آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
فلسفة الصوم عند الرافعي



مرات القراءة:5201    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

فـلـسفة الصوم عــنـد الرافعي

بقلم الشيخ  : إبراهيم الحمدو العمر

شهر رمضان نفحة قدسية وبركة ربانية يتعــهد الله عـز وجـل بهــا عباده كل سنة مرة , فتجدد القلوب عهدها مع الله عزوجل ,وتجلــو فيها النفوس عن طبيعتها ما علق بها من صدأ المعاصي والابتـــعاد عن الله عزوجل في أحد عشر شهراً , وتتهيأ الأرواح لتتخلص من علوقها الأرضي متجهة إلى عالم أقرب وأطهر وأسمى , متخذة من صفائها ولطافتها معراجاً تعرج به نحو السـماء ؛ وحيثما ذهبت تبحث في معاني ذلك الشهر العظيم ؛فإنك واجد للقول سعة وللأسرار مدداً وللإعجاز أبواباً ...

ناهيك عن كلام المعصوم  صلى الله عليه وسلم في فضائل هذا الشهر العظيم ، ومكانته وثواب العمل فيه والتقرب إلى الله عزوجل، فكلامه صلى الله عليه وسلم هو المحجة البيضاء  الأقوم والصراط المستقيم.

وقد تكلم العلماء قديماً وحديثاً في أسرار الصيام وفوائده الحسية والمعنوية ، ولكن الفهم لم يحط بكل أسرار تلك الفريضة بعد . فالمعاني ربما تحجب عن الناس في زمن لتظهر في آخر،وربما يظهرها السابق مجملة ، فيفصلها اللاحق تفصيلاً أشبه بإيجاد المعنى المستحدث الجديد ، فمعاني الصوم ذات رونق يأخذ باللب .وذلك مايعرفه أولئك الذين سمت روحهم في شهر الصوم وفتح لهم باب العروج مع معاني قوله تعالى  { ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 183 ]

ومن الذين تلمَّسوا تلك المعاني وعرضوها ، إمام العربية وشيخ أدبائها مصطفى صادق الرافعي (رحمه الله).الذي لم يقرأ لأحدهم قولاًًًًًًًًًً شافياً في فلسفة الصوم وحكمته ،يقول رحمه الله في الجزء الثاني من كتابه القيّم (وحي القلم)بعنوان :(فـلسفة الصيام).

"لم أقرأ لأحدهم قولاً شافياً في فلسفة الصـوم وحكمته ، أما منفعته للجسم ، وأنه نوع من الطب له وباب من السياسة في تدبيره ، فقد فرغ الأطباء من تحقيق القول في ذلك .

وكأن أيام هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبّة تؤخذ في كل سنة مرة لتقوية المعدة،وتصفية الدم وحياطة أنسجة  الجسم "،

ما ألطف معاني الصوم وما أرق عبارات الرافعي ، الذي يريد معنىً أشمل وأعم وإن شئت قل أسمى من تلك المعاني التي تكلموا فيها،إنه يريد أن "يستوحي تلك الحقيقة الإسلامية الكبرى التي شرعت الـصــوم" ، والذي أداه إلى هذا الاستحياء فهمه لمعنى من معاني الإعجاز، وهو"أنه يدَّخر في الألفاظ المعروفة في كل زمن ،حقائق غير معروفة لكل زمن " ، فالمعاني تظهر وتختفي بين زمن وآخر،والإعجاز عنده مخبوء طي أسرار القرآن وفي ألفاظه، ومن هذه المعاني التي تكلم عنها الرافعي(رحمه الله):اعتباره أن الصوم فقر إجباري يراد منه المساوة بين الناس .

الصوم فقر إجباري

هذا الحرمان من الطعام والشراب ومن شهوات النفس ليس المقصود منه تعذيب النفس الإنسانية أو قهرها، إنما شرع لغاية اجماعية أعظم،فهو يجعل الواحد يجوع ويترك شهوته لكي يحقق في المجتمع معنى لا يمكن أن يكون إلا في هذه الوسيلة وهذا المعنى هو المساواة بين من يملك الكثير من متع الدنيا وبين من لا يملك شيئاً،وكل عبادة عنده تحقق معنىً خاصاً،وهذا من إعجاز الخالق في تلك العبادات ،

يقول رحمه الله:

(فهذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضاً ليتساوى الجميع في بواطنهم - كذا- سواء منهم من ملك المليون من الدنانير ومن لم يملك شيئاً ).

وليس هذا حسب بل هو " فقر إجباري يُراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح ، أن الحياة الصحيحية وراء الحياة لا فيها ، وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد . لا حين يتنازعون بإحياء الأهواء المتعددة ".....

الألم في الصوم له سر عظيم

هذا الألم النفسي والجسمي الناتج عن الامتناع عـن الغذاء والشهـوات ساعات طويلة ، إنما هو منشأ الرحمة في النفس عند الرافعي .(إن من قواعد النفس : أن الرحمة تنشأ عن الألم ،وهذ بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم ،إذ يبالغ أشد المبالغة ويدقق كل التدقيق في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة ، فهذه طريقة عملية لتربية النفس ولا طريقة غيرها ،لا النكبات والكوارث،فهما طريقتان كما ترى ، مبصرة وعمياء وخاصة وعامة وعلى نظاو وعلى فجأة). وعندي ، أن يقين العبد بالله وخوفه منه أعظم باعث للرحمة في النفس الإنسانية ...

الـصوم معجزة إصلاحية

يعتبر (رحمه الله) أن هذا الأسلوب في تربية الصـــائم ، هو معجــزة إصلاحية لا يوصل إليها إلا بالصيام ، وهي تقضي أن يحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يوما في السنة ، (أية معجزة إصلاحية أعجب من المعجزة الإسلامية ،التي تتقضي أن يحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلا ثين يوماً في كل سنة)

وهي لا تحذف عبثاً إنما (ليحل محله تاريخ النفس)، فهي قائمة على التوازن بين قوى الإنسان وإمكاناته كلها ، حتى لا تطغى قوة منها على أخرى ...

 

رؤيـة الهـلال إثبات للإرادة

يرى رحمه الله أن هذا الترقب في رؤية الهلال والتحقق من طلوعه . إنما هو إثبات لإرادة الإنسان المسلم الذي يغير نظامه ويضبط شهواته كلها بمجرد رؤية الهلال ، مما يبعث في نفسه شعاع الرحمة والإنسانية ،(وفي وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر،وهو – مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها – إثبات الإرادة وإعلانها ، كما انبعث الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر)...

 

أيام قلبية في الزمن

ما أجمل هذه التسمية العبقرية من الرافعي ، لأيام الصيام،وهي تسمية تتضح بسحر البيان :(شهر هو أيام قلبية في الزمن لأهله هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي ، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي ،فيُقْبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو). فنفوسنا هي التي تبعث في الأيام سرها وسحرها ، بينما الأيام لا تمنحنا شيئاً.....

الصوم قوة مدخرة

إن ما يجده الجسم والنفس والروح من القوة في هذا الشهر العظيم ، هو قوة مدخرة يجد الإنسان منها عند الشدائد مدد الصبر والثبات والعزم ، وسحر العظمة في الأمة التي تعرف كيف تدخر قوتها . "وسحر العظائم في هذه الدنيا ، إنما يكون في الأمة التي تعرف كيف تددخر هذه القوة وتوفرها لتستمدها عند الحاجة ؛ وذلك هو سر أسلا فنا الأولين ، الذين كانوا يجدون على الفقرفي دمائهم وأعصابهم ما تجد الجيوش العظمى اليوم في مخازن السلاح والعتاد والذخيرة " ألا ما أسمى فلسفته وحق له والله إنه لم يقرأ لأحد قولاً شافياًفي فلسفة الصوم ، وفلسفته هذه شاهد على صدق ادعائه ...

وعندي أن أعظم من هذه الفلسفة كلها تلك الإشارة  اللطيفة التي أشار إليها في آخر مقاله وهي قوله (كل ما ذكرته في هذا المقال من فلـســفة الصوم ، فإنما استخرجته من هذه الآية الكريمة : تعالى  { ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 183 ]

وقد فهمها العلماء جميعا على أنها معنى (التقوى) أما أنا فأوَّلتها من ( الإتقاء) فبالصوم يتقي المرء على نفسه أن يكون كالحيوان ، الذي شريعته معدته ، وأن لا يعامل الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة ، ويتقي المجتمع على إنسانيته وطبيعته مثل ذلك ؛ فلا يكون إنسان مع إنسان كحمار مع إنسان ، يبيعه القوة كلها بالقيل من العَلَف .....

ألا ما أعظم الأدب حين يكون أدباً روحيا متصلاً بذلك الشعاع العلوي ، مستلهماً آيات الله الصامتة والناطقة في فـلســـفته ،وبعد،فهذه ومضات أشرتُ بها إلى ذلك المقال لأفتح لقارئ "المنار" بابًاً لذلك الأديب الكبير ليقف مع روائعه ويسـتنطق فـلســفته ويستلهم عبره ...

 

(( ألا ما أعظمك ياشهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسمَّاك مدرسة الثلاثين يوماً )).........

 

 

 

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع