المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرف العقل والعقلاء



الخنساء
15-Dec-2007, 05:31 AM
إن الله سبحانه وتعالى خلق العقل على أحسن صورة وقال له أقبل فاقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت في خلقي شياً أحسن منك بك آخذ وبك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب. والدليل على صحة هذا أن الله تعالى على العباد شيئين وكلاهما موقوفان على العقل وهما الأمر والنهي كما جاء في محكم التنزيل قوله جل ذكره: (فاتقوا الله يا أولي الألباب) . وهم ذوو العقول، واشتقاق العقل من العقال، والمعقل المنيع القلعة على رأس الجبل لا يصل إليها يد أحد لامتناعها وقوتها واحكامها.

سئل حكيم الفرس لم سمي العاقل عاقلاً فقال للعاقل أربع علامات يعرف بها. وهي أن يتجاوز عن ذنب من ظلمه، وان يتواضع لمن دونه، وان يسابق الى فع الخير لمن هو أعلى منه، وان يذكر ربه دائماً وان يتكلم عن العلم ويعرف منفعة الكلام في موضعه وإذا وقع في شدة التجأ الى الله تعالى.
وكذلك الجاهل له علامات وهو أن يجور على الناس ويظلمهم ويعسف بمن دونه وأن يتكبر على الزعماء والتقدمين وأن يتكلم بغير علم، وأن يسكت عن خطأ وإذا وقع في شدة أهلك نفسه وإذا رأى أعمال الخير لفت عنها وجهه.

حكمة: قال سعيد بن جبر: ما رأيت للإنسان لباساً أشرف من العقل إن انكسر صححه، وان وقع أقامه وان ذل أعزه وإن سقط في هوة جذبه بضبعه منها واستنقذه منها وان افتقر أغناه وأول شيء يحتاج إليه البليغ العلم الممتزج بالعقل

كما جاء في حكاية: يقال انه ما كان في خلفاء بني العباس اعلم من المأمون في جميع العلوم فكان له في كل أسبوع يومان يجلس فيهما لمناظرة الفقهاء وكان يجتمع عنده الفقهاء والمناظرون، والعلماء والمتكلمون، فدخل في بعض الأيام الى مجلسه رجل غريب عليه ثياب بياض رثة فجلس في أواخر الناس وقعد من وراء الفقهاء في مكان مجهول فلما ابتدأوا في المسائل وكان رسمهم يديرون المسألة على جماعة أهل المجلس فكل من وجد زيادة لطيفة او نكتة غريبة ذكرها فدارت المسألة الى ان وصلت الى ذلك الرجل الغريب فتكلم بكلام عجيب فاستحسنه المأمون فأمر أن يرفع الى أعلى من تلك المرتبة. فلما وصلت الثالثة أجاب بجواب أحسن من أجوبة الفقهاء كلهم فأمر أن يرفع الى أعلى من تلك المرتبة. فلما وصلت الثالثة أجاب بجواب أحسن وأصوب من الجوابيين الأولين فأمر المأمون أن يجلس قريباً منه فلما اتقضت المناظرة أحضر الماء وغسلوا أيديهم ثم أحضر الطعام فأكلوا ثم نهض الفقهاء وخرجوا وقرب المأمون ذلك الرجل وأدناه وطيب قلبه ووعده بالاحسان إليه والإنعام عليه. ثم عبي مجلس الشراب ونضد وحضر الندماء الملاح، ودارت الراح. فلما وصل الدور الى الرجل نهض قائماً وقال ان أذن أمير المؤمنين تكلمت بكلمة واحدة فقال قل ما تشاء فقال قد علم الرأي العالي زاده الله علواً ان العبد كان في مجلس الشريف من مجاهيل الناس ووضعاء الجلاس، وان أمير المؤمنين بقدر يسير من العقل الذي أبداه جعله مرفوعاً على درجة غيره وبلغ به الغاية التي لم تسم اليها همته وإن العبد إذا شرب الشراب تباعد عنه العقل وقرب منه الجهل وسلب أدبه فعاد الى تلك الدرجة ووقع في اعين الناس كما كان ذليلاً فإن رأى الرأي العالي أن لا يفرق بينه وبين ذلك القدر اليسير من العقل الذي أعزه بعد الذلة وكثرة بعد القلة بمنه وفضله وكرمه، وسيادته وحسن شيمه، فعل متطولاً، وأنعم متفضلاً. فلما سمع المأمون منه ذلك مدحه وشكره وأجلسه في رتبته ووفره وأمر له بمائة ألف درهم وحمله على فرس وأعطاه ثياب تجمل وكان كل مجلس يرفعه على جماعة الفقهاء حتى صار أرفع منهم درجة، وأعلى منزلة. وإنما أوردنا هذه الحكاية لأجل نعت العقل لأن العقل يوصل صاحبه الى درجة عالية، ومرتبة سامية، وان الجهل يحط صاحبه عن درجته ويهبط به من علو مكانته.
قال الشاعر:
بِالعَقلِ يَنَالُ المَرءُ أوَجَ البَدرِ ... والَعقلُ بِه الجَاه وسَامِي القَدرِ
والعَقَلُ بِه يُغسَلُ عَارَ الوِزرِ ... فِي العَقلِ التَاجُ مَع نَفاذِ الأمرِ

والعقل أول الإيمان ووسط الإيمان وآخر الإيمان. قال بعض القدماء ليس العقل أن الإنسان إذا وقع في أمر اجتهد في حسن خلاصه منه بل العقل ان لا يوقع نفسه في أمر يحتاج الى الخلاص منه

التبر المسبوك في نصيحة الملوك أبو حامد الغزالي

د.أبوأسامة
15-Dec-2007, 01:46 PM
الأخت الخنساء
جعلكِ الله ذخراً للإسلام والمسلمين وبارك فيكِ على هذا النقل الجميل
العقل من أجل وأكرم نعم الله على ابن آدم

روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً.
قلت: من لي بالعقل؟
قال: اجتنب مساخط الله وأد فرائضه تكن عاقلاً.
ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً ومن ربك قرباً وغلبة وعزاً"
قال الحكيم: وإنما سمي العقل عقلاً لأن الجهل ظلمة وعمله على القلب فإذا غلب نوره العقل وبصره في تلك الظلمة وأبصر صار عقالاً للجهل.اهـ

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الصلاة التفت إلى الصحابة وقال : (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) وفي رواية صدوركم (وليليني منكم أولو الأحلام والنهى) رواه مسلم.
أولو الأحلام والنهى : جمع نهية بالضم وهي العقل، ذكره في المجموع، وفي شرح مسلم النهى العقول، وأولو الأحلام العقلاء.

ولما قرأ غلام ثعلب حديث النبي صلى الله عليه وسلم :
( إن اللّه تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه) رواه أبو نعيم ، أنشد غلام ثعلب :

إذا أراد اللّه أمراً بامرئ * * * وكان ذا رأي وعقل وبصر
وحيلة يعملها في كل ما * * * يأتي به محتوم أسباب القدر
أغراه بالجهل وأعمى عينه * * * وسل منه عقله سل الشعر
حتى إذا أنفذ فيه حكمه * * * ردّ عليه عقله ليعتبر