المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما لانستذكره في الهجرة



كريم
12-Dec-2009, 10:50 PM
ما لانستذكره في الهجرة
الحمد لله الذي أعادنا لاستذكار الهجرة ونحن في ديارنا آمنين سالمين غانمين. والحمد لله الذي من علينا بنعمة الإسلام التي لا تساويها نعمة أوطان وأموال.

ونحن نستذكر في هذه الأيام هجرة المستضعفين َالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ. ونحن نستذكر كيف بدلهم الله من بعد خوفهم وأمنا ومراغما كثيرا وسعة.

كلما تذكرنا الهجرة تحدثنا عن مكاسبها التي سيجنيها المهاجرون المستضعفون بعد حين. (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (الَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)

مرت بنا أعوام بعد أعوام ونحن نستذكر دروس الهجرة العطرة. تعلمنا أن الله علمنا بالهجرة أن الانتماء إلى الدين فوق الانتماء إلى الأوطان والأموال.

في كل عام نجدد التذكير بهجرة صهيب. لما أراد الهجرة تبعه كفار قريش‏ فأدركوه وقالوا:‏ أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏ فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فإني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك رسولَ الله فقال‏:‏ ‏[‏ربح صهيب، ربح صهيب‏]‏‏.‏

وكلما تذكرنا الهجرة سلطنا الأضواء على الهجرة باعتبارها خروجا من الوطن وانعتاقا من قيود الانتماء إلى المكان.

*لا يتصور ولا يقبل من مسلم عتاب في تكرار استذكار الهجرة عاما بعد عام.

لكنا نريد أن يكون استذكار الهجرة واقعيا عمليا. واقعنا يوجب علينا أن لا نكتفي بالتركيز على استذكار ما أعده الله للمهاجرين. لا تشتد حاجتنا في واقعنا إلى الندب إلى هجرة الأوطان. صرنا نحسب المستضعفين من الأرامل والولدان بالملايين.

لا تشتد حاجتنا في واقعنا إلى الندب إلى هجرة الأوطان لأن التقصير في الهجرة قليل. المستضعفون أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إخراجا وهاجروا اضطرارا.

واقعنا يوجب علينا أن نتمم الانتفاع بدروس الهجرة. تدبرنا حال الفقراء المهاجرين في قوله تعالى:( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).

وبعد هذا التدبر في حال الفقراء المهاجرين يجب أن نكمل تدبر الآيات الكريمات (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

لا ينبغي أن نكتفي في استذكار الهجرة بتضحيات المهاجرين. الله تبارك وتعالى لم يثن على المهاجرين في كتابه منفردين. يقول الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) الله تبارك وتعالى أثنى على الذين آمنوا وهاجروا مع الذين آووا ونصروا.

المهجرون والمهاجرون من المستضعفين والأرامل واليتامى بالملايين. فأين الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟

المسلمون اليوم في ديارهم شبعانين، على الأرائك متكئين يستذكرون ما في الهجرة من دروس الصبر والتضحية. بعض الناصحين يذكر الشبعانين وهم على الأرائك متكئين بالغار والبيضة والعنكبوت. يذكرهم بحال الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِونَ الأوليين قبل مئات السنين. يطمئنهم أن الله بدل صهيبا بمال خير من ماله وضاعف لابن عوف في تجارته وعوض من فقد أهله بخير من أهله.

مثل هذا الاستذكار المبتور عن الواقع لا ينفعنا. نحن في واقعنا نحتاج إلى الانتفاع بالدروس التي ضربها لنا النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته. ما أخرجه الله من دياره ليكون أسوة للصحابة دون غيرهم. الله تبارك وتعالى أرسله للعالمين أسوة وهاديا وسراجا منيرا.

ما روى الصحابة والتابعون ومن بعدهم قصة الهجرة لمجرد التسلية والمتعة الأدبية. المسلمون في كل عصر يستسقون من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ما ينفعهم في واقعهم.

ولا تعني الدعوة إلى الواقعية في استخلاص دروس الهجرة أن ندعو المستضعفين إلى مزيد من الصبر والتضحية.

اليتيم الذي هُجّر في الخيام والخرائب لا يمكنه أن يلتقط ما تبثه الفضائيات من دعواتها إلى الصبر والتضحية.
في واقعنا يقدم الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ دروسا عملية في الصبر والتضحية. الأرامل واليتامى والمستضعفون لا يحتاجون إلى محاضراتنا وترغيبنا بمزيد من الصبر والتضحيات. قدموا دروسا عملية في الصبر على آلام فقد الأموال والأنفس والأوطان ما لا يخفى على الشبعانين.

المستضعفون أخرجوا من ديارهم وأموالهم فأين الذين يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ؟

أين الذين َلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا؟ أين الذين يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ؟ أين المفلحون الذين وقاهم الله شُحَّ أنَفْسِهِم؟

*كلما تذكرنا الهجرة سلطنا الأضواء على الهجرة باعتبارها خروجا من الوطن وانعتاقا من قيود الانتماء إلى المكان. ونريد أن نتذكر من دروس الهجرة درسا متمما لدروس الخروج من الأوطان. نريد أن نسكتمل درس المهاجرين بدرس الأنصار.

الهجرة لم تحرر المهاجرين وحدهم من قيود الانتماء إلى أوطانهم . الهجرة حررت الأنصار من غريزة امتلاك الدار. الله تبارك وتعالى دس في كلمات معدودات إعجازا ودرسا واقعيا بليغا. قال الله في مدح المستقبلين للمهاجرين في دارهم : (والذين تبوؤوا الدار والإيمان) الذين تبوؤوا دار الهجرة وأقاموا فيها وتبوؤا الإيمان وأقاموا فيه. تبوؤوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

الهجرة درس تحررت فيه الأمة من قيود الانتماء إلى المكان. تعلمت الأمة درسا في توحيد الأمة فوق فواصل المكان. المهاجرون تركوا الأوطان والأنصار آثروا إخوانهم بأموالهم وديارهم. تعلم المسلمون أن الأمة الواحدة تتقاسم بلاء الهجرة وبلاء النصرة. الأمة الواحدة فيها مهاجرون أخرجوا من ديارهم وفيها أنصار يجبون من هاجر إليهم.

كما نستذكر تضحية المهاجر عبد الرحمن بن عوف يجب أن نستذكر تضحية أخيه الأنصاري سعد بن الربيع. قال لأخيه:( إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي بيننا نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجَبَهما إليك أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها .

كما نستذكر صبر المهاجرين يجب أن نستذكر جود الأنصار.

جاء أحد المهاجرين جائعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمهات المؤمنين فقلن ما عندنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( من يضيف هذا)؟ فقال أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه أنا أضيفه يا رسول الله. فانطلق بالرجل وقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما عندي إلا قوت صبياني. فقال هيئي طعامك وأوقدي سراجك ونومي صبيانك قبل أن يطلبوا العشاء . فهيأت الطعام وأوقدت السراج ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته. فجعلت تتظاهر مع زوجها أنهما يأكلان. فباتا جائعين طاويين. فلما أصبح أبو طلحة غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبله قائلا ( ضحك الله الليلة من فعالكما يا أبا طلحة) . وأنزل الله { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)
*في ذكرى الهجرة يجب علينا أن ندعو أنفسنا إلى الاقتداء بما قدمه الأنصار للمهاجرين. نريد أن نقتدي بسيد الأنصار الذي اهتز العرش لموته: يقول النبي صلى الله عليه وسلم (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ). اهتز العرش لموت سعد بن معاذ لأنه قال في بدر: يا رسول الله إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم‏:‏ فصل حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت.
*الهجرة والنصرة جناحان يحلقان بالأمة إلى الأمجاد فوق روابط المكان وقيوده. واليوم تستوفي أمتنا جناح صبر المهاجرين وتضحياتهم، ولن تكون أمة واحدة تحلق في الأمجاد إلا إذا استكملت جناح العطاء.
حاجتنا اليوم إلى الاستفادة من دروس عطاء الأنصار أعظم من حاجتنا إلى دروس صبر المهاجرين.
دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا يا رسول الله لا تفعل إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. فقال ( إذا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض فإنه ستصيبكم بعدي أثرة) النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنهم سيجدون بعده أثرة. سيجدون أثرة وتقديما لغيرهم عليهم حتى في استذكارالهجرة. المسلمون سيؤثرون استذكار صبر المهاجرين على استذكار عطاء الأنصار.
يجب أن نستذكر في دروس الهجرة كيف يتعاقب المعروف في المسلمين. لا يضيع المعروف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم مهما طال الزمان وابتعد المكان.
لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة قال: أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب : أنا يا نبي الله هذه داري و هذا بابي فقم على بركة الله. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفل البيت فقال أبو أيوب: بأبي أنت و أمي يا رسول الله إني أكره أن أكون فوقك و تكون تحتي. فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل. فقال : [ يا أبا أيوب إنه أرفق بنا و بمن يأتينا أن أكون في سفل البيت. فركب أبو أيوب وقال لأهله: تنحوا جانبا لانمشي فوق رأس رسول اللهصلى الله عليه وسلم . فتنحوا فباتوا في جانب.
ومن بعد ذلك تمر الأزمان وينتقل أبو أيوب الأنصاري إلى غير المدينة من الأماكن. ينتقل إلى البصرة في خلافة علي . فلما وصل إليها استضافه القرشي عبد الله بن عباس في دراه فأنزله فيها كما أنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في داره. ثم خرج ابن عباس من داره وقال هي لك ولك كل ما أغلق عليها بابها. وأعطاه فوقها عشرين ألفا وأربعين عبدا.
وتدور الأيام ويبيع أبو أيوب داره بالبصرة فتصير إلى القرشي المغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام. اشتراها فأصلح بنيانها ثم وهبها لأهل بيت فقراء من أهل المدينة. هكذا يتعاقب المعروف في الأمة الواحدة حتى يرجع إلى أهله مهما طال الزمان وابتعد المكان. الأمة التي استفادت من درس الهجرة لا تترك إخوانها المهجرين للكافرين. الأمة اليوم تحن إلى مثل إيثار سعد وأبي أيوب وغيرهم ممن تبوؤوا الدار والإيمان

أعده الدكتور صهيب السقار

ابوالفتح
13-Dec-2009, 02:22 AM
شكرا للنقل


الطوووووووووووووووويل

تلميذ
13-Dec-2009, 04:46 AM
شكرا للاخ كريم
اللهم اجعلنا ممن يهجرون ما نهيت عنه

د.محمد نور العلي
13-Dec-2009, 07:45 AM
شكرا أخي كريم على هذا الموضوع الرائع لقد شدني لقرائته فهو فيه جديد وتجديد وربما يقع العتب على بعض الوعاظ والخطباء والمحاضرين تركيزهم على أمور ربما تجاوزها الزمن قليلا بيد أن الهجرة ملهمة لكل الأجيال ويستفاد منها في كل الأحايين ولكن أين من يغوص في خضم بحارها ليخرج جواهر درها ؟

أم عبد العزيز
13-Dec-2009, 11:08 AM
جزاكم الله خيراً على حسن الاختيار ، ورضي الله عن المهاجرين والأنصار ، وأسأل الله سبحانه أن يرزقنا اتباعهم والاقتداء بهم ، وأن يحشرنا جميعاً تحت لواء سيد المرسلين .