آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
زهــــد النبوة



مرات القراءة:1761    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

زهــــد النبوة

 

بقلم الدكتور محمود الزين

 

عشاق الحضرة الإلهية هم الزاهدون حقاً إذا علمنا أن الفقر شيء والزهد شيء آخر وأن الفقير لا يملك والزاهد منصرف عما يملك وما لا يملك ، مشغول عنهما بالمعاني السامية والكمالات الراقية بل الزاهد الحق مشغول بالله الذي أفاض هذه المعاني السامية والكمالات الراقية على من يحبهم من خلقه وهذا هو زهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو ورثتهم ممن تخلق بأخلاقهم ، ولذا كانت شمائل النبي صلى الله عليه وسلم من الزهد وبابه تزداد كمالاً حيناً بعد حين في أحوال الفقر والغنى والضعف والقوة
ولذا أيضاً لم يتغير قلب سيدنا أيوب عليه السلام بعد ذهاب أملاكه وأهله وأتباعه بل ظل دائماً مع ربه وحين ردها الله إليه ما فرح بها لأجلها بل لأنها من عند الله وقد حط حينها بقربه سرب من جراد خلقه الله ذهباً فأقبل عليه يجمعه فقال له ربه :
يا أيوب ألم أكن أغنيتك عن هذا ؟
قال : بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك .
ومن أجل هذا المعنى كان في شكر أهل النعم العظمى من الأنبياء ما يبرر انشغالهم بالمنعم عن تزايد النعم مع ما ذكروا من شكرها فقال سيدنا سليمان عليه السلام عندما أُتي بعرش ملكة سبأ :
( هذا من فضل ربي )
أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان الزاهد الأعظم لأنه باختياره طلب طريق الصبر على الفقر ولم يختر الغنى ولكن جمع بين الصبر والشكر فقال حين خيره ربه بين أن يكون نبياً عبداً ونبياً ملكاً : ( رب بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأسألك وأشبع يوماً فأحمدك )
فالفقر مطلوب لا لذاته بل لما فيه من التحلي بحقيقة العبودية وهي الافتقار الكامل لله تعالى والاستغناء مطلوب لا لذاته بل للقيام بواجبات العبودية وهي شكر الله تعالى .
فهو صلى الله عليه وسلم مشغول بالله عن الأمرين جميعاً ، يتجلى اختيار الزهد عنده صلى الله عليه وسلم حين يأتيه المال الكثير الواسع فيفيض منه على الخلق حتى لا يبقى عنده عشاء يومه وهو صائم ، ويتجلى انشغاله بالله تعالى عن المال والعطاء وكل شيء حين ينسى نفسه وعياله من أن يترك للعشاء شيئاً
قالت له السيدة عائشة رضي الله عنها بعد ما أنفق الكثير العظيم : [ لو تركت لنا شيئاً نفطر عليه فإنا صائمون ]
فقال صلى الله عليه وسلم ( لو ذكرتني لفعلت )
أين كان صلى الله عليه وسلم ؟ أين كان قلبه ؟ أين كانت روحه ؟
أجاب صلى الله عليه وسلم عن هذا حين نهى أمته عن مواصلة الصيام أكثر من نهار واحد وواصل صلى الله عليه وسلم يومين وثلاثة فقالوا حين نهاهم : إنك تواصل يا رسول الله .
فقال : ( إني لست مثلكم ، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ) مع أن هذا هو الذي يوافق سؤالهم فالمبيت عند الله عز و جل هو الأصل المبيت الذي يتغذى به المحب بلقاء الحبيب فيغنيه عن كل طعام وشراب ويشغله عن كل شيء وهذا الانشغال كان يتجلى في كل أعماله صلى الله عليه وسلم ويتجلى معه الشعور بعِظَم حق الرب الحبيب الحق الذي يفوق كل الأعمال فيقول صلى الله عليه وسلم بعد ما قام من الليل حتى تورمت قدماه
( ما عبدناك حق عبادتك يا معبود )
وهذا ليس الحق الإلزامي الذي افترضه الخـالق على عباده جميعـــاً فهذه الفرائض هـي الحد الأقـل ، أما ذاك الذي تحدث عنه سيد المحبين صلى الله عليه وسلم فهو الحق الذي يفرضه قلب العاشقين لمن يعشقونه فمهما عملوا لأجله كان ذلك في أعينهم قليلاً وهم يشعرون في هذه الأعمال بقربهم من الحبيب فيتنعمون بها وهم مهيّمون يشربون ولا يرتوون وعن هذا المعنى عبر شاعرهم فقال: 
شربت الحب كأساً بعد كأس   
                             فما نفد الشراب وما رويتُ

ومع هذا الزهد العظيم المتجاوز كل الحدود لا يرون الافتقار إلى الله ومظاهر البعد البعيد عن الرياء والسمعة وملاحظة نظر العباد ما هو إلا هبة يجود بها عليهم بفضله فلا يشغلهم أجرها مهما عظم بل يشغلهم شكر المولى على تفضله بها ويسألونه أن يديمها عليهم لباساً سابغاً ولذا قال صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى الحج على جمل رحله عتيق : ( اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة ) .
هذه العبادة وهذه الأعمال الخالصة للرب المحبوب هي معاملة الأحرار لله ، الأحرار الذين تجردوا من كل القيود فهم الصنف الأرقى بين الأصناف الثلاثة من العابدين :
الذين يعبدون الله خوفاً من عقابه ولولا العقاب ما عبدوه
والذين يعبدونه طمعاً في ثوابه ولولا الثواب ما عبدوه
والذين يعبدونه لأنه يستحق أن يعبد فلولا الثواب والعقاب لظلوا يعبدونه فهم لا يشغلهم الثواب و العقاب بل يشغل قلوبهم وأرواحهم وعقولهم رب الثواب والعقاب انشغال إجلال وحب فيدعون الله رغباً عما سواه ورهباً منه لا من سواه ويعبدونه لأجله لا لسواه كما أخبر عنهم سبحانه بقوله تعالى : ( وكانوا يدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا عابدين )
إنه زهد يجعل الأب والابن في أتم الرضا بالذبح في قصة سيدنا إسماعيل و سيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام : ( قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين )
إنه زهد لا تتعرض له المغريات إلا وهي خجلى وكيف تتعرض المغريات لهؤلاء المشغولين بالمعطي عن العطاء بل هم مشغولون بحب المبتلي عن شدائد الابتلاء وهم أبداً يقولون ما قال سيد الزاهدين من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام : ( ما لي وللدنيا إنما أنا فيها كراكب استظل بشجرة ساعة من نهار ثم سار وتركها )
وحري بالدنيا لذلك أن تقف أمامهم بكل مغرياتها وهي خجلى مطرقة العينين من شعورها بالضعة والهوان .
هل يستطيع أحد من هؤلاء أن يستخدم الزهد مصيدة لأهل الدنيا وغنائمها من مال وجاه ومتعة وملك فيكذب على الناس ويدعي النبوة لينال ذلك ؟!
شتان شتان ، إنها لو كانت عنده لوهبها فكيف يُظَن به أن يسعى بالباطل إليها ؟!
هذا الزهد هو إحدى معجزات النبوة وآياتها الباهرة معجزات الخلق العظيم الزهد الذي يراه العقلاء فيقولون بلا تردد : والله ما استطاعت هذا إلا نفس صادقة في قولها كما هي صادقة في عملها والله ما استطاعت هذا إلا نفس نبي .
وقد تجلت هذه المعجزة يوم جاء المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له : ( إن كنت تريد بما جئت به مالاً جمعنا لك من مالنا حتى تكون أغنانا ، وإن كنت تريد النساء زوجناك عشراً هن أجمل بناتنا، وإن كنت تريد به الملك ملكناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّاً من الجن تراه لا تستطيع دفعه بذلنا لك أموالنا في الطب حتى تشفى أو نُعذِر إليك فيه )

فأجاب صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وما بعدها : ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم )
إنه ليس رئيّاً من الجن كما يزعمون ولكنه لا يستطيع رده لأنه ( تنزيل من الرحمن الرحيم ) وهو ( قول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) يقول له فيما يقول : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً )
فكيف يستطيع أن يلتفت إلى مغريات الدنيا وعنده ما يُزهّده في كل شيء ، عنده هذا النور الإلهي يتنزل عليه من السماء فتصغر أمامه كل المغريات وتتلاشى وهل يستطيع المحب العاشق حين يناجيه حبيبه أن يسمع أقرب المقربين إليه ؟!
فكيف يسمع كلام العذّال الذين يغرونه بالإعراض ؟! وبماذا يغرونه ؟!بالدنيا التي يقول فيها : ما لي ولها ؟! إذن فليسمعوا جوابه يوم أبلغه عمه أبو طالب بما يقولون من ترغيب وترهيب ويرجوه ألا يعرّضه للخطر ، قال صلى الله عليه وسلم :
( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي لأترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )
ولأنه مشغوف مستغرق عند هذا الرب الحبيب قال حين خيره الله بين الدنيا بعد ما خضعت له جزيرة العرب كلها وخافه ملك الروم وتودد إليه عظيم القبط في مصر قال صلى الله عليه وسلم :
( الرفيق الأعلى الرفيق الأعلى )
وانطلقت روحه إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع