المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صحبة الأخيار الصالحين ومجالسة العلماء العاملين



Omarofarabia
26-May-2010, 02:51 PM
صحبة الأخيار الصالحين ومجالسة العلماء العاملين



تربية الناشئة من الأمور التي اهتمّت بها كلّ الأمم قديماً وحديثاُ، ونالت في ديننا عناية كبيرة وأولاها نبيّنا عليه الصلاة والسلام كثيراً من نصحه وتوجيهه، ولست هنا بصدد رصد وحشد الأدلّة على ذلك؛ إذ يكفيني هنا الإشارة إلى ما رواه سيدنا عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، عن نفسه فيقول:) كنت - وكان يومها غلاماً يافعاً- خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك( إلى آخر الحديث، ويكفيني أيضاً الإشارة إلى حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغشانا ويخالطنا ، فكان معنا صبي يقال له: أبو عمير، فقال : ) يا أبا عمير ما فعل النغير ؟ ( .

ومن النصائح القيّمة والنفيسة التي ينصح بها المربّون: مجالسة الصالحين ومصاحبة الأخيار. وقد قالوا: أول الاستقامة صحبة العلماء بالله عز وجل.

ولعمري هي نصيحة غالية نفيسة لا يعلم نفاستها إلا من ذاق حلاوة صحبتهم ولذة مجالستهم وخدمتهم، فإنك مهما تعلمت من الكتب ومهما حفظت من المسائل؛ فإنّ هناك أشياء كثيرة ستبقى غائبة عنك لا يمكن لك أن تتعلمها إلا من خلال صحبة الرجال ومجالسة الأخيار.

ولذا عقد البخاري -رحمه الله- لها في صحيحه باباً سماه: باب استحباب مجالسة الصالحين.

وأيضاً عقد مسلم في صحيحه باباً سماه: باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء، وروى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَولهَ: )إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ(

ونقل الآلوسي في تفسيره عن عمرو المكي قوله: (صحبة الصالحين والفقراء الصادقين عيش أهل الجنة يتقلب معهم جليسيهم من الرضا إلى اليقين ومن اليقين إلى الرضا).

وفي تفسير القشيري عند قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) الظاهرة: صحبة الصالحين، والباطنة: حِفْظُ حُرْمَتِهم.

ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: يا بنى جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء.

فإن لم تسنح لك الفرصة لمجالستهم، ولم يسعفك الزمان بمصاحبتهم ومرافقتهم، فقد فاتك شيء كثير، وعندئذ لتكن مذاكرة سيرهم وأحوالهم بديلاً لك عن ذلك.



فممّا تعلمت من صحبتهم ومذاكرة سيرهم وأحوالهم أنّ شيخنا عبد الكريم الرفاعي -رحمه الله- كان يتعمّد شراء حوائج البيت من أكل وخضرة وغيرها بنفسه؛ مع أنّ محبيه كانوا يتمنّون خدمته في ذلك، ولكنّه كان يغافلهم ويحضرها بنفسه، حتى إنّه كان إذا اشترى صحن حمص يحمله من داخل عباءته حتى لا يراه أحد محبيه فيأخذه ويحمله عنه، وكان يقول في سبب حرصه على ذلك: إنّ من الذنوب مالا يكفرها إلا السعي على العيال.

وكان بعض الصالحين لا يشتري من الخضرة إلا أجودها ومن الفاكهة إلا أطيبها، وإذ به مرة -كما يقول تلميذه- يقف ليشتري من بائع الخضرة ما تبقى لديه من البندورة التي وصلت حدّاً من التفسخ ما جعلها إلى الحموضة أقرب، وأنّها إن صلحت فلن تصلح إلا للعصر، فقلت له: يا سيدي لم أعهدك تشتري مثل ذلك قبلاً فما الذي دعاك إلى هذا؟ فقال يابنيّ: إن لم أشتر منه هذه البندورة التي رأيت فستبقى عنده وتفسد وتسبب له –من فقره- ألماً وأسىً في نفسه، فأحببت أن لا يصيبه هذا الأسى، وإذ به بعد ما مشى خطوات يدفعها إلى فقير من الفقراء.

وهذا آخر يحدثني عن أحد شيوخه أنه كان يمشي آخر النهار فيقف عند أحد الباعة وقد بقي عنده من الخضرة أو الفاكهة الشيء ليس بالقليل، فيقول له: بكم تبع هذه المتبقية لديك؟ فيقول: بكذا، فيقول له: اشتريتها، فيدفع ثمنها ويأخذها ويمضي، فقلت له لم تفعل هذا؟ قال: يا بنيّ! إنّ هذا البائع ذو عيال، ويريد أن يذهب بعد تعب هذا النهار الطويل إلى عياله، والليل قد أزف، وهو جالس وراء بضاعته لن يذهب قبل أن يبيع ما تبقى لديه من خضرة أو فاكهة فأشتريها منه حتى يذهب إلى عياله ويستريح!

وهذا آخر من أهل العلم يقول عنه تلميذه: كان إذا اشترى شيئاً لا يقول للبائع بكم الكيلو؟ ولكن يقول له: أعطني بمائة، مثلاً، أو ما شابه، ويبرّر ذلك فيقول: حتى لا يكون له عندي لو زاد الوزن ولا يكون لي عنده إذا نقص الوزن، فينجو كلانا من أن نكون ممن توعدهم الله تعالى بقوله: (ويل للمطففين).

وسمعت عن أحد الأخيار أنه كان يقول: اشتر خضرتك وفاكهتك ولا تنتقيها بنفسك فتأخذ له زينة بضاعته فتحزنه، ولكن دعه يضع لك ما يختاره لك بيده حتى لا تأخذ شيئاً هو في نفسه وعينه فربما لا يبارك لك فيه.

وأيضاً مما كنت أسمعه من بعض الأفاضل أنه يقول: إذا اشتريت من بائع فقير فاشتر ولا تفاصل فإنه بحاجة للقليل الذي لا يضرك، واحتسب ما أردته بالمفاصلة صدقة.

وهذا مأخوذ من الحديث الشريف: "رحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى".

وممّا حدث معي في أول رحلة لي للحج وذلك منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، أني كنت بصحبة أحد شيوخي الصالحين، وبينما نحن في الطريق بين المدينة المنورة ومكة -وكنّا يومئذ في سيارة خاصة- إذا بشيخنا يأمرنا بالتوقف، فامتثلنا لأمره مستغربين وقوفه في صحراء تلتهب من حرّ الشمس، وفي طريق لا شيء فيها غير الرمال والجبال والوديان، وإذا به ينزل من السيارة وبيده بعض الملابس والحوائج يحملها، ويسلك طريقاً وعرة تنتهي إلى واد عميق، فيقصد أسفل الوادي حيث توجد عائلة بدوية معدمة فيلقي لها بالملابس والحوائج ويعود أدراجه إلينا، وأنا وصحبي مندهشين لهذا المشهد، فيقول لنا: لا يفطن لأمثال هؤلاء أحد فأحببت أن أنال أجرهم.

ومن الحوادث النادرة التي سمعتها من أحد العلماء عن علامة من سلالة النبوة -رحمه الله- واعذروني عن عدم ذكر اسمه، أنه كان في دعوة غذاء خارج بلاد الشام حضرها كبار العلماء وعلى رأسهم أحد كبار القوم البسطاء، فلمّا انتهى القوم من الطعام قدّم لهم طست ماء كي يغسلوا أيديهم فيه – حسب العادة في مثل هذه الدعوات التي يحضرها كبار القوم – وطبعاً قدّم الطست أولاً لسيد المجلس وإذا به يأخذ الطست فيحسبه للشرب فيشرب منه، فدهش الحاضرون وأصابهم الحرج، فما كان من هذا العالم النبوي الرباني وكان يجلس بجانبه مباشرة إلا أن أخذ الطست بدوره وتدارك الأمر ببداهة وذكاء نادرين وشرب من الطست أيضاً، وهكذا فعل بقية القوم فنجوا من إحراج هذا الزعيم البسيط بفضل بداهة وذكاء هذا العالم الفاضل.

ومما حُدّثت به عن العارف بالله الشيخ يحيى -رحمه الله- أنه كان كثيراً ما يقول في دعائه: يا رسول الله، فاعترض عليه أحدهم وقال له: هذا شرك. فقال له الشيخ: ما هو التشهد الذي تقرأه في صلاتك؟ فقرأه المعترض حتى إذا وصل إلى (السلام عليك أيها النبي) أوقفه الشيخ وقال له: لماذا تنادي النبي (أيها) أليس هذا من الشرك حسب زعمك؟ فبهت الرجل ونكس.

وعنه أيضاً أنّه كان مرة يناجي الله تعالى ويدعوه مستغيثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض عليه أحد الذين ينكرون الاستغاثة والتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: لماذا تستغيث برسول الله؟ ألا يكفيك الله تعالى؟ فقرأ عليه الشيخ من سورة التحريم قوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) ثم قال للمعترض: لماذا كل هؤلاء؟ ألا يكفي الله تعالى وحده له مولى؟ فأسقط في يد المعترض.

والحوادث من أمثال ذلك كثيرة لا تحصى، أحببت أن أذكر بعضها لأدلّل على فضل مصاحبة الأخيار ومجالستهم، وما تعكسه على الطالب والمتعلم من فوائد ودروس لا يمكن أن يأخذها من كتاب ولا يجدها إلا عند أمثال هؤلاء.

قال الراغب : قال بعض الحكماء : مجالسة العلماء ترغبك في الثواب , ومجالسة الحكماء تقربك من الحمد وتبعدك عن الذم , ومجالسة الكبراء تزهدك فيما عدا فضل الله الباري تعالى.

وفي حلية الأولياء أنّ ميموناً كان يقول: العلماء هم ضالتي في كل بلدة وهم بغيتي ووجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء.

وعن الشافعي -رحمه الله- : ثلاثة تزيد في العقل مجالسة العلماء، ومجالسة الصالحين، وترك الكلام فما لا يعني.

وفي تفسير ابن عجيبة: فالأولياء حجة الله على العلماء ، والعلماء حجة الله على العوام ، فمن لم يستقم ظاهره عُوتب على تفريطه في صحبة العلماء ، ومن لم يستقم باطنه عاتبه الله تعالى على ترك صُحبة الأولياء ، أعني العارفين.

اللهم لا تحرمنا صحبتهم يارب العالمين.

.................................................. ..............

الأستاذ: محمد غياث الصباغ

ابو المعالي
27-May-2010, 12:48 AM
شكرا لك على هذا الموضوع الجميل

جزاك الله كل خير

أم عبد العزيز
27-May-2010, 01:17 AM
هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، وقديماً قالوا : الصاحب ساحب .

وشكراً لكم .

محمد جمال العلوي
27-May-2010, 01:27 PM
اسمح لي ابدي اعجابي بقلمك وتميزك واسلوبك الراقي وتالقك
ما شاء الله تبارك الله على هذه الاخلاق والصفات التى يتسم بها هؤلاء الصالحين.
نتضرع الى الله تعالى ان لا يحرمنــــــــا قربهم ومصاحبتهم وخدمتهم ونيل شفاعتهم.
آآمين
شكرا لاخينـــــــــــــــــــــــــــا الفاضل هذا الاختيار والنقل المبارك.

جمال العلوى

محمد جمال العلوي
27-May-2010, 01:40 PM
اسمح لي ابدي اعجابي بقلمك وتميزك واسلوبك الراقي وتالقك

فياض العبسو
27-May-2010, 01:52 PM
صحبة الصالحين بلسم روحي = إنها للنفوس أعظم راقي

المجالس مدارس ، وهي مصانع الرجال ، ومن جالس جانس .

أبوأيمن
28-May-2010, 01:28 AM
أسأل الله أن يوقد في قلوبنا حب العلماء العاملين فحبهم كنز لايفنى ومن وجد في قلبه هذا الحب فليحمد الله على ذلك

صحبة الصالحين تتعلم عندهم مالا تتعمله من الكتب وهذا ما قصر فيه الكثير

Omarofarabia
28-May-2010, 03:45 AM
كاتب المقال عالم عامل تربى في حلقات العلماء المخلصين الصالحين ونهل من علومهم واستفاد من صحبتهم ومن خدمتهم وهنا يتكلم عن تجربته في تلقي العلم والادب والاخلاق الحميدة والتواضع في مدرسة العلماء العاملين امثال العلامه الولي الصالح عبد الكريم الرفاعي رحمه الله الذي كان مدرسة علم واخلاق ودعوة لم تزل اثارها وثمارها الى يومنا هذا

اشكركم الشكر الجزيل على المرور الكريم نفعنا الله واياكم بهؤولاء الاولياء المخلصين

الشافعي
28-May-2010, 05:29 AM
ما شاء الله تبارك الله موضوع فيه روح الاولياء

ابوالفتح
31-May-2010, 06:32 PM
جزيت خيرا


يقول الحق سبحانه في سورة التوبة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)

محب الإسلام
05-Jul-2010, 05:15 PM
ماشاء الله موضوع قيم بارك الله فيكم ورزقنا وأياكم مجالسة الصالحين وصحبة العلماء العاملين