آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    العالم الإسلامي   واحة حلب الشهباء
حلــب الشهباء



مرات القراءة:9376    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

حلــب الشهباء

بقلم الشيخ عبد الله نجيب سالم

 

 

دخل المسلمون في العام الهجري الخامس عشر إلى مدينة حلب الشهباء ساعة فتحها من باب في سورها يقال له باب " أنطاكية " وفي نفس المكان الذي وقفوا فيه بعد دخولهم وحيث ألقوا أتراسهم بنوا مسجداً عرف حينئذ بمسجد الأتراس وبالمسجد العمري نسبة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي تم فتح البلدة في عهده وبالمسجد الغضائري نسبة إلى أبي الحسن على بن عبد الحميد الغضائري أحد الأولياء من أصحاب سري السقطي ذكر عنه أن حج من حلب ماشياً أربعين حَجة، ويعرف ذلك المسجد الآن بالمدرسة الشعيبية الشافعية.

 

تلك كانت ساعة البداية في تاريخ حلب الحديث بعد دخول الإسلام إلى سويدائها وحشاحشتها.

 

 

 وأظهر الأقوال أو أكثرها شهرة لدى الناس عامة أنها سميت بذلك الاسم بسبب أن سيدنا ابراهيم عليه السلام ـ وقد سكن قلعتها ـ كان إذا سمع بمقربه إلى تل القلعة الفقراء والضعفاء أتوه فصنع لهم طعاماً وحلب لهم غنمه ونعمه فأطعمهم وسقاهم فيقال: إن ابراهيم حلب، إن ابراهيم حلب، ولذلك يؤكد المؤرخون أن اسم حلب عربي لاشك فيه مثل تأكيدهم بأنها من أقدم مدن العالم... إلا أن الاجماع ينعقد على أنها كانت مدينة ثانوية بين مدينتين عظيمتين هي أنطاكية وقنسرين حتى مابعد الفتح الإسلامي إلى أن لمع نجمها أيام الحمدانيين ثم ازداد لمعاناً وبريقا أيام السلاجقة والحروب الصليبية إذ أصبحت حلب مركز سياستهم في الشرق كما غدت مركز الدعاية ضد الدولة الفاطمية المبتدعة ولم يأت نهاية القرن السادس الهجري حتى غدت حلب مركز القيادة الحربية لحماية حدود الامبراطورية الشامية ـ المصرية ضد الصليبيين حكام أنطاكية كما أصبحت المركز التجاري الإسلامي لتجارات الهند وإيران بل وكانت الثغر الإسلامي الثاني بعد القسطنطينية وأزمير واشتهرت أسواقها وخاناتها بعظمها وتعددها... وهكذا ـ كما يقول الدكتور محمد أسعد طلس في كتابه الآثار الإسلامية التاريخية في حلب ـ صارت حلب تحتوي على عدد عظيم من الأبنية الدينية والعمائر المدنية التي تتكون منها مجموعة لاتقدر لدراسة تاريخ الحياة الاجتماعية في الشرق الإسلامي.

 

ولعل سور مدينة حلب أحد الأمثلة على اهتمام الأمراء والملوك بالبلدة ومركزها، قال الشيخ الغزي في كتابه نهر الذهب: قالوا كان يضرب المثل بحصانة سور حلب ومنعته، وكان قديما مؤلفاً من ثلاثة أسوار مبنية بالحجارة من بناء الروم، ثم سرد كيف توالى على ترميمه وتحصينه والعناية به والزيادة عليه كثير من السلاطين ابتداء من الأمويين بعد الفتح الإسلامي إلى السلطان محمود العثماني سنة 1158 الذي جدده ... وقد كان للسور أبواب كثيرة منها باب النصر وباب الحديد وبان الفرج وباب الجنان . وأجملها وأروعها باب قنسرين الذي يعد من خير ماخلفته لنا البراعة المعمارية في فنون التحصين العسكري الإسلامي.

 

 

 

 أما القلعة الشهيرة قلب حلب والشاهد الدائم على تاريخ الأمم  في أجمل الآثار وأعظمها بل هي رونق المدينة فإن أول من بناها هو الامبراطور رسليكس نيكادور سنة 21 من جلوسه قبل الميلاد بنحو 312 سنة ، وقد اعتني بها أبو عبيدة رضي الله عنه بعد فتح حلب كما اعتنى بها الأمويون والعباسيون، ولما استولى نقفور فوقاس ملك الروم على حلب سنة 351 امتنعت عليه القلعة وأعجزته عن اقتحامها لشدة إحكامها، وقد تعرضت للتخريب والتدمير على أيدي التتر وعلى أيدي تيمورلنك ، إلا أنها كانت تعود إلى مجدها وعزها وأهميتها وكان آخر ترميم لها أواخر الدولة العثمانية ثم تعاقبت الحكومات الوطنية على ذلك حتى أصبحت في هذا الوقت عامرة مصانة قد رممت أسوارها وأصلحت أبراجها فلا أجمل من منظرها البهي ليلاً إذ تضاء من جميع جوانبها ـ على ضخامتها ـ فتكون متعة للناظرين من قريب وبعيد...

 

 

 

ويرى الناظر إلى القلعة مسجد القلعة الكبير الذي شيده الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين الأيوبي وبلصقه منارة شامخة لها 78 درجة تشرف على أطراف حلب المتنائية، وقد كان في هذا المسجد محراب خشبي بديع مثل محراب المدرسة الحلوية إلا أنه سرق منه بعد الاحتلال الفرنسي وألطف ما يقرأ من كتابات القلعة ما كتب على قنطرة باب المسجد : برسم آي بأمر الأمير الكبير المخزومي تغري بردي الظاهري نائب القلعة عين ـ عز نصره.. بأن لا يسكن أحد في هذا الجامع ولا يستعمل لغير الصلاة ومن يحدث خلافاً ويعيّر عليه لعنه الله ولعنه اللاعنين إلى يوم الدين.

 

 

ورغم ما بالقلعة الضخمة من سحر ومهابة فإنها لا تطغى على منزلة ومكانة الجامع الأموي الكبير المجاور لها الذي يقال إن سليمان بن عبد الملك هو الذي بناه ليضاهي ما عمله  أخوه الوليد في جامع دمشق ، فقد كان فيه من الزخرفة والفيسفساء والتأنق ما لا يقل عن جامع دمشق إلا أنه رغم ما نقضه بنو العباس من زخارفه وآلاته ورغم إحراق نقفور لعنه الله له لا يزال في حلب يأخذ الأبصار ويسلب العقول لسعته وجودة بنائه وتناسق هندسته وما فيه من أروقة ومصاطب وميضأة جميلة وحرم للصلاة واسع كبير ومنبر لا يماثله إلا منبر الأقصى الذي أحرقه الصهاينة فقد كانا توأمين صنعا معاً أيام نور الدين زنكي، ولهذا الجامع منارة مربعة عالية من حجارة كبيرة وفيها زخرفة ونقوش فريدة وكان الذي يتولي عمارتها القاضي ابن الخشاب استخدم رجلاً بناء من قرية سرمين فبلع بأساسها  إلى الماء وعقد حجراتها بكلاليب الحديد والرصاص وطولها سبع وتسعون ذراعاً بذراع اليد وعدد مراقيها 174 مرقاة، وقد وصف الجامع  ابن جبير في رحلته فقال بلا أطناب : فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا وقتئذ .! وهذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف.

 

 

وتفخر المحروسة حلب الشهباء بمقبرة في داخل باب المقام يقال لها مقبرة الصالحين التي حوت في داخل سور مسجدها قبور ثلة من العلماء ـ كما يقول الغزي ـ ذكرهم الشيخ وفا الرفاعي في منظومته مع من ذكرهم من العلماء والصلحاء المدفونين في هذه المقبرة، وهي من أشرف مقابر حلب وفي طرف مقبرة الصالحين مسجد جميل , وفي هذا المسجد من جهة الشمال قبر الإمام علاء الدين أبي بكر القاشاني الحنفي شارح تحفة الفقهاء للسمرقندي وبجواره قبر امرأته العالمة الفقيهة فاطمة بنت شيخه وفي قبلى المسجد مقبرة فيها جماعة من  الأخيار منهم الأصولي بدر الدين البلخي والزاهد الحسين بن عبد الله ابن حمزة العيوفي.

 

 

 

      

 ولعل أهم ما ينبغي أن نلفت الأنظار إليه في حلب هو المدارس الدينية الشرعية التي أصبحت أطلالاً ورسوما والتي عد منها الاستاذ محمد أسعد طلس نحو ثلاثين مدرسة تخرج بها عشرات ومئات من العلماء المبرزين والنوابع، وكانت قطب رحى حركة علمية ونشاط ديني

ومن أشهر تلك المدارس الاسماعيلية والقرناصية والحلاوية والشعبانية والعثمانية ودار الحديث السهيلية ومدرسة جامع الأحمدية والمدرسة الظاهرية البرانية والمدرسة الكاملية البرانية ومدرسة الفردوس والخسروية وغير ذلك مما يطول سرده ويبكي الفؤاد فقده حتى إنه لم يبق منها حالياً عامراً إلا اثنتين أو ثلاثة، ومن طرائف تلك المدارس أن الملك العادل نور الدين كان يهتم ويعتني بالمتفقهة وبطلبة العلم ويكرمهم فكان يملأ جرنا  خارج المدرسة الحلاوية أو الحلوية على بابها بالحلاوة والقطائف المحشوة بما لذ وطاب ويجمع إليه الفقهاء والمرتبين فيها فيكرمهم ، بل أظرف من ذلك ما ذكره ابن جبير في رحلته عام 580 حيث زار حلب والجامع الأموي فقال: ويتصل به ( أي الجامع) من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسناً واتقان صنعةٍ... ومن أطرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتّح كلُّه بيوتا وغرفاً لها طيقان يتصل بعضها ببعض وقد امتد بطول الجدار عريش مثمر عنباً فيحصل لكل طاق من ذلك الطيقان قسطها من العنب متدليا أمامها فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئاً دون كلفة ولا مشقة.

 

 

 وإذا ما طافت بك القدمان في شوارع حلب القديمة أدهشتك المساجد القديمة المتقاربة إلى حد التلاصق حتى لتحسب نفسك تطوف بين بيوت بلدة أهلها كلهم من العباد والنساك وهذا ما ترك طابعاً وصفة للتدين أصيلة في حلب. فإذا ما التفت ناحية الأسواق أخذ بلبك سوق المدينة الطويل والمتعرج والمسقوف الذي قل أن تجد له مثيلاُ في جمالة وتهويته وتنظيمه واتساعة إلا في أعظم المدن التاريخية القديمة وعلى جوانبه أقيمت الخانات  والتي من أكبرها خان العلبية وخان الغرايين وخان الشيباني وخان الجمرك وخان خيري بك وهي في وقتها كانت تمثل مراكز تجارية ذات ثقل اقتصادي كبير فإذا خرجت من السوق وأردت الاستمتاع بنوع خاص من المتعة فما عليك إلا بالحث عن الحمامات العربية القديمة التي لا مثيل لها في الروعة والجمال كما لا مثيل لأثرها في استجمام النفس وخلو الفؤاد، فهناك في حلب مجموعة نادرة من الحمامات الفخمة لا تحتاج إلا إلى بعض العناية وأشهرها حمام يلبغا وحمام السلطان وحمام بلبان وحمام البياضة وحمام الصالحية، أما حمام اشقتمر وحمام الناصري فهما اللذان يقول فيهما صاحب الدر المنتخب : ليس بالممكن ما يضاهيهما.

 

 

وإذا ما انتقلنا من الآثار المادية في البناء والتشييد وعرجنا على المكتبات العلمية التي تزخر بها حلب وتفاخر غيرها من البلدان فسنرى من بواقي المكتبات الكثيرة شيئاً كثيراً وقد أشار الغزي في نهر الذهب إلى ذلك فقال واشتهرت حلب بالمكتبات النفيسة التي بقي منها أشياء وفقدت أشياء إلا أن كثيراً من المكتبات القيمة التي لا تقدر بثمن  فقدت بأكملها في حادثة دخول تيمور لنك لحلب كمكتبة الجامع الكبير ومكتبات المدارس الكبرى كالسلطانية والعصرونية والواجية ومكتبات الأسر العلمية كمكتبة بني الشحنة ومكتبة بني النديم ومكتبة بني الخشاب، وللكتاب الحلبيين مزية الخط الحسن الذي اشتهرت به تلك البلدة حتى كان الخط الحسن باباً عظيما من أبواب الغني يقول فيه القائل ( حسن الخط سوار من ذهب).

 

ولا يسعنا أن نغفل ما اشتهر به الحلبيون على مدى العصور منذ القديم . ينقل الشيخ الغزي عن الرحالة الغربي دارفيو في تذكرته:  إن الأمر الخارق للعادة هو اميتاز الحلبيين وسموهم على باقي شعوب الممالك العثمانية كلها فإنهم أحسنهم طباعاً وأقلهم شراً وألينهم جانبا وأشدهم تمسكاً بمكارم الأخلاق . ثم أطنب في تصون نسائهم وعدم دخول الذكور إلى الحريم متى بلغوا السابعة وشدة غيرة الحلبيين عليهن وكأن كلمة الحريم عندهم مشتقة من الاحترام..

 

     تلك هي حلب بلد التاريخ والحضارة والعلم والجهاد والملوك  والتجار.

 

 

يقول فيها الشاعر كشاجم:

 

       وما منعت جارهــا بلدة           كمـا منعت حلب جارها

 

       هي الخلد تجمع ماتشتهي              فزرها فطوبي لمن زارها


الشيخ عبد الله نجيب سالم / الموسوعة الفقهية / دولة الكويت