آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
الصيام والصحة



مرات القراءة:4808    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الصيام والصحة

 

بقلم الشيخ الدكتور محمود أحمد الزين



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وورثته ومن والاه وبعد :

فإن كلمة " صوموا تصحوا " حكمة بالغة - وهي حديث نبوي ثابت - حسبما رجحه بعض الأئمة فحسنه السيوطي في الجامع الصغير وأشار إلى ذلك المنذري في الترغيب والهيثمي في المجمع - وإن ضعفه بعضهم الآخر كالعراقي في تخريج أحاديث الإحياء ، فهذا لا يذهب بقيمة الحكمة التي يتضمنها ، لأنه - على افتراض ضعفه - ليس فيه إثبات حكم من أحكام الشرع لا استحباب ولا كراهية ولا غيرهما ، وإنما يثبت فضيلة دنيوية ونفعاً عاجلاً فيصح العمل به عند الأكثرية الكبرى من العلماء ويقره علم الأطباء - إذا فهم معناه على الوجه المعقول - لا إذا سلكنا به طريق الجدل وقلنا : كيف يمكن أن يكون الصوم سبباً للصحة مع أن الله سبحانه وتعالى أذن للمريض أن يفطر في شهر رمضان وهو فريضة إلهية وركن من أركان الدين الأساسية ، ولو كان الصوم سبباً للصحة لكان ينبغي أن يؤمر المريض بالصوم ولا يؤذن له بالإفطار حتى يشفى من مرضه .

هذا الكلام على طريقة الجدل العقيم والمغالطة التي تلمع لمعان السراب فإذا جئتها لم تجدها شيئاً ويكفي لدحض هذه الشبهة أن نعلم أن الصوم أصبح اليوم أحد أهم الأساليب العلاجية لأعتى الأمراض : يدرسون مقدار الحاجة إليه وكم مدتها ويدرسون أنواع الأمراض التي تعالج به ، ويدرسون الكيفية المناسبة لكل مريض وهكذا .


وما مثل من يقول إن الصوم يؤذي الأجسام إلا كمثل من رأى إنساناً أكثر من تناول الطعام فقال إن الطعام يضر بالأجسام ، فهذان قولان إذا أخذناهما على العموم والإطلاق دون تفصيل كان فيهما خطأ وبيل .


وأساس هذا التفصيل المطلوب هو أن من الأمراض ما ينشأ عن قلة الغذاء أو فقره بما يحتاجه الجسم ، ومنها ما يحتاج صاحبه إلى كثرة شرب الماء وتكراره في أوقات متقاربة فهذه الأمراض وأمثالها لا تستفيد من الصوم بل تتضرر ، وعن هؤلاء قال كتاب الله الحكيم :" ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" .


ومن الأمراض ما ينشأ عن الإفراط في الطعام وتخليط الأنواع غير المتلائمة منه ، فهذه الأمراض وما يشبهها تستفيد من الصوم كل الاستفادة بل ربما يكون الصوم علاجها الأهم إن لم يكن علاجها الوحيد ، ولهؤلاء المرضى قال كتاب الله الحكيم : " وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون " .


وحتى الأكثرون ممن يأكلون قدر حاجتهم ولا يسرفون ولا يخلطون تحتاج أجسامهم وأجهزتها الداخلية إلى شيء من الراحة وتنظيم أوقات الطعام وشرب الماء حاجة كبيرة كما يقول الأطباء ، وهؤلاء يشكلون الأكثرية الساحقة من الناس ولهؤلاء قال الله سبحانه تعالى : " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " ، ولهؤلاء أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – ولمرضى الإفراط في الطعام بالأولى - : " صوموا تصحوا " فالصوم حفظ لصحة الأكثرين وشفاء للمفرطين ، ولذلك كان الصوم أحد أركان الدين وهذا كله إذا اكتفينا بالنظر إلى الآثار الحسية للصوم ولكن كتاب الله تعالى ركز عند الأمر بالصوم على ثمرة أعظم هي التقوى فقال سبحانه وتعالى : " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " .

فلماذا كان هذا التركيز ، وهل للتقوى اثر صحي يجعل التركيز عليها يغني عن ذكر الصحة ذكراً يخصها ؟ ؟

والجواب كما يبدو من النظر في الإرشادات القرآنية هو " نعم " ، بل أقول لها أثران : أثر مباشر وأثر يكون من الصوم وغيره من الأعمال الصالحة : أما الأثر المباشر فهو ناتج عن امتثال أمر الله تعالى في الطعام والشراب - وامتثال أمر الله تعالى هو التقوى - وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بالاعتدال في الطعام والشراب فأمر بهما حتى لا يهملا ، ونهى عن الإسراف فيهما حتى لا يؤذيا فقال سبحانه وتعالى : " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " ومعلوم عند كل الأطباء أن أكثر الأمراض تنشأ عن ترك الاعتدال في الطعام والشراب في حالة الإفراط وفي حالة التفريط .

وأما الأثر الآخر من ثمرات التقوى بمضمونها التام - وهو عموم الطاعات - فهو صفاء النفس وطمأنينة القلب وراحة الضمير ودوام الاستقرار وتجدد الأمل ومباعدة اليأس ، وكل ذلك مما يفيض على الإنسان الصلة بالله والثقة بعونه مهما ساءت الأحوال وانقطعت الأسباب ، فالتقوى قوة نفسية كبيرة ، وكلما ارتقى الإنسان في معارجها عظم حظه منها ، والقوة النفسية - كما يقول الأطباء - من أهم أسباب الشفاء عند المرضى ، ومن أهم أسباب الحفاظ على الصحة الجسمية والقوة البدنية ، ولأن الصوم يثمر التقوى وآثارها الطيبة هذه فرضه ربنا سبحانه وتعالى على الأمم كلها كما قال سبحانه وتعالى : " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " .

 

 









مواضيع المنتدى

اضفنا إلى المفضلة   |   إرسل إلى صديق   |   اجعلنا البداية   |   اتصل بنا   |   خريطة الموقع