المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى الهجرة النبوية المباركة الشيخ الطبيب محمد غسان جزائري



Omarofarabia
20-Dec-2009, 07:34 PM
في ذكرى الهجرة النبوية المباركة

الشيخ الطبيب محمد غسان جزائري



الحمد لله ، ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي نشر بقدرته البشر ، و ابتعث رسوله محمداً إلى كافة أهل البدو والحضر، فدعا إلى الله فعاداه من كفر فاختفى واستتر، إلى أن أعزًّ الله الإسلام برجال كأبي بكر وعمر، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع أصحابه الميامين الغرر، وعلى تابعيهم بإحسان على السنة والأثر، صلوات الله عليه ما هطلت الغمائم بهتّان المطر ، وهدلت الحمائم على أفنان الشجر ، وسلم تسليماً كثيراً على سيد الخلق والبشر.

أيها المؤمنون: اتقوا الله رب العالمين ، واعلموا أن كل ما سوى طاعة الله وعبادته لهو ولعب وسراب،وما الحياة الدنيا إلا متاع الجاهلين الغافلين،والعمر قصير لا يحتمل التقصير، والمرجع والمآل إلى الله، وبين يديه العرض والسؤال، والمصير إما إلى جنة أو نار ، اللهم أجرنا من النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.

إن من كلام الله تعالى قوله : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

وقال أيضاً: ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض).

فيما أحسب أن بعضاً منكم يتوقعون اليوم موضوع الخطبة، ويظنون أني سأتكلم عن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولن أعدو ظنهم ، ولن أخيب توقعهم،فعن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم سأتحدث ،ومن معينها سأغرف، ومن خيرها سأقطف، وعلى ساحلها سأطوف ، وفي بحارها سأغوص، ومن لآلئها سأقطف.

والبداية مع سؤال : لماذا لم يجعل المسلمون مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ لتاريخهم كما فعل النصارى ؟

لأن مولد عيسى عليه السلام كان معجزةً بكل المعايير والمقاييس ؛ أما ميلاد بقية الرسل والأنبياء بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ميلاداً عادياً لا معجزة فيه .

ومما جاء في كتب التاريخ ما يلي: أنه في شهر جمادى الأولى من السنة السابعة عشرة للهجرة أرسل أبو موسى الأشعري رسالة إلى عمر بن الخطاب يقول فيها: يا أمير المؤمنين ، تأتينا الكتب ، وقد أرِّخ بها في شعبان ، ولا ندري أي شعبان هذا ، هل هو في السنة الماضية ؟ أم في السنة الحالية ؟ لذلك جمع عمر رضي الله عنه الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وبحثوا هذا الموضوع ، وكل واحد منهم طرح فكرة خاصة ، فقائلٌ يقول : نؤرخ بمولد الرسول ، وثان يقول : نؤرخ بمبعثه ونزول القرآن عليه، وثالثٌ يقول : نؤرخ بوفاته،إلى أن قال قائل: نؤرخ بهجرته، فأعجب الصحابة بهذا الرأي وأجمعوا عليه، لما كانوا يعتقدونه أن أعظم حدث في تاريخ الإسلام هو قيام دولته، وما قامت دولة الإسلام إلا بالهجرة

(كما في كتاب الوافي بالوفيات – الأوائل للعسكري).

لو أردنا أن نقف على درس بليغ من دروس الهجرة فإني لأحسب أن من أبلغ الدروس والعبر ، درس استنفاد الجهد وبذل أقصى الوسع وغاية الطاقة في سبيل صناعة التاريخ.

حيث رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطط ويأخذ بالأسباب ويستنفد وسعه في هجرته دون أن يتواكل أو يلقي المهمة على الله وملائكته.

ما كان أسهل على الله عز وجل أن يحمل رسوله على البراق فيوصله إلى المدينة المنورة ، وما كان أسهل أن يرفع رسول الله يديه إلى السماء فيطلب من رب العزة والجبروت خطة مفصلة للهجرة ، وما كان أسهل على رسول الله أن يتواكل على الله عز وجل في شأن هجرته، ومع ذلك كله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطط للهجرة فأبدع، واتخذ الأسباب فأتقن، وساس الأمور فأجاد، واستنفر الطاقات فاستوعب.

‏جاء في سيرة ابن هشام : حَدِيثُ هِجْرَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنّهَا قَالَتْ كَانَ لَا يُخْطِئُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النّهَارِ إمّا بُكْرَةً وَإِمّا عَشِيّةً حَتّى إذَا كَانَ الْيَوْمُ الّذِي أُذِنَ فِيهِ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْهِجْرَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ أَتَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا . قَالَتْ فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ مَا جَاءَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذِهِ السّاعَةَ إلّا لِأَمْرٍ حَدَثَ . قَالَتْ فَلَمّا دَخَلَ تَأَخّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إلّا أَنَا وَأُخْتِي أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْرِجْ عَنّي مَنْ عِنْدَك ؛ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّمَا هُمَا ابْنَتَايَ وَمَا ذَاكَ ؟ فِدَاك أَبِي وَأُمّي فَقَالَ إنّ اللّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ . قَالَتْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ الصّحْبَةَ . قَالَتْ فَوَ اَللّهِ مَا شَعُرْت قَطّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ حَتّى رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ ثُمّ قَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ إنّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ قَدْ كُنْت أَعْدَدْتهمَا لِهَذَا . فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَرْيقَطِ - رَجُلًا مِنْ بَنِي الدّئَلِ بْنِ بَكْرٍ وَكَانَتْ أُمّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو ، وَكَانَ مُشْرِكًا - يَدُلّهُمَا عَلَى الطّرِيقِ فَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا ، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا حَدِيثُ هِجْرَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ .

[ قِصّةُ الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ ]

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخُرُوجَ أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ ثُمّ عَمَدَ إلَى غَارٍ بِثَوْرٍ - جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكّةَ - فَدَخَلَاهُ وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَسَمّعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ ثُمّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْخَبَرِ ؛ وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ ثُمّ يُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا ، يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فِي الْغَارِ . وَكَانَتْ أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ قَالَ انْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَبْلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمَسَ الْغَارَ لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيّةٌ يَقِي رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِنَفْسِهِ .

[ ابْنَا أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ فُهَيْرَةَ يَقُومُونَ بِشُؤُونِ الرّسُولِ وَصَاحِبِهِ وَهُمَا فِي الْغَارِ ]

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حَيْنَ فَقَدُوهُ مِئَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ يَرُدّهُ عَلَيْهِمْ . وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ثُمّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ . وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَرْعَى فِي رُعْيَانِ أَهْلِ مَكّةَ ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا ، فَإِذَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكّةَ ، اتّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتّى يُعَفّي عَلَيْهِ حَتّى إذَا مَضَتْ الثّلَاثُ وَسَكَنَ عَنْهُمَا النّاسُ أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الّذِي اسْتَأْجَرَاهُ بِبَعِيرَيْهِمَا وَبَعِيرٍ لَهُ وَأَتَتْهُمَا أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا بِسُفْرَتِهِمَا ، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلّقَ السّفْرَةَ فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصَامٌ فَتَحِلّ نِطَاقَهَا فَتَجْعَلُهُ عِصَامًا ، ثُمّ عَلّقَتْهَا بِهِ .

[ سَبَبُ تَسْمِيَةِ أَسْمَاءَ بِذَاتِ النّطَاقِ ]

فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ذَاتُ النّطَاقِ لِذَلِكَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَسَمِعْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ ذَاتُ النّطَاقَيْنِ . وَتَفْسِيرُهُ أَنّهَا لَمّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلّقَ السّفْرَةَ شَقّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ فَعَلّقَتْ السّفْرَةَ بِوَاحِدٍ وَانْتَطَقَتْ بِالْآخَرِ .

[ أَبُو بَكْرٍ يُقَدّمُ رَاحِلَةً لِلرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا قَرّبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ الرّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدّمَ لَهُ أَفَضْلَهُمَا ، ثُمّ قَالَ ارْكَبْ فِدَاك أَبِي وَأُمّي ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي ؛ قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، قَالَ لَا ،وَلَكِنْ مَا الثّمَنُ الّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ ؟ قَالَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ قَدْ أَخَذْتهَا بِهِ قَالَ هِيَ لَك يَا رَسُولَ اللّهِ . فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خَلْفَهُ لِيَخْدِمَهُمَا فِي الطّرِيقِ .

صنِعَ تاريخ الهجرة على أسس عديدة :

1- التموين والإمداد : وقامت بها السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق ، فأعدت الزاد للمهاجرين ، ولما لم تجد ما تربط به الطعام شقت نطاقها ، ونالت به نطاقين في الجنة.

2- حسن التخطيط : وتمثل ذلك في اتجاه رسول الله نحو الجنوب إلى غار ثور والاختفاء فيه ثلاثة أيام حتى ينقطع عنه الطلب.

3- تضليل الأعداء : مهمة قام بها علي بن أبي طالب ، وهو في مطلع العقد الثالث من عمره ، حيث بات في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فعوَّق المشركين وقتاً لا بأس به ريثما يخرج رسول الله من مكة المباركة.

4- الاستعلامات والتقاط الأنباء ، وقام بها عبد الله بن أبي بكر الصديق ، فكان يقيم نهاره في مكة حتى إذا حل المساء توجه نحو غار ثور ليبيت في الغار ثم يتوجه صباحاً إلى مكة وكأنه بات فيها.

5- إخفاء آثار أقدام عبد الله بن أبي بكر ، وكان يقوم بها عامر بن فهيرة ، وهو أحد الرعاة الذين يعملون عند أبي بكر فيروح بغنمه خلف عبد الله بن أبي بكر فلا يجد قصاصو الأثر طريق عبد الله.

6- صناعة التاريخ لا بد لها من صحبة صالحة ، وأخ يشد الأزر ويعين على وحشة الطريق ، وليس أصلح لذلك من أبي بكر الصديق.

7- ولا بد لإتمام الهجرة من هادٍ يدل على الطريق فكان عبد الله بن أريقط دليلاً للنبي في رحلته عبر الشعاب والوديان.‏

لقد قام صلى الله عليه وسلم بتأمين زاده ولم ينتظر مائدة من السماء، وقام بالتمويه على أعدائه ولم يكتف بطلب الغشاوة على أعينهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم, وقام بتضليلهم عن غاره ولم ينتظر ريحاً ذارية تعفو آثاره عنهم, وقام بدراسة تقارير عبد الله بن أبي بكر بدقة ليعرف تحرك أعدائه ولم يكتف ببيان روح القدس, واستأجر ابن أريقط ليدله الطريق على الرغم من أنه كان يستنير بنور الله , واتخذ لنفسه رفيقاً وأنيساً على الرغم من أنه يعلم أن الله معه في كل حال!‏

من العجيب أن تكون هذه الحقائق كلها ماثلة في رحلة الهجرة ثم نتصور بعدئذ أن النصر محض أسرار تجود بها السماء على الأرض وأن موقع الإنسان فيها موقع المفعول به المنصوب الذي وقع عليه فعل الفاعل, ليس له من الأمر من شيء!!‏

فألق سمعك للأحداث إن نطقت فالحال أفصح أحياناً من الكلم‏

متى يلقي المؤمن السمع إلى درس الهجرة؟

متى يتعلم المسلمون أن التاريخ ليس هبة السماء للكسالى والعاجزين؟

وما نيل الأماني بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

متى يستيقن المسلمون أن لا تاريخ إلا بعد أن يبذلوا أقصى جهودهم وطاقاتهم في صناعته؟

لعل المسلمون اليوم وقد تنحوا عن قيادة العالم يفقهون درس الهجرة ، و ينهضون من كبوتهم ويستعيدون صدارتهم .

صناعة التاريخ وصناعة المجد ، يحتاجان لجميع الجهود والطاقات ، لا بد من جهد الدعاة ولابد من تجاوب

عامة المسلمين .

لكل فرد من المسلمين دوره في استعادة مجد أمته وصناعة تاريخها الجديد ، الوزير في وزارته، والموظف في دائرته ، والتاجر في تجارته، والصانع في مصنعه، والأم في مملكتها، والطبيب في مستشفاه ، وضابط الشرطة في مركزه ، والطالب في جامعته ومعهده، وعلى ذلك فقس...

الإسلام دين سيسود الأرض ، وما أغفل أولئك الذين يناصبونه العداوة، ويشنون عليه الغارات.

قال تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)) التوبة.

وقال أيضاً : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)) الصف.

وأخرج الإمام أحمد عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر). تعليق شعيب الأرناؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم

لكن هل سيكون ذلك على يديك أم على يد غيرك ؟ الله أعلم حيث يجعل رسالته.

قال تعالى : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).

أم عبد العزيز
21-Dec-2009, 12:32 AM
أشكر لكم هذا النقل الموفق ، والاختيار الحسن ، لتلك الدرر ، فجزيتم خيراً .

ابوالفتح
22-Dec-2009, 03:03 PM
شكرا على هذا النقل المفيد