آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
رؤية الهلال واقع عشوائي أم اختلاف فقهي



مرات القراءة:2401    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

رؤية الهلال واقع عشوائي أم اختلاف فقهي


إعداد : الدكتور محمود أحمد الزين

 

المقـدمـة

 

له الحمد، وبه المستعان، وعلى حبيبه سيدنا محمد، وآله، وصحبه أفضل الصلاة والسلام.


وبعد :

فإن اختلاف العلماء في فهم السنة النبوية أمر لا حرج فيه إذا خلا عن اتباع الهوى، وهذا صريح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر“ (1).


وكذلك لا حرج على الأمة أن تأخذ عند العمل أي أقوال الأئمة، فإن ذلك عمل بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء/7]، ولكن العمل بأي قول من اجتهادات الأئمة يحتاج إلى شيء من التدبر، يحمي العامل به من الخروج عن كل أقوال العلماء، كما هو حالنا في رؤية هلال رمضان، فلا نحن نعمل برؤية واحدة لكل المسلمين، ولا برؤية لكل بلدة، ولا برؤية لكل قطر طبيعي، حسب أقوال العلماء، بل نعمل برؤية لكل قطر سياسي، حسب التقسيم الذي فرضه علينا خصومنا أيام احتلالهم لبلادنا، وهذه الرسالة مقصودها توضيح المشكلة والحل، لا على طريقة الذين يرجحون أحد أقوال العلماء، ويسفهون ما سواه، ويرمونه بالابتداع والضلال، بل على نهج الذين يرون أن كل أقوال العلماء هي ضمن دائرة طاعة الله، إما حق موافق لمراد الله، أو خطأ رخص به الله، وأعطى الأجر عليه، كما سبق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمحذور هو الخروج عن الدائرة ـ فقط ـ إلى ما لم يقل به أحد من أئمة الإسلام، وما توفيقي إلا بالله.

 

الحاجة إلى بحث الموضوع :

 

إن رؤية هلال رمضان وشوال لم تكن تسبب في الماضي مشكلة كبيرة حين تختلف فيها البلدان؛ لأن المواصلات لم تكن كافية لإبلاغ البلدان المجاورة قبل انتهاء اليوم الذي اختلف عليه، حيث كانت القوافل لا تسير في اليوم أكثر من أربعين إلى خمسة وأربعين كيلو متر في الحالات العادية، بينما أصبح إبلاغ كل بلدان العالم اليوم لا يستغرق إلا دقائق يسيرة. فالجميع يعلم أي البلاد صام وأيها أفطر، وهذا يشعر المسلمين بشيء من البلبلة غير قليل، لاسيما أن خصوم(2) الإسلام يعيبون على المسلمين هذا التفرق، وأكثر من يشعر بذلك المسلمون الجدد في البلاد التي يكونون فيها أقلية، كما صرح بذلك أحدهم، وهو (مراد هوفمان) في كتابه (الطريق إلى مكة) فوجدته يقول: ”فمن الخزي أن يظل مسلمو هذه الأرض مختلفين في بدء وانتهاء صومهم تبعاً لكونهم أتراكاً، أو مغاربة، أو سعوديين“(3) وهذا واحد من أشهر المسلمين الجدد وأكثرهم ثقافة.


هذا المقال محاولة لكشف مواطن الشبهة عند رافضي الاعتماد على رؤية واحدة لكل المسلمين، ولإظهار حقيقة الأمر إظهاراً يقودنا إلى توحيد الرؤية، وتوحيد بدء الصيام وانتهائه على وجه يبين توافق الأدلة الشرعية مع واقع النواميس الكونية، التي أحكمها الله تعالى لضبط علاقة القمر والأرض في مسألة التوقيت للشهور القمرية. ولا تعني هذه الفكرة إبطال القول بوجوب الرؤية لكل بلد أو قطر، فمسائل الاجتهاد لا يمكن القطع ببطلان أحد الأقوال منها، خلافاً للذين يزعمون أن ما ترجح عندهم هو الصواب، الذي لا يحتمل الخطأ، وأن ما سواه باطل لا يحتمل الصواب، فلو كان هذا حقاً لما تراجع مجتهد عن اجتهاد قط. وإنما المقصود من هذه الرسالة بيان أن دليل القول بوجوب رؤية مستقلة لكل بلد أو قطر دليل غير قاطع، ولو كان قاطعاً لما اختلفت فيه أقوال الإمام الواحد، وبيان أن القول برؤية واحدة قاله أئمة فضلاء، لهم حجة لا تقل قوة عن القول الآخر، إن لم تزد عليها، وبيان أن الذين يصرون على تعدد الرؤية في وقتنا هذا قد أوقعوا الأمة في مخالفة كل أقوال العلماء، وبيان أن الحاجة للعمل بالرؤية الواحدة لكل العالم أصبحت حاجة ملحة، تطرد التشويش عن الذين لا يدركون حقيقة الأمر على وجهه العلمي السليم.

 


واقعنا خطأ لا يحتمل الصواب :

 

لذلك أرى أنه من الضروري أن أبين أن ما نعمل به اليوم في مسألة الرؤية لا يتفق مع القول الذي يرى أن لكل بلد أو قطر رؤيته، كما لا يتفق مع القول بأن العالم كله له رؤية واحدة، فنحن خارجون عن الاثنين جميعاً.


وبيان ذلك أن الذين قالوا : ”إن لكل بلد رؤيته تمسك فريق منهم بهذا اللفظ، دون ملاحظة قرب البلدان من بعضها، أو بعدها عن بعض، وفريق منهم قال: البلدان المتقاربة تكفيها رؤية واحدة، والمتباعدة لكل منها رؤيته، ثم افترقوا في تفسير المتباعدة والمتقاربة، فمنهم من قال: المتباعدة ما كان بينها مسافة قصر الصلاة، أي ثمانون أو تسعون كيلو متر تقريباً، ومنهم من قال: المتباعدة: ما كان بينها اختلاف في مطالع القمر، ومنهم من قال: ما كان كل منها بقطر، وضربوا مثلاً بالعراق والحجاز، ومنهم من قال: المتباعدة ما اختلفت أقاليمها الطبيعية، والأقاليم عند هؤلاء هي دوائر العرض، التي تقسم الكرة الأرضية سبعة أقسام، قسم منها عند خط الاستواء، وثلاثة إلى الجنوب، وثلاثة إلى الشمال.


والناظر في واقع العالم الإسلامي يرى أن رؤية هلال رمضان وشوال لا تتبع أياً من هذه الأقوال والتفسيرات، لا قولاً قوياً، ولا قولاً ضعيفاً، بل تتبع القول بأن لكل قطر رؤية، مع تفسير القطر حسب الاصطلاح السياسي، فالقطر هو الدولة الواحدة التي تخضع لحكومة واحدة، وهذا تفسير لم يقل به أحد من العلماء، كما يظهر من خلاصة الأقوال التي قدمتها.


فالمدينة المقتسمة بين دولتين كمدينة دبا المقتسمة بين الإمارات وعُمَان كل من قسميها له رؤية خاصة تتبع دولتها، وهذا وضع متكرر في عدد من دول العالم. وعكس ذلك الدول الكبرى كالسعودية تشمل مدناً كثيرة وأقطاراً متعددة ـ كما هو معلوم ـ فالحجاز قطر، ونجد قطر، وعسير قطر، وكل منها يشمل مدناً عدة، وهي تصوم تبعاً لرؤية واحدة باتفاق السياسين وعلماء الدين، ومثل ذلك الهند، بل ربما كانت الهند مع ذلك موزعة بين أقاليم طبيعية متعددة من البرودة الشديدة إلى الحر الشديد، وهذا أيضاً وضع متكرر ، مع أنه لا علاقة لهذه الأقاليم باختلاف الرؤية؛ إذ إن الهلال إذا طلع تراه معاً كل الأقاليم على امتداد خط طول من الكرة الأرضية يميل باختلاف الفصول قليلاً.


وشيء آخر يكشف خطأ هذا الواقع هو أن الأقطار السياسية تتغير، فالهند كانت مملكة إسلامية واحدة، وهي اليوم أقطار سياسية متعددة، وعكسها السعودية كانت في حين من الأحيان موزعة بين سلطنة نجد والحجاز، ثم انضم بعضها إلى بعض، وحصل مثل ذلك في اليمن بالأمس القريب، ، فالبلد الذي كان بالأمس يصوم مع قطر، أصبح اليوم يصوم مع قطر آخر، ومثل ذلك يقال في الأقطار حسب العرف القديم، فالشام كان قطراً واحداً، فأصبح الآن ـ حسب التقسيم السياسي ـ أربعةً، ونجد والحجاز وعسير كانت ثلاثة أقطار، فأصبحت قطراً واحداً، ترى هل في الدنيا إنسان يتوهم أن رؤية الهلال تختلف حسب تقسيم الأقطار سياسياً، كلما تغير هذا التقسيم؟!


هذا هو الوضع القائم، لا يتناسب ولا يتفق مع أي قول قاله العلماء في مسألة رؤية هلال رمضان وشوال، وبالتالي فلا يمكن أن تفسر به الرؤية، التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ”صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته“ رواه البخاري برقم (1810) ومسلم برقم (1081).
وإذ تبين هذا فلنبحث في الحديث المذكور، وحديث ابن عباس، الذي أخذوا منه أن لكل قطر أو بلد رؤية مستقلة، هل هو هذا الحديث نفسه، وفهمه ابن عباس رضي الله عنهما بأن لكل بلد رؤيته، أو هو حديث آخر يفرض نفسه على هذا الحديث كتفسير له بأحد معانيه، التي يحتملها، فلا بد من العمل بظاهره؟.

 

حل سريع :

 

وقبل البحث في هذا الجانب لا بد لي أيضاً من التنبيه إلى أمر مهم، هو أنه يمكننا أن نخرج المسلمين من هذه البلبلة، دون بحث الأدلة، وبيان ما هو أقوى، وما هو جدير بالاتباع، حتى لا تشغلنا الخلافات العلمية عن الهدف، وذلك على الطريقة التي وضعت بها قوانين أحكام الأسرة ”الأحوال الشخصية“ في كثير من بلدان العالم الإسلامي، حيث لم يلتزم الذين أعدوها بمذهب معين في كل المسائل، ولا التزموا الأقوى دليلاً في كل مسألة، وإنما اختاروا منها ما هو الأنسب للعصر، وما هو أنسب للبلد الذي أعد له ذلك القانون، بل إن ذلك قد اعتمد في غير الأحوال الشخصية لدى العربية السعودية، فالمذهب الحنبلي الذي تعمل به المملكة يجيز تملك الأرض ”الموات“ ـ أي التي لا مالك لها ـ بدون إذن الحاكم، بينما المذهب الحنفي يمنع التملك إلا بإذن الحاكم، وقد اعتمدت المملكة في هذه المسألة المذهب الحنفي، دفعاً لوقوع الخلافات والخصومات، وتخفيفاً منها قدر الإمكان، وما عمل هنا به من أجل المصلحة، يمكن أن يعمل به هناك، أعني أنه يمكن في مسألة رؤية الهلال أن تأخذ الحكومات الإسلامية، ومن فيها من أهل الفتوى بقول من يفسر الحديث السابق برؤية واحدة لكل العالم الإسلامي، يصومون معاً، ويفطرون معاً، حتى لو افترضنا أنه لم يقل به إلا واحد من أئمة الاجتهاد، حرصاً على وحدة المسلمين، ودرءاً لانتقادات خصوم الإسلام على أبنائه، لاسيما الذين أسلموا في بلاد غالبها من غير المسلمين.

 

كثرة القائلين من الأئمة برؤية واحدة :

 

والقول بأنه تكفي رؤية واحدة لكل المسلمين ليس قول واحد من أئمة الاجتهاد، ولا فئة منهم قليلة خالفت الأكثرين، بل على العكس من ذلك، هو قول مالك (فيما رواه عنه ابن القاسم والمصريون... وهو قول الليث والشافعي والكوفيين [يعني أبا حنيفة وأصحابه] وأحمد، وروى المدنيون عن مالك... أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه، إلا أن يكون الإمام [يعني الحاكم] يحمل الناس على ذلك) هكذا نقل ابن عبد البر في كتابه الاستذكار (10/29)، وبه يظهر أن توحيد الرؤية قال به أئمة الاجتهاد الأربعة وغيرهم، وإن كان لبعضهم أقوال أخرى، رجحها أتباعهم، أو بعض أتباعهم.


وكلام الإمام مالك لا يعني أن للحدود الإدارية والسياسية أثراً على واقع رؤية الهلال، كما لا أثر لكون الشخص إماماً على واقع الرؤية، إنما له الأثر على حقه في أمر الناس أن يعملوا بقول العلماء الذين يجعلون رؤية بلد واحد مسوغة لتعميم الصوم على الجميع، ولا يعقل أن تكون البلاد بالنسبة إليه كبلد واحد إلا بهذا المعنى، وعمله بالرؤية الواحدة يوجب عليه أن يعمل بالرؤية التي تثبت عنده، وإن كانت خارج حدود دولته، ولا يجوز له أن يمنع بلدة من الصوم ثبتت عندها الرؤية ثبوتاً عاماً، ولا أن يمنع جزءاً من مدينة في دولته إذا كان لها جزء في دولة مجاورة ثبتت فيه الرؤية ثبوتاً عاماً، بل يلزمه أن يعمل برؤيتهم إذا أخذ بقول من يعمم رؤية البلد الواحد على الجميع

.

هل ما نحن عليه عمل بالدليل الأقوى؟

 

وإذا أبى بعض أهل العلم هذا الاقتراح، وأصروا ألا يرضوا إلا باتباع الدليل الأقوى في نظرهم، فنرجو أن يخبرونا ما هو رأيهم في رؤية الهلال حسب واقع العالم الإسلامي اليوم، وهل صيام الدولة الكبيرة المشتملة على بلدان كثيرة وأقطار متعددة بناءً على رؤية واحدة هو اتباع للدليل الأقوى؟ وهل صيام كل قسم من البلد الواحد المقتسم بين دولتين تبعاً لدولته هو اتباع للدليل الأقوى؟ أو أن هذا كله خروج عن كل الأقوال؟ وأيهما خير للأمة أن تتبع في رؤية هلال رمضان وشوال تفسيراً لا يتفق مع أي قول قاله الأئمة، أو قولاً قاله كثير منهم، إن لم يكن أكثرهم على الإطلاق؟


وليس معنى ذلك أن دليل القائلين برؤية واحدة ضعيف، بل هو في غاية القوة والتوفيق بين الأدلة، كما تبين من عرضه فيما يلي، وليس المراد من عرضه القطع ببطلان مخالفه، فالأمور الاجتهادية لا قطع فيها، ولو أريد ذلك لما كفى هذا المقال، إنما المراد بيان أنهم لم يتركوا أدلة القول الآخر، بل فهموها على وجه آخر.


فههنا واقع يفرض نفسه هو أن في الدنيا هلالاً واحداً، لا أكثر، يطلع أول الشهر القمري مرة واحدة، فإذا استيقنا رؤيته في مكان حصل ذلك بكل مكان، وثبت بذلك أن هذه الليلة من الشهر الجديد، والحديث يحتمل معنين: أحدهما يوافق هذا الواقع، والآخر يخالفه، أليس من الأولى أن نفسره بما يوافق هذا الواقع؟ ونفعل مثل ذلك بحديث ابن عباس؟ أم الأبر بالحديث أن نرجح الاحتمال المخالف للواقع المشهود، ونغمض أعيننا عن هذا الواقع، زعماً منا أن ما فهمناه هو القول الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه؟!

 

توضيح أدلة الرؤية ، والجمع بينها بإيجاز:

 

ويوضح ذلك أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته“ لفظ له واحد من تفسيرين: إما أن تكون الرؤية مطلوبة من كل فرد مسلم، وهذا غير مراد باتفاق، وإما أن تكون مطلوبة من بعض الأفراد، وهذا لا بد منه، وصيامنا بناءً على رؤية أحد الأقطار صيام على رؤية بعض أفراد المسلمين، فهو امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مخالفة فيه، وهو يوافق ذلك الواقع المشهود.


فإذا لاحظنا معنى الحديث ومقصوده وجدنا أن المقصود بالرؤية العلم الموثق بوجود الهلال، والرؤية ذكرت لأنها طريق من طرق العلم الموثق، لا لمجرد أنها رؤية، وهذا العلم يحصل للجميع إذا حصلت الرؤية في بعض البلاد، والذي يدل على أن المقصود بالرؤية العلم الموثق أمران:
أولهما : أن كل بلد يكتفي برؤية بعض أهله ـ سواء قلنا برؤية شاهد أو اثنين، أو عدد التواتر، الذين يستحيل اتفاقهم على الخطأ ـ والباقون صاموا ولم يروا الهلال، بل صاموا بناءً على علمهم بوجوده من خلال شهادة الآخرين، ولولا الشهادة لكان صومهم خلافاً لقوله سبحانه: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء/36]، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”صوموا لرؤيته“.


ثانيهما : أننا في اليوم التالي ليوم الرؤية ـ وهو اليوم الثلاثون من الشهر السابق ـ نصوم وإن لم نر الهلال، وذلك بناءً على أننا نعلم شرعاً وحساً أن الشهر القمري لا يكون واحداً وثلاثين يوماً، فنحكم بدخول الشهر الجديد، أي بوجود الهلال بناءً على علم استقرائي وشرعي، لا على رؤية.


وترك الاعتماد على رؤية بعض البلدان معناه إلغاء طريق من طرق العلم بوجود الهلال شرعاً وحساً. أما شرعاً فلأنه يجب على أهل بلد الرؤية العمل به، وليس في الدنيا إلا هلال واحد، فإذا ثبت في الشرع وجوده ـ ولو في مكان ـ ثبت وجوده في الدنيا كلها. وأما حساً فإن الرؤية البصرية أقوى أدلة الإثبات، لاسيما إذا كثر الذين رأوا الهلال، والذين لم يروا الهلال في البلدان الأخرى إذا اتبعوا الذين رأوه لا يكون ذلك تركاً منهم لأمر معلوم عندهم، إنما هو ترك لعدم علمهم مقابل علم غيرهم.

 

بعض اعتراضات الذين يقولون برؤية لكل قطر، أو بلد، وجوابها:

 

لكن الذين يشترطون أن تكون لكل بلد رؤيته يعترضون على قولنا: ”إن رؤية بلد واحد هي رؤية للجميع“ من الجهتين: جهة الحكم الشرعي، وجهة الحكم الحسي، فيزعمون أن الشرع لا يعتبر برؤية البلد الذي حصلت فيه الرؤية إلا في حق أهله بدليل حديث مسلم برقم (2523) عن كريب قال: ”...واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس... متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم“.
والجواب عن هذه الرواية: أن قول ابن عباس: ”هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم“ لا يصح أن يتخذ ذريعة لمعارضة الواقع الحسي، وهو أن للدنيا كلها هلالاً واحداً، ولا لمعارضة أن المقصود بالرؤية العلم بوجود الهلال، كما سبق بيان أدلته؛ وذلك لأن قول ابن عباس ”أمرنا“ يحتمل معنين: أحدهما: أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ألا يعتمد أهل بلد على رؤية غيرهم. وثانيهما: أن يكون ابن عباس قال ذلك فهماً منه لحديث ”صوموا لرؤيته“ ومجرد وجود هذا الاحتمال للمعنين يسقط صلاحيته للاستدلال على واحد منهما، هو أن لكل بلد رؤيته، فكيف لا وفي ألفاظ الرواية ما يرجح الاحتمال الثاني؛ إذ إن ابن عباس قال: ”فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه“ فهذا يكاد يكون تصريحاً بأنه اعتمد على الحديث السابق: ”صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين“. وقوله فيما بعد: ”بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم“ ليس محتماً أن تكون الإشارة فيه إلى كونه لا يكتفي برؤية معاوية، بل يمكن أن تكون الإشارة إلى قوله: ”فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه“ وهو مضمون الحديث السابق، ويكون عدم اكتفائه برؤية معاوية فهماً منه للحديث، لا حديثاً يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مفسراً للإطلاق الذي في رواية ”صوموا لرؤيته“، وبناءً على ذلك لا يكون قول من يكتفي برؤية واحدة لكل المسلمين مخالفاً لحديث ابن عباس، بل يكون مخالفاً لاجتهاده، وبين الأمرين فرق كبير، فهذا جواب اعتراضهم على قولنا: إن رؤية البلد الواحد معتبرة شرعاً في إثبات وجود الهلال، فلا بد من الاعتبار بها في حق البلدان الأخرى، ولسنا نخالف قاعدة المحدثين في ”أن قول الصحابي: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث مرفوع إليه“ ولكنا نرى أنه ههنا في هذه المسألة يشير بقوله: ”أمرنا“ إلى حديث ”صوموا لرؤيته...“ كما سبق، وهو يفهم منه أن لكل بلد رؤيته الخاصة.

 

الاعتراض الثاني وجوابه :

 

وأما اعتراضهم على قولنا: ”إن ترك الاعتماد على رؤية بلد واحد هو ترك لطريق حسي من طرق العلم في إثبات وجود الهلال“ فهو أنهم يزعمون أن الهلال إذا رؤي في بلد فليس ضرورياً في حكم الحس أن يثبت وجوده في البلد الآخر؛ لأن القمر قد يكون جاوز ذلك البلد الآخر قبل أن يتولد فيه نور الهلال الجديد، فلا تكون تلك الليلة من الشهر الجديد في البلد الذي جاوزه القمر، كما أن الشمس إذا غربت عن بلد بدأت فيه الليلة الجديدة، ووجبت فيه صلاة المغرب، ولا يثبت شيء من ذلك في البلد الذي لم تغرب عنه بعد.
والجواب على ذلك: هو أن هذا الاستدلال يؤيد الاكتفاء برؤية واحدة لكل بلاد المسلمين، ولا يؤيد أن تكون لكل منهم رؤيته، ويتضح ذلك من خلال المثال الذي اختاروه ليقيسوا عليه.

فهل يقولون إن البلد الذي يكون شرقي البلد الذي غربت عنه الشمس لا يثبت فيه دخول الليلة الجديدة، ولا تجب عليه صلاة المغرب إلا برؤيتهم لغروب الشمس، أو يقولون: إن رؤية غروب الشمس في البلد الغربي دليل على غروبها في الشرقي أيضاً، ودليل على دخول الليلة الجديدة، وعلى وجوب صلاة المغرب فيه؟ فإن قالوا بالأول ناقضوا أحكام العقل والحس، وإن قالوا بالثاني، قلنا: فكذلك إذا رؤي الهلال في بلد لا بد أنه سيمر على البلد الذي هو غربيه، وإن لم يره أهل البلد الغربي، ومثل هذا يقال في البلدان التي تحاذيه شمالاً وجنوباً، بحيث يكون طلوع القمر وغروبه فيهما يوافقه، وهذا معنى اتحاد المطالع بين البلدان، وهو ييسر مراقبة الهلال، فتكون على امتداد خط طولي بين جنوب الكرة الأرضية وشمالها، فيه الصيف، وفيه الشتاء، ولا بد أن يكون بعضه صحواً لا يحجب الهلال، ويكون حينئذ بلد الرؤية الأقرب إلى الشرق بمنزلة خط الفاصل الزمني بين اليومين، وقد جعلوه في أقصى الشرق من قارة آسيا، وهو خط اعتباري غير حقيقي؛ لأن الكرة في نفسها لا يمكن أن تكون أي نقطة منها بداية لها حقيقة، والعالم كله يقر بهذا الفاصل، ويعتمد عليه، وهذا أمر لابد منه، فهو الواقع.


وقد أضاف بعض أهل العلم إلى ذلك أن كل بلد شارك بلد الرؤية في جزء من الليل ـ وإن كان شرقيه ـ فقد ثبتت الرؤية في حقه؛ لأن دخول الليلة فيه ثبت بغروب الشمس، ثم ثبت كون تلك الليلة من الشهر الجديد برؤية الهلال في الليلة نفسها في مكان آخر، وهذا أمر منطقي جدير بالاعتبار، وهو يوسع دائرة الاتفاق بين المسلمين في بدء الصوم والعيد.

 

هل يعتمد على المناظير المكبرة :

 

وههنا أمر مهم تقع بسببه بلبلة أخرى، تفتح على المسلمين في البلاد غير الإسلامية باب الإحراج أيضاً، وهو ما أفتى به بعض أهل العلم من رفض الاعتماد على المنظار المكبر والمقرب في رؤية الهلال؛ لأن ذلك ـ في نظرهم ـ يؤدي إلى رؤية الهلال ببلد آخر غير البلد الذي نراقب الهلال فيه.

وهذا الرفض مبني على أن كل بلد لا بد له من رؤية خاصة، مهما قرب من غيره. أما على أنه تكفي رؤية واحدة للقطر الكبير فلا يمكن أن تمتد رؤية المنظار حتى تجاوز الأقطار، فلو افترضنا الرؤية على شاطئ البحر، ووجه المنظار إلى جهته، فإنه لا يكشف الرؤية أكثر من تسعين كيلو متر؛ لأن انحناء الكرة يكون أثره على النظر بعد هذه المسافة، فلا يرى ما وراء ذلك إلا إذا ارتفع الناظر ومنظاره إلى مكان عال، وأما القول بأن للعالم كله رؤية واحدة على الوجه الذي تقدم شرحه في مناقشة الآراء فالمنظار ليس له أي ضرر، بل هو نفع مؤكد.

 

الاعتماد على الحساب :

 

أما الاعتماد على الحساب الفلكي ـ لاسيما إذا صار في حكم المحسوس ـ فيحتاج إلى بحث خاص، يكشف جوانب الغموض المؤدية إلى الخلاف فيه، أرجو الله تعالى أن يوفقني للقيام به، وبيان أثره في رؤية الهلال، مع التحذير من أن يكون ذلك ذريعة لتلاعب الحاسبين، أو ذريعة لإهمال الرؤية المأمور بها في الحديث ”صوموا لرؤيته“ غير أنه يمكن الآن الاستعانة بالحساب في تحديد مواضع مراقبة الهلال، كما كان علماؤنا يفعلون ذلك عبر كل العصور، والاستعانة لا ضرر منها، إن شاء الله .

أخيراً أحب أن أذكر بأننا إذا لم نقبل برؤية واحدة للجميع، فليس أمامنا إلا البقاء على الوضع الحالي، الذي لا يتفق مع أي واحد من أقوال الأئمة، أو أن يصوم كل بلد من الدولة الواحدة برؤية خاصة، فنزيد التفرق والبلبلة، وما توفيقي إلا بالله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف المرسلين وآله وصحبه وورثته إلى يوم الدين.

 

 


الهوامش:

(1)رواه البخاري في صحيحه برقم (6919) ومسلم في الأقضية برقم (4462)
(2) تختلف بداية الصوم ونهايته، والأعياد عند بعض الأمم الأخرى أسبوعاً أو أكثر، لا يوماً واحداً، ومع ذلك يستغربون اليوم الواحد، ولا يستغربون الأسبوع والأكثر.
(3) لا يختلف الصوم بسبب التبعية الرسمية للمسلم، بل حسب رؤية الهلال في البلد الذي هو فيه عند رؤية الهلال، لكن لعدم وجود الرؤية العملية في بلاد الغربة ينظرون إلى بلدانهم الأصلية، وهو خطأ ظاهر.

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع