آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
العبادة النبوية



مرات القراءة:1605    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

العبادة النبوية

بقلم الدكتور محمود الزين

حسن العبادة فيصل ما بين المخلصين الأبرار وبين الذين يؤدون العبادة أداء الطامعين التجار يتوسلون بها إلى مآربهم كأنها درهم أو دينار فإذا بلغوا أمانيهم قاموا إليها كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا .

أما الأبرار فإنهم مع الله بقلوبهم فعن ذكره لا يفترون ، وبالخشوع له متسربلون ، تفيض قلوبهم رحمة بالمخلوقين ، وهم مع عملهم في الدنيا تراهم عنها مشغولين ، قد ملك ألسنتهم الحديث في حب الله والشوق إلى الله .

ولذلك كان حسن العبادة علامة يعرف بها الأبرار فيميزهم الناس بها عن الرعاع والمخادعين الأشرار " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " كما قال الله تعالى .

وهؤلاء الأبرار طبقات في قمتها العليا الأنبياء والمرسلون ، وفوقهم جميعاً النبي الخاتم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ،  فمن تأمل أحواله صلى الله عليه وسلم في العبادة رأى عبادة تبهر العقول بشهادتها أنه سيد رسل الله فهي بمنزلة المعجزة تبرهن لذوي العقول أنها عبادة يعجز عنها المدعون ولا يقدر عليها إلا النبيون ، فهي عبادة كثيرة لا يصبر عليها الآخرون كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لمن سألها عن قيامه صلى الله عليه وسلم في الليل : " كنت لا تريد أن تراه قائما ً إلا رأيته ولا نائما ً إلا رأيته "

وهي عبادة طويلة يعجز عنها حتى الذين يحرصون على الاقتداء به حتى سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة في صلاة الليل قال : فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء قيل له : وبم هممت قال : هممت أن أجلس وأدعه

وتأتي الرواية مفصلة أكثر فتخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بعد الفاتحة سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ثم ركع قريباً من ذلك ثم سجد قريباً من ركوعه ثم سجد قريباً من سجوده الأول "

من يطيق هذا ؟ وهل يصبر عليه أدعياء النبوة الدجالون ، كلا والله إنها عبادة لا يطيقها إلا أولو العزم العاشقون  الذين تضر  بأجسامهم العبادة فلا يأبهون ، فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل حتى تورمت قدماه قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : " يا رسول الله تكلف نفسك كل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً "

أي : أن الناس إذا كانوا يعبدون الله خوفاً من ناره أن يمسهم لهيبها أو طمعاً في جنته أن ينالوا نعيمها فإنه صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن أمّنه الحساب والعقاب وفوت الثواب ـ ير أن هذا يدعوه إلى العبادة لغاية أخرى هي شكر الله على هذا الفضل الكبير فيقول : " أفلا أكون عبداً شكوراً ؟!" بل يرى صلى الله عليه وسلم أن حق الله أعظم وأكثر فيقول بعد تلك العبادة : " ما عبدناك حق عبادتك يا معبود " فهو يقيس عبادته لا بعبادة العابدين بل يقيسها بحق المعبود جل جلاله فيحزن ويبكي وينطق بهذه الكلمات التي تكشف بهض ما في قلبه من إجلال مولاه .

وإذا كان المتعبدون يبتغون من جملة  ما يبتغون إنعام الله وثوابه فإنه صلى الله عليه وسلم يبتغي في جملة ما يبتغيه رحمة الله عز وجل لعباده لا يطلبها طلباً عادياً بل يقوم الليل كله حتى يصبح بآية واحدة يكررها متضرعاً خاشعاً باكياً " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " : إن شئت تعذيبهم فذلك حقك إذ هم عبادك وإن شئت أن تغفر لهم فحكمك نافذ لا يقدر أن يعترض عليه أحد ، وهو مع ذلك يكون قراراً حكيماً فالله هو العزيز الحكيم ، يقول هذا صلى الله عليه وسلم بإلحاح المفتقر المضطر فهذا الاهتمام الرحيم بالخلق الحريص عليهم هو جزء من طبعه الذي طبعه عليه حين خلقه ليرسله رحمة للعالمين مقرون بما فطره عليه من دوام الإقبال على الله والانشغال بالله ومناجاة الله .      

وهذا الانشغال بالله هو جزء من وجوه عبادته صلى الله عليه وسلم هي ري قلبه وراحته من مشاق الحياة لذلك كان " إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " لا لأجل دفع ذلك الأمر فقط بل لراحة قلبه وراحة جسمه فينادي مؤذنه بلالاً رضي الله عنه بقوله : " أرحنا بها يا بلال " وإذا صام لم يكن صيامه كصيام الناس ولأجل ذلك كان ينهى عن مواصلة الصيام يومين دون إفطار بينهما ويواصل اليومين والثلاثة فيقولون : إنك تواصل فيقول صلى الله عليه وسلم : " إنكم لستم كهيئتي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ليس هذا هو الطعام الذي يمضغ ويهضم ولا السقيا التي تطفئ حرارة المعدة ولكنه غذاء القلب والروح والجسد بقرب الحبيب الغذاء الذي يغني عن الطعام والشراب ويقوى به صاحبه قوته بالطعام والشراب وأكثر ، ولما كانت الصلاة والصيام انشغالاً بالله كانت الزكاة كذلك فأهل الدنيا ينفقون إعجاباً بما عندهم وتظاهراً وسمعةً بين الناس ، والعابدون الأجواد ينفقون مخلصين وهو صلى الله عليه وسلم ينفق رحمة بالعباد مستشعراً عبديته وفضل الله عز وجل الذي قدره على الصدقة التي هي من رحمة الله فيقول :" إنما أنا قاسم والله معطٍ " فهو يؤدي الصدقة مشغولاً بالله حتى ينسيه ذلك حاجته وحاجة عياله عن طعام إفطارهم وهم صائمون تقول له السيدة عائشة رضي الله عنها : لو أبقيت لنا يا رسول الله شيئاً  فإنا صائمون قال : " يا عائشة لو ذكرتني لفعلت " وتعظم هذه الرحمة حتى يتجاوز عطاؤه المألوف كله فيستدين ليتصدق ثم يجيب الذين رأوه يفعل ما لم يكلف به بنداء خازنه بلال رضي الله عنه : " أنفق ولا تخش من ذي العرش إإقلالا " .

فهذا الإنفاق ليس قياماً بالتكاليف الإلزامية ولكنه إيثار لما يحب الله من الجود ورحمة قطرية تتغلب على كل مألوف وقيام بقسمة عطاء الله الذي لا يقلل عن الجواد العطاء ومن كان يشعر أنه يقسم عطاء الله فهو يعطي مشغولاً بالله حتى عن المال الذي يقدمه للعباد وأي سعادة أعظم مـن أن يشعر المرء أن يده ميزاب تجري فيه نعمة الله ورحمة الله ؟!

هذا الشعور يعطي صاحبه إجلالاً لله عن العبادة وتواضعاً لا يعرفهما المتكلفون يلازمان صاحبهما طول حياته في كل عبادة يؤديها حتى آخر حياته لما رأى الناس كلهم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ركوب التواضع على رحل ثمنه درهمان أو ثلاثة وهو مطرق لله تكاد لحيته تمس رحله وهو يقول : " اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة " لقد رآه الناس كذلك آخر حياته في حجة الوداع كما رأوه في أول شبابه يرعى الغنم ورأوه طول حياته يقول : " إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وألبس كما يلبس العبد وآكل كما يأكل العبد "

ألأجل من جعل في فطرة الأنبياء عامة وفطرة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم خاصة من العبادة وتواضع العابدين ما يعجز عنه الخلق أ جمعين .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .  

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع