آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
مصالح الصيام اكتشافات مستمرة



مرات القراءة:1550    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

مصالح الصيام


اكتشافات مستمرة

بقلم الدكتور محمود الزين

 

يظهر استمرار صلاحية التشريع القرآني في أمر ثالث غير انضباطه في قواعد دقيقة، وغير حكمه في أحداث غريبة على عصر ظهوره، وهو أن الشرائع التفصيلية التي جاء بها لم يأت في الأحداث المستجدة ما يخالفها، أو يكشف عن خطأ فيها يحتاج إلى تعديل، أو عن ضرر ينبغي أن يتجنب، رغم كثرة الأحكام التفصيلية في العبادات والمعاملات بشتى أنواعها.


ولو حاول الإنسان أن يستقصي لطال الحديث كثيراً ، وفي بعض ذلك كفاية؛ لأن المراد هنا إثبات القضية أصلاً، لا استقصاء أفرادها، وإن كان لا بد من التذكير بأن أي انتقاد لا يجاب عنه يعني نقض ادعائنا استمرار صلاحية هذا التشريع عبر تطاول الزمن، ويأتي حديث خاص ـ إن شاء الله ـ عن الانتقادات التي وجهت إلى بعض أحكام التشريع القرآني لمناقشة صور متعددة منه ـ فسمو هذا التشريع فوق الانتقادات ـ رغم كثرة الخصوم قديماً وحديثاً ـ من أهم مظاهر الإعجاز.

أما الجانب الذي يتناوله هذا المقال فهو ما بدأ به من بيان استمرار الصلاحية في التشريعات التفصيلية من خلال بعض الأمثلة، لاسيما ما كان منها عملياً عاماً كالصوم، والحج، والمضاربة التجارية، وتحريم بعض المآكل، أو بعض المعاملات التجارية، بحيث يظهر لنا ما فيها من حكمة وخير، دون أن يكشف تطور الزمن والأحداث عن معارضتها شيئاً من المصالح، بل اكتشف فيها من المنافع ما لم يكن معلوماً في عهد نزول القرآن، فالصوم مثلاً أثبتت الأبحاث الطبية أنه نافع لجسم الإنسان نفعاً كبيراً، حتى كان في البلاد غير الإسلامية مدرسة للعلاج بالصوم جزئياً، كالصوم عن غير العصيرات، أو كلياً كالصوم عن الطعام مع السماح بالشرب، وقد صرح كثير من الأطباء: بأن الصوم ليس مجرد علاج اختياري، بل هو من مهمات الصحة، بحيث قالوا لا ينبغي أن لا يمر في حياة الإنسان سنة دون صوم، وبينوا أن للصوم الشرعي أيضاً فوائد كبيرة أهمها: راحة أجهزة الهضم: المعدة والأمعاء وغيرهما، وطرد المخلفات المتبقية في الجسم من جراء مواصلة الأكل؛ ولذا كان من كمال الصيام أن يبقى الإنسان عند السحور والإفطار طبيعياً في مقدار الأكل، ولا يزيد عن المعتاد حتى لا يحرم الفائدة التامة منه، وأهم ما في الأمر أنه لم يقل أحد من الأطباء بأن للصوم ضرراً، وهذا وحده كاف في استمرار صلاحية هذا العمل، فإذا كان له نفع جديد ـ لم يكن معروفاً ـ فهذا فوق المطلوب، وزيادة فضل فيه.


ومن دقيق التشريع في هذه العبادة أنها من حين ما جاءت كان معها استثناء لحالتين: حالة الأمراض، حيث يخشى أن يتضرر الصائم بالجوع. وحالة السفر، حيث يكون فيه غالباً مشقة، قد تؤدي إلى الضرر إذا اجتمعت مع مشقة الصوم، قال سبحانه: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة/185].

ومثلهما حالات أخرى يخشى منها الضرر، كالحيض والنفاس، والحمل إن تضررت المرأة أو جنينها بالصوم.


وقد حاول بعض خصوم الإسلام أن يشككوا في مشروعية الصوم، فزعموا أن ارتباطه بطلوع الفجر وغروب الشمس يؤدي إلى عدم إمكانه في البلاد التي يستمر فيها الليل أو النهار ثلاثة أشهر.
وما دروا أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قد وضع لهذه الحالات الخاصة قاعدة خاصة، حيث سئل عن الصلاة في أيام الدجال، وفيها يوم كسنة ؟ فقال: (اقدروا له قدره)

وأخذ العلماء من ذلك حكم الصلاة في هذه البلاد، وحكم الصوم، بأن يُقدر لهم ليل ونهار بحسب أقرب البلاد إليهم. فلم يزد هؤلاء الخصوم على أن أثبتوا جهلهم بدين الإسلام وتشريعاته الخاصة للظروف الخاصة.


وإذا نظرنا إلى الصوم من جهة أخرى، جهة التأثير على نفس الصائم وجدنا فيه من التعويد على ضبط الإنسان لغرائزه ما يقوي إرادته، ويقويه على تحمل الحرمان من متطلباتها عند الضيق، وعندما يستغلها الخصوم للضغط عليه بالحرمان، إذا وقع في أسرهم، لا سيما أن الإسلام دين جهاد، ومع ذلك فهي عبادة مخففة محدودة الساعات خلال اليوم، محدودة الأيام خلال الشهور، لا تحجز الإنسان عن عمل أ ي عمل مما تحتاجه الحياة الواقعية.


وإذا نظرنا إليه نظرة اجتماعية وجدناه يزكي الشعور الإنساني، فالجوع يذكر الصائم بإخوته الجائعين ـ جوع الفقر والعدم، لا جوع الاختيار ـ فيدعوه ذلك إلى مد يد العون إليهم رحمة وإشفاقاً، فيكون في مجتمعه عنصراً إيجابياً، لا تشغله شهوات نفسه عن إخوته، وهذا يعزز علائق الود بين أفراد المجتمع، فالإحسان إلى المحتاج يدعوه إلى حسن المودة مع من أحسن إليه.


والصوم مع ذلك يشعر الصائمين بوحدة الإخاء الإسلامي ، حيث يقوم الجميع بعبادة واحدة ، يبدؤونها معاً في الشهر وفي اليوم والساعة، كما يشعرهم بالتساوي أمام الله تعالى ؛ إذ المطلوب من الجميع واحد، والجزاء واحد ، وإن تفاوت في المقدار حسب الإخلاص ، وللشعور بالوحدة والتساوي أثر اجتماعي كبير، يملأ القلوب بشعور الإخاء والمودة والمساواة ، بل يشعرهم بالوحدة مع الأنبياء السابقين ، ومن أطاعهم من الأمم ؛ إذ الصوم عبادة قديمة ، قال الله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة/183] .


وفوق ذلك فإن الصوم يصفي النفوس فيخرجها من الانشغال بالمادة والشهوات الحسية من طعام وشراب ونساء، فيهيئها للتوجه إلى الله تعالى مصدر الكمالات الروحية، والفضائل الخلقية، شخصية كانت أو اجتماعية. وهذه الفضائل قوة للإنسان تعصمه من القلق الذي يسيطر على كثيرين ممن جرفتهم تيارات المادة، فظنوها كل شيء في الحياة، أو كانت ظروفهم عسيرة لم تمكنهم من أن ينالوا من الدنيا حظاً كافياً، فقلقوا على أنفسهم أو ذرياتهم، ولو صاموا لكانت تصفو نفوسهم بالصوم، ويتوجهون بقلوبهم إلى الله تعالى ـ مصدر الخير ومصدر العطاء ومصدر الرزق والتيسير ـ فترتاح نفوسهم، وتطمئن قلوبهم، فيواجهون الحياة بغير النفس القلقة التي أرهقتها الحياة المادية.


وهذا حين يستجيبون له حقاً يعود بهم إلى طريق الإيمان وطريق الطاعة، وهو طريق كله أخلاق إنسانية وتسامح، وهو يبعدهم عن الفساد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم)
وهذا كله من ثمرات الصيام، التي أشارت إليها الآية القرآنية {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}[البقرة/183].


أي عقل إنساني يستطيع ـ مهما كان عبقرياً ـ أن يضع أحكاماً تفصيلية لعبادة دينية تكون إصلاحاً روحياً ونفسياً، وإصلاحاً جسدياً واجتماعياً، ثم تمر عليها القرون وهي ـ كما كانت حين شرعت ـ تفيض على العاملين بها الخير الكثير، دون أن تحتاج إلى تعديل أو تبديل، وفيها من الاحتياطات والتيسير ما يدفع عنها كل فساد ـ كثيراً أو قليلاً ـ على الجسم والنفس.


بينما نجد العبادات التي اخترعها بعض الناس ـ في غير الإسلام ـ زعماً أنها تقربهم إلى الله تعالى نجدها تخرجهم من الحياة، وتعزلهم عنها كالرهبانية، أو نجدها على عكس ذلك صوراً من العبادة جوفاء، لا تعطي أثراً روحياً، فهي أقرب إلى المراسم السياسية من معنى العبادة، كتلك الحركات التي يؤديها بعض الوثنين أمام أصنامهم رقصاً وقرعاً بالطبول أو شيئاً مثل هذا. كما نجد عبادات أخرى ما هي إلا تعذيب للنفس وإيذاء.

أي عقل إنساني يستطيع أن يأتي بعبادة خالية من كل مفسدة، جامعة لكل مصلحة، وكل عبادة دينية كذلك، وهو مع ذلك أمي ما عرف من أمور الأديان السابقة إلا ما يراه الجار من جاره، ألا يدل ذلك على أنه أدى هذه التعاليم إلى الناس رسالة لا يزيد عليها ولا ينقص منها ؟ وأنه {ما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم/3ـ4].


صدق الله العظيم









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع