آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    السيرة والشمائل    مقالات
معجزات الخلق العظيم



مرات القراءة:1369    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

معجزات الخلق العظيم

 

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

الشمائل السامية تجتذب بجمالها وكمالها القلوب، فتتعلق بصاحبها، وتفديه بالأرواح، هذا أمر مألوف، غير مستنكر ولا مستبعد، ولكن أن يزاحم السمو الخلقي المعجزة، فيفعل فعلها في العقول، فهذا ربما يكون مستبعداً أو غير مألوف، وربما لقي إنكاراً عند بعض الناس.

غير أن سمو الأخلاق المحمدية حين يتأمله الإنسان يجد أنه يفعل في العقل فعل المعجزة ـ التي تميز بين الحق والباطل وتثبت أن صاحبها يؤيده الله ويصنعه على عينه ـ وإلا فكيف يستطيع الإنسان ـ حين يسمع عن بقاء ودائع المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم هجرته ـ أن يتصور امرءاً يضع الأمانات عند خصمه، وهو يكيد لهذا الخصم، ويجتهد في أذاه، ويحاول أن يسفك دمه؟! هل يمكن ذلك لولا أن تجارب أولئك مع أمانته قد كثرت وتطاولت في أحوال مختلفة، كلها تؤكد لهم أن الأمانة عند سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أمرٌ محقق، لا تحوم حوله شبهة، ولا تضطرب القلوب به أي اضطراب؟!

إذن فكيف لم يؤمن به هؤلاء الأعداء، وهم على يقين من أمانته يبلغ حد الأحكام العقلية، التي لا تقبل النقض؟! الجواب عند رجل عُتلٍّ من هؤلاء هو أبو جهل؛ إذ يلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الأخنس بن شريق الثقفي، فيدعوهما إلى الإسلام، فيقول أبو جهل: إليك عني، فوالله لو أعلم أنك نبي لاتبعتك، فينصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لا يلبث أبو جهل أن يكذب نفسه بعد انصراف النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول للأخنس: والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن تبادرنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: قاتلوا فقاتلنا، وأطعموا فأطعمنا، فلما تحاذينا وتساوت الركب، قالوا: منا نبي، فمن أين نأتيهم بنبي، والله لا نؤمن لنبي من بني عبد مناف أبداً.

وفي هذا الخبر يظهر جانب آخر من السمو الخلقي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقابل اللؤم القبيح: المتبجح بيمين كاذبة على دعوى فاسدة، وتقابل المنطق وحسن خلق بالجواب السيء، ثم لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا السكوت والانصراف، مع القدرة التامة على الإجابة الرادعة لو شاء.

إنه سمو خلقي ربما يظن الإنسان أن له شبيهاً فيما اعتاده الكرام من الإعراض عن اللئام وبذاءتهم؛ إذ يقول قائلهم:

ولقد أمر على اللئيم يسبني فأمر ثمة قلت لا يعنيني

ولكن التأمل في هذا الشعر يكشف عن شيء من الترفع عن مقابلة السيئة بالسيئة ازدراء وتحقيراً، فاللئيم عند العرب من ينكر على محسوديه الجميل، ويكفر الإحسان، ويقابله بسوء القول والفعل ـ صراحة إن قدر، وهمزاً إن عجز ـ لا لشيء إلا لأنه قاصر ـ بخبث طواياه ـ عن أن يسلك سبيلهم في المكارم، ولأنه لا يجد القدرة إلا على البذاءة فلعل انتقاصهم يخيل للآخرين أنه فوقهم، فهو يجتهد في طمس محاسنهم وتقليل مآثرهم. وهم يرون الانشغال بالرد عليه نقيصة لأقدارهم، وهذا التحقير لا يجد المتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً منه، بل يجد العفو الكريم، والدعاء الرحيم، فاللؤم مرض وبيل، والمرضى يحتاجون الدعاء، ويحتاجون العلاج بالشدة حيناً، وبمعاودة الإحسان حيناً، حتى يغسل قلوبهم من العتو بشدته، ومن الحسد والنكران برحمته، فتصحو قلوبهم، وتميل إلى الإقرار بالحق والاعتراف بالفضل، كما فعل صلى الله عليه وسلم بصناديد قريش وغيرها يوم حنين، أعطى كل واحد منهم ما يجعله أميراً، لو كان عائلاً فقيراً، وأعطى أحدهم ملء واد من الغنم، فقال بلسانهم جميعاً: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله! ما جادت بهذا إلا نفس نبي، لقد أثمر فيه السمو الأخلاقي المعجز، وفعل في عقله ونفسه فعل المعجزة، التي تبهر العقول والقلوب بما فيها من بينات الهدى والفرقان، فتقبل على دعوة الحق بإنصاف وصدق، ورأت في الخلق العظيم ما يفرق بين عطاء الناس ـ مهما جادوا ـ وبين عطاء الأنبياء.

ومن قبله كان من أبي سفيان مثلها ـ يوم فتح مكة ـ حينما لقي جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم تغرق من حوله السهل والجبل، وهو فريد أعزل، ولم يجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا السمو الخلقي المعجز؛ إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل حلم ورفق وحرص على الإنقاذ من النار ـ وهو أقدر ما يكون على الثأر لتاريخ طويل من الأذى والحرب الضروس ـ : أبا سفيان ـ والعرب تكني الرجل تكريماً ـ أما آن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ فانكشفت بمعجزة الحلم والرفق والإحسان كل غواشي الباطل، وقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأوصلك وأكرمك، لقد علمت أنه لو كان مع الله آلهة أخرى لنصرتني عليك، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا سفيان! أما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه ففي النفس منها شيء. لقد جرأته سعة الخلق على التصريح بما يشوش عقله من الحسد، وكان جديراً عند أي منتصر آخر ـ مهما كان حليماً ـ أن يقطع جداله بقطع رأسه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصمت ويدع لعمه العباس ـ صديق أبي سفيان الحميم ـ أن يذكره بأنه أسير يسيء فهم هذا الحلم الواسع الكريم، ويقابل صريح الحق بوساوس الشك في موقف لا يعصمه فيه من سيف الأصحاب إلا رعايتهم لوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له العباس: أسلم قبل أن يسقط رأسك عن كاهلك. فزايله الغرور، وقال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

ويبلغ السمو الخلقي المعجز عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروة لا تبلغهاا مدارك البشر، ويعجب لها أعظم الملائكة المفطورين على كل خير، حين يجدون شدة الأذى تنهال عليه صلى الله عليه وسلم يوم الطائف، حتى ترق له قلوب الأعداء، يوقن أملاك السماء أن القوم بلغوا من السوء درجة لا يرجى بعدها منهم خير، ولا ينبغي لهم إلا أن تنطبق عليهم الجبال، يجيئه جبريل ومعه ملك الجبال يقول: ”يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك فيهم“ فيقول برحمة تسعهم رجاء إنقاذ ذرياتهم: لا يا أخي يا جبريل، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله. ويعبر جبريل ـ عليه السلام ـ عن دهشته بقوله: صدق من سماك الرؤوف الرحيم. وكان ما يحب ويرجو صلى الله عليه وسلم، جاء يوم وحد الله فيه أهل الطائف، وأخرج الله من أصلابهم من يوحد الله.

ويتساءل الإنسان ـ إذ يرى تلك الآثار العظيمة لسمو الأخلاق النبوية في أهل الغرور والجحود ـ ويتساءل عن آثارها في ذوي الأخلاق السامية والعقول الراقية، وجواب هذا عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ـ الذي شهد سمعه وبصره وعقله وقلبه وإحساسه كل ذلك السمو الخلقي الممتد في عروق ثلاثين عاماً قبل النبوة، كان أثرها أن يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الفور، دون تردد، ولا حاجة إلى تريث وإعمال نظر: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله. لقد كان صدق النبي صلى الله عليه وسلم عنده أمراً يملأ العقل والقلب والروح والشعور، فكان جوابه صدى ذلك.

وجواب آخر عند أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، بل هي تصرح بأن ذلك السمو الخلقي برهان اختيار الله واصطفائه وحفظه من الشياطين هو ذلك السمو الخلقي، فتقول له ـ وقد أخبرها أنه يخشى على نفسه أن تكون الشياطين جاءته تريده كاهناً ـ : ”كلا والله! ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق“ ما أحكم هذا البرهان وأصدقه، فالله الذي أمر بمحاسن الأخلاق، وأحبها، وأحب أهلها، لا يمكن أن يخزي أسمى الناس خلقاً، بأن يتركه للشياطين، توحي إليه زخرف القول غروراً { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221)  تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)  يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) }[الشعراء]، وشتان شتان بين هؤلاء وبين من يقول له ربه: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)}[القلم]، صلى الله عليه وآله وسلم.

ويبلغ هذا السمو الخلقي أوجه حين لا تحجبه عن الناس برازخ الموت، بل يذكرهم به أن له ورثة رباهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، يتألق في وجههم خلقه، وتنطق به ألسنتهم، يلقون به الأشرار واللئام، فيقتلون حسدهم وأحقادهم بالإحسان، ويطمسون بصبرهم ورفقهم نوازع الحسد والنكران وبذاءة اللسان، وينقذونهم برحمتهم من براثن الشيطان، ويرفعونهم إلى آفاق الإيمان، ومراقي الخلق الكريم، إلا أن يكون اللئام من ورثة أبي جهل ـ الذين يرون الأخيار وأعمالهم بعيون الحسد والبغي، فينتقصونهم وينتقصونها، بل يختلقون لهم سيء الصفات بالاتهامات، ولا يرجعون عن اللؤم أبداً ـ فيكون مصيرهم مصيره:

اصبر على مضض الحسود فإن صـبـرك قـاتله النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

وأما الأخيار ذوو القلوب الصافية والعقول الراقية فحظهم من ورثة المصطفى كحظ أصحابه منه، يفيضون على قلوبهم وعقولهم وأرواحهم كل فضيلة، حتى تخلد بهم صورة المثل الإنساني الأعلى، سيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم

يحيى الرجال بها وفي جبهاتهم           مرآتها من يلقهم يتعشق

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع