المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدين والأمانة



أبوعمار
29-Jan-2008, 01:33 PM
بقلم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

الدين والأمانة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ايمان لم لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ) رواه أحمد والبيهقي وبان حبان.
الأمانة والعهد ، وصفان متلازمان ، فحيث وجدت الأمانة وجد معها الوفاء بالعهد ، وحيث فقد أحدهما فقد معه الوصف الآخر ، وانما يكون الرجل أميناً اذا كان ذا وفاء بعهده وكلامه أمام الآخرين ، وانما يتسم الرجل بالوفاء بالعهد اذا كانت الأمانة من مقومات شخصيته .
وكلاهما من أهم الركائز التي لا بد منها لشخصية المسلم . وكلاهما واجب من أهم الواجبات التي تلي رتبة الايمان بالله مباشرة .
أما الحكة من وجبها وأهميتها في حياة المسلم ، فهي أن الله عز وجل انما كلف عباده بالايمان به والايمان بما يتبع ذلك من اليقين بيوم الحساب والجنة والنار ، من أجل أن تستيقظ أفئدتهم لمراقبته وأن تظل على يين بأنه سبحانه وتعالى يراهم ويحصي عليهم جميع تصرفاتهم فيحاسبهم عليها ، ان خيراً فخير وان شراً فشر ، فتستقيم حياتهم بذلك على نهج قويم من التناصح والتعاون والبعد عن أسباب الظلم والكيد .
فاذا ادعى المرء أنه مؤمن بالله ورسوله ، وموقن بايمانه باليوم الأخر ثم راح يخون الآخرين أو يخدعهم ويخلف في عهوده معهم ـ فانما هو متناقض مع نفس في الحقيقة . اذ لو كان قلبه مستشعراً حقيقة الايمان بالله ، لا ستشعر أنه يراقبه وأنه سيحاسبه على كل ما يقترفه ، فكان ذلك حاجزاً له عن تلك الموبقات .
ان الذي لا يأمنه أخوه المسلم على كلمة يسر بها في أذنه ، أو على معاملة يصدق فيها معه ، أ على حق أو مال استودعه اياه ، أو على مشورة يأمل أن يخلص له فيها ـ ليس صادقاً في ايمانه بالله عز وجل ولا صادقاً في استشعار المخافة منه .
وماذا يفيد الناس أن يتظاهروا أمام الله عز وجل بالايمان به ، أو أن يلهجوا بالمزيد من ذكر وتسبيحه ، أو أن يبالغوا في رفع المآذن الى جو السماء ـ اذا لم يكن في أفئدتهم من مهابة الله وخشيته ما يحملهم على أن يكونوا أمناء لبعضهم ، صادقين في تعاونهم مخلصين في تضامنهم ؟
وهل كانت شرعة الدين من أساسه الا حملاً للناس على أن يسيروا في المنهج الصحيح الذي يوفر لهم أصدق معاني السعادة للفرد وللمجتمع . فماذا جنى من الدين من أخذ منه ألفاظه ثم ابتعد عن حكمته وغايته في الحياة؟
وما هو مصير المجتمع الذي يفقد فيه أهله الأمانة وصدق العهد . .؟
ان مصيره أن يصبح أنكاثاً ، تختفي منه الثقة بين أفراده فلا يطمئن انسان الى آخر في كلمة يقولها أو تجارة يعرضها أو حتى موعظة يقدمها .
مصيره أن لا يلتق عشرة من أفراده على تعاون مثمر بناء في سبيل تحقيق شيء من خير الآخرة أو الدنيا ، اللهم الا أن يلتقوا على ذلك بضعة أيام ثم يروغ أسرعهم خداعاً وأقواهم كيداً بالمكر على الآخرين ، حيث ينتثر جمعهم وقد خزنوا في أفئدتهم بدلاً من روح التضامن والوداد أجيج الحقد والبغضاء .
فمن أجل ذلك كان صفة الأمانة وصدق العهد جزءاً لا يتجزأ من صفة الايمان بالله عز وجل . ومن أجل ذلك لم يكن من سبيل الى أن يتصف الانسان بالأمانة والعهد الصادق الا عن طريق الايمان الصادق بالله عز وجل .
ان محمد بن المنكدر رضي الله عنه ( وهو التاجر الصدوق في تجارته ) لم يكن ليطوف في الأسواق والضواحي بضعة أيام وهو يبحث عن الأعرابي الذي اشترى من عامل له بضاعة بأغلى من قيمتها الحقيقية ، لكي يعيد اليه الزيادة التي أخذت منه خطأ ـ لو لم تكن مخافة الله تعالى عامرة في قلبه .
وان الخفاء الراشدين ومن حذا حذوهم ، لم يكونوا ليستريحوا في القضاء بين الناس ، لو لا أن الناس الذين كانوا في عهدهم آمنوا بالله حقاً فاستشعروا رقابته عليهم ، فشاع الأمن والصدق بسبب ذلك فيما بينهم .
ومن أجل ذلك ليس عجيباً أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ايمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " .



كتاب (من اسرار المنهج الرباني)

يوسف ( أبومحمد)
29-Jan-2008, 01:38 PM
بارك الله فيك أخي أبا عمار على هذا النقل الطيب

الخنساء
29-Jan-2008, 11:00 PM
أبو عمار
موضوع رائع

بارك الله فيكم

وطرح جدا هام


يقول شاعر

إِذا أنتَ حملْتَ الخؤونَ أمانةً ... فإِنكَ قد أسندْتها شَرَّ مسندِ

ويقول العرجي

- وما حُمِّلَ الإنسانُ مثلَ أمانةٍ ... أشقَّ عليه حينَ يحملُها حملا
- فإِن أنتِ حُملتَ الأمانةَ فاصطبره ... عليها فقد حُمِّلْتَ من أمِرها ثِقْلا
- ولا تقبَلْن فيما رَضْيتَ نَميمةً ... وقلْ للذي يأتيكَ يحملها مَهْلا

أبوعمار
30-Jan-2008, 01:47 AM
الشكر موصول لكل من مر وشارك في إثراء الموضوع

ابراهيم ابومحمد
30-Jan-2008, 09:10 AM
شكرا اخي ابو عمار
على هذا الموضوع القيم