آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   خواطـــــــر
نفحات من غار حراء



مرات القراءة:9095    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

رحلة إلى غار حراء


كتابة الشيخ إبراهيم الحمدو العمر

مكة المكرمة ، يوم الأحد /15/11/2009


هذه أفكار مبعثرة كصخور الجبل السمراء في رحلتي إلى جبل النور وغار حراء ،تركت القلم فيها على سجيته والفكر على انطلاقته فاعذروني لعدم ترتيبها ...

في هذا اليوم (الأحد15-11-2009 ) أكرمني الله وصعدت إلى جبل النور ودخلت إلى غار حراء ، بعد الفجر وقد هرعت إليه في هذا الوقت تفادياً لحر الشمس وكنت أظن أنه لن يسبقني أحد إليه وإذا بي أرى الناس عائدين منه فقلت في نفسي من أدلج بلغ المنزل .
والصاعدون إلى الجبل خليط يحكي أجناس المسلمين وتنوعهم ، فترى في الصاعدين من كل جنس وسنخ (السنخ : الأصل . انظر الصحاح ) ولون ، والكل يتتبعون خطى الحبيب صلوات الله عليه ، ويترصدون الأماكن التي مشى فيها لكي يمشوا عليها و لاتجد فيهم إلا متأملاً متفكراً معتبراً فأي عظمة لهذا الدين بل أي سلطان لك يا رسول الله على قلوب أتباعك ومحبيك صلوات الله عليك ،
والصعود إلى الجبل شيء صعب جداً لا تكاد تتصور صعوبته وما راعني إلا كثرة النساء وكبار السن من إخوتنا الباكستانيين والأتراك وكازخستان وغيرهم وقليل من العرب، وقد رأيت طفلاً لا يتجاوز العشر سنوات مع والده عائدين من الجبل ولن تستطيع أن تتصور فرحتهما لكثرة ما يغمرهما من البشر البادي عليهما والأب ممسك بيد ولده والطفل يثب وثباً ، كأن تلك الصخور دمىً بين رجليه ، كالخشف (الخِشف : بالكسر :ولد الظبي ) بين يدي أمه وهو يملأ عليها الدنيا سروراً ومرحاً ،
وطريق الجبل المؤدي إلى الغار عريض في بدايته ثم يضيق شيئاً فشيئاً حتى إنه في بعض الأماكن يغص باثنين ،
في نهاية الجبل وأنت تقصد الغار قمة وعرة جداً وصعبة وطريقها مخيف ،
والجبل مطل على الكعبة المشرفة ، وقد رأيت منه منائر الحرم ، والجبل في طبيعته على قسمين كأنك منه في جبلين ، فالقسم الأول قاعدة عريضة تعلوها قمة كالقلعة المستقرة على هذه القاعدة المتينة أو قل هي جبل صغير موضوع بإحكام فوق جبل كبير ، وإن هذه القمة لتختلف حتي في طبيعة تكوينها اختلافاً لايخطئه الناظر ، فهي تكاد تكون مربعة في شكلها لو نظرت إليها من بعيد ، وهي تبدو للرائي كأنها صخرة واحدة كبيرة ، وبينما طريق الجبل الأسفل عريض يتسع لخمسة أو ستة أشخاص وفيه شيء قليل من سلاسة الصعود عليه وله من الطرف الأخر طريق آخر أيضاً ، تجد طريق القمة ضيق جداً يضيق في معظمه عن شخصين ، وعر جداً يكاد المتسلق عليه يفقد توازنه وكثيرون هم الذين يحبون فيه حبواً خصوصاً من النساء وكبار السن ، أو من يعتمد على عصاً اشتراها من الباعة الذين اتخذوا من المنعطفات دكاكين لهم ، وليس لهذه القمة إلا هذا الطريق الضيق فيدور معه الصاعد حيثما دار ، والجميل في هذا الطريق الوعر أن سيل الصاعدين والنازلين الذي لا ينقطع لايؤذي بعضهم بعضاً ولقد قلت في نفسي إن هؤلاء الذين يصعدون جبل النور على كثرتهم وضيق المكان بهم مع هذا اللطف والاحترام هم غير أولئك الذين تراهم يزاحمون ويتدافعون عند البيت وفي الطواف وعلى الحجر ، وكأن روح الجبل برسوخه وسر الوحي سرى في الصاعدين إلي هذا الجبل الوقور ، وأنت في طول رحلتك الشاقة هذه على سماع مستمر لذكر النبي صلى الله عليه وسلم وبلغات مختلفة من تركي وباتان وعربي وغيرها ، وقد كانت إقامتي قريبة من جبل النور وهذا من فضل الله ومنته فكنت أتأمله كثيراً ومرات عديدة في اليوم فيخيل لي أن لقمّته هذه التي أتكلم عنها من الإشراق ما لا أرى للجزء الآخر منه وهو قاعدته ، وكأن هذه القمة صيغت صياغة أخرى في تكوينها فهي قمة منيعة كأنها وُقْنَةُ نسر( الوقنة : محضن الطائر في الجبل ) أو مرصد قائد أو نجعة المتأمل الذي يرمق الأفق البعيد بنافذ بصره أو هي محراب المتعبد المتبتل الخاشع الذي هجر الدنيا وأهلها وهُرِعَ إلى ربه يناجيه ويأنس به ويطلق روحه الوثاب ليعانق إشراقات النور الباهر أو ..........أو هي قمة جبل النور التي اختارها الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه مكاناً يعبد فيه ربه بعيداً عن أصنام قريش وخرافاتها وضوضائها ، وهي المكان الذي كان ملتقى أول إشعاعات الوحي الإلهي على قلب الحبيب المصطفى صلوات الله عليه لتكون هذه الرسالة قمة بين الرسالات كقمة هذا الجبل وعرة على من يريدها بسوء كوعورته عصية على من يكيد لها ، يتسلق إليها المسلمون على اختلاف أجناسهم بدون انقطاع بسيل هدار يملأ الدنيا بهدوء وحكمة وروية كهدوئهم في صعود هذا الجبل الأبيّ، ولقد تأملت في هذا الجبل وفي الجبال التي من حوله مرات ومرات فما وجدته إلا كما وصفت لك من منعته وإحكامه وما وجدت بين الجبال الكثيرة من حوله ما يشبهه وأظن أن من يقرأ وصفي له سوف يهديه نظره إليه بمجرد أن يراه دون أن يسأل أحداً عنه وبالطبع إذا ما كان قريباً منه وقارن بروية بين هذه الجبال الكثيرة وأسلوب تكوينها ، ولو وُصِفَ لي كما أصفه لك الآن لما بقيتُ أياماً بجانبه وأنا لا أعرفه ، واختيار هذا المكان من النبي صلى الله عليه وسلم ليس اختياراً عادياً فإنك لن تجد في جبال مكة كلها ما يساويه من حيث إنه يفتح باب التأمل ، يطل على بيت الله ويتصل منه بشعاع لاينقطع وينأى عن خرافات أهل مكة ، وهمج قاطنيها ، ويغتسل كل لحظة بالغمام الطهور ، وتصافحه مواكب النسيم وتقبّله قطرات الندى ، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم فوق العبقرية وأجلُّ لقلت إنه اختيار عبقري ، ففيه كل ما يطلبه ذو اللب من صفاء ذهن وفتح لآفاق الفكر وانطلاقه في فُسَح تلك الأودية عبر تلك الصخور على قمم تلك الجبال خلال ظلمات تلك الكهوف خلف مرامي تلك الخيالات في طهر ذلك الغمام الذي يغمرك و أنت تصعد ذلك الجبل ، معانقاً أشعة الشمس أول ما يبدو حاجبها الفتان من خلف الغار ، وآه من ذلك الشعاع ما أجمله وما أروعه ، شعاعها على جبل النور له ضياء من النورآخر وبريق من الجمال مختلف جداً، قيل لأحد مجانين الهوى ما بلغ من حبك لفلانة قال والله إني لأرى الشمس على حائطها أحسن منها على حيطان جيرانها وتأمل معي كلام هذا المجنون لتعلم أن أثر الحب يظهر في كل ما يتصل بالمحبوب ولو كان حجارة صماء وهذه أذواق نادرة أسأل الله أن يمن علينا بها في محبة أحبابه ، تُرى كيف يرى عشاق الحبيب المصطفى صلوات الله عليه شعاع الشمس وضوء القمر على هذا الجبل الحبيب ، بل قل ماذا يُكشف لهم من الأسرار في تلك الصخور العاشقة التي احتضنت بين جنباتها أشرف نسمة من بني الإنسان ، و رأت أمين الوحي يسلم الحبيب المصطفى صلوات الله عليه بريد خاتمة الرسالات السماوية من رب العزة جل جلاله في هذا المقام ثم يلقاه بين الفينة والأخرى يبلغه أوامر مليكه العزيز ، ويا ترى ماذا حصل لتلك الحجارة العاشقة حينما خفق عليها بجناحيه جبريل عليه السلام أول مرة وهي التي طال عهدها بمثل ذلك النور الملائكي المضمخ بعبق العرش والكرسي وظلال الجنة وأنفاس الأملاك العلوية ؟
-
في أعلى هذا الجبل العاشق غار حراء ، أول بقعة أشرق بين جنباتها نور الله وأول من احتضن سر النبوة وأول من سمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له ( اقرأ ) فيقول الحبيب صلوات الله عليه : (ما أنا بقارئ ) والغار مكان لايليق به إلا التعبد والتفكر ، صغير يتسع لأشخاص معدودين فقط ، في قُنّة الجبل (القنة بالضم أعلى الجبل ) ، يترك الجبال من خلفه ويمنحها ظهره ، ويواجه الوادي الفسيح الذي يتصل بمكة فيظهر منه بيت الله ، والقاعد فيه يطل على الكعبة من علٍ ، والكعبة بيت الله تواجهه بهيبتها وأسرارها وأنوارها ، وملائكتها المتنزلة ، يزينها يمين الله الحجر الأسود ، ياقوتة الجنة ، ودرة الأرض ، ومغناطيس المحبين العاشقين الذي يجذبهم بسلاسل النور وسر الحب ، فلا يفلت منهم أحداً ، غارٌخُلِق للتأمل ، وخص بـ(اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ، وأبى أن يؤوي إليه من النساك إلا أشرف الخلق صلوات الله عليه ، فكيف كان صلوات الله عليه يصعد هذا المرتقى لوحده وهو البعيد البعيد عن أم القرى للسائر على رجليه؟ وكيف كانت إقامته في ذلك الغار ؟ وكيف كان اتصاله بخالقه جل جلاله ؟ وكيف كانت تلك السيدة التي جاوزت الخمسين من عمرها تتجشم عوائق الصخور الحادة وعنت الصحراء ، وأهوال الفضاء الرحيب لتسير حاملة الطعام لحبيبها صلوات الله عليه ؟ وأي إخلاص هذا وهي السيدة الشريفة ذات العز والجاه والمال والشرف الرفيع والمكانة في قومها وعشيرتها ، فأية زوجة كانت ؟ وأية رابطة محكمة أوثقت عرى ذينك القلبين الشريفين حتى كانت تتحمل معه مثل هذه الحياة التي لم يألفها أهل مكة ، فكانت تساعده وتقف معه وتسانده وتريش فؤاده بعطفها وحنانها ؟ وأي زوج ذلك الذي امتلك لب تلك الشخصية الكبيرة من أشرف نساء قريش والعرب قاطبة ، وأسَرَها ؟ هنا يحجم القلم وتُعجِم التخرصات وتكذب الظنون ، وهنا يكفينا قوله صلوات الله عليه (ما أبدلنى الله خيرا منها قد آمنت بى إذ كفر بى الناس وصدقتنى إذ كذبنى الناس وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس ورزقنى الله ولدها إذ حرمنى أولاد النساء) كما روت السيدة الصديقة عائشة رضي الله عنها ؛ أخرجه أحمد (6/117 ، رقم 24908) قال الهيثمى (9/224) : إسناده حسن .
فعليك من ربك السلام يا خديجة ، يا أم المؤمنين يا حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
استغرق الطريق معي في الصعود حوالي ثمانين دقيقة والنزول قريباً من الساعة ،
والطريق وعر صعوداً وهبوطاً ، ولولا تلك الدرجات المصنوعة من أهل الخير لما استطاع أحد أن يصعد إلي ذلك الجبل الأشم ، وقد كنت أفكر طوال الطريق كيف صنعت هذه الدرجات ومن الذي صنعها حتى رأيت من يصنع درجة هنا ودرجة هناك بجهده الشخصي وبالمواد الطبيعية المتوفرة لديه خدمة للصاعدين والنازلين ، وهذا سر استمرار هذا الكم الهائل من الناس في الصعود والنزول إليه ، والعمل مهما كان قليلاً يصبح عظيماً إذا جمع بعضه إلى بعض ، ومتى تساندت جهود الأفراد وتعاضدت تصبح قوة فاعلة خارقة لاتقاوم، والجبل ما هو إلا مجموعة صخور لا تأبه للواحدة منها لو رأيتها في قارعة الطريق، والسيل مفرداته قطرة تسقط على ورقة الورد فلا تهتز لها ورقة الورد ولكنها إذا هاجت وغضبت وانفلت عقد نظامها فالدمار لا محالة ، و لابد من أن تقف مرات عديدة وأنت تصعد أو تنزل، تستمد الطاقة لصعودك ، وتلتقط أنفاسك التي بعثَرْتَها بين الصخور ، وتستجمع قوتك المهدورة المشتتة في مواجهة المرتفعات المهولة ،وإذا ما وصل النازل إلى المكان المسوّى المنحدِر الذي ليس له أدراج ، لاتكاد رجلاه تستمسك ويكاد ينكر رجليه وتنكرانه ، وتصبح تلك الرجلان كالغصن تعصف به الريح ، هذا إذا كان ضعيفاً مثلي وأما أولي الأيد فبوركت لهم قوتهم ، وقد رأيت شابين مغربيين يثبان وثباً يتحديان الصخور الوعرة بشبابهما وفتوتهما ورأيتهما يتجشمان الأماكن الوعرة ويصعدان إليها والصخورَ المسننة ولايأبهان لها ، وهما مبتهجان يضحكان ويمرحان فغبطتهما على هذه الهمة ، ورأيت أيضاً من تتناوله الصخور تناولاً وهو يمد إليها يده ورأيت رجلاً كبيراً في السن أظنه من باكستان يحبو حبواً على الصخور ولا يكاد يستمسك وما راعني إلا وقوفه فجأة وقد وضع يديه على أذنيه ونادى بأعلى صوته ( الله أكبر ) بنبرة فيها عجمة ، وأخذ يرددها فوالله لكأني بالصخور الصماء تردد نداءه وكأني بالوادي السحيق يرد صداه ، وكان هذا صنيعه كلما ارتقى صخرات ووقف عليهن ينادي بأعلى صوته بهمة واندفاع ، فكانت كلماته هذه تذكيراً تجب له القلوب وجيباً عجيباً كأنها لأول مرة تسمع ( الله أكبر ) ، خصوصاً مع هذا الحال الذي يمتلك الداخل لذلك الغار المقدس فيمده بروح الطهر والتبتل ، ويفتح لقلبه طريق الاتصال مع حبيبه المصطفى صلوات الله عليه ، وتأنس روحه المثقلة بهمومها بسر العبادة والمحبة لخالق الكون جل جلاله ، إن الغار أفق لا محدود وعالم مترامي الأطراف وفضاء رحب ومعراج روحٍ يجعل العبد يدرك لذة الوقوف بين يدي الله مترفعاً عما هو فيه من انغماس في متطلبات دنياه ، وانهماك في لذائذ شهواته ، هنا تقف الدنيا بعيدة ، ويبطل عملها بإغرائها وبهرجها وزخرفها ، وتقف النفس طريدة بوسوستها ، والمال مدحوراً بخداعه وبريقه، والشيطان خناساً إنْ من الجنة أو من الناس ، لتُجمَع العظمة كلها في هذا الغار المتواضع الذي يُنيف عليه بيت أشد الناس فقراًومسغبة في هذه الدنيا ، هنا تتغير موازين العظمة والكبرياء وحسابات الناس فيصبح التواضع هو سيد الموقف ، والخشوع والذل والانكسار هي الأحب لقلب العبد لا التكبر والعظمة والتخايل ، هنا تتطأمن لنفس لعظمة خالقها الكبير ذي الجلال والهيبة والعز سبحانه ، ورأيت ذلك الرجل أمام الغا ر وهو يرفع عقيرته بنداء الله أكبر (يقولون لمن رفع صوته " قد رَفَعَ عَقِيرَتَهُ "انظر أدب الكاتب )وقد تهللت أساريره وابتهجت ذراته وأخذته خفة الطرب على كبر سنه كمن تحقق له حلم العمر-- وحق له والله -- و كانت همته مع هذه الشيبة تقتحم تلك الصخور اقتحاماً ،
وبعد :
ههنا كان صلوات الله عليه يتعبد وههنا كان يبيبت وههنا اتصل وحي السماء بإنسان الأرض ،
وهاهنا التقى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم ،
ههنا سحب العز أذياله ،
وههنا شيد المجد بنيانه
وههنا ضرب الإسلام بجرانه
فأي سر ذاك الذي لأجله تم اختيار هذا الجبل الرفيع الذرى لتلقي أولى كلمات السماء ونداء الله لأهل الأرض ؟
ترى ماذا كان الرافعي سيقول لو رأى ذلك الجبل وهو الذي قال عن الصحراء وهيبتها وجلالها وسر اختيارها مأوى للإسلام :
( إنما الإسلام في الصحرا امتهد ...ليجيء كل مسلم أسد ) ؟
بوركت يا غار حراء يا من ضممت بين جنبيك أشرف من أوى إليك
بوركت حجارتك
وبوركت صخورك
وبورك نورك
وبوركت هيبتك