آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
محمد رسول الله ... عظمة الرسول



مرات القراءة:1991    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

محمد رسول الله ... عظمة الرسول

بقلم الباحث الشيخ عبد الله نجيب سالم

 

لن تستطيع نفس عادية وشخصية بسيطة أن تتحمل رسالة ضخمة غير عادية.!!!

كانت أوجه العظمة في الرسول العظيم r  تتجلى في كل ناحية من نواحي نفسه، وكل جانب من جوانبها ، سواء في هدوئه وغضبه، أو في صحته وسقمه، أو في حربه وسلمه، أو مع عدوه  وصديقه، أو فيما بينه وبين نفسه، أو  بين أهله  والناس، أو مع الكبير والصغير والنساء والرجال بل وحتى مع الحيوان.

 إنه كان  عظيماً بكل ما تستطيع هذه الكلمة أن تتحمله من معان شاملة سامية كبيرة... ولن نتعرف على عظمته  إلا إذا تتبعنا حوادث  حياته ومواقفه فيها... وإن فيها لغرائب.

   أ ـ [ثباته  على رسالته]: إن التاريخ لم يسجل لنا صبر إنسان على عقيدته، رغم  التعذيب المنوع والطويل والمتواصل، كما سجل لنا عن حياة  رسول الله  في هذا المضمار... بل كان خلال فترة التعذيب والاضطهاد يزداد ثباتاً وانتشاراً، وتحدياً وتصميماً.

من ذلك: أنه مكث في مكة  ثلاث عشرة سنة وقومه ـ أهل مكة ـ على أشد حال من المعاناة والإيذاء.

عن عبد الله بن جعفر قال: ((لما مات أبو طالب عرض لرسول الله r سفيه من سفهاء قريش، فألقى عليه تراباً، فرجع إلى بيته، فأتته امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي... )).

ومرة كان يصلي حول الكعبة، فلما سجد (وكان  يطيل السجود) قال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان، فيأتينا بفرثها، فنكفئه على محمد... فانطلق عقبة بن أبي معيط فأتى بها، فألقاه على كتفيه وهو ساجد.

ومرة قال عليه السلام: ((يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)) فمنهم  من  تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبه، حتى انتصف النهار.

ولما غادر مكة قاصداً الطائف رده زعماؤها أشنع رد وأقبحه، فيمم شطر مكة، وقبل أن يغادر الطائف أغروا به سفهاءهم وأطفالهم ومجانينهم  (سلطوهم عليه) فقعدوا له صفين على الطريق، وفي أيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجلاً أو يضعها إلا رضخوه بالحجارة مستهزئين ساخرين، حتى سالت الدماء من قدميه.

هذا نمط من صبره على المكاره... وهناك صبر  على ماهو أقوى من المكاره... إنه صبر على الإغراء، فهو أكبر وأعظم... إذ أن من الناس من يزعم أنه لما عرف محمد بدعوته أراد المكابرة فصبر... ولكن هل يستقيم هذا المنطق مع إغراء قومه له.

لقد حاول قومه إغراءه أكثر من مرة. قالوا مرة: يا أبا الوليد (وهو عتبة  بن أي ربيعة) قم فكلمه، فجلس إليه، وقال: يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت  تريد شرفاً، سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً من دونك، وإن كنت تريد ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن ، طلبنا لك  الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ،.... حتى إذا فرغ والرسول ساكت دَهِشٌ مما يسمع... نظر إليه  وقال: ((ما بي ما تظنون، ولم آت لما تذكرون. ثم قال: اسمع يا أبا الوليد وتلا عليه آيات من كتاب الله: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم ، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ ََلا يَسْمَعُونَ﴾ إلى أن بلغ السجدة فسجد.

وصبر عليه السلام على نوع آخر من الاضطهاد. وهو الاضطهاد العائلي... فلقد سار رجال  من قريش إلى زوجَيْ ابنتيه، فما زالا بهما حتى طلقاهما. كما هددوه عن طريق تهديد عمه أبي طالب بمناجزته وابن أخيه محمد الحرب، إذا ما استمر في حمايته، أو لم يمنعه  عن الاسترسال في دعوته، فاستدعاه عمه واستعطفه، ورجاه أن يبقي عليه وعلى نفسه، ثم طلب منه أن لا يحمّله ما لا يطيق. فظن رسول الله أن عمه  سيتخلى عنه، فقال كلماته التاريخية: ((والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، أو أهلك دونه)).

وثبت رغم سلاح السخرية والاستهزاء المسلط عليه وعلى أتباعه. فمرة يلقبونه بالمجنون، وأخرى بالكذاب، وثالثة بالساحر، ورابعة بالشاعر، وخامسة وسادسة...

ولم يتراجع أمام  حصار قريش الاقتصادي والاجتماعي له ولأصحابه وأقربائه، بل صبر ثلاث سنين على مقاطعة قريش، وبلغ الجوع بالمسلمين مداه، حتى أكلوا ورق الشجر وما تعافه الأنفس.

وثبت على دعوته رغم محاولاتهم  المتكررة قتله والتخلص منه.

إنها لنفس عظيمة رائعة في مواقفها تلك... لم تتخاذل أمام كل هذه المعوقات، بل اعتبرتها أوسمة شرف، وعوامل تصميم على الاستمرار في الدعوة ومحاولة رفع صوت الحق، فوق طنين الذباب ونعيب البوم.

ب ـ [الأخلاق التي تحلى بها رسول الله]: إن أعظم مديح على الإطلاق قيل في أخلاق رسول اللهr  هو قول  الحق سبحانه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾... وليس في هذا غلو ولا مبالغة ولا إطراء زائد. لأن من يتصفح  تاريخ حياته يجد أخلاقاً من نوع فريد.

فرحمته عليه السلام وسعت كل  شيء حوله: الفقراء والعبيد، والأطفال والنساء، وحتى الأعداء والحيوان. ويصف نفسه  بقوله ((إنما أنا  رحمة مهداة)).

لطم مرة أحد بني سويد خادمة لهم فقال: ((اعتقوها. فقيل ليس لهم سواها. فقال: فليستخدموها، فإن استغنوا عنها فليعتقوها)).

ولما فتح مكة وقف على باب الكعبة، وحوله جيشه المنتصر، ثم قال لأهل مكة ـ وهم معروفون بمواقفهم العدائية والوحشية معه ومع أصحابه دهراً طويلاً ـ قال: ((ما تظنون أني فاعل بكم. قالوا: خيراً... أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)). فما أوسع رحمته  وأروع خلقه.

وحلمه يضرب به المثل.

مرة كان يقسم  غنائماً فأتاه ذو الخويصرة ـ رجل من تميم ـ فقال: يا رسول الله أعدل. فقال: ((ويلك من يعدل إن لم أعدل لقد خبتَ وخسرتَ. فاستأذن عمر أن يضرب عنقه، وتبادر لذلك، فقال: ((دعه)).

ودخل المسجد وعليه برد غليظ الصنعة، فأتاه أعرابي من خلفه، فأخذ بجانب ردائه، حتى أثرت البردة في صفحة عنقه، وقال له: يا محمد أعطنا من مال الله الذي عندك!... فالتفت إليه وابتسم وقال: ((مُروا له)).

هذا وإن حلمه لم يكن عن جبن أو خور.. فهو الشجاع الذي لا يهاب، وهو  المطاع  في أصحابه غير مخذول. ويتحدث علي رضي الله عنه عن شجاعته، فيقول: (( كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق لُذْْنا برسول الله، فما يكون أقرب إلى العدو منه)).

وسمع أهل المدينة ذات ليلة ضوضاء مريبة، فأسرعوا يستجلون الخبر، فوجدوا رسول الله قد سبقهم وعاد، وهو يقول مطمئناً: ((لن تراعوا، لن تراعوا، إنما هم بنو فلان...)) وإنه لَعَلى فرس عُرْي في عنقه السيف.

وما أثر عنه بخل قط... بل كان كالريح المرسلة جوداً وعطاءً.

سأله صفوان بن أمية شعباً مملوءاً غنماً ـ ولم يكن أسلم بعد ـ فقال: ((هو لك))، فأسلم من فوره.

ويذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه ما سئل شيئاً قط  فقال: لا.

ولما عاد من  حنين، وكانت الغنائم بالألوف من الإبل والغنم والبقر والذهب والفضة والمتاع... عاد وما معه إلا رداءه، الذي أعيد إليه بعد أن اختطفه أحد الأعراب... لقد جلس  يقسم ما غَنِمَ، سخية نفسه، يتدافع الناس عليه، حتى ألجئوه إلى شجرة، وخطف بعضهم رداءه... فنظر إليهم  عندها وقال: ((أيها الناس ردوا عليَ ردائي. فلو كان لي مثل هذه الشجرة نعماً وخيراً قسمته بينكم ثم لا تجدونني بخيلاً ولا جباناً)).

أما عن تواضعه، فقد نقلت إلينا الأحاديث الشريفة الصحيحة العجيبة الشأن.

كان يحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويعين أهله، ويسير في حاجة الأرامل والأيتام، ويحمل متاعه بيده إلى بيته، ويشارك أصحابه العمل، ويجلس في  بيته على الحصير الغليظ الذي يؤثر في جنبه، ولربما استوقفته العجوز الهرمة لبعض شأنها، فيقف ويصغي لها طويلاً. وقد سجل له القرآن الكريم هذا الموقف الكريم ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

وكان يكره المديح والإطراء. قال لأصحابه ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله)).

وكان يتخلف في السير ـ مع الجيش ـ فيزجي الضعيف (يسوقه)، ويردف خلفه، ويدعو لهم.

وما ترفع قط عن أصحابه، بل كان ينزل نفسه منزلتهم، ويجلس حيث ينتهي به المجلس، وكان يقاصصهم من نفسه، ففي غزوة بدر بينما كان يسوي الصفوف، رأى سواداً ـ أحد أصحابه ـ غير مستقيم في وقفته، فطعنه في بطنه، وقال: ((استو يا سواد. فقال: لقد أوجعتني يا رسول الله، وإن الله بعثك بالحق فأقِدْني!.. فكشف له عن بطنه وناوله العود وقال: اقتص يا سواد. فاعتنق سواد بطنه وصدره، يقبلهما ويمسح وجهه بهما...) نعم لقد أسر رسول الله قلبه، واستولى على مشاعره.

وما عاب طعاماً قط. إن اشتهاه أكله وإلا قال: ((إني صائم)).

وما اعتنى بملبس أو مسكن  بشكل زائد وغير طبيعي، بل كان يحب التوسط، ويميل إلى الكفاف.

كل هذا والأموال بين يديه، والناس حوله يسمعون له، وأعداؤه تخشاه أيما خشية، ولا أحد يستطيع أن يحاسبه... بل كان حسيب نفسه ورقيبها.

وأخلاقه مع زوجاته وبناته كانت قدوة ومثالاً... فما كان يحيف على إحداهن لحساب الأخرى، بل كان يداعبهن جميعاً ويعينهن في شأنهن، وما منعه حبه لعائشة رضي الله عنها أن يزجرها مرات ومرات عندما تخطئ.. وبهذا فقد كان الزوج  المثالي في عدله وطيب معشره.

أما وفاؤه، فيكفي أن نعلم أنه لم ينس خديجة وفضلها حتى بعد وفاتها بسنين طويلة، بل كان يحسن إلى صويحباتها ومن كان يدخل عليه أيامها، ويقول: ((ما أبدلني الله خيراً منها... صدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها، ورزقني الله منها الولد)).

وما كان صاحب شهوة فرج، أو فريسة حب جامح، مع اكتمال رجولته وتمام قواه، فما تزوج إلا بعد الخامسة والعشرين من خديجة التي بلغت الأربعين، ثم لما توفيت، وزاد عمره على الأربعين تزوج سواها.

 وليس من مطعن عليه أن يتزوج تسع نساء، فلكل واحدة منهن سبب وراء زواجه بها.... وإنهن لثيب جميعاً إلا عائشة... وكم كانت هذه الطريقة سائدة في العرب وفي غيرهم دون نكير... وكم نرى رجالاً عاديين تزوجوا عدداً من النساء حفاظاً على أولاد ضائعين، أو رعاية ليتيمة ومعدمة، أو سعياً في التقرب من نسب رفيع، أو محاولة لإصلاح ذات البين... أتضيق هذه الأسباب وغيرها على رسول الله ـ وهو الذي تتعلق به مصالح الأمة كلها ـ أن يعدد نساءه، مع ما ثبت أنه ليس بذلك الرجل الذي تغلبه شهوته، أو يسيّره فرجه.

 

ج ـ [قيادته السياسية]: من الثابت أنه عليه السلام كان في تصريف أمور المسلمين الداخلية والخارجية وتوجيه العمل في إطار الدولة أعظم السياسيين على الإطلاق. وها هي سياسته في حياته خير شاهد على ذلك ودليل.

ولنأخذ على سبيل المثال واقعة صلح الحديبية. والقصة طويلة لا يتسع لها المقام، ولكن مع أن الغالبية من الصحابة كانت مع رفض هذا الصلح، أو على الأقل رفض بعض بنوده التي ظاهرها الإجحاف بالمسلمين، وكانوا على أتم الأهبة والاستعداد لقتال قريش، بعد أن عبأهم النبي r روحياً ونفسياً لذلك، رغم كل هذه الحيثيات. وافق رسول الله على إبرام الصلح ناظراً إلى الأفق البعيد، متجاوزاً النظرات الضيقة... ولنكتفي هنا بنبذات من نتائجه:

ـ من آثار هذه العملية السياسية التي أو قفت الحرب عشر سنين ـ حسب أحد البنود ـ أنه فرغ عليه السلام من أمر العرب المعادين له والسائرين فلك قريش، ليلتف ويتفرغ لليهود الذين أقضوا مضجعه، فيصفيهم من المدينة وما حولها، بعد أن خانوا عهوده ومواثيقه، وأعلنوا عدائهم وحَربهم.

ـ ومن نتائجها: أنها أعطت القبائل التي كانت تميل إلى النبي وتتخوف من عداوة قريش حرية الدخول في حلف رسول الله علانية دون إسرار.

ـ ومن نتائجها: أنه تفرغ لشؤون الآفاق والأمم الأخرى، فأرسل الرسل وبث الكتب وشرع في  إسماع العالم الخارجي آيات الله.

ـ ومن نتائجها: أن انكسرت شوكة المنافقين الذين كانوا يتقون كلما تحركت قريش، فلما جمدت قريش عداوتها بطل عملهم في تفتيت وتهديم الجبهة الداخلية.

ـ ومن نتائجها :  فتح مكة، إذ أن قريشاً لما تقضت العهد سيّر جيشاً لَجِباً نحو مكة، دون أن تستنكر العرب فعلته تلك، بل رأت فيه قائداً قوي الشكيمة، يستعمل حقه في شن الحرب على من نكث عهده، ولم تنظر إليه على أنه مستحل للحرم، أو معتد على قريش جيرانه.

ـ ومن نتائجها: أنها أفسحت المجال  أمام طوائف العرب ومختلف الناس للاختلاط بالمسلمين ومعايشتهم عن قرب، حتى يلمسوا حسن أخلاق المسلم، ويطلعوا على جميل مزايا الإسلام... فكان الفرق خلال فترة وجيزة واضحاً. لقد وقع النبي صلح الحديبية في ألف وخمسمائة من أصحابه، بينما سار إلى مكة بعد أكثر من سنة في عشرة آلاف مقاتل... هذا الفرق الكبير في العدد مرده إلى أمور منها: إسلام كثير من العرب بعد الاختلاط بالمسلمين نتيجة الصلح وإنهاء القتال... وقد جاء القرآن شاهداً ومشجعاً هذا الموقف العظيم، فسماه فتحاً ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾.

هذا مثل من أمثلة قيادته السياسية في التعامل مع أعدائه. أو في شؤون الجبهة الخارجية. ونستطيع كذلك أن نقول الشيء نفسه عن نجاحه في قيادته للجبهة الداخلية وحسن توجيهه لشئونها.

لقد تمتع  الرسول الكريم بمحبة مطلقة وغير متناهية من أصحابه. وهذه الظاهرة الفريدة والجديدة على الجزيرة العربية إن دلت على شيء، فإنما تدل على حنكته وبراعته، ودقته وحكمته.

 العدل بين الناس رائده.. ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت  يدها)).

والحكمة والحنكة أبرز صفاته ..﴿ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.

 والمعالجة النفسية قبل المادية، والرحيمة قبل الشديدة طريقته. ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾.

لقد واجه رسول الله في الداخل مشاكل كثيرة ومعقدة... فالمنافقون واليهود يتربصون به الدوائر، والنعرات الجاهلية لم تمت بعد إلى الأبد، ومشاكل الهجرة والمهاجرين  أقسى من أن تلين، وتتابع الوحي والسير بالأمة نحو تكامل الشريعة يحتاج إلى جهد جهيد.. ومشاكل أخرى عديدة لو أنها وقفت  في  وجه غير محمد عليه السلام، مهما كان سياسياً محنكاً لخرت عزيمته، وشلت  قريحته، وقضت عليه.

 لكن رسول الله أثبت مقدرة عجيبة على قيادة دفة سفينة المجتمع الوليد، وسط  بحر الأمواج المتلاطم، ووسط حقل الألغام الخطير. فأذاب الشخصيات الزائفة المصطنعة، وسحق الوجوه الكريهة الكئيبة، وتغلب على الأوهام والخرافات. بل إنه بما أوتي من عقل كبير، ونظر ثاقب، وبما غرسه في نفوس أصحابه من حب عميق له، وثقة مطلقة به، كوّن من المزيج المتباين والأمة المفككة كتلة واحدة متضافرة متضامنة.

 والأمثلة في ذلك كثيرة وعديدة... ولكننا  سنتناول هنا كمثال طريقته في معالجة آثار غزوة أحد.

فغزوة أحد... مُنِيَ المسلمون فيها بهزيمة عسكرية ضخمة لم يتوقعها، بل لم يستعدوا بَعْدُ لها. ونتائجها على الأمة الصغيرة الفتية كان كبيراً... ضعُفت الروح المعنوية للمسلمين، وطمع كثير من القبائل بهم، وتحركت رؤوس الفتنة وأمة النفاق لإظهار شماتتها واستعراض عضلاتها، بل وكان الاحتمال كبيراً أن يعود جيش قريش إلى المدينة، ليستأصل من بقي من أهل الإيمان وأنصار رسول الله. فماذا فعل رسول الله يا ترى؟!

إنه ما كاد يصل إلى المدينة عائداً من المعركة، وجراح أصحابه تثغب دماً، ورباعيته مكسورة، ووجه مجروح، حتى أمر كل من كان معه من المقاتلين  ـ دون أن يقبل مشاركة غيرهم ـ أن يستعدوا لشن هجوم مضاد في اليوم الثاني، وفعل ما أمر به، فوصل في مطاردة جيش قريش إلى حمراء الأسد، وأقام فيها ثلاث ليال.. راع المشركين  أنباءُ هذا التحدي الصارخ، وأعلنوا الرحيل فيما يشبه الهرب، وتراجعوا عن فكرة الكر على المدينة، ورضوا من الغنيمة بالإياب، واستطاع هو عليه السلام بهذه العملية أن يغسل العار، وأن يبث هيبته في قلوب القبائل، وأن يعيد ثقة أصحابه إلى نفوسهم، وأن يطمئن من كان من المسلمين في المدينة.

إن هذا نموذج واضح لحسن التصرف في شئون المسلمين... وغيره مثله كثير.

د ـ [الدعوة والطرق التي سلكها فيها]: لم يَدَعْ رسول الله r طريقاً يوصل به رسالته إلا اتبعها. فأول مرة دعا الناس ـ وهو صاعد فوق الصفا ـ إلى الاجتماع والاستماع، ثم قال  لهم: إني رسول الله. وذلك بعد أن سألهم عن مدى تصديقهم له لو أخبرهم بعدو يتربص بهم... فأعلنوا تصديقه دون تردد لو فعل.

   وفي مطلع الدعوة وفجرها الأول مكث ثلاث سنين يدعو إلى الله سراً، ويقوم بشعائر الدين الجديد متخفياً.

   وكان إذا جاءت وفود العرب حاجّة إلى مكة، يتتبع منازل القبائل منزلاً منزلاً، ويستصحب معه الخبير بالقبائل وأنسابها وأخبارها (كان يستصحب أبا بكر الصديق) فيعرض على تلك الجموع والوفود دعوته، وأن ينصروه ويؤوه، ولهم بذلك مجد الدنيا والآخرة، فمنهم من كان يرد بقبح وشناعة، ومنهم من يسكت أو يعرض أو يشترط، حتى أسلم  أول  الأنصار المدنيون بهذه الطريقة.

   ولقد رحل إلى الطائف ماشياً مسافة طويلة على قدميه، رغم بُعْد البلد ووعورة الطريق، كي يبلغ أهلها دعوته، فلعل أن يكون عندهم فرج أو مخرج.. ولكن هيهات.

   وأمر أصحابه وأتباعه أن يكونوا وسائل تبليغ ونشر لهذا الدين، كلٌ بقدر طاقته واستطاعته، لا عذر لأحد في التقصير.. ((بلغوا عني ولو آية، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)).

وكان له رسل في كثير من أطراف الجزيرة العربية.. مصعب بن عمير سبقه إلى المدينة مبشراً، وأبو عبيدة بن الجراح أرسله إلى نجران، وعلي بن أبي طالب بعثه إلى اليمن، ومعاذ بن جبل، وفلان وفلان... كانوا كلهم رسل رسول الله، يبثون التوحيد، ويعلنون للناس ولادة الإسلام.

ومن وسائل تبليغه لدعوته: أنه حذر كل من يعلم أنه يتباطأ عن التعليم، كما حذر من يجهل من الأعراض عن التعلم فقال: ((ما بال أقوام لا يفقِّهون جيرانهم ولا يعلمونهم.. وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يفقهون..)) ثم يعلن أنه بصدد عقوبة كل من هذين الصنفين إن لم يترك ماهو عليه فيعلم أو يتعلم.

أما الملوك والأمراء من فرس وروم وحبشة وغساسنة ومناذرة، فقد أرسل إليهم الرسل تحمل كتبه، للبدء في عالمية الدعوة، وإخراجها للبشرية جمعاء، ولا عليه إذ أعرض بعض هؤلاء، وأخذته العزة بالإثم، فإن بعضاً منهم آمن أو لانَ أو هادَن.

 لقد استنفذ جميع طاقاته في الجهر بدينه وتبليغ البشر... كان لا يني ولا يفتر، ربما حمّل نفسه بعض مالا تطيق رغبة في الخير للناس.. يصفه ربه بقوله ﴿} فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.

هـ ـ [شخصيته العسكرية]: والواقع أنه  ـ عليه السلام ـ كان ذا شخصية عسكرية ممتازة.. تمثل القمة في  التخطيط والحذر، وقيادة الجيوش إلى معارك الظفر.

   عقد العقاد ـ الكاتب البحاثة ـ مقارنة مفصلة بين نابليون بونابرت وبين محمد بن عبد الله عليه السلام في فن الحرب، وخرج  من هذه المقارنة بنتيجة هي: أنه ما من قضية فَطِنَ لها بونابرت، وكانت ذات قيمة حربية، إلا وكان رسول الله  قد سبقه إليها... ولكن نابليون فشل في حياته آخر المطاف، ولم يفشل رسول الله.

   وإذا كنا نحس في أنفسنا  بالامتعاض من مقارنة رسول الله بنابليون، وذلك نظراً لما نجد من فوارق كبيرة بين رسول من عند الله، وبين بشر مهما بلغ من المكانة.. فإن علينا أن نذكر أن نابليون كان قائداً كبيراً، مالت عليه شجرة النصر بأغصانها كثيراً، ليقطف من ثمارها ما شاء.

نعم إن المقارنة بين الرجلين أظهرت عظمة شخصية الرسول العسكرية، حيث كانت الموارد بين يديه شحيحة، والإمكانيات محدودة، ولم يقرأ كتاباً عن فنون الحرب قبل، ولم يجلس على مقاعد التعليم  أبداً.

وليس العقاد هو الوحيد الذي أظهر جوانب فضل رسول الله وأطرافاً من قيادته العسكرية. فاللواء الركن محمود شيث خطاب جمع كتاباً نفيساً سماه (الرسول القائد) تناول فيه ذات الموضوع ونفس الجانب، وبين بكل وضوح أن مقاييس الحرب والقيادة، وسلم النجاح العسكري، تدين كلها لرسول الله، وتشهد أنه لم يكن له مثيل، ولم تلد الأيام له نداً.

 ولا نحسب أن المقام يسمح بالاستطراد طويلاً. ولكن لا ضير في أن نسرد بعض مقتطفات من كلام العقاد كما يرويه لنا الأستاذ سعيد حوى في كتابه: (الرسولr) يقول العقاد:

((لم يعرف عن قائد حديث أنه كان  يعنى بالاستطلاع والاستدلال عناية نابليون)).

 ثم ينتقل إلى موقف رسول الله r واهتمامه بالاستطلاع وفراسته  في ذلك، حين أسر أصحابه رجلين من عبيد أهل مكة قبيل بداية غزوة بدر.. ((وكان فراسة النبي في ذلك مضرب الأمثال. فلما رأى أصحابه يضربون العبدين المستقيين من ماء بدر، لأنهما يذكران قريشاً ولا يذكران أبا سفيان، علم بفطنته الصادقة أنهما يقولان الحق، ولا يقصدان المراء، وسأل عن عدد القوم، فلما لم يعرفا سأل عن عدد الجزور التي ينحرونها كل يوم، فعرف قوة الجيش بمعرفة مقدار الطعام الذي يحتاج إليه، وكان صلوات الله عليه إنما يعوّل في استطلاع أخبار كل مكان على أهله، وأقرب الناس إلى العلم بفجاج الأرض، ويعقد ما يسمى اليوم مجلس الحرب قبل أن يبدأ القتال، فيسمع من كلٍ فيما هو خبير به من فنون أو دلائل استطلاع)).

ولقد كان النبي الكريم قائداً حربياً، ولكنه كان إنسانياً إلى أبعد الحدود، فلم يكن يسمح بإشعال نار الحرب وإضرامها إلا عند الضرورة القصوى، وعندما لا تنفع في الموقف العصيب سواها... إنه كما لم يكن شهوانياً مستعبداً لنزوته، لم يكن دموياً تسوقه الرغبة في البطش، أو تهزه طرباً رؤية الدماء... ما كان يقاتل حتى يعرض ثلاث  خلال: الإسلام، أو الجزية، أو القتال... وكان يوصي أصحابه بالرحمة، فلا يقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً هرماً ولا عبداً ولا راهباً، ولا يقطعوا شجرة، ولا يمثلوا، ولا يحرقوا.

إنها إنسانية مطلقة.

وإنه الإنسان الكامل... إنه الرسول الكريم... إنه محمد  الذي بشرت به الرسل، ومجدته الكتب، وانتظرته الأجيال  طويلاً، وزغردت  الأرض لحظة ولادته.

              واهتزت الأرض إجلالاً لمولده    شبيهة بعروس هزّها الطرب

                     *      *      *      *      *      *      *

هذا قليل من كثير... فمن المؤكد أن ما كتب حول شخصية رسول الله r من قبل أعدائه وأتباعه لم يصل إليه ـ كثرةً وتنوعاً ـ كل ما كتب حول شخصيات العالم.. ومع ذلك فمن المؤكد أن إنساناً ما، لم يستطع أن يتهم، ثم يثبت قلة شأنٍ فيه، أو يحكم بالنقص ـ منصفاً ـ على هذا الوليد اليتيم.. رسول الله r.

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع