدبير وعدالة الحكم كما كان منهم يوم اختلفوا على وضع الحجر الأسود في موضعه عندما جاؤوا بنـاء البيت الحرام إذ قــالوا : حكموا بينكم أول داخل من هذا البـاب فلمـا رأوه مقـبلاً ـ ساقته تدابير الحكمة الإلهية ـ قالوا جميعاً : هذا الأمين رضيناه حكماً .
وما هو الحكم الذي رضوا به رغم تنافسهم الشديد الذي كاد يفضي بهم إلى الحرب ؟
حكم حاز به النبي صلى الله عليه وسلم كل مفاخر هذا الموقف فقد بسط ثوبه وحمل الحجر بيده فوضعه فيه وقال لتحمل كل قبيلة بطرف من هذا الثوب فلما بلغوا به موضعه من ركن البيت الحرام أخذه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة فوضعه فيه وحل بين القوم الرضا والأمن والسلام وكأن الأقدار تقول للجميع : إن الالله لا يرضى لهذا الحجر أن يستقر في مكانه إلا بيد خير الخلائق ولذلك رضاكم به مع أنكم لم تحملوا بل حملتم ثوبه ولم تضعوا الحجر في مكانه بل وضعته يده ؛أشرف أيادي الخلق أجمعين ، يد من أختاره الله لتروه عما قريب نبي خير أمة بل سيد الأنبياء والمرسلين .
ولم يمتد الزمن طويلاً حتى جاء اليوم القريب فتنزل عليه وحي الله ليحمل أمانة تبليغ كلامه وأمانة الدعوة إليه بكل ما فيها من تبعات عظيمة تئن تحتها رواسي الجبال وعند أول موقف من مواقف البلاغ يذكرهم صلى الله عليه وسلم فيتذكرون ما عهدوه فيه من أمانة الحديث خلال أربعين عاماً وهو بين أظهرهم وأمام أعينهم ليلاً ونهاراً :
وقف صلى الله عليه وسلم على طرف جبل الصفا فجعل ينادي :يا معشر قريش فلما اجتمعوا إليه قال :أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟
قالوا : نعم ما جربنا عليك كذباً قط .
قال : فإني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً .
يا أسفا على هذه العقول التي لم تحتكم إلى الكلمة التي نطقت بها قبل قليل ،الكلمة التي أقروا ببرهانها وبأنها حكم التجربة التي عايشوها جميعاً أربعين سنة بل احتكمو إلى غاشية الجهالة وعاداتها التي غمرت عقولهم وقلوبهم منذ النشأة فقالوا بلسان عمه أبي لهب : تباً لك ألهذا جمعتنا ، وامتلأ المكان صفيراً وزعيقاً وصيحات تعجب واستنكار (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون )
عقول توارثت الغفلة قروناً فأنى تصحوا في يوم واحد في موقف واحد ؟!
لكن استجابت عقول وقلوب أخرى ، أناس عايشوا الأمين عن قرب قريب شهدوا تجليـات الأمـانة في أسمى مظاهرهـا وامتلأت عقولهم وقلوبهم بــــأنوار الخلق العظيم :
الصديق الأدنى خليله الأخلص أبو بكر الصديق رضي الله عنه .
والزوجة المثلى قرينته القربى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وفروعها الطيبة الطاهرة .
وابن العم الأحب ربيب رعايته وعنايته علي بن أبي
طالب رضي الله عنه .
وغلامه المحب الذي آثر العبودية عنده على الحرية عند أهله .
قام صلى الله عليه وسلم وقام معه هؤلاء الأفذاذ يبثون النصيحة الموقظة والحكمة الواعظة برفق ولين حتى استجاب من تيقظ وتعقل وتدبر وتأمّل وتسربت الدعوة بين كل الدور واستطارت فوق كل سور ،وأحس صناديد الكفر وزعماء الجاهلية أنها ضمت أبناءهم وأخذت إلى صفها إخوانهم فراحوا يتآمرون ويتشاورون ويتساءلون ماذا يفعلون .
وقام بينهم يوماً رجل كان من أشدهم عناداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ,أشدهم وأكثرهم تشويشاً على دعوته فقال ـ وهولا يريد الثناء إنما يريد لقومه أن يستخلصوا للتصدي أصلب الآراء ـ قال :
(يا معشر قريش قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة وأفضلكم حلماً حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب قلتم : كذاب والله ما هو بكذاب )
فانظروا فقد حل بكم أمـر عظيم ، إنهـا شهادة فـي أشد مـواقف الخصومـــــة والعداء ( والفضل ما شهدت به الأعداء )
فيا عجباً أيشهد له بالصدق والأمانة والحلم ويقسم على أنه ليس بكذاب ثم يأمر قومه بأن يلتمسوا للتصدي له رأياً يتلاءم مع هذا الواقع الذي يعرفه ويعرفونه وأي رأي يوجبه العلم بهذه الصفات إلا أن يصدقوه ويتبعوا النور الذي أنزل معه ؟!
ألا قاتل الله العصبية وما تدعو إليه أصحابه من مناطحة جبال الحقائق بقرون من عجين !! فما الذي تجنيه أيدي هؤلاء ؟! ( إن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون)
لم يكن ينقصهم العلم بصدقه بل كان ينقصهم الإنصاف للاعتراف بالتصديق وحقه ولذا كانوا يعاندون حتى حين تتبدى براهين النبوة وهم ينظرون .


جاءهم صلى الله عليه وسلم يوم أسرى الله به إلى بيت المقدس بكل برهان مما يتوقعون ولا يتوقعون وأجابهم عن كل ما يسألون وصف لهم المسجد الأقصى باباً باباً وعموداً عموداً وهم يعلمون أنه لم يذهب إليه من قبل وأخبرهم عن عيرهم التي في الطريق بكل تفصيل وأخبرهم عن ساعة قدومها ومع ذلك كله قالوا :إن هذا إلا سحر مبين !!!
أين هذا من كلمة العقل والحكمة التي قالها أبو بكر رضي الله عنه يومئذ إذ قالوا له : إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس ورجع في هذه الليلة ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً فقال رضي الله عنه : إن كان قال ذلك لقد صدق ، إني لأصدقه على أبعد من هذا أصدقه على خبر السماء يأتيه بين ساعة وساعة.
أنعم بهذه الحكمة وهذا المنطق فمن يصدق بهذا كيف لا يصدق بذاك إنه رسول الله وهذا عون الله وهل من عجب أن يختار الله لأمانة رسالته الصادق الأمين ؟!
ألم تلقبوه أنتم بالصادق الأمين ؟!وهل من العجب أن يعين الله بالمعجزات من يختاره لأمانة رسالته ؟! أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون ؟!!
ليس فيما أنكروه عجب ولكن العجب في إنكارهم بل هو أمر لا سيما إذا وجه إلى أصدق الصادقين ولذا قال له ربه سبحانه وتعالى ـ وهو يواسيه ـ (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون )


ولم يكتفوا بالجحود بل مكروا به ـ صداً عن سبيل الله ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه وبادرهم فخرح بأمر الله وتدبيره قبل أن يقتلوه وأماناتهم لم تزل عنده فترك ابن عمه ليؤديها إليهم ، فشهدوا له بالأمانة في آخر لحظة يقيم فيها معهم وحقق لهم ذلك ولو بعد خروجه !! أي ثقة هذه بأمانته وصدقه ؟!ألا جل الذي أدبه فأحسن تأديبه .
وهاجر صلى الله عليه وسلم ثم اشتعلت الحرب بينهم وبينه وبينما كان كل فريق يتربص بالآخر جاء سعدبن معاذ رضي الله عنه إلى مكة معتمراً وكان صديقاً لأمية بن خلف فنزل عليه ضيفاً وخرجا معاً إلى المسجد الحرام ليطوف سعد رضي الله عنه فرآه أبو جهل فتهدده وقال : ألا أراك تطوف بالبيت آمناً وقد آويتم الصباةوزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً
فأجابه سعد رضي الله عنه بتهديد كسر جبروته قال
ورفع صوته عليه أما والله لو منعتني من هذا البيت لأمنعنك ما هو أشد عليك : طريقك إلى الشام
فقال أمية : لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي فقال سعد دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنهم قاتلوك قال بمكة قال لا أدري ففزع لذلك أمية فزعا شديدا فلما رجع أمية إلى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي (والله ما يكذب محمد) .
أي قناعة هذه بصدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم ؟!
قناعة ملأت عقولهم وقلوبهم فأعربت عنها ألسنتهم في كل موقف وكل مناسبة حتى عند اشتداد الخصومة (فما لهم لا يؤمنون) يا ويح أهل الكفر كيف تأخذهم العزة بالإثم إذ يتجلى لهم الحق فيعرضون وكأنهم عمي لا يبصرون ؟!ويعلمون أن نقمة الله تحل بهم قريباً ثم لا يرجعون .
قتل عتبة يوم بدر وقتل أبو جهل في سبعين من رجالات قريش وظل صناديدها الآخرون يعاندون ويحاربون وبين حين وآخر ينسحب من المعركة رجال تبدى لهم الحق فانحازوا إليه وانضموا إلى موكب المؤمنين مع النبي الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم حتى كانت الهدنة بعد يوم الحديبية فدخلوا في دين الله .
وظل أكابر الطغاة يدبرون ويكيدون ويتآمرون لا سيما قائدهم أبي سفيان المحارب العنيد ولكن الحق دخل عليه رغم أنفه وهز قلبه وكيانه كله حتى أيقن أن رسول الله سينتصر عليه وعلى كل المعاندين وذلك حين أستدعاه هرقل ملك الروم مع من كان معه من قريش في مدينة القدس فسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته وأحواله وأحوال أتباعه وأنصاره وكان فيما سأله :
(هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟
قال :أبو سفيان مضطراً إلى الشهادة بالحق : لا
قال هرقل : فقد أعلم أنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله )
يا لها من حكمة بالغة أراد هرقل أن يأخذ بها لولا أن قومه أبوا وكادوا يثورون عليه فآثر الملك على اتباع الحق ، وحفظ أبو سفيان من حواره معه كلمة ظللت تتردد في قلبه فيجلجل صداها في كل جوانب نفسه حين قال له هرقل : (إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين ) قال أبو سفيان فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام .
جاءت إلى مكة جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشفت غاشية العناد والطغيان عن قلب أبي سفيان رضي الله عنه وكل صناديد قريش فاستسلموا وناداهم صلى الله عليه وسلم : يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟
لقد حان وقت الإقرار بكرم أخلاقه صدقاً وأمانة وعفواً عند المقدرة فقالو : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وحقق لهم ذلك صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً فقال :( اذهبوا فأنتم الطلقاء)

 

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع