المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات الإمام محمد زاهد الكوثري حول المولد النبوي الشريف



الخنساء
03-Mar-2008, 05:41 PM
أربع مقالات للإمام المحدث الفقيه الحجة الشيخ

محمد زاهد الكوثري

وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية ورئيس العلماء فيها

ولد 1296- وتوفي 1371هـ رحمه الله تعالى

حول المولد النبوي الشريف

المقالة الأولى


-----------------------------------

مولد خاتم رسل الله عليه أزكى الصلوات2@((

في مثل هذا الشهر المبارك قبل أكثر من 1400 سنة ولد فخر المرسلين بمكة المكرمة، فاستنار الكون بنور طلعته صلى الله عليه وسلم، وأشرقت الأرض بهذا النور الوهاج حتى انقشعت الظلمات المتراكمة على هذا العام، المتوارثة من القرون الهمجية المتوغلة في الجهل.

وكذلك كان مصير الجهالات التي غشيت العقول على تعاقب أدوار الجاهلية حيث أخذت تزول شيئاً فشيئاً بنور هديه صلوات الله عليه، إلى أن عمَّ فيضه البسيطة واستنارت بصائر الذين آمنوا به استنارة تضئ لهم ما وراء الحجب الظلمانية من الضار والنافع، فتركوا الضار وأخذوا النافع، حتى تمكنوا في أيسر مدة من القيام بأعمال عظيمة عجزت عن عشر معشارها الأمم الأخرى طوال قرون في أقطار الأرض.

ومن استعرض ما كان عليه طوائف البشر من الجهل المطبق والتدهور المطلق في شؤونهم كلها أوان البعثة النبوية، ثم فكَّر فيما تمَّ للمسلمين بعد مبعثه -صلوات الله وسلامه عليه- من عِزٍّ منيعٍ ورقيٍّ باهر في جميع مرافق الحياة، واعتلاء شأنٍ في العلوم والأعمال والأخلاق بما يرضى الله ورسوله اعتلاءً يوازن مقدار تمسكهم بأهداب هذا الدين الحنيف، يجد معجزات فخر الرسل صلى الله عليه وسلم تتجدد على توالي القرون وهكذا إلى انتهاء الحياة البشرية في هذا العالم.

فدونك الطوائف البشرية في عهد الجاهلية، فمنهم طائفة كانوا يئدون بناتهم، ويعبدون الأصنام وما عسى أن يأكلوه أيام المجاعة.

ومنهم أمة كانوا يبيعون أرض الجنة شبراً شبراً للذين يستغلونهم، ويعتقدون في الله أنه شيخ أشمط قاعد على كرسي أبيض الرأس واللحية وحوله الأملاك، تعالى الله عما يفترون.

ومنهم أهل دين يقولون بالتثليث والحلول، وهم عن قضايا العقول ذاهلون -تعالى الله عما يأفكون-.

ومنهم شراذم يتعبدون الأجرام العلوية، ويعتقدون أن الإله قاعد على العرش في السماء قعود المَلِك على سرير المُلك في الأرض -تعالى الله عما يختلقون- إلى غير ذلك من الخرافات التي يستبعد العاقل وجود أناس يعتقدون تلك المخازي في غابر الأجيال.

فبإشراق نور هديه صلوات الله عليه انجلت تلك الظلمات عن طريق دعوة سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، حتى تمَّ للمسلمين ما يعلمه الجميع من المفاخر.

وما لهذا الرسول العظيم من نواحي العظمة جدّ عظيم، وقد عجز كبار أهل العلم عن شرح بعض مزاياه العظيمة، وأنى لمثل هذا العاجز أن يتصدى لبيان ناحية من نواحي ما لهذا النبي الشفيع من الذكر الرفيع ؟ وفي بيان ذلك كتب خاصة حافلة تطلع على شيء من نواحي عظمته صلوات الله وسلامه عليه.

وقد أيد الله سبحانه وتعالى أحب خلقه إليه بأكمل المعجزات وأتم البراهين، وبعثه إلى الناس كافة يدعوهم إلى الدين الأكمل والشرع الأتم، فبه ختمت الرسالة من الله.

والقرآن الحكيم هو معجزته الخالدة، وقد خص أحكم الحاكمين بخاتم كتبه المنـزلة خاتمَ رسله، فبه الكمال والتمام، وبه الختام والاختتام، فلا بأس أن نتحدث عن هذا الكتاب الكريم الذي سعدت هذه الأمة باعتصامها بأحكامه أيام مجد الإسلام، وإنما ذلَّ من ذل بإعراضه عن تعاليمه القويمة.

وهذا القرآن هو الذي جعلنا نميز ما يجوز في الله سبحانه وما لا يجوز فننـزهه عما لا يجوز وصفه سبحانه به، وهو الذي حفزنا إلى الاعتلاء في مرافق الحياة، والأخذ بكل ما فيه إعلاء كلمة الله وإسعاد الأمة، وهو الذي هدانا إلى مراضي الله تعالى في العبادات والمعاملات، وإلى طرق اكتساب الملكات الفاضلة والعلوم النافعة.

ولذلك كانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في غاية من الاعتناء بالقرآن الكريم كتابة وحفظاً وتحفيظاً ومدارسة لعلومه، وكانت صفة المسجد النبوي كدار للقراء يأوي إليها فقراء الصحابة ممن لا أهلَ لهم، يتدارسون القرآن ويتعلمونه، ثم يعلمونه لأهل البلاد المفتوحة على تجدد الفتوح، وكان جماعة من كبار الصحابة تفرغوا لتعليم الناس القرآن في المدينة المنورة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بها دار للقراء خاصة، وكان لمعاذ بن جبل ثم لابن عباس رضي الله عنهم عناية عظمى بتعليم القرآن وعلومه لأناس لا يحصيهم العد في مكة المكرمة.

وكان ابن مسعود رضي الله عنه قد علم القرآن وعلومه لعدد عظيم من أهل الكوفة، ويُبلِغ بعضُ ثقات أهل العلم عددَ هؤلاء إلى نحو أربعة آلاف قارئ ما بين متلقٍّ منه مباشرة أو آخذ عمن أخذ عنه.

وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه كان أيضاً يصنع صنيعه بالبصرة، وقد حدث الحافظ ابن الضريس أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلي في كتابه »فضائل القرآن» عن مسلم بن إبراهيم عن قرة عن أبي رجاء العطاردي البصري أنه قال: »كان أبو موسى يطوف علينا في هذا المسجد -يعني مسجد البصرة- فيقعدنا حلقاً حلقاً يقرئنا القرآن» اهـ.

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يعلم القرآن في كل يوم من طلوع الشمس إلى الظهر، ويقسم المتعلمين عشرة عشرة ويعين لكل عشرة عريفاً يعلمهم القرآن، وهو يشرف على الجميع يراجعونه إذا غلطوا في شيء، راجع تاريخ دمشق لأبي زرعة وتاريخ ابن عساكر.

ولو أخذنا نسرد ما لأصحاب هؤلاء في الأمصار من السعي الحثيث في تعليم القرآن والتفقيه في الدين في أمصار المسلمين لطال الكلام.

وها هو الإمام ابن عامر الدمشقي صاحب أبي الدرداء وأحد الأئمة السبعة من القراء كان له وحده أربعمائة عريف، يقومون بتعليم القرآن تحت إشرافه -وهو الإمام الذي يجترئ على قراءة مثله الشوكاني والقنوجي بدون وازعٍ لهما، مع خطورة الكلام على القراءة المتواترة.

وفي المجلد الثاني من النشر الكبير لابن الجزري بحثٌ ممتعٌ في هذا الصدد، يردع أمثالهما من الخاطئين أو المخطئين المتحاملين على القراءات المتواترة.

وطريقة ابن عامر هذه هي طريقة الآخرين من أصحاب ابن عباس وأصحاب علي وابن مسعود وأصحاب أبي موسى رضي الله عنهم في التعليم.

وهكذا كان القراء في سائر الأمصار يجرون على هذا النمط في تعليم القرآن.

وكان الصحابة والتابعون يتعلمون فقه القرآن عند تعلمهم آيات القرآن، وقد أخرج الحافظ أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي في كتابه »فضائل القرآن» وقال: «حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، ثنا حماد بن زيد، ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: إنما أخذنا بالقرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الآخر حتى يعلموا ما فيهن من العمل. قال: فتعلما العلم والعمل جميعاً، وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا وأشار بيده إلى حنكه » اهـ.

وأبو عبد الرحمن السلمي هذا تلقى القرآن من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو عمدته فيه، وقد عرض القرآن أيضاً على عثمان وزيد رضي الله عنهما، وعنه أخذ السبطان الشهيدان رضي الله عنهما القرآن، وكان ذلك بأمر علي كرم الله وجهه.

وهكذا كانت الصحابة والتابعون في العناية بتعليم القرآن وتفهيم أحكامه وهكذا سار من بعدهم على سننهم مدى القرون يحفظه في كل طبقة من لا يحصيهم العدّ في كل قطر، حتى إذا أخطأ تالٍ في حرف من القرآن في قرى بعيدة عن المدن يجد هناك من يرده إلى الصواب، وهذا أمر لم يسبق لكتاب من الكتب في تاريخ البشر، وهكذا صدق الله وعده في حفظه.

ومن المعلوم أن القرآن الكريم تتفاوت دلالة آياته على المعاني وضوحاً وخفاء، ولو كانت آياته تتساوى في دركها الأفهام -كمواد القوانين الوضعية- لخمدت الهمم وركدت الأفهام، يشملها الغباء لعدم وجود ما يحمل على الغوص والتفكير العميق.

لكن الله جلت حكمته جعل القرآن بحيث تختلف الأفهام والقرائح في إدراك أسراره واجتلاء معانيه، فاحتيج إلى علوم تساعد في تفهم أسرار الكتاب الحكيم، فلذلك دُوّنت العلوم العربية من مفردات اللغة والاشتقاق والصرف والنحو والبلاغة وما إلى ذلك من علوم اللسان.

ولذلك أيضاً دوّن علم أصول التفسير وعلم أصول الدين وعلم أصول الفقه والجدل والتاريخ ونحو ذلك مما يفيد في معرفة مراتب الحجج والأدلة، وفي إدراك مواطن العبر من أنبائه.

وقد فاض كل هذه العلوم من القرآن الكريم زيادة على ما أفاده من العلم بالله وبمراضيه في العبادات والاعتقادات والمعاملات واكتساب الملكات والنظر في ملكوت السموات.

وما ألفه أهل العلم في اجتلاء روائع المعاني من القرآن الكريم مما لا يكاد يحصيه العد على اختلاف مسالكهم في العناية بالرواية أو الدارية وفنون الأفنان من علوم القرآن، وعلى تفاوت أذواقهم ومشاربهم في الاهتمام بجهة خاصة من مزايا القرآن المجيد.

وأرجو القارئ الكريم أن يسمح لي أن أذكر بعض مؤلفات علماء هذه الأمة في هذا الصدد مما يكون أنموذجًا لمساعيهم الجبارة في مضمار تدوين المؤلفات:

فها هو تفسير الإمام أبي الحسن الأشعري المسمى »المختزن» في سبعين مجلداً على ما يذكره المقريزي في الخطط.

وتفسير القاضي عبد الجبار الهمذاني المسمى «المحيط» في مائة سِفر.

وتفسير أبي يوسف عبد السلام القزوني المسمى »حدائق ذات بهجة» أقل ما يقال فيه إنه في ثلاثمائة مجلد، وكان مؤلفه وقَفَه وجعل مقره مسجد الإمام أبي حنيفة ببغداد ثم صار في عداد الكتب التي ضاعت في أثناء استيلاء المغول على دار الخلافة ببغداد إلا أني سمعت من أحد أدباء الهند: أنه رأى قطعة منه في أحد فهارس الخزانات.

وللحافظ ابن شاهين تفسير في ألف جزء حديثي.

وللقاضي أبي بكر ابن العربي »أنوار الفجر» في التفسير في نحو ثمانين ألف ورقة، والمعروف أنه موجود في بلادنا ، إلا أني لم أظفر به مع طول بحثي عنه.

ولابن النقيب المقدسي أحد مشايخ أبي حيان تفسير يقارب مائة مجلد يوجد بعض مجلدات منه في خزانات اصطنبول، ويوجد من تلك التفاسير بعض مجلدات في بعض الخزانات، فيما أعلم.

وأما أضخم تفسير تام يوجد اليوم -على ما نعلم- فهو تفسير »فتح المنان» المدعو بالتفسير العلامي المنسوب إلى العلامة قطب الدين الشيرازي، وهو في أربعين مجلداً، فالمجلد الأول منه موجود بدار الكتب المصرية، وبه تظهر خطته في التفسير، وفي مكتبتي: محمد أسعد وعلي باشا -حكيم أوغلى- في اصطنبول من مجلداته ما يتم بها نسخة كاملة.

وللعلامة محمد الزاهد البخاري نحو مائة مجلد في التفسير، كما في «المنهل الصافي»، ولعلماء هذه الأمة تفاسير لا تحصى سوى ما تقدم على اختلاف مسالكهم.

فما سردناه هنا نبذة يسيرة مما للعلماء من المساعي الحميدة في سبيل تبيين معاني كتاب الله العزيز وكشف أسراره التي لا تحصى.

ولهم أيضاً مثل هذه الخدمة المشكورة في تدوين السنن الشارحة للكتاب المبينة لوجوه الإجمال فيه.

ومن هذين المعينين -الكتاب والسنة- ينبع شرع الله، وإليهما يستند إجماع المجمعين وقياس القائسين، وقد جعل أئمة هذه الأمة لكل واحد منها سياجاً يضمن حراسته من عدوان المعتدين وتهوس الخاطئين فاستقرت بعنايتهم طرق الاستنباط ووجوه الاستدلال ووسائل الترجيح وسبل الدلالة، حتى أصبحت محجتهم بينة المعالم وأصولهم رصينة القواعد بحيث لا تقبل أي تشغيب.

فمن حاول أن يتخطى ما فهمه جمهرة أئمة العلم سلفاً وخلفاً من تلك الأدلة في أحكام الشرع لا يقع إلا على أمِّ رأسه متردياً في هاوية الردى.

وليس للراسخين في الزيغ في آخر الزمن سبيل ما في المخالفة لجماهير أهل الفقه في الدين في شيء من أحكام الشرع، بل قصارى ما يستطيعون أن يعملوا: أن يفضحوا أنفسهم ويكشفوا للجمهور عن مغيب ما ينطوون عليه من الجهل الفاضح وتوخي الهلاك مع الهالكين.

وليست مخالفة جمهور الفقهاء في فهم كتاب الله وسنة رسوله بالأمر الهين، بل ذلك أمر شديد الخطر.

والله سبحانه أسأل أن يغرس في قلوبنا مخافته، ويوحد كلمتنا في دينه، ويلهمنا الاتباع بدون ابتداع، ويختم لنا بخير، وأن يسدد خطوات قادة الأمة وأدلائها إلى ما فيه سعادة الجميع، بجاه حبيبه ومصطفاه.

يتبع

المقال الثاني

الخنساء
04-Mar-2008, 11:02 PM
المولد الشريف النبوي

ذكرى مولد النبي صلوات الله وسلامه عليه تجعلنا نستعرض ما كانت عليه طوائف البشر من صنوف الزيغ ووجوه الجاهلية من قبل، وما تمَّ بيده الكريمة من سعادة شاملة لمن تبع دينه، ونور وهّاج يهدي إلى كل خير في الدارين ويكشف صنوف الظلمات المتراكمة على أبصارهم وبصائرهم من عهد الشقاء الذي ليس بعده شقاء، وكل ذلك بيُمن بعثته صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

وشهر ربيع الأول هو رمز ذلك اليوم المسعود، مولد فخر الوجود –صلوات الله وسلامه عليه- فنرى المسلمين طول هذا الشهر المبارك مثابرين على الاحتفاء بذكرى ولادته ومطلع نور هدايته صلى الله عليه وسلم عرفانًا منهم لما فاض عليهم من نور هدى طلعته الميمونة، بعد ظلمة متراكمة وزيغ متواصل وضلال، ليس فوقه ضلال حتى تبدلت الأرض غير الأرض.

وقد أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجراً يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفى صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين».
وقد اتفق جمهرة النقلة على أن مولده كان عام الفيل، وأنه كان يوم الاثنين، وأن شهر مولده هو شهر ربيع الأول -وذكرُ شهرٍ سواه لمولده عليه السلام ليس إلا من قبيل سبْقِ القلم عند النقاد- فيدور الخلاف المعتد به في تعيين اليوم من شهر ربيع الأول أهو عند انقضاء اليوم الثامن أم العاشر أم الثاني عشر ؟

فلا يعتدون برواية تقدم مولده عليه السلام على تلك الأيام، ولا برواية تأخره عنها، لعدم استنادهما على شيء يلتفت إليه.

فدار البحث في ترجيح الراجح من تلك الروايات الثلاث.

فالقول بأن ولادته عليه السلام عند انقضاء ثمانية أيام من الشهر قدَّمه ابن عبد البر في الاستيعاب عند سرده لوجوه الخلاف في مولده عليه السلام، واقتصر عليه قبله أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، خازن دار الحكمة المأمونية، وقال عنه الحافظ عمر بن دحية في كتابه «التنوير في مولد السراج المنير» -الذي أجازه عليه مظفر الدين صاحب إربل بألف دينار- : «هو الذي لا يصح غيره، وعليه أجمع أهل التاريخ».
فيكون هذا هو الراجح روايةً، بل المتعين درايةً؛ لأن اليوم التاسع عند انقضاء تلك الأيام الثمانية هو الذي تعين لمولده صلى الله عليه وسلم، بعد إجراء تحقيق رياضي لا يتخلف بمعرفة الرياضي المشهور العلامة محمود باشا الفلكي المصري رحمه الله في رسالة له باللغة الفرنسية في تقويم العرب قبل الإسلام.

وقد ابتدأ المشار إليه في تحقيقه القهقرى من يوم كسوف الشمس عند وفاة إبراهيم ابن محمد عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة من الهجرة، والنبي صلى الله عليه وسلم في سن ثلاث وستين سنة كما في صحيح البخاري.

وعيّن أن الكسوف في تلك السنة كان في سلخ شوال واستمر على تتبعه الرجعي إلى أن وصل إلى نتيجة أنه صلى الله عليه وسلم يلزم أن يكون مولوداً في اليوم التاسع من شهر ربيع الأول، لأنَّ يوم الاثنين الذي كانوا اتفقوا عليه هو ذلك اليوم من الشهر المذكور عام الفيل الموافق 20 إبريل سنة 571 م، وأجاد البحث في تحديد يوم ولادته صلى الله عليه وسلم بعد الاستعراض الشامل لأقوال الفلكيين من الشرق والغرب.

فلا معدلَ عن هذا القول لترجحه رواية، وتعيينه دراية؛ لأن التحقيق الرياضي لا يتخلف.

وقد ترجم أحمد زكي باشا تلك الرسالة إلى العربية باسم »نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام وفي تحقيق مولد النبي وعمره عليه الصلاة والسلام» سنة 1305 هـ. وطبعت في تلك السنة بمصر- فجزاهما الله عن العلم خيراً.

وأما القول بأن مولده في اليوم العاشر من الشهر، فقد عزاه ابن سعد في طبقاته إلى محمد الباقر رضي الله عنه، لكن في سنده ثلاثة رجال متكلم فيهم.

وأما القول بأنه اليوم الثاني عشر من الشهر فقول محمد بن إسحاق، لكنَّه غُفْلٌ من السند كما في مستدرك الحاكم، فيكون شأنه شأن الأقوال التي لا أسانيد لها.

لكن أغلب البلاد أخذ بهذا في الاحتفاء بمولده صلى الله عليه وسلم، ليكون في زمن كان بروزه لهذا العالم في مثله أمراً متفقاً عليه عند الجميع.

وأما تأخره عن ذلك اليوم فوهم محض ممن ليس في العير ولا في النفير، ولم يعتد صاحب تلك الرسالة بروايات في وقوع ذلك الكسوف في أيام وشهور غير سلخ شوال لمنافاة ذلك لمسلمات الفن.

فإصرار ابن حجر على تجويز وقوعه في رابع الشهر أو عاشره أو الرابع عشر منه كما ورد في بعض الروايات وردُّه على الفلكيين وضربه المثل بقول الشافعي في الأم من احتمال اجتماع العيد والكسوف، ناشئة من بُعده عن علم الفلك المأخوذ مما جرت عليه سنة الله في اختلاف الأيام والشهور والفصول بطريق جري العادة لا الإمكان العقلي، وقد أصاب البدر العيني في رده على الرواة في رواياتهم وقوع الكسوف في غير أيامه في جاري العادة، ولا عجب في أن يهم الثقة في شيء ليس في متناول علمه.

كما أنه لا عجب في اختلاف الرواة في تاريخ ميلاده صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ولد بين أمة أمية لا تحسب ولا تكتب ولا تؤرخ إلا بأحداث معروفة عندهم في مبدأ الأمر.

فلا محل في أن يعيبنا البرنس قيتانو [كيتانو] على هذا الاختلاف، مع سعيه في تكثير الروايات عن كل من هبَّ ودبَّ، في تاريخه الكبير عن الإسلام، متناسياً مبلغ الاختلاف العظيم «بالسنين لا بالأيام» الواقع في ميلاد عيسى عليه السلام، مما لا طريق معه إلى تحديد زمنه أصلاً، لتباعد ما بين رواياتهم، من التفاوت الشاسع الذي لا جامع له، بخلاف ما هنا لأن تحديد زمن ولادة نبينا صلى الله عليه وسلم ثبت برواية راجحة أيدتها دراية ناجحة كما سبق.

والملك المعظم مظفر الدين كو كبوري »الذئب الأزرق» التركماني صاحب إربل -مبتكر ذلك الاحتفال البالغ بمولد حضرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه المشروح في وفيات ابن خلكان «1-436» وصف احتفاله وسعة أعطياته ونفقاته -كان يحتفل بالمولد الشريف في الليلة الثامنة من شهر ربيع الأول في عام، وفي الليلة الثانية عشرة منه في عام آخر عملاً بالروايتين.

وقد ألَّف أهل العلم مؤلفاه كثيرة في الآثار الواردة في مولده عليه السلام، ومن أجمع الكتب المؤلفة في ذلك: »جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاثة مجلدات للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله.

وقد طرقتُ في هذا المقال مباحثَ تغني شهرتها عن ذكرها، لكن توالي عدم ذكر المشهور قد يؤدي إلى نسيانه عند الجمهور، وهذا مما لا يستساغ.

والحاصل بأن طرْقَ هذه المباحث إن لم يكن فيه تذكير ففيه استذكار، والله سبحانه ولي التسديد.


[color=#009900]يتبع

المقال الثالث

فياض العبسو
05-Mar-2008, 01:02 AM
شيخ علماء الإسلام محمد زاهد الكوثري

نبذة عن حياته

يعد محمد زاهد بن حسن الحلمي الكوثري أبرز علماء الأحناف في العصر الحديث، وقد ولد يوم الثلاثاء 27 أو 28 من شوال 1296هـ الموافق لسنة 1878م. تلقى علوم العربية والشريعة في وطنه تركيا. فبعد التتلمذ لوالده انتقل إلى "دُوزْجه" متعلما ثم الآستانة. كما استفاد من علماء زمانه في مختلف فنون المعرفة، وظل مواظبا على التحصيل رغم الرتب العلمية التي نالها؛ فأخذ كما هي عادة علماء عصره الإجازات عن كثير من أعلام زمانه. وبعد أن ضاق المكان عن الاحتمال انتقل -مستصحبا الرغبة في التحصيل والإصلاح- في رحلات متتالية إلى الإسكندرية ثم القاهرة ومنها إلى الشام، ومنها إلى بيروت ثم دمشق، ثم استقر به المقام بمصر التي وصلها عبر فلسطين، وقد لاقى في تلك الرحلة كثيرا من العناء.
ظهرت عليه علامات النبوغ منذ المراحل الأولى للتحصيل؛ فقد اشتغل بعد نيل الإجازة العلمية (العالمية) سنة 1907م بالتدريس في جامع الفاتح وعمره أقلّ من الثلاثين عاما، واستمر على هذا العمل مدرسا في مدرسة المتخصصين بدار الخلافة ثم بجامعة إسطنبول، وجمع إليها التدريس في المعاهد والمدارس المسائية. أخذ عنه كثير من فضلاء زمانه، من أمثال أحمد خيري (ت: 1967م) وحسام القدسي (ت: 1979م)، وعبد الفتاح أبو غدة العالم الزاهد (ت: 1999م)... وغيرهم كثير.
كان لعالمنا آثار محمودة في شتى أنواع العلوم (بعضها ما زال مخطوطا، وبعضها ضاع)، وما طبع منها جاوز العشرين مؤلفا، كما علق على كثير من المؤلفات النافعة، وكان إضافة إلى ذلك يكتب المقالات التي عرفت بـ"مقالات الكوثري"، ضمّنها الحديث عن كثير من ميادين الإصلاح كالعلوم والتعليم والاجتماع والتربية والعمران، ووضع المرأة... وحذّر من أمراض أصابت الأمة من نحو التحلل والتفسّخ وهيمنة التشرذم وعادات الجاهلية، والرضا بالذل على كل الأصعدة، واللامبالاة بما حل بالأمة من تخاذل ينذر بالسقوط، والتي سمّاها الكوثري بعلّة "أنا مالي"، فهي على وجازتها علة العلل في الخلل الذي طرأ على شؤون الأمة في كل زمن.
يفرض وضع هذا شأنه -برأي الكوثري- العملَ على إصلاح الأفراد بالتربية الدينية الراشدة، لأن الفرد هو النواة الأولى للأسرة، ولأن الأسرة هي الخلية الأولى لإصلاح المجتمع.. ويفرض كذلك إنجازَ دراسات جادة شاملة عن أمراض المجتمع بغرض تشكيل جماعات متصاعدة تقوم بواجب إرشاد الأسر والمجتمعات والبلدان والدول. ويقتضي نجاح هذا العمل جهودا جماعية في إطار مؤتمرات تعقد لهذه الغاية، مع السعي المستمر نحو تعارف الشعوب الإسلامية لتتمكن الجامعة من تقويم العود أو رد التعدي على الأمة بالتشاور والتآزر، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح منها بعناية فائقة تركّز على التضامن الاجتماعي الذي يرمي إليه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشرع الإسلامي، ثم العمل على إصلاح عالم الأفكار ببعث الأبعاد الاجتماعية والسياسية والفكرية للعقيدة الإسلامية. ورأس الإصلاح في عالم الأفكار بعد التوحيد، إبطال فلسفة "أنا مالي" التي تعبّر عن اللامبالاة وتعطيل وظائف التوحيد. فيعتقد المسلم حين يرفض التسليم بهذه الفكرة أنه من الواجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وقد عُرف إضافة إلى ما سلف بصفات أخلاقية قلّ نظيرها، فقد عرف بالزهد والتعفف والصبر وحسن المعاملة وعدم قبول أجر العلم. وحليت تلك الصفات الأخلاقية بصفات علمية سهلت له مأمورية التعليم والتربية؛ فقد كان محيطا بعلوم الشريعة ووسائلها، متمكنا من علوم الآلة وخاصة اللغات العربية والفارسية والتركية والجركسية، إضافة إلى قوة ذاكرة يسّرت له ضبط الأسماء مع حفظها، وبلغ فيها درجة سامية جعلته مضرب الأمثال في الحفظ والدقة.

تمكنه من العلوم

القراءة المتأنية لمجموع ما صنّفه الرجل من مؤلفات ومقالات وتعليقات وتحقيقات تدل على تمكّنه من علوم العربية أولا والشريعة ثانيا وفنون الحكمة ثالثا واللغات الشرقية رابعا.. فقد كان فارسا لا يبارى في تلك المعارف والفنون.
يبيّن التحليل الموضوعي لمجموع مضامين مؤلفاته أننا أمام طود شامخ، أخذ من الأوّلين قوّة الذاكرة وسعة الاطلاع وطول النفَس والصبر على التحصيل والتحليل والتحقيق مع جرأة في الحق يغبط عليها.
كتب وصنّف في جلّ علوم الشريعة والعربية، فمع الفقهاء كان فقيها متضلّعا، ومع الأصوليين كان نحريرا يحرر المسائل بدقّة متناهية، ومع المتكلمين كان متكلّما نظّارا، ومع المؤرخين محققا مدققا، أما في الحديث وعلومه فهو فارس مجالاته وشيخ تخصصاته من غير منازع... وحيد عصره وفريد زمانه نسيج وحده كما قال أحد تلاميذه. وتتبيّن تلك الحقيقة بعرض يسير لأسماء الأعلام الذين ناقشهم؛ فقد تتبّع أقوال الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين والمفسرين والمؤرخين والفلاسفة والمستشرقين...

مكانته العلمية

ناقش أقوال المالكية والشافعية والحنابلة فانتصر لهم أحيانا وورفض أقوالهم أحيانا أخرى واضعا نصب عينيه في كل ذلك الانتصار للإمام أبي حنيفة، ووفق ذلك الجهد ناقش أقوال المحدّثين كابن خزَيمة والدارمي وابن الصلاح والخطيب البغدادي وابن حزم وابن تيمية وابن القيّم وخلقا كثيرًا.
وناقش في المفسرين ابن جرير الطبري والزمخشري والرازي، كما ناقش المتكلمين وأتباع الفرق الأخرى؛ فحلل وناقش آراء الأشاعرة وأعلام الشيعة كالنوبختي، وجاوز ذلك إلى رد مفتريات المستشرقين والمتغربين من أبناء أمّتنا الإسلامية.
وعلَمٌ بهذه السعة في التأليف لا يعدم نقّادا ومناوئين. والموازنة بين أقوال المناوئين والمناصرين يحتاج كتابا موسعا، لا يسع بيان أطرافه مقال، لهذا سنقف في هذه العجالة مع من ناصر آراءه الفقهية والأصولية والحديثة والعقدية.
فقد قال عنه محمد أبو زهرة (ت: 1974): "لا أعرف عالما مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري، لأنه بقية السلف الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقا ولا سلّما لغاية"..
وورد عن أبي زهرة في وصفه ما يبيّن معرفته بالرجال ومنازلهم، اخترنا في هذا المقام نتفا من تلك الخلال التي وصفه بها: "إنه تحقق فيه القول المأثور "العلماء ورثة الأنبياء"، وما كان يرى تلك الوراثة شرفا يفتخر به ويتسلط به على الناس، بل كان يراه جهادا في إعلان الإسلام وبيان حقائقه وإزالة الأوهام التي لحقت جوهره". يؤكد هذا المعنى، قوله أيضا: "لم يكن الكوثري من المنتحلين لمذهب جديد أو داعيا إلى مذهب لم يُسبق إليه، لهذا كان ينفر مِمّن يسميهم العامة وأشباه المثقفين بسمة التجديد، ومع ذلك فقد كان من المجددين بالمعنى الحقيقي للتجديد والذي هو إعادة رونق الدين وجماله وإزالة ما علق به من الأوهام. إنه لمن التجديد أن تحيا السنة وتموت البدعة ويقوم بين الناس عمود الدين، لقد كان عالما حقا. (...) وقد عرف العلماء علمه وقليل منهم من أدرك جهاده. ولقد عرفته سنين قبل أن ألقاه، عرفته في كتاباته التي يشرق فيها نور الحق، وعرفته في تعليقاته على المخطوطات التي قام على نشرها. وما كان -والله- عجبي من المخطوط بقدر إعجابي بتعليق من علّق عليه. (...) إنه لم يرض بالدنية في دينه، ولا يأخذ من يذل الإسلام وأهله بهوادة، ولا يجعل لغير الله والحق عنده إرادة، وإنه لا يعيش في أرض لا يستطيع فيها أن ينطق بالحق ولا تتعالى فيها كلمة الإسلام".
لهذا يتباهى الإمام أبو زهرة بذكر الكوثري له في بعض مؤلفاته، حيث يقول معلّقا على ذكره له: "وما كنت أحسب أن لي في نفس ذلك العالم الجليل مثل ما له في نفسي، حتى قرأت كتابه "حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" فوجدته رضي الله عنه قد خصّني عند الكلام على الحيل المنسوبة لأبي يوسف بكلمة خير. وأشهد أني سمعت ثناء من كبراء وعلماء فما اعتززت بثناء كما اعتززت بثناء ذلك الشيخ الجليل، لأنه وسام علمي ممن يملك إعطاء الوسام العلمي".
هذه شهادة ثقة يحق لنا أن نباهي بها ونقدمها بل ونجعلها العمدة في معرفة منـزلة الشيخ محمد زاهد الكوثري، إنها شهادة عالم متبحر شهد له الداني والقاصي بسعة الاطلاع ورحابة الصدر والبعد عن التعصّب المقيت.
ويرى الأستاذ محمد بن يوسف البنوري (كان أستاذا للحديث بدار العلوم بباكستان) أنه يحق في الكوثري ما ذكره مسروق بإسناد صحيح في حق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: "لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ (الغدير)، فالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من ذلك الإخاذ". إنما تصدق هذه الكلمة في محقق العصر، الجهبذ الناقد البحاثة الخبير. فكان رجلا تتجلى فيه هذه المزية بأجلى منظرها، رجل جمع بين غاية سعة العلم والاستبحار المدهش ودقة النظر، والحافظة الخارقة، والاستحضار المحيّر، والجمع بين علوم الرواية على اختلاف فروعها وشعبها، وعلوم الدراية على تفنن مراميها. لقد كان الكوثري عالما محيطا بنوادر المخطوطات في أقطار الأرض وخزانات العالم، مع الغيرة على حفظ سياج الدين، أو إبداء وجه الحق إلى الأمة ناصع الجبين".
وورد عنه في سياق بيان منـزلته قوله: "إن القوم لم يقدّروا الكوثري بما يستحقه من تقدير وإجلال. ذلك المحقق، وذلك البحاثة الناقد، وذلك الخلق الجميل... العالم المتثبّت المحتاط في النقل، المتيقّظ لكل كلام، المستغني عن الاستدلال بالأمور الذوقية أو الوجدانية في المحاججة، متصلّب المعتقد، منتصر إلى الحق غاية الانتصار، حارس متيقظ، منافح عن الحنفية ضد كل حملة شنعاء".
كما أيّده وناصره ناشر علمه وجامع مقالاته "أحمد خيري"، وفي ذلك قال عنه: "كان ذا ذاكرة فذة ولاسيما في حفظ الأسماء؛ فكان إذا سمع شيئا أو رأى أحدا مرة واحدة ذكره ولو بعد سنوات. وهيأ له ذلك مع اطلاعه على المخطوطات النادرة في الآستانة ومصر والشام إلى أن أصبح حجة لا يبارى في علم الرجال. وجمع إلى براعته في الحديث ورجاله مهارة فائقة في علم الكلام وتنـزيه الله سبحانه وتعالى. كما كان أستاذ العصر في علمي الأصول والفقه، وكان على عبقريته المدهشة يحب أن يتعقّبه العلماء".
ويقرب من تلك المقالات ما نقلت عن العلامة يوسف الدجوي والشيخ عبد الرحمن خليفة وعزت العطار الحسيني وشيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق ومحمد بخيت المطيعي وعبد الجليل عيسى وحسام القدسي ومحمد زكي مجاهد وسلامة القضاعي ونجم الدين الكردي وغيرهم كثير.
ويقول عنه سلامة القضاعي: "العلامة المحقق والمحدث الفقيه المحقق الأستاذ الأجل الشيخ زاهد الكوثري شفي به صدر السنة ونصر به الحق الذي عليه الأمة".
أما نجم الدين الكردي فيقول عنه: "المحقق الفهامة البارع، أعلى الله درجته في المهديين نظرا لما متّع به من تعليقات نفيسة على كتاب البيهقي "الأسماء والصفات"، تعليقات بما فيه من رجال الأسانيد وما لا بد منه".
وبالإضافة إلى كل ما سلف فقد اهتم به الباحثون في الدراسات الإسلامية والفلسفية. وقد وصفه الأستاذ الدكتور علي سامي النشار بأوصاف لم يصف بها غيره من أقرانه، فقال: "عالمنا الكبير المعاصر"، "عالم الإسلام الكبير"، "العلامة"، وذهب إلى ما يقرب من هذا محمود محمد عويس في كتابه "ابن تيمية ليس سلفيا".
وهكذا يتبيّن لنا أنّ الكوثري محدّث فقيه أصولي متكلم ومفسر وأديب لا يشق له غبار، وسجى تلك العلوم بسجايا وأخلاق عالية اعتبر بموجبها وبحق بقية السلف الصالح.

تفسيره لإشكاليات العالم الإسلامي

يرى الشيخ الكوثري أن أزمة عالمنا الإسلامي في العصر الحديث تتلخّص في الخلل الطارئ على عرض المسألة الفقهية والعقدية أكثر مما ترجع إلى أسباب أخرى.
يتصوّر الشيخ أن من أهم أسباب بعد المسلمين عن عقائدهم في العصر الحديث ظهور بدعة التجسيم. وقد ظهر الاحتفال بهذا الاتجاه في العصر الحديث بطبع مؤلفات بعيدة عن العقيدة الإسلامية الصافية وفق تصوره، وبهذا الصدد حمل على طبع كثير من الكتب وكل ما من شأنه الانتصار إلى ذلك الاتجاه على حساب الاتجاهات الغالبة في البيئة الإسلامية منذ أمد بعيد.
ويرى أن الخلل الطارئ في الفقه سببه اللامذهبية التي ستؤول إن تمادى بها الزمن إلى اللادينية وفق رأيه. فقد شقّ عليه أن يرى التطاول على العلماء الأعلام من فقهاء ومحدّثين ومفسّرين وغيرهم... لهذا أفرغ وسعه من أجل المرافعة عنهم ومدافعة المتطاولين عليهم.
أما الخلل الطارئ على التعليم فسببه الابتعاد عن مناهج المتقدمين في التمحيص والتثبّت مما سبب فقدان ملكة البحث العلمي الجاد لدى الناشئة. أما الفساد الجديد في السياسة فأرجعه إلى إبعاد الإسلام عن ميدان الحكم وتعويضه بالنماذج الغربية في السياسة والحكم، مما سبّب للمسلمين غربة في بلدانهم، وأرجع فساد وضع المرأة إلى هيمنة الفكرة الغربية التي يراد تجسيدها في المجتمع وقضية المرأة على الخصوص؛ وإذا تمّ لهم ذلك سيعمدون إلى تغيير كل ما يحمل بذرة الانتماء إلى هذه الأمة، فتتغيّر العمارة وشكل المدينة والعلاقات الاجتماعية.
تشخيص الكوثري للأزمة صحيح في مجمله؛ فالأزمة ثقافية بالدرجة الأولى، ولعل من بين التيارات المساهمة في تأزيم الوضع أتباع الاتجاهات الظاهرية في العصر الحديث. فقد كانت بسبب تصرفاتها عاملة على تكريس الإقصاء المتشرّع بين المسلمين، لا لشيء سوى الاقتناع بصحة رأي وبطلان ما سواه. وقد ولّدت هذه القناعات فكرا لا يقبل الحوار، فكرا إطلاقيًّا استبداديا لا يقبل الأخذ والرد. والفكر الاستبدادي سواء كان دينيا أو لادينيا -كما هو معلوم- فكر يعمل على اغتيال الفكرة المخالفة بكل الوسائل المشروعة شرعا أو قانونا. فإذا أعيته الوسائل المشروعة ركب غير المشروعة للأسف الشديد، وأول مراحله الإقناع بالضغط الأدبي والمالي والسلطاني. وإذا عجزت تلك الوسائل انتقل إلى ما هو أشنع. وقد وصل ببعض المتبنّين لهذا الفكر أن أصبحوا كالمجانين لا همّ لهم غير إذلال المخالفين. وما ذلك حسب تقديرنا إلا بسبب اختصار الإسلام والفكر في مسائل ظاهرية لا صلة لها بالقلب. ولهذا فالمسألة تربوية بالدرجة الأولى مبناها وأساسها ثقافي طبعا. لهذا لا بد من بذل المجهود من أجل إصلاح ولائنا لله تعالى في إطار البعد الإنساني في تصرفاتنا المبني أساسا على بعث الروح في الالتزام بأحكام الشريعة.
ولقد غلب على عمل الشيخ وجهوده العمل الفدائي أكثر من العمل المؤسساتي، بل يكاد يغيب هذا النمط من التفكير من خلال ما لمسناه من جهود الرجل. لهذا كانت جهوده تنبيهية أكثر مما هي تأسيسية طبعا في إطارها الكلي لا في إطارها الجزئي، وهو المسلك الذي يختاره جل الفدائيين في الميدان الفكري.
ومن ثم فإننا في حاجة إلى استثمار توجيهاته في ميدان إصلاح التعليم والجو المحيط به، كما أننا في حاجة إلى النسج على منواله في التربية الروحية الراشدة من أجل نفي النفي وإقصاء الإقصاء؛ تربية ننمّيها ونغذيها ببعث الروح في التزاماتنا الشرعية المؤسسة للهمّ الحضاري في أنفسنا ومجتمعنا في إطار السؤال الوظيفي الذي يؤرق كل مفكر رسالي جاد يهمه أمر أمته، ويتمنى أن تخرج في غدها القريب من التخلّف إلى التقدم، ومن التبعية إلى قيادة العالم، نحو الإنسانية التي أراد الإسلام تكريسها في العلاقات بين الدول والشعوب والمجتمعات والأفراد.
توفي رحمه الله تعالى بتاريخ 19 من ذي القعدة 1371هـ الموافق 15 أغسطس 1952عن خمس وسبعين سنة، وأمّ صلاة الجنازة الشيخ عبد الجليل عيسى شيخ اللغة العربية، ودفن قرب قبر أبي العباس الطوسي في قرافة الشافعي.
هذا هو الرجل الذي فقده الإسلام وخسره الأحناف ورزئ فيه العلم وثكلته المروءة واستوحش لغيابه الزهد وشغر مكانه بمصر رضي الله عنه وأرضاه وأعلى في جنان الخلد منازله ومثواه.
____________
بقلم:أ.د. عمار جيدل
كلية العلوم الإسلامية، جامعة الجزائر / الجزائر
منقول من مجلة حراء ... مجلة علمية ثقافية فصلية ...( العدد: 6 (يناير- مارس) 2007م ).

الخنساء
06-Mar-2008, 11:29 PM
المولد النبوي والدعوة النبوية

من علم ما كانت طوائف البشر وصلت إليه من التدهور في أبواب الاعتقاد والعمل والخُلُق قبل مولد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ثم لمح إلى ما تمَّ بيده الكريمة من الإصلاح الشامل في تلك الأبواب في مدة يسيرة بعد قيامه بالدعوة إلى الله سبحانه: ازداد تيقناً بأن الله عز وجل ما أرسله إلا ليكون رحمة للعالمين حقاً.

فها هي بيئته كانت متوغلة كل التوغل في جاهلية جهلاء ووثنية خرقاء تعبد ما تنحت، وتعتقد أن الملائكة بنات الله -تعالى عن ذلك-، ولا تترفع عن اتخاذ الغارات مصدر ارتزاق، ولا تستنكف من وأد البنات مخافة سبي أو خشية إملاق، ولا تأبى أن تبيح اجتماع رجال على امرأة فتعد ولدها ولداً شرعياً لمن يشبهه منهم. ويقول القائل في بني حنيفة إنهم اتخذوا في الجاهلية إلها من حيس فعبدوه دهراً ثم أكلوه في المجاعة، تعالى الله عما يفترون.

وحول تلك البيئة أمم يدينون بأديان محرفة مختلفة، فمنهم أمة تدين بالتثليث وتقول إن الثلاثة واحد، وإن ابن الله قتل ثم رفع إلى السماء وقعد في جنب أبيه. تعالى الله عما يختلقون، ويبيع لهم كهنتهم بقاعاً من الجنة وهم لأربابهم مسخرون.

ومنهم من يعتقد أن الله شيخ أشمط، قاعد على كرسيه في السماء، وحوله الأملاك يهبط إلى الصخرة ويصعد منها إلى السماء، وقد استراح يوم السبت مستلقياً على ظهره رافعاً إحدى رجليه على الأخرى لنصَب أصابه من خلق الكون، تعالى عما يأفكون!!

ومنهم الصابئة عبدة الأجرام العلوية كأصحاب الهياكل الذين يعتقدون أن الشمس إله كل إله، وكالحرانية الذين يرون أن الخالف واحد كثير، واحد في الأصل كثير بتكثّر الأشخاص في رأي العين... فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ولا تبطل وحدته وذلك بحلول ذاته أو جزء من ذاته فيها. تعالى عما يشركون.

ومنهم المجوس عبدة النار القائلون بخالقين اثنين: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر على اختلاف فرقهم بخلط وتخليط من مانوية وديصانية ومزدكية وغيرها يرون أن النور غير متناه إلا من جهة التحت حيث يلاقي الظلمة، وكان ماني رأس المانوية راهبًا بحَرّان مزج النصرانية بالمجوسية، ورئيس المزدكية هو مزدك الداعي إلى الاشتراك في الأموال والأبضاع تأسيساً للإخاء الشامل بإزالة أسباب العداء في زعمه، وقد بلغت به الوقاحة إلى حد أن يطالب قباد الساساني بتسليم الملكة له فانصاع له قباد الذي كان دان بدينه، لكن صعب ذلك على أنوشروان ابنه فانكب على رجلي مزدك يقبلهما ليعفي أمه من هذا فأعفاها، وبعد أن تولى الابن الملكَ أعمل في المزدكية السيف وقتل رئيسهم شر قتله.

ومزدك هذا هو السبب الأصلي لانهدام ذلك المجد الشامخ لآل ساسان وانهدام المجد نتيجة ضرروية للإباحة المطلقة حيثما حلت ولو بعد حين. ومِن معتقد المزدكية أن المعبود قاعد على كرسيه في العالم الأعلى على هيئة قعود الملك في العالم الأسفل.

ومن تلك الأمم الدهريون والطبعيون نفاة الصانع المحرومون من تعقُّل الاستدلال بالأثر على المؤثر، وهذا منتهى البلاهة، وهم آفة الفضيلة في كل عصر، والمنـزلون للبشر منـزلة البقر في عدم التكليف.

ومنهم السمَنِيّة والبَراهمة القائلون بنفي ما وراء الحس والمنكرون للنبوة، وفلسفتهم أم الهوان والمذلة في كل دور.

هكذا كان الحجاز وما حوله إلى فلسطين والشام والعراق وبلاد الروم وأرض الفرس والهند وبلاد أفريقية وما والاها حين بعث خاتم رسل الله صلى الله عليه وسلم فأي منظر يكون أقتم وأظلم من هذا المنظر في تاريخ البشر.

ولا يخفى على البصير مصادر ما نستخفه من المزاعم الشائنة في بعض نحل اليوم من تلك المعتقدات الباطلة.

فقام هذا النبي الهاشمي الأبطحي- صلوات الله وسلامه عليه- بالدعوة إلى الإسلام في تلك البيئة المحاطة بتلك الأمم يقيم الحجة لدعوته بحيث لا يدع عذرًا لمعاند، ويوقظ العقول إلى المعالي بطريقة لا تعلو على مدارك العامة ولا تستنكرها الخاصة، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل الطوائف بالتي هي أحسن حتى دانوا له تباعًا، فعلمهم ما يجوز اعتقاده في الله وما لا يجوز وفهّمهم وجوب تنـزيه الله سبحانه عن مشابهة مخلوقاته ومماثلة مصنوعاته وفقّههم في أبواب العمل، ودربهم على الفضائل والسجايا الكريمة، واستنهض الجميع نحو رقي مستمر في العلوم والأعمال والأخلاق وما إليها استنهاضًا تدريجيًّا بعيدًا عن الطفرة والمفاجأة، مستعملاً اللطف في محله والعنف في موضعه حتى خرقت دعوته ذلك النطاق وانتشر دين الإسلام في جميع الآفاق فدانت الأمم بنور هدايته في مشارق الأرض ومغاربها.

وأفاضت هذه الدعوة المباركة والنهضة الميمونة على العالمين ما لم يعهد له مثيل من الخيرات في أيسر مدة، فمن تأمل ذلك يزداد يقينًا ويجد في ثنايا تشريع هذا النبي العظيم معجزات تتجدد مدى الدهر، رغم انحراف المنحرفين عن هدية صلى الله عليه وسلم ورغم مسعى الفاتنين في هدّ كيان شرعه في الداخل والخارج.

وأمهات ما تلقت الأمة من النبي صلى الله عليه وسلم هي العلم بالله وصفاته وما إليها من المعتقدات المقصودة لذاتها، والعلم بالأحكام العملية من عبادات ومعاملات يدور عليها تهذيبهم النفسي وإقامة العدل بين الخليقة، والعلم بطرق اكتساب الملكات الفاضلة والتخلي عن الخلال الرديئة النفسية مما يرشد إلى وسائل تزكية النفوس وتصفية القلوب حتى تصدر منها الأعمال المسعدة في النشأتين سجية لا بتكلف فتتم لهم الكمالات العلمية والعملية. كما أشرت إلى ذلك كله عند تحدثي عن الحالة العامة عند البعثة النبوية في مقدمة «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر.

وكان السلف من الأمة المحمدية في غاية من الاعتصام بهذا الدين الحنيف ونهاية التوفيق في استثمار الخيرات منه في ساحات العلم والعمل والاعتزاز كما هو معلوم لمن استعرض آثارهم في فتح البلاد وهداية العباد، ومدوناتُهم الخالدة في العلوم تملأ خزانات العالم وتشهد لهم بكل فخر، بخلاف خَلَفهم الذين أضاعوا التراث، وبدأوا يندمجون في غير أمتهم فهانوا وذلوا حيث أعرضوا عن هذا الدين القويم والشرع الحكيم، فلا حول وإلا قوة إلا بالله فندعوه سبحانه أن يوقظنا من غفوتنا ويلهمنا رشدنا، وهو المجيب لمن دعاه.


يتبع

المقالة الرابعة

الخنساء
08-Mar-2008, 07:26 PM
المولد النبوي الشريف

ذكرى ولادة فخر رسل الله صلوات الله وسلامه عليه تجعلنا نشعر بما أغدق الله سبحانه بمولده وبعثته صلى الله عليه وسلم على البشر كافة من تمهيد السبيل للتخلص مما هم فيه من الضلال البعيد، وتعبيد الطريق للذين اتبعوه إلى سعادة ليس بعدها سعادة.

وشهر ربيع الأول هو رمز ذلك اليوم المسعود، فترى المسلمين طول هذا الشهر المبارك مستمرين على الاحتفاء بمولده صلى الله عليه وسلم عرفانًا منهم لما فاض من طلعته الميمونة من إنارة الطريق وإزالة الظلمات المتراكمة من عهد الجاهلية في شتى النواحي، وإبطال الباطل في معتقدات الوثنيين والمجوس واليهود والنصارى والصابئين من إشراك وتشبيه وقول بالحلول، ونحو ذلك من المخازي المشروحة في كتب الملل والنحل وتاريخ الأديان، فكلما استذكر الإنسان ما كان عليه طوائف البشر من الزيغ والضلال المبين عند بعثته صلى الله عليه وسلم وما وصل إليه متابعوه من السعادة الباهرة في مدة يسيرة يجد في ذلك أكبر معجزة تدل على عظمة هذا الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه، ويستيقن أنه لا سعادة ولا نهوض ولا عزة في آخر الزمن أيضاً إلا باتباعه عليه السلام في جميع النواحي العلمية والعملية والخلقية.

واستنهاضُ الهمم في هذا السبيل إنما يكون بتذكار هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه رضي الله عنهم في شؤون الدنيا والدين لنأتسي بهم في ذلك حتى نسعد سعادة طيبة مباركة.

والعادة المتبعة في البلاد الإسلامية الاحتفاء بالمولد الشريف في الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول لأن ولادته لم تتأخر عن هذا التاريخ عند الجميع فيحتفون به في ليلة لا يبقى أي خلاف يُعتدّ به بعدها في كونه عليه السلام مولودًا قبل ذلك الزمن.

ولا يستغرب الخلاف في مولده صلوات الله وسلامه عليه لأنه ولد بين أمة أمية لا تكتب ولا تحسب ولا تؤرخ إلا بأحداث معروفة عندهم.

وقد اتفق جمهرة النّقَلة على أنه ولد في عام الفيل وأن ولادته كانت في يوم الاثنين وفي شهر ربيع الأول، ثم اختلفوا في أن ولادته كانت بعد انقضاء ثمانية أيام من الشهر أو في العاشر منه أو الثاني عشر، والأول جزم به ابن دِحْية الحافظ حتى قال: هو الذي لا يصح غيره وعليه أجمع أهل التاريخ كما في السيرة الحلبية، والثاني عزاه ابن سعد إلى محمد الباقر رضي الله عنه لكن في سنده ثلاثة رجال متكلم فهيم، والثالث أضعفها حيث ذكره ابن إسحاق من غير سند، وقد رأيتَ قول ابن دحية في الرواية الأولى وهي المتعينة في تحقيق محمود باشا الفلكي المصري في رسالته باللغة الفرنسية عن تقويم العرب قبل الإسلام، وقد ترجمها إلى اللغة العربية أحمد زكي باشا في رسالة سماها « نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام وفي تحقيق مولد النبي وعمره عليه الصلاة والسلام » وقد طبعت سنة 1305هـ

وقد عمل فيها تحقيقًا رياضيًّا لا يتخلف، مبتدئًا من حديث أخرجه البخاري في كسوف الشمس في السنة العاشرة يوم وفاة إبراهيم ابن النبي عليه السلام يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث وستين سنة وحدّد وقت الكسوف بآخر شهر شوال من السنة المذكورة، وهَجَر الشهور التي وردت في بعض الروايات مما لم يقع فيه كسوف كما ردّ العيني الروايات عن وقوع الكسوف في أيام لا يقع فيها الكسوف عادة، ولا مانع من أن يهم الثقة في شيء ليس في تناول علمه، وإن أصر ابن حجر على تمشيته تلك الروايات لبعده عن العلوم الفلكية.

فعَمِل محمود باشا الفلكي المذكور تتبعًا قهقريّا من هذا المبدأ إلى أن أثبت أن يوم الاثنين كان اليوم التاسع من شهر ربيع الأول عام الفيل الموافق 20 إبريل سنة 571م وأجاد هكذا البحث في تحديد يوم ولادته صلى الله عليه وسلم ببراهين رياضية لا تتخلف، بينما كان ميلاد عيسى عليه السلام غير قابل للتحديد من خلاف شديد متباعد بالسنين مما لا خِطام له ولا زمام.

وقول القائل في مولده عليه السلام: «في ثمانية خلَتْ»: يدل على أنه لم يولد في الثامنة بل في التاسعة على هذه الرواية فتُطابق هذه الرواية التي أيدها ابن دحية ذلك التحقيق الرياضي كما يتبين من الاطلاع على تلك الرسالة.

وبهذا القدر من البيان نكتفي في هذا الموضوع والله سبحانه أعلم.

أم الفضل
25-Feb-2009, 06:38 AM
ياااااااااااااااااالله
على هذه المقالات النافعة
نفعنا الله واياك بعلمه
يا اخت الخنســــــــــــــــــــــــــاء
وجزاك الله كل خير