المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إحياء النثر الفني



د.أبوأسامة
15-Apr-2008, 07:41 PM
إحياء النثر الفني

من يتصفح أهم كتب النقد والبلاغة العربية يفاجأ بظاهرة غريبة وهي قلة عناية النقاد القدامى بالنثر، في حين أنهم أمعنوا في بحث الشعر من جميع نواحيه تفصيلاً وتدقيقاً على حد الإفراط أحياناً، فقد تحدثوا عن النثر لا باعتباره فناً قائماً بذاته بل تحدثوا عنه كجزء من البلاغة أو البيان والفصاحة.

من أقوال الكتّاب القدامى حول النثر :


ويقول الكاتب والمفكر مسكويه:
( فكذلك النظم والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس لهما، ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل الوزن الذي به صار المنظوم منظوما. ولما كان الوزن حلية زائدة وصور فاضلة على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن. فإن اعتبرت المعاني كانت المعاني مشتركة بين النظم والنثر. وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر...)
الهوامل والشوامل، ص 275

هذه النظرة الجزئية للنثر كما رأيناها في قول مسكويه تؤكد موقف النقاد القدامى السلبي من النثر فهي نظرة جزئية انصرفت على الشكل دون اللُب، إلى الصورة دون الحقيقة والمعنى وهي التي حالت دون التبلور التام لمفهوم النثر الفني عند القدامى.
حتى أن الكتّاب العرب من مفكرين وفلاسفة وقصّاصين ونقاد كانوا يمارسون النثر الفني دون وعي واضح دقيق لمزيّة الفن المتوفرة في كتاباتهم ودون أن يُعترف بفضلهم.

الجاحظ وموقفه من النثر:
يقول الجاحظ : ( وقد نُقلت كتب الهند،وتُرجمت حكم اليونانية، وحُولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا؛ ولو حُوّلت حكمة العرب لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعاشهم وحكمهم،ولبطل ذلك المعجز، وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى أمة ، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان حتى انتهت إلينا، وكنا آخر من ورثها ونظر فيها، فقد صح أن الكتب ( أي كتب النثر) أبلغ في تقييد المآثر من الشعر.)
الحيوان، ج1، ص75


أبو حيان التوحيدي وموقفه من النثر:
يقول أبو حيان : ( وأحسن الكلام ما رق لفظه ولطف معناه... وقامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم)
ويقول أيضاً : ( إذا نظر في النظم والنثر على استيعاب أحوالهما وشرائطهما .. كان أن المنظوم فيه نثر من وجه، والمنثور فيه نظم من وجه، ولولا أنهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ولا اختلفا)
أبو حيان يُعد أول من اهتدى إلى حقيقة النثر الفني وحلل مقوماته الجوهرية تحليلا يتصف ، على إيجازه، بالدقة والعمق.

كذلك بيّن أهمية كل من عنصري العقل والموسيقى في النثر الفني، ومن رأي التوحيدي أن الشعر لا يختص وحده بالموسيقى والخيال، بل هما قدر مشترك بين الشعر والنثر الفني ، والفرق بين النوعين من الكلام نسبي أما الجوهر فواحد.
الإمتاع والمؤانسة ، ج2،ص145، ص135


إحياء النثـــــر :
بلغ النثر في أخريات العصر العثماني الغاية في الركاكة والضعف، فكانت عباراته سقيمة، مقيدة بقيود ثقيلة من الحلي والزخارف المصطنعة المتكلفة، لتخفي ما وراءها من معنى مرذول، وفكرة تافهة ضحلة، وكثيرا ما كانت تغلب العامية والكلمات التركية على كتابات الكتاب، فيأتي الكلام أشبه بالرموز والأحاجي.

ومن كان من الكُتّاب على قدر يسير من اللغة، نهج أسلوب المقامات في كتاباته فالتزم السجع في كل ما يصطنع من كتابة، بل منهم من كان يتلاعب بالألفاظ والتحريف ، وقد أورد الجبرتي أمثلة عديدة في كتابه ( عجائب الآثار في التراجم والأخبار)، سنسوق منها نموذجين :

1- المقامة التصحيفية للشيخ عبد الله الإدكاوي، الذي أهدى منها نسخة للشيخ عبد الله التلباني فرد عليه بما نصه: (عبد الله عند الله وجيه، وحبه محتم مخيم بقلوبنا تعلو بنا سماته، سما به عمله عم له التواب والثواب،ولا حرمنا ولاء حرمنا الأبهج الأنهج...)

ونحن نرى هنا هذا الطائل من الكلمات العبثية التي تؤكد ما وصلت إليه اللغة من الضعف والركاكة.

2- قال مصطفى الدمياطي:
( حكى البديع بشير بن سعيد قال: حدثني الربيع بن رشيد قال: هاجت لي دواعي الأشواق العذرية، وعاجت بي لوا عج الأتواق الفكرية، على ورود حمى مصر المعزية البديعة؛ ذات المشاهد الحسنة والمعاهد الرفيعة؛ لأشرح بمتن حديثها الحسن صدري، وأروح بحواشي نيلها الجاري روحي وسري، وأقتبس نور مصباح الطرف من ظرفائها؛ واقتطف نور أرواح الظرف من لطفائها، وأستجلي عرائس بدائع معاني العلوم، على منصات الفكر محلاة بالمنثور والمنظوم، واستمد من حماتها السادة أسرار العناية، واسترشد بسراتها القادة أنوار الهداية...)

نلمح كلاماً متكلفاً مصنوعاً، لا يفضي إلى غاية ولا ينبئ عن فكرة سليمة وإنما هو لإظهار البراعة في اقتناص السجعات، وإيراد المحسنات.

وهكذا النثر في العصر العثماني نجده :
1- تهافت في العبارة.
2- ركاكة في الأسلوب.
3- استعجام في الألفاظ.
4- عامية فاشية.
5- ضحالة في المعاني.
6- قيود ثقيلة من السجع والمحسنات البديعية.

ومن هنا يتضح لنا أن الشوط الذي قطعته الكتابة منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى اليوم ، لم يكن سهلاً هيناً، والتخلص من العقبات في الكتابة واللغة لم يكن ميسراً .

وهناك كتاب النثر الفني في عهجدي الدولتين الزنكية والأيوبية في مصر والشام ، تأليف : مصطفى محمود زايد
http://www.adabwafan.com/content/products/1/52267.jpg

وكتاب آخر : النثر الفني في القرن الرابع الهجري ، تأليف: زكي مبارك

http://www.neelwafurat.com/images/lb/abookstore/covers/hard/16/16503.gif

يوسف ( أبومحمد)
16-Apr-2008, 07:46 AM
ليس الغريب أن يكون الأمر كذلك في العصر العثماني ولكن الغريب أن يوجد

كتاب في هذا العصر على مستوى أحط من ذاك في الصياغة وفي المعنى

فتأمل

الخنساء
16-Apr-2008, 11:20 PM
جاء في الهوامل والشوامل للتوحيدي مسألة سأل سائل عن النظم والنثر
وعن مرتبة كل واحد منهما، ومزية أحدهما، ونسبة هذا إلى هذا، وعن طبقات الناس فيهما؛ فقد قدم الأكثرون النظم على النثر، ولم يحتجوا فيه بظاهر القول، وأفادوا مع ذلك به، وجانبوا خفيات الحقيقة فيه، وقدم الأقلون النثر، وحاولوا الحجاج فيه.
الجواب: قال أبو علي مسكويه - رحمه الله: إن النظم والنثر نوعان قسيمان تحت الكلام، والكلام جنس لهما.
وإنما تصح القسمة هكذا: الكلام ينقسم إلى المنظوم وغير المنظوم.
وغير المنظوم ينقسم إلى المسجوع.
ولا يزال ينقسم كذلك حتى ينتهي إلى آخر أنواعه.
ومثال ذلك مما جرت به عادتك أن تقول: الكلام بما هو جنس يجري مجرى قولك الحي.
فكما أن الحي ينقسم إلى الناطق وغير الناطق.
ثم إن غير الناطق ينقسم إلى الطائر وغير الطائر.
ولا تزال تقسمه حتى ينتهي إلى آخر أنواعه.
ولما كان الناطق والطائر يشتركان في الحي الذي هو جنس لهما، ثم ينفصل الناطق عن الطائر بفضل النطق - فكذلك النظم والنثر يشتركان في الكلام الذي هو جنس لهما، ثم ينفصل النظم عن النثر بفضل الوزن الذي به صار المنظوم منظوماً.
ولما كان الوزن حلية زائدة، وصورة فاضلة على النثر صار الشعر أفضل من النثر من جهة الوزن.
فإن اعتبرت المعاني مشتركة بين النظم والنثر.
وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر، بل يكون كل واحد منهما صدقاً مرة، وكذباً مرة، وصحيحاً مرة، وسقيماً أخرى.
ومثال النظم من الكلام مثال اللحن من النظم، فكما أن اللحن يكتسي منه النظم صورة زائدة على ما كان له، كذلك صفة النظم الذي يكتسى منه الكلام صورة زائدة على ما كان له.
وقد أفصح أبو تمام عن هذا حين قال:
هي جوهر نثر فإن ألفته ... بالنظم صار قلائداً وعقوداً.

أبوعمار
19-Apr-2008, 04:37 AM
بحث قيم وطرح هاه
بارك الله فيك أخي الدكتور أبوأسامة

وأضف إلى ذلك أن الأدباء في ذلك العصر كانوايبذلون أوقاتهم في الالغاز والاحاجي اوجعل البيت يقراء من اليمين ومن اليسار دون ان يختلف معناه مثل :
مودته تدوم لكل هول ~*^*~ وهل كل مودته تدوم
وأهملوا الجوانب الهامة في النثر والنظم

ابراهيم ابومحمد
21-Apr-2008, 04:29 PM
اشكرك أخي د. ابو أسامة
على هذا الموضوع القيم