آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    المناسبات الإسلامية   شهر رمضان المبارك
ليلة القدر والعشر الأواخر من رمضان



مرات القراءة:9954    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

ليلة القدر والعشر الأواخر من رمضان

 

 

الحمد لله الذي أتاح لعباده أوقات الفضائل، ومواسم العبادة، ليتزودوا فيها من الأعمال الصالحة ويتوبوا إلى ربهم من الأعمال السيئة، يضاعف لهم الأجور ويعرضهم فيها لنفحات جوده. وينزل عليهم فيها من رحمته وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع فيسر، ورحم فغفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد ،،،

u فضل العشر الأواخر من رمضان :

التعريف:

- العشر الأواخر من رمضان في اصطلاح الفقهاء : تبدأ من بداية ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان, وتنتهي بخروج رمضان, تاماً كان أو ناقصاً, فإذا نقص فهي تسع, وعليه فإطلاق العشر الأواخر عليها بطريق التغليب للتمام, لأن العشر عبارة عما بين العشرين إلى آخر الشهر, وهي اسم لليالي مع الأيام, لقوله تعالى : (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (الفجر:2) (الموسوعة الفقهية / العشر الأواخر من رمضان ف1)  .

   والعشر الأواخر من شهر رمضان المعظم هي العشر التي اختصها الله بالفضائل والأجور الكثيرة والخيرات الوفيرة.

وقد اتفق الفقهاء على استحباب مضاعفة الجهد في الطاعات في العشر الأواخر من رمضان, بالقيام في لياليها, والإكثار من الصدقات وتلاوة القرآن الكريم ومدارسته, بأن يقرأ عليه أو يقرأ هو على غيره, وزيادة فعل المعروف وعمل الخير, وذلك تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العمل فيها أكثر من غيرها ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : (كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها).

وفي الصحيحين : كان النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) لما في هذه العشر من أنواع العبادات من صلاة وقراءة قرآن وذكر بالتسبيح والتهليل والاستغفار والصدقة وغير ذلك.

وإنه لمن الحرمان الكبير والخسارة الفادحة أن ترى كثيراً من المسلمين تمر بهم هذه الليالي العظيمة وهم وأهلوهم وأولادهم في غفلة معرضون، يمضون هذه الأوقات الثمينة فيما لا ينفعهم يسهرون معظم الليالي في اللهو الباطل فإذا جاء وقت القيام والتهجد ناموا، وفوتوا على أنفسهم خيراً كثيراً.

 

- ومن فضائل هذه العشر أنه يرجى فيها مصادفة ليلة القدر التي قال الله تعالى فيها : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر:3).

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).

قوله : إيماناً يعني إيماناً بالله وبما أعد الله فيها من الثواب للقائمين فيها واحتساباً للأجر وطلباً للثواب.

وهذه الليلة إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان على الراجح وقد أخفى الله سبحانه علمها على العباد رحمة بهم ليجتهدوا في طلبها في تلك الليالي الفاضلة، بالذكر والدعاء ليتبين بذلك من كان جادّاً في طلبها حريصاً عليها ممن كان متكاسلاً أو متهاوناً. فمن حرص على شي جد في طلبه.

قال مالك : وسمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُري أعمار الناس قبله وما شاء الله من ذلك, فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم من طول العمر, فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. (المدونة 1/302).

 

u فضائل ليلة القدر :

الفضيلة الأولى : أن الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

الفضيلة الثانية : أنها خير من ألف شهر فهي ليلة العمل والعبادة فيها خير من العمل والعبادة في ألف شهر.

الفضيلة الثالثة : أن الملائكة تتنزل فيها وهم عباد من عباد الله قائمون بعبادته ليلاً ونهاراً يتنزلون في ليلة القدر إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة.

الفضيلة الرابعة : أنها سلام لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بسبب ما يقوم به العبد من طاعة لله عز وجل.

الفضيلة الخامسة : أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة.

 

وقال ابن العربي قوله : [ ليلة القدر ] قيل : ليلة الشرف والفضل. ومن شرفها نزول القرآن فيها إلى السماء الدنيا جملة, ومن شرفها بركتها وسلامتها وقيل : ليلة التدبير والتقدير. وهو أقرب لقوله : [ فيها يفرق كل أمر حكيم ] ويدخل فيه الشرف والرفعة. ومعنى التقدير والتدبير فيها أن الله قد دبر الحوادث والكوائن قبل خلقها بغير مدة, وقدر المقادير قبل خلق السموات والأرض من غير تحديد, وعلم الأشياء قبل حدوثها بغير أمد. قال علماؤنا : فيحدث الله عز وجل في رمضان في ليلة القدر كل شيء يكون في السنة من الأرزاق والمصائب, وما يقسم من السعادة والشقاوة, والحياة والموت, والمطر والرزق, حتى يكتب فلان يحج في العام, ويكتب ذلك في أم الكتاب. وقال آخرون : يكتب كل شيء إلا السعادة والشقاوة, والموت والحياة, فقد فرغ من ذلك, ونسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها, فتجد الرجل ينكح النساء, ويغرس الغروس, واسمه في الأموات مكتوب.

وأضاف ابن العربي رحمه الله اختلف العلماء في تحريرها على أقوال :

الأول : أنها في العام كله. سئل ابن مسعود عن ليلة القدر; فقال : من يقم الحول يصب ليلة القدر.

الثاني : أنها في شهر رمضان دون سائر شهور العام; قاله سائر الأئمة عدا ما سميناه.

الثالث : أنها ليلة سبع عشرة من الشهر; قاله عبد الله بن الزبير.

الرابع : أنها ليلة إحدى وعشرين.

الخامس : أنها ليلة ثلاث وعشرين.

السادس : أنها ليلة خمس وعشرين.

السابع : أنها ليلة سبع وعشرين.

الثامن : أنها ليلة تسع وعشرين.

التاسع : أنها في الأشفاع للأفراد الخمسة. (أحكام القرآن 4/370-373).

 

- قال النووي رحمه الله تعالى : ويستحب طلب ليلة القدر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } ويطلب ذلك في ليالي الوتر من العشر الأخير من شهر رمضان لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { التمسوها في العشر الأخير في كل وتر }. (6/493 المجموع) .

u الاعتكاف من سنن العشر الأواخر من رمضان :

الاعتكاف : هو اللبث والبقاء في المسجد مدة هذه الأيام المباركة للتفرغ لطاعة الله عز وجل وهو من السنن الثابتة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (البقرة: من الآية187).

 

وقد أخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قوله في نهاية حديثه الطويل (من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها) فينبغي لمن يتمكن من إحياء هذه الليلة أن يبادر إليها لما فيها من الأجر العظيم وتدريب النفس على الطاعة.

فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع على نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف بقبله وقالبه على ربه وما يقر به منه فما بقي له سوى الله وما يرضيه عنه.

  

وحقيقة الاعتكاف : قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والاستجابة أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى.

 

قال السرخسي : قال عطاء : مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه, ويقول: لا أبرح حتى تقضي حاجتي والمعتكف يجلس في بيت الله تعالى, ويقول : لا أبرح حتى يغفر لي فهو أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص. (المبسوط3/115).

 

وقال ابن عابدين : الصحيح أن الاعتكاف سنة مؤكدة { لأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان } والمواظبة دليل السنة ا هـ ومن قال : إن المواظبة بلا ترك دليل الوجوب فالجواب كما في العناية أنه عليه الصلاة والسلام لم ينكر على من تركه ولو كان واجباً لأنكر. ابن عابدين 2/442.

 

قال الشافعي : ومن أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل فيه قبل الغروب فإذا هلَّ هلال شوال فقد أتم العشر، ولا بأس أن يشترط في الاعتكاف الذي أوجبه بأن يقول : إن عرض لي عارض خرجت، ولا بأس أن يعتكف ولا ينوي أياماً متى شاء خرج، واعتكافه في المسجد الجامع أحب إلي، فإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة، ويخرج للغائط والبول إلى منزله وإن بعد ولا بأس أن يسأل عن المريض إذا دخل منزله وإن أكل فيه فلا شيء عليه ولا يقيم بعد فراغه ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط ويجالس العلماء ويحدث بما أحب ما لم يكن مأثماً ولا يفسده سباب ولا جدال ولا يعود المرضى ولا يشهد الجنازة إذا كان اعتكافه واجباً، ولا بأس إذا كان مؤذناً أن يصعد المنارة.

و قال المزني : نهي في الاعتكاف والصوم والحج عن الجماع. (الأم 8/157).

قال ابن مفلح : ومن نذر قيام ليلة القدر قام العشر. (الفروع 3/143)

 

uاستحباب ختم القرآن الكريم :

ومن الأعمال المستحبة في تلك الأيام الفاضلة الاجتهاد في ختم القرآن الكريم اقتداءً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، ورواه عنه ابن كثير في تفسيره أنه قال: تستحب قراءة القرآن الكريم في هذا الشهر ولو مرة واحدة، وهي سنة جبريل مع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعارضه القرآن في كل سنة من رمضان، حتى إذا كانت السنة الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم عارضه فيها جبريل القرآن مرتين.

ولنعلم أن الأعمال تتضاعف في هذه العشر ومنها الصدقة على عباد الله المحتاجين ولذلك أخرج البخاري في صحيحة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فالرسول صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

 

u فوائد متفرقة :

عن عكرمة قال : يكتب حاج بيت الله في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم, فما يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم أحد. (المصنف 4/528).

 

عن أبي عقرب الأسدي قال أتينا ابن مسعود في داره فوجدناه فوق البيت فسمعناه يقول قبل أن ينزل : صدق الله ورسوله, فلما نزل قلنا : يا أبا عبد الرحمن, سمعناك تقول : صدق الله ورسوله فقال: ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر وذلك أن الشمس تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها فنظرت إلى الشمس فوجدتها كما حدثت فكبرت. (المصنف 2/487).

 

قال أبو بكر : قال أصحابنا فيمن قال لامرأته : أنت طالق في ليلة القدر : إنها لا تطلق حتى يمضي حول; لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك, ولم يثبت أنها مخصوصة بوقت فلا يحصل اليقين بوقوع الطلاق بمضي حول. (أحكام القرآن للجصاص 3/715).

 

وقال السرخسي : من قال : لعبده أنت حر ليلة القدر فإن قال ذلك قبل دخول شهر رمضان عتق إذا انسلخ الشهر وإن قال : ذلك بعد مضي ليلة من الشهر لم يعتق حتى ينسلخ شهر رمضان من العام القابل في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لجواز أنها كانت في الشهر الماضي في الليلة الأولى وفي الشهر الآتي في الليلة الأخيرة وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : إذا مضت ليلة من الشهر في العام القابل فجاء مثل الوقت الذي حلف فيه عتق; لأن عندهما لا تتقدم ولا تتأخر بل هي في ليلة من الشهر في كل وقت. (المبسوط 3 / 128).

 

قال النووي : قال الماوردي : ويستحب للرجل أن يوسع على عياله في شهر رمضان وأن يحسن إلى أرحامه وجيرانه لا سيما في العشر الأواخر منه. (المجموع 4/641).

 

وقال في المجموع : قال أصحابنا :  والجود والإفضال مستحب في شهر رمضان, وفي العشر الأواخر أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسلف; ولأنه شهر شريف فالحسنة فيه أفضل من غيره; ولأن الناس يشتغلون فيه بصيامهم, وزيادة طاعتهم عن المكاسب, فيحتاجون فيه إلى المواساة. (الموسوعة توسعة ف 7)

قال البهوتي : (إن اعتكف رمضان  أو العشر الأخير منه استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه) ليحيي ليلة العيد (ويخرج منه إلى المصلى) نص عليه قال إبراهيم : كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد ا هـ ويكون في ثياب اعتكافه ليصل طاعة بطاعة. (متن الإقناع 2/355).

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،

 

إعداد : الشيخ محمد مصباح نجيب سالم

المراجعة العلمية: الشيخ عبد الله نجيب سالم

الثلاثاء 19 من رمضان 2004م12 من نوفمبر 1425هـ