المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مَنطِق الحُبِّ



الخنساء
08-Nov-2007, 04:12 AM
أما إذا ايقظت الفؤاد إلى ذكر الله تعالى وعظيم صفاته المختلفة ثم اخذت تنبهه إلى ذلك كلما أدركته الغفلة بالدنيا وأهوائها، ورحت تتأمل مختلف آلاء الله تعالى عليك ـ وصائب الدنيا كلها لا تعدو شيئاً أمام نعمه الكثيرة المختلفة ـ واستمر بك هذا الحال، حتى لم تعد الدنيا بما فيها أما عينيك إلا صفحة صافية نقشت فوقها صفات الله جل جلاله: فالنعمة التي تمتد بها إليك كف إنسان لست إلا مظهراً لصفة المنعم الحقيقي. الكمال الذي يتراءى في تدبير أي صنع، أو مظهر أي مخلوق، ليس إلا انعكاساً لصفة الكمال في مندر الكمال الذاتي. والجمال الذي يأخذ بلبك ويروق لعينيك ليس إلا أثراً من آثار الجمال في مبدع الجمال كله. والعلم الذي تعظم مكانته في صدرك ليس إلا هي من لدن علام الغيوب ـ نقول: أما إذا أيقظت الفؤاد لهذه الحقائق الكبرى، وعشت معها بوجدانك حيناً من الزمن، فإنك تقع تحت تأثير محبة عارمة لرب السموات والأرض، إذ تتعلق بقلبك خيوط هذه الصفات التي تتمثل فيها دواعي المحبة على اختلافها، ثم تشده وتنصرف به إلى مصدر واحد هو مصدر هذه الصفات كلها وهو الله جل جلاله، فيتجمع بذلك شتات الأهواء في هوى واحد لا ثاني له، ويتحد المحبوب بعد أن كان موزعاً في مظاهر وأسباب مختلفة. هنالك تخشع منتشياً بسكر هذا الحب، وتناجي محبوبك الواحد الأحد من أعماق قلبك قائلاً:

كانـت لـنـفـسـي أهـواء مـفـرقـة *** فاسـتـجـمـعت مذ رأتك العين أهوائي
فـصـار يحـسـدني من كـنـت أحسـده *** وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
تـركـت لـلـنـاس دنـيـاهـم وشـأنـهم *** شغـلاً بذكـرك يا ديني ودنيـائـي

وعندئذ يسقط ـ في شعورك ـ الفرق بين آلام المصائب التي قد تعاني منها، ولذائذ النعم التي تتمتع بها، ما دام كل منها مطبوعاً بطابع الحكم الإلهي وإرادته.

بل المحب من شأنه أن ينتشي تلذذاً بالخضوع لما يقضي عليه به المحبوب، إذ كان له في ذلك مجال التعبير عن مدى حبه له وتعلقه به.

وبهذا الشعور عاش الأنبياء والصديقون، وبهذا الشعور اجتاز الربانيون معبر هذه الحياة الدنيا، وانغمسوا في مصائبها وأوجاعها دون أن يشعروا بشيئ منها، فضلاً عن أن يتبرموا بها ويضجروا منها أو يعترضوا على الله فيما قضى عليهم بها.

وما اشتدت المحنة بواحد من هؤلاء المحبين إلا وأثارت في قلبه مزيداً من كوامن الحب والشوق لمن أنزل به تلك المحنة.

لقد اشتد رحاء الموت برسول الله 2@(( وأطبق عليه، عذابه من كل جانب، وهو غارق في مناجاة مولاه قائلاً: اللهم بالرفيق الأعلى.. اللهم بالرفيق الأعلى..
ولما نزل الموت بمعاذ بن جبل 1خ4*25= ، جعل النزع يتغشاه بشدة، فكان كلما أفاق من غمرات الموت فتح عينيه ثم قال: أي رب!.أخنقني خنقانك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك..
وابتلي عمران بن حثين 1خ4*25= بمرض عضال أثبته على سرير من الجريد ما يقارب ثلاثين عاماً، حتى ذاب لحمه ووهن عظمه. وزاره مرة أخوه فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: هذه الحال العظيمة التي أنت فيها!..
قال: لا تبك، فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه إلي.

فإذا أكرمك الله تعالى بذرة من عنايته، وأورثك شيئاً من نعيم هذا الحب، انمحقت من نفسك مشاعر الهموم ونوازع الشهوات، وغدا القلب مستغرقاً بلذة عارمة لا يقوى على وصفها إلا من أكرمه الله بمذاقها. بل تصبح ملاذ الدنيا كلها أدنى رتبة من لذة هذا الحب الإلهي إذ يستولي بسلطانه على القلب.

وفي غمار الشعور بهذه المحبة، قد ينجرف المحب في بعض الشطحات الخارجة عن سلطان إرادته، كأن يعلن زهده في الجنة ونعيمها، أو لا يهتم بالنار وعذابه، إذ كان قلبه منصرفاً عن لذائذ الدنيا والآخرة ومخاوفهما إلى التعلق بذات الله تعلى والاستغراق في مشاعر الشوق إلى لقائه، فهو لا يريد إلا نعيم القرب من مولاه ولذة النظر على وجهه الكريم.

وربما حملته هذه الحال على التعرض لابتلاءات الله تعالى ومصائبه، ليعلن من خلال تجشمها ومعاناتها عن مدى حبه لله تعالى وعن شدة رضاه بكل ما يأتيه من طرف المحبوب.

ولكن كمال الأدب مع الله تعالى ينافي كل ذلك.وإنما عذر الذين وقعوا في هذه الحال أنهم غلبوا على أمرهم، وأن مشاعر قلوبهم تغلبت على رقابة أفكارهم.

ولقد كان رسول الله2@(( أشد الناس حباً لله عز وجل، ومع ذلك فقد كان لا يفتأ يسأل الله العفو والعافية من المصائب كلها. فإذا نزلت المصيبة رضي بها وصبر عليها واحتسبها عند الله عز وجل. وكان يسأل الله في دعائه الجنة ويستعيذ به من النار.

وقد رووا أن أحدهم انشد يقول: في غمرة مشاعره الوجدانية التي سيطرت على قلبه:

عذب بما شئت غير البعد عنك تجد *** أوفى محب بما يرضيك مبتهج
فابتلاه الله تعالى بحصر البول، وناله من ذلك عذاب شديد برح به، فكان يخرج إلى الأطفال في الشارع يعطيهم الدراهم ويقول لهم :أدعو الله لعمكم الكذاب!.
وعلى كل، فإن هذا الحب، إذا ألجم بلجام الشريعة، كان ذروة المقامات العالية التي يرقى اليها الصالحون والربانيون. وهو أعظم دواء لكل ما قد يعترض له الإنسان في دنياه من الفتن والمحن على اختلافها.

أما إذا إقفر القلب منه فلا بد أن تتسلل اليه قوانص الشهوات والأهواء وزخارف الدنيا وملهياتها. إذ القلب لا يمكن أن يعيش في فراغ. بل لابد أن يتعلق به شيء ما، كالمرآة لا بد أن تثبت فيها صورة ما. فإذا لم ينبض بحب فاطر السماوات والأرض، كان لابد أن ينبض بحب ما دونه مما قد يروق له من مظاهر الكون.

وعندئذ يعظم عليه وقع المصائب والابتلاءات على اختلافها، لما فيها من معاكسة القلب وأهوائه، وكلما عظم علق القلب بتلك الأهواء، عظم وقع المصائب على النفس وضعفت فيها طاقة التحمل والصبر.

من أجل ذلك أجمع علماء التوحيد على أن محبة الله ورسوله ركن أساسي في بنية الإسلام والإيمان.

وربما ناقشك في هذا الحق، من يدعي بأن محبة الله تعالى ليست أكثر من طاعته وبأن المحبة القلبية المعروفة لا يمكن أن تكون من العبد لربه، لأن القب لا يتعلق إلا بالمحسوسات والله منزه عنها.

فاعلم أنه ما من عاقل إلا ويعلم بأن الحب سائق إلى الطاعة، وليس هو الطاعة نفسها. إذ الطاعات تحتاج إلى ما يحمل الإنسان على فعلها، ولا يحمله على فعلها إلا إيمان مشفوع بحب. وبمقدار شدة الحب وغلبته تزداد الطاعة أو تقل. ولولا هذه الحقيقة لما تفاوت الصحابة في الطاعات وتحمل المشقات مع ما هو معروف من تساويهم في أصل الإيمان.

وليس صحيحاً أن القلب لا يتعلق إلا بالمحسوسات.فما أكثر ما ينصرف القلب إلى محبة معان مجردة لا تتجسد في شكل مرئي ولا محسوس، كالعلم والكرم والشجاعة والرحمة والذكاء.. بل إن للقلب أحوالاً غريبة وعجيبة في هذا المجال، لا يعلم كنهها وأسرارها إلا فاطرها العزيز الحكيم، فأي مخلوق هذا الذي يزعم أنه قادر على ضبط نوازعه وحدود أشواقه.

ومع ذلك كله، فإن واقع حال الصالحين والربانيين الذين امتلأت قلوبهم بحب الله عز وجل أعظم وابين دليل على بطلان هذه الدعوى وشدة مكابرتها للواقع الملموس.

إذا كانت محبة الله ليست أكثر من طاعته، فما معنى قول معاذ بن جبل1خ4*25= وهو يكابد غمرات الموت: فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك؟..وهل كان شيء آخر غير قلبه ينبض إذ ذاك بهذه الكلمات؟..

وما معنى قول الله عز وجل وهو يصف النخبة من عبادة: (يحبهم ويحبونه)؟.
والعجب من هؤلاء الناس أنهم ينكرون المجاز في القرآن، ويمنعون التأويل في مثل قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) وقوله (يد الله فوق أيديهم)، وأن اقتضاهم ذلك تجسيد الله تعالى وجعله شبيهاً ببعض مخلوقاته، ثم يبادرون إلى تأويل قوله ( ويحبونه) بالطاعة واتباع الأوامر، دون أن يكون ثمة أي داع إلى تكلف المجازم والتأويل. فأنت لا تدري أي قاعدة هذه التي يعتمدون عليها فيما تقضيهم من تأويل مرة وإمساك عن التأويل أخرى!!..

ولكن الذي يفقه الحب الإلهي، هو من قد ذاق فؤاده طعمه!.. أما ذاك الذي كان الدين في كيانه مجرد أفكار تظل حبيسة في عقله ليظل قلبه وقفاً على مظاهر الدنيا وأهوائها المختلفة ترتع فيه كما تشاء، فأمر طبيعي جداً أن لا يفقه شيئاً عن حقيقة المحبة الإلهية وأثرها في القلب.

من كتاب الإنسان وَعَدالة الله في الأرض الدكتور محمد سَعيد رَمضان البوطي

روح وريحان
08-Nov-2007, 06:08 AM
انها كلمات صادقة خرجت من قلب محب فلذلك تدخل الى القلب من غير تكلف
جزاكى الله كل خير اختى على هذا النقل المبارك

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحيك واجعل حبك وحب من احبك
احب الينا من الماء البارد على الظمأ

سهاد الليل
08-Nov-2007, 06:45 AM
الدكتور البوطي ملئ علما وحكمة من فرقه لقدمه

كلامه مقنع

موجه للعقل والقلب معا وبالدليل..

وبالأخص كتبه عن العقيدة وعن السلفية

(بيبرد القلب)

جزيت خيرا اختي الكريمة على اختيار الموضوع

يوسف ( أبومحمد)
08-Nov-2007, 09:15 AM
لما زرت الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في بيته وجدت فيه الإنسان العالم المتواضع المحب لله ورسوله وله هيبة
وكانت لدينا أسئلة كثيرة فاختصرنا أكثرها
ذكرة مرة أنه زار جامع سيدنا خالد في حمص قال وكنت أمر بمشاكل كثيرة فالتقاني أحد المجاذيب على باب الجامع فاقتربي مني وقال انت ليش زعلان يا سعيد ثم قال هذا الرجل البسيط
(( نحن الله مولانا - نحن الله مولانا )) ثم انطلق فانزاحت كل الهموم وتناثرت كل الغموم .
شكرا لك على هذه الاقتباسات الرائعة ونتمنى دائما مثل هذه النقول

الخنساء
09-Nov-2007, 01:05 PM
روح وريحان

سهاد الليل

محمد إقبال

أشكركم على المرور الكريم

بسمة الحياة
09-Nov-2007, 04:27 PM
ما اجملها من كلمات وما اروعها من عبارت يعجز اللسان عن شكر من كتبها

مشكورة اختى الكريمة على هذا النقل الموفق

الخنساء
11-Nov-2007, 05:31 PM
شكرا للمرور الكريم أخيه