المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرحمة الإلهية والتراحم بين البشر



حمزة
20-Nov-2007, 02:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

جدلية الرحمة الإلهية والتراحم بين البشر

د. محمد ماهر قدسي

نائب عميد كلية الشريعة

للشؤون العلمية بجامعة حلب

لا شك أن الله تعالى قد رَحِمَ كلَّ الناس إذ أوجدهم من عدم، وأغدق عليهم نعمه ظاهرةً وباطنةً، تحقيقاً للرحمة العامة التي تقتضيها صفته (الرحمن)، وأما الرحمة الخاصة التي هي لازم صفته تعالى (الرحيم) فقد خصَّ بها من البشر أفراداً تحقق فيهم الإيمان بصدق التفكر والاعتبار، فكانوا عناصرَ خيِّرةً في محيطهم الإنساني؛ باختيارهم وكسبهم.

وتتعالى – هذه الأيام - أصوات خطباء المنابر بوصف شهر رمضان بأنه "شهر الرحمة"، أو "شهر أوله رحمة"، مستندين إلى الحديث النبوي: "أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار"([1]). ويقصدون الخاصةَ بالرحمة هنا – بلا ريب - بيد أن هذا الخطاب يُطرح – في كثير من الأحيان - على الملأ دونما ربطه بسنته الإلهية في خلقه.

ولعلَّ المتأمل في النصوص الإسلامية ليجد ربطاً واضحاً – بهذا الصدد – فرحمة الله عزَّ وجلَّ تتنزل – بحكمته العظيمة - على الرحماء لأنفسهم وفيما بينهم، وليس على أولئك الذين يظلمون أنفسهم – باختيارهم – فيبتعدون عما يستمطر رحمة الله من الطاعة، وربما يقترفون من المعاصي عالمين بكونها كذلك، أو جاهلين. لكن الجاهل بتعاليم الإسلام الضرورية، من حلال أو حرام غير معذور. فليس للتاجر المحتكر لقوت الناس – وخصوصاً في رمضان – أن يدعي أنه مشمول برحمة الله جزاء امتناعه عن مفسدات الصوم الحسية! جاهلاً أو متجاهلاً أن الصوم مدرسة لا يتفوق فيها إلا من ارتقى معرفياً وروحياً وإنسانياً واجتماعياً. وما قيل عن التاجر المحتكر يقال عن كلِّ ظالم لنفسه أو لسواه.

ولعلَّ قاعدة ""الجزاء من جنس العمل"" ينبغي أن تفهم من مرادات الآيات والأحاديث ذات الصلة، فالله تعالى يقول: ]وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ[[الأعراف/156]. ويمكن أن نفهم من الآية - هنا – أن العبد لا يكون مستحقاً للرحمة الإلهية – بالمعنى الخاص – ما لم يتصف بصفات ثلاث، أولاها تفضي إلى الثانية، والثانية – بدورها - تفضي إلى الثالثة، وهي:

1- أن يكون من المتقين الذين يعرفون حدود الله وأحكامه فيلتزمون بها طوعاً وحباً.

2- أن تؤدي به تقواه – هذه - إلى احترام حقوق العباد عليه رحمة بهم، ووصالاً خيِّراً لهم. وذلك بأداء الزكاة بمعناها الأمثل، وهو أن يتراحم الواجد للنعم مع فاقدها بإشراكه بها، أو بمحاولة تعويضه عنها إن كانت لا تقبل الشركة. وزكاة المال بعض ذلك، وليس كلَّه.

3- أن يحدث لديه الإيمان – بعد ذلك نتيجةً لتأمله في سنن الله في خلقه - بأن الجزاء من جنس العمل، وأن نيل العبد لرحمته مرهون بالسعي نحو التراحم مع الناس.

فهذه الأحوال تعتبر بمثابة مراحل، فلا يؤهَّل العبد لمستوى التراحم مع الناس ما لم يمرَّ بمرحلة التقوى المدفوعة بحرارة الإيمان، كما أن المعرفة الحقَّة بسنن الله في خلقه لا تكون إلاَّ لمن تعرَّض لها بالرقيِّ الروحي والتأمل.

وأما الذين يُطردون من رحمة الله فهم الذين لا يرحمون أنفسهم بوفاء عهدهم مع الله التزاماً لأمره واجتناباً لنهيه، وهذا الأمر -بدوره– يجعل قلوبهم قاسية فلا يتراحمون فيما بينهم، ومن ثَمَّ فلا يكون منهم صلاح للأرض، بل إفساد لها. وفي ذلك قوله تعالى: ]وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[[الرعد/25]. وقوله: ]فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً[[المائدة/13].

فكلما كان القلب أقرب إلى الله كان ألين مع الناس، وكلما تباعد القلب عن الله بسبب المعاصي كان أقسى وأبعد عن الرحمة، وبالتالي لم يكن ممن تشملهم رحمة الله الخاصة؛ لأن السنة الإلهية في الخلق تقضي بأن الجزاء من جنس العمل، فمن لا يَرحم لا يُرحم، ولهذا أشارت الآيات القرآنية الآنفة الذكر تلميحاً، وأشارت إليه الأحاديث النبوية الصحيحة تصريحاً، ومن هذه الأحاديث:

· ""الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمْكم مَنْ في السماء""([2]).

· ""إنما يرحم الله من عباده الرحماء""([3]).

· ""مَنْ لا يَرحم لا يُرحم""([4]).

· ""مَنْ لا يَرحم لا يَرْحمهُ الله""([5]).

· "" مَنْ لا يَرحم لا يُرحم، ومن لا يغفر لا يُغفر له""([6]).

وهنا يحسن أن نورد ما نظمه ابن حجر العسقلاني تعبيراً عن المعنى المستخلص من جملة الروايات الحديثية الوافرة بهذا الصدد، وهو قوله:

إنَّ من يرحم أهل الأرض قد .... آن أن يرحمه مَن في السما

فارحم الخلق جميعا إنـمـا .... يرحم الرحمنُ منا الـرحما



ولغيـره قوله:

من يرحمِ الخلق فالرحمن يرحمه .... ويكشف الله عنه الضرَّ والباسا

ففي صحيح البخاري جاء متصلاً .... لا يرحم الله من لا يرحم الناسا



وأخيراً: يؤسفني أن أقول في ضوء ما سبق: إن كثيراً من المسلمين اليوم لا يستحقون رحمة الله، وليس لهم أن يدعوها لأنفسهم؛ بحجة إحسان الظن به تعالى؛ فإن إحسان الظن بالرحمن الرحيم على وجه يلغي اتصافه بالخبير والحكيم والمنتقم والجبار وشديد العقاب ... خلط في الاعتقاد، ناتج عن رعونة نفسٍ من بعض المقصرين المتقاعسين، أو عن جهل بالسنن الإلهية في الكون.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - أخرجه ابن خزيمة في صحيحه في حديث مطول مصححاً له، كما أخرجه البيهقي وابن حبان.

[2] - أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو داود والترمذي وآخرون، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم.

[3] - أخرجه الشيخان في صحيحيهما.

[4] - أخرجه الشيخان في صحيحيهما.

[5] - أخرجه الشيخان في صحيحيهما.

[6] - أخرجه أحمد في مسنده، والطبراني

المصدر موقع دار الأفتاء و التدريس الديني بحلب

صهيب ياس الراوي
20-Nov-2007, 02:31 PM
رحمك الله اخي الكريم بموضوعك الجميل والرائع جدا بارك الله فيك

صدى الأسحار
20-Nov-2007, 05:20 PM
سلط الشيخ الأضواء على حديث من لا يرحم ( بالفتح) لا يرحم ( بضم الياء )ومن هنا أخذ نظريته ان كثيرا من الناس لا يستحقون الرحمة ...هم من لم يرحم الناس ويظن ان الله سيرحمه ...ان شاء الله تكون قد وصلت الفكرة

جعلنا الله واياك من الرحمااااااااااء

أبوأيمن
20-Nov-2007, 05:32 PM
بارك الله فيك أخي وهذا تحقيق رائع لفضيلة الدكتور محمد ماهر قدسي صاحب النشاطات العلمية التي يعرفها القاصي والداني في سوريا . والرحمة هي وصف الله عزوجل لنبيه ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ( بالمؤمنين رؤوف رحيم)

الخنساء
20-Nov-2007, 06:41 PM
شملنا الله جميعا برحمته
شكرا اخي الكريم على هذا الطرح بارك الله فيك وبجهودك

روح وريحان
20-Nov-2007, 07:02 PM
جزاك الله كل خير اخى الكريم على ما نقلت من موضوع رائع