المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى الإسراء والمعراج



المعتصم بالله
03-Jul-2010, 05:11 PM
في ذكرى الإسراء والمعراج للشيخ السيد محمد بن السيد علوي المالكي الحسني


الحمد لله الذي رفع قدر نبينا محمد صلّىالله عليه وسلّم في الدنيا وفي الأخرى ، وأسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فأعظم بذلك فخراً ، وقدمه جبريل فصلى بالأنبياء والمرسلين ليعلم به أنه الإمام الأعظم وأنه بذلك المقام أحرى ، ثم رقيَ إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى ، فظهر لمستوى سمع فيه صريف الأقلام ، ورأى من آياته ربه الكبرى ، وتجلى له وخاطبه وثبت فؤاده وأعطاه سؤله وأعظم له بذلك أجرا ، فسبحانه من إله نزه نفسه بنفسه في مقام الإنباء عن الإسرا ،فقال جل ذكره ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تتوالى علينا إمداداتها تترى ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي بعثه رحمة للعالمين وكنزاً لهم وذخراً ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وتابعيهم خصوصاً وارثيه الذين أشاد الله تعالى لهم في الخالقين ذكراً.

الذكرى تفرض نفسها :

وبعد :

فقد جرت العادة أن نجتمع لإحياء جملة من المناسبات التاريخية ، كالمولد النبوي وذكرى الإسراء والمعراج ، وليلة النصف من شعبان ، والهجرة النبوية وذكرى نزول القرآن وذكرى غزوة بدر ، وفي اعتبارنا أن هذا الأمر عادي لا صلة له بالتشريع الحكمي ، فلا يوصف بأنه مشروع أو سنة ، كما أنه ليس معارضاً لأصل من أصول الدين ، لأن الخطر هو اعتقاد مشروعية شيء ليس بمشروع ، وعندي أن أمثال هذه الأمور العادية العرفية لا يقال فيها أكثر من أنها محبوبة لدى الشارع أو مبغوضة ، وأظن أن هذا القدر متفق عليه ، ويدعي البعض أن هذه المناسبات التي يجتمع الناس لإحيائها ينقصها التوقيت المضبوط المتفق عليه فيقول : إن الناس تعودوا أن يجتمعوا ليلة السابع والعشرين لإحياء ذكرى الإسراء والمعراج ، وأن يجتمعوا ليلة الاثني عشر من ربيع الأول ، لإحياء ذكرى المولد النبوي ، مع أن العلماء اختلفوا في تعيين وقت هاتين الحادثتين بالضبط وأنا أقول :

إن عدم الاتفاق على تعيين الوقت لايؤثر ، لأننا لا نعتقد مشروعية تحديد الاجتماع بوقت مخصوص ، بل الأمر عادي كما أسلفنا ، والذي يهمنا هو اغتنام فرصة الاجتماع واستثمار ذلك بتوجيه النصيحة والإرشاد ، لأن مجرد اجتماعهم هذا على ذكر الله ومحبة رسول الله كافٍ في استجلاب رحمة الله وفضله

ولا شك أن اجتماع هؤلاء الناس مادام أنه لله وفي الله ، فإنه مقبول عند الله ولو أخطأوا في التوقيت ، لأنها ليست عبادة مؤقتة بزمان أو محددة بكيفية ، بل هي كما قلنا عادة محمودة ،وفعل مشكور مبرور إن شاء الله .

فاغتنام فرصة الاجتماع بالدعاء والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى والتعرض لنفحاته وخيراته وبركاته هو أجل من فائدة الذكرى نفسها عندي ، واغتنام اجتماع الناس بتذكيرهم وإرشادهم ونصحهم وتوجيههم إلى الخير هو أولى من صدهم وردهم والإنكار على اجتماعهم بما لاطائل تحته ، إذ المشاهد أن ذلك لا ينفع ولايفيد ، وأن الناس يزيد إقبالهم ويعم تمسكهم كلما زاد الإنكار عليهم ، أو اشتد حتى كأن الناهي لهم عن ذلك آمر لهم بفعله من حيث لا يشعر .

إن العقلاء من أرباب الفكر والدعوة يتمنون بكل قلوبهم أن يجدوا مكاناً يجتمع فيه الناس ، ليبثوا فيهم آراءهم ويكسبوهم إلى صفهم ، ولذلك تراهم يرتادون الحدائق والنوادي والأماكن العامة التي يكثر فيها اجتماع الناس ليصنعوا بهم مايريدون ، ونحن نرى الأمة تجتمع في مناسبات متعددة برغبة وهمة وحرص .

فالواجب علينا استثمار مثل هذه الاجتماعات في توجيههم إلى الخير والمعروف والإحسان والتمسك بما يجب عليهم .

العناية بالسيرة وصاحبها :

هذا وقد اعتنى العلماء المسلمون والمفكرون والباحثون عامة بالجناب المحمدي وما يتعلق به وقاموا بالتأليف والبحث والتحقيق بهمة قوية ، وجدوا في ذلك كل الجد ، وبذلوا كـل الاهتمام ، وهو وإن كان لا يفي بحق هذه الشخصية الكريمة الجليلة العظيمة ، ولا يعطي لهذا المقام حقه اللائق به الذي أنزله مولاه في المكانة العظمى الفريدة الوحيدة ، لكنه في الحقيقة يعتبر أعظم ما شهده التاريخ في جميع أطواره من عناية واهتمام لم يحصل مثله لأي شخصية في الدنيا سوى محمد بن عبد الله صلّىالله عليه وسلّم

وقد تحدث القرآن الكريم والسنة النبوية عن حادثة الإسراء والمعراج باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية وعليها يدور محور كل ما ألفه علماء الإسلام في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص الإسراء والمعراج ، وما شاهده أثناءهما من الأمور الخارقة التي لم يخص الله بها أحداً من الأنبياء والرسل ، فقال : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾

حول تفسير آية الإسراء في القرآن :

وسبب نزولها هو الرد على المشركين المكذبين بالإسراء لما أخبرهم به النبي صلّىالله عليه وسلّم، وسبحان الله أي تنـزيه الله عن كل شيء ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾

وقد أجمع المسلمون على أن المراد بالعبد هنا هو سيدنا محمد صلّىالله عليه وسلّم. وقال هنـا ﴿ بعبده ﴾ لأن وصفه بالعبودية المضافة إلى الله سبحانه وتعالى أشرف المقامات ، فليس للمؤمن صفة أتم ولا أشرف من العبودية ، فلهذا أطلقها الله تعالى على نبيه في أشرف المواطن بقوله ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ ، وقوله ﴿تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ﴾ ، وقولـه ﴿ فأوحى إلى عبـده ما أوحى ﴾ فالعبد في كل هذه الآيات هو سيدنا محمد صلّىالله عليه وسلّم.

معلومات أولية :

وقد اتفق العلماء على أن الإسراء والمعراج كان بعد البعثة ، واختلفوا في تحديد زمن ذلك فقال بعضهم : هو قبل الهجرة بسنة ، وقيل : قبل الهجرة بخمس سنين ، وكان في رجب - وهو المشهور - وجزم به النووي ، وقيل في رمضان ، وقيل في ربيع الأول .

وكان في ليلة الاثنين ، وهو يوم المولد ويوم المبعث ويوم الهجرة ويوم الوفاة ، فهو يوم أطوار الانتقالات النبوية وجوداً ونبوة ، ومعراجاً وهجرة ووفاة .

وقد اتفق العلماء على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معاً يقظة لا مناماً ، ويدل على ذلك ظاهر الآيات ، وصحيح الأخبار الواردة فيه ، وهو أمر ممكن عقلاً ، والقدرة الإلهية صالحة لذلك ، ويدل عليه قوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ والعبد حقيقة هو الروح والجسد ، ويدل عليه قوله تعالى ﴿ما زاغ البصر و ما طغى ﴾ أي ما عدل عن رؤية ما أمر برؤيته من عجائب الملكوت وما جاوزها ، وهذه الآيات تدل بصراحة ظاهرة في كونه بجسده يقظة لأنه أضاف الأمر إلى البصر ، وهو لا يكون إلا يقظة بجسده بشهادة ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ ولو كان مناماً لما كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة إذ ليس في الرؤيا المنامية من الأبلغية ، وخرق العادة ما في اليقظة ، وأيضاً لو كان مناماً لما استبعده الكفار ، ولا كذبوه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به لبعده عن ساحة العادة ووقوعه في زمن يستبعد فيه جداً ، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر بل إن تكذيبهم واستبعادهم وارتدادهم هو أقوى دليل على أنهم فهموا من صاحب المعراج ( وهو سيدنا محمد صلّىالله عليه وسلّم ) أن خبره إنما كان عن رحلة حقيقية بالجسم حال اليقظة التامة التي لاشك فيها .

وقد روى البخاري في باب الإسراء من صحيحه ، وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ هي رؤيا عين أُرِيَها رسول الله صلّىالله عليه وسلّم ليلة الإسراء . زاد سعيد : وليست رؤيا منام .

نقطة الانطلاق إلى الأقصى :

وقد كان الإسراء من المسجد الحرام بعد أن جاءه جبريل إلى البيت الذي كان فيه ، وأخرجه إلى المسجد الحرام إلى الحجر ، ثم قام بعملية شق الصدر ، ثم ذهب به إلى البراق فركبه وانطلق به في رحلته الميمونة .

وجاءت هذه الرحلة الميمونة على سبيل المفاجأة له صلّىالله عليه وسلّم من غير ميعاد سابق ولا استعداد لها من قبل ، كما أشار إليه صلّىالله عليه وسلّم بقوله ( بينما أنا ) فالقضية كانت فجأة من غير خبر سابق أو إشارة متقدمة ، بخلاف المناجاة التي كانت مع سيدنا موسى صلّىالله عليه وسلّم فإنها كانت بميعاد سابق كما قال تعالى ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ الآية .

شق الصدر :

وقبل الانطلاق في هذه الرحلة الميمونة قام جبريل بشق صدره الشريف وغسله ثلاث مر .

وهذا الشق ثابت بطرق صحيحة وهو حقيقة لا يصح تأويله وحمله على الأمر المعنوي بل هو شق حقيقي محسوس والله على كل شيء قدير .

وخوارق العادات لاتقاس بالعقول ، وذكروا أن جبريل لما استخرج قلب سيدنا محمد صلّىالله عليه وسلّم وغسله بماء زمزم نزع ما كان به من أذى ، وفي رواية : أنه أخرج من قلبه علقة سوداء ، وقال هذه حظ الشيطان منك ، قال الشيخ الدردير :أي محل وسوسته منك وتسلطه ، لوكان له عليه سبيل .

والمقصود تحقيق إظهار كمال باطنه كما برز كمال ظاهره ، قال الإمام العارف بالله السيد علي الحبشي في قضية شق الصدر وإخراج حظ الشيطان منه كما جاء في الأخبار والآثار:

وما أخرجَ الأملاكُ مِن قَلبِه أَذى

ولكنهم زادوه طُهْـراً على طُهْرِ

ووقع في قلبي معنى آخر ؛ وهو أن قلب سيدنا محمد صلّىالله عليه وسلّم مملوء بالرحمة ، بل هو منبعها وأصلها ، كما قال الله تعالى ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وهذه رحمة شاملة كاملة ، لأنها رحمة الله التي وسعت كل شيء ، ولكن الله سبحانه وتعالى أخرج الشيطان وأعوانه وإخوانه ومن قُدِّر عليه الشقاء من هذه الرحمة ، فلا نصيب لهم فيها ، ويكون المعنى حينئذ أنه أخرج من قلبه الشريف حظ الشيطان من رحمته ، فلا حظَّ للشيطان في هذه الرحمة ، والله أعلم .

خاتم النبوة :

وبعد أن شق صدره وغسل قلبه وملأه حلماً وعلماً ويقيناً وإسلاماً خُتم بين كتفيه بخاتم النبوة ، وهو قطعة لحم صغيرة بارزة عليها شعر ، عند أعلى كتفه الأيسر ، والحكمة في وضع خاتم النبوة على جهة الاعتبار من حيث إنه لما ملئ قلبه إيماناً وحكمة ويقيناً ، ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكاً ودراً ، فجمع الله تعالى أجزاء النبوة لسيدنا رسول الله صلّىالله عليه وسلّم ، وفي ذلك إشارة إلى أنه محفوظ ، وأن عدوه لن يجد سبيلاً إليه لأن الشيء المختوم محروس .

البراق :

وركب صلّىالله عليه وسلّم البراق ، والبراق بضم الباء الموحدة مأخوذة من البريق ، بمعنى البيـاض ، لأن لونه أبيض ، وهو أشرف الألوان ، أو من البرق لسرعة سيره ، أرسله الله تعالى له من الجنة إجلالاً وتعظيماً ، على عادة الملوك إذا استدعوا عظيماً بعثوا إليه النجيب مهيأً ، مع أعز خواصه للحضور ، فهو من عالم الغيب .

ولم يكن الإسراء على أجنحة الملائكة أو الريح كما كانت تحمل سليمان ، أو الخطوة كطي الزمان ، لأن المراد اطلاعه صلى الله عليه وآله وسلم على الآيات الخارقة للعادة والمرور على المشاهد اللطيفة والمواقع الشريفة والآيات العجيبة ، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح بالنسبة إلى قطع هذه المسافة ، بخلاف قطعها على دابة بهذا الحجم المحكي عن صفتها ووقع من تعظيمه بالملائكة ما هو أعظم من حمله على أجنحتها ، والله سبحانه وتعالى قادر على أن يرفع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بدون البراق ، ولكن الركوب وصفة المركوب تأنيس في هذا المقام العظيم بطرف من العادة .

ولعل الإسراء بالبراق إظهار للكرامة العرفية فإن الملك إذا استدعى ولياً له وخصيصاً به وأشخصه إليه ، بعث إليه بمركوب سني مخصوص فريد متميز يحمله عليه في وفادته إليه .

مواقع مباركة :

ويمضي موكبه الميمون صلّىالله عليه وسلّم فيمر على مواقع مباركة مشرفة ، فمنها - وهي أولها - أرض ذات نخل ، فقال له جبريل : انزل فصل ههنا فنـزل فصلى ثم ركب ، فقال له جبريل : أتدري أين صليت ؟ ، فقال : لا ، قال : صليت بطيبة وإليها المهاجرة .

ثم انطلق البراق بسيد الكونين إلى أن وصل مدين عند شجرة موسى التي استظل تحتها حين خرج من مصر ، فقال له جبريل : انزل فصلّ فنـزل وصلى .

ثم انطلقوا إلى طور سيناء حيث كلم الله موسى ، فقال له جبريل : انزل فصلّ ، فنـزل فصلى ، ثم ركب إلى أن بلغ أرضاً فبدت له قصور الشام ، فقال له جبريل : انزل فصل ، ففعل ، ثم ركب فانطلق البراق به إلى أن نزل إلى مكان فصلى فيه ، فقال : أتدري أين صليت ؟ قال : لا ، قال : صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم .

وفي نزوله صلّىالله عليه وسلّم في هذه المواقع وصلاته بها دليل كبير على ربطها بالإسلام وبنبي الإسلام وانضوائها تحت لوائه وعهدته ، وأن الإسلام هو الرسالة المهيمنة الخاتمة لكل الرسالات السابقة ، وفي ذلك أيضاً فتح لباب الاعتناء بالآثار الدينية التي ترتبط بحوادث عظيمة ، ووقائع كريمة وذكريات فاضلة قديمة ، وأن إحياء ذلك يكون بشكر الله تعالى على نعمه وفضله بالعبادة والدعاء والذكر والتفكر فيما يعود على الإنسان بالمنفعة والخير .

مشاهد أولية :

ويمر الركب المحمدي الميمون بمشاهد متنوعة فبينما هو يسير على البراق ، إذ رأى عِفْريتاً من الجن يَطلُبُهُ بِشُعْلَةٍ من نارٍ كلما التفتَ رآه فقال له جبريل : ألا أًُعَلِّمُك كلماتٍ تقولُهنَّ ، إذا قلتَهنَّ طَفِئَت شُعلتُه وخَرَّ لِفِيه ؟ ، فقال رسول الله صلّىالله عليه وسلّم: بلى ، فقال جبريل : قل : أعوذُ بوجهِ الله الكريم ، وبكلماتِ الله التاماتِ التي لا يُجَاوِزُهنَّ بَرٌّ ولا فَاجِرٌ ، من شِرَّ ما يَنـزِلُ من السَّماءِ ، ومِن شَرِّ ما يَعْرُجُ فيها، ومن شر ما ذَرأ في الأرض ، ومن شر ما يَخرج منها ، ومن فِتَنِ الليل والنهار ، ومن طوارق الليل والنهار ، إلا طارقاً يَطْرُق بخير يا رحمن ، فانْكَبَّ لفِـيه ، وطَفِئت شُعلتُه .

فساروا حتى أتوا على قوم يزرعون في يوم ويحصُدون في يومٍ ، كلما حَصَدُوا عَاد كما كـان ، فقال : ياجِبريلُ ، ما هذا ؟ ، فقال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تعالى ، تُضَاعَفُ لهم الحسنةُ بسبعِ مِئَةِ ضِعْفٍ ، وما أنفقوا من شيء فهو يُخْلِفُهُ.

وَوَجَدَ ريحاً طيبة فقال : ياجبريل ، ماهذه الرائحةُ ؟ قال : هذه رائحةُ ماشِطَةِ بنتِ فرعونَ وأولادِها .

بينما هي تَمْشِطُ بنتَ فرعونَ إذْ سَقَطَ المُشْـطُ فقالت : بسم الله تَعِسَ فرعـونُ ، فقالت ابنة فرعون : أَوَلَكِ رَبٌّ غيرُ أبي ، فقالت : نعم ، قالت : أَفَأُخْبِرُ بذلك أبي ؟ قالت : نعم ، فأَخْبَرتْه فدعاها ، فقال : أولكِِ ربٌّ غيري ؟ قالت : نعم ، ربِّي ورَبُّكَ اللهُ .

وكان للمرأة ابنان وزوج ، فأرسل إليهم فراودَ المرأةَ وزوجَها أن يرجِعَا عن دينهما ، فأبَيَا ، فقال : إني قَاتِلُكما ، قالت : إحساناً منك إلينا إنْ قَتَلْتَنا أنْ تجعلَنا في بيتٍ واحدٍ ، فتدفِنَنَا فيه جميعاً ، قال : ذاك لك بما لك علينا من الحقّ .

فأمر ببقرةٍ من نحاسٍ فأُحمِْيَت ، ثم أَمر بها لتُلْقَى فيها هي وأولادُها ، فأُلْقُوا واحداً واحداً حتى بَلَغوا أصغَرَ رضيعٍ فيهم .

فقال : يا أمَّاه قَـعِي ولا تَتَقَاعَسِي، فإنكِ على الحق ، فأُلْقِيَت هي وأولادُها .

ثم أتى على قوم تُرْضَخُ رؤوسهم ، كلما رُضِخَت عادت كما كانت ...، . ولا يَفْتُرُعنهم من ذلك شيء ، فقال : ياجبريل ، من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة .

ثم أتى على قوم على أَقْبَالِهِم رِقَاعٌ وعلى أدبارهم رقاع ، يسرَحون كما تَسرَح الإبل والغنم ، ويأكـلون الضَّريع والزَّقُّومَ ..................ورَضْفَ جهنَّمَ وحِجَارَتها ، فقال : من هؤلاء ياجبريل ؟ ، قال : هؤلاء الذين لايُؤَدون صدقاتِ أموالِهم وما ظَلَمَهم الله شيئاً .

ثم أتى على قوم بين أيديهم لَحْمٌ نَضِيجٌ في قدورٍ ، ولَحمٌ آخرُ نِـيْءٌ خَبِيثٌ ، فَجَعَلُوا يأكلون من النـيء الخبيث ، ويدعون النضيجَ الطيبَ ، فقال : ما هذا ياجبريل ؟ قـال : هذا الرجلُ من أُمتِكَ تكونُ عندَه المَرأةُ الحَلالُ الطيبةُ ، فيَأتي ٱمرأةً خَبيثَةً فيَبِيتُ عندَها حتى يُصبِحَ ، والمرأةُ تَقُومُ من عند زَوجِهَا حَلالاً طيباً فتأتي رَجلاً خبيثاً فتبيتُ معه حتى تُصبحَ .

ثم أتى على خَشَبَةٍ على الطريقِ لايَمُرُّ بها ثوبٌ ولا شيءٌ إلا خَرَقَتْهُ ، فقال : ما هذا ياجبريلُ ؟ قال : هذا مثَل أقوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقعُدُونَ على الطَّريقِ فيَقطَعُونَهُ ، وتَلا ﴿ ولا تَقعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّوَن عَنْ سَبيلِ اللهِ ﴾ .

ورأى رجُلاً يَسبَحُ في نَهْرٍ مِن دَمٍ يُلْقَمُ الحجارة ، فقال : ماهذا ياجـبريلُ ؟ قال : هذا مَثَلُُ آكِلِ الرِّبَا .

ثمَّ أََتَى عَلَى رَجُلٍ قَد جَمَعَ حُزْمَةَ حَطَبٍ لا يَسْتَطيعُ حَمْلَها وهو يَزِيُد عليها ، فقال : ماهذا ياجبريلُ ؟ قال : هذا الرجلُ من أُمَّتك تَكونُ عنده أَمَانَاتُ الناسِ لا يَقْدِرُ على أَدَائِها ، ويُرِيدُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَلَيهَا .

وَأَتى على قَومٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُم وشِفَاهُهُم بِمَقَاريضَ من حديدٍ ، كُلما قُرِضَتْ عَادَتْ كما كانتْ لا يَفْتُرُ عنهم ، فقالَ : من هؤلاءِ ياجِبريلُ ؟ قالَ: هؤلاءِ خُطباءُ الفِتْنَةِ خُطبَاءُ أمتكَ يَقُولُون مالا يَفعَلُونَ .

ومَرَّ بِقَومٍ لهم أَظفَارٌ مِن نُحَاسٍ يَخْمِشُون بها وُجُوهَهم وصُدُورَهُم ، فقال : من هؤلاء ياجبريل ؟ قال : هؤلاءِ الذين يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونُ في أَعْـرَاضِهِم .

وأتى على جُحْرٍ صغير يَخْرُجُ منه ثَورٌ عَظِيمٌ ، فجعلَ الثَّورُ يُريدُ أنْ يَرْجِعَ من حيثُ خَرَجَ فلا يَسْتَطِيعُ ، فقال : ما هذا يا جبريلُ ؟ قال : هذا الرجلُ مَن أُمَّتِكَ يَتَكَلَّمُ بِالكَّلِمَةِ

وسار حتّى أتى مَدِينةَ بَيْتِ المَقْدِس ، ودخل مِنْ بابِها اليَماني ، ثم نَزَلَ عن البُراقِ ورَبَطَهُ ببابِ المسجِد بالحَلْقَةِ التي كانت تَربُطُه بِهَا الأنبيَاء عليهم الصلاة والسلام .

وفي رواية : أنَّ جبريلَ أتى الصَّخْرةَ فَوَضعَ أُصْبُعَه فيها ، فَخرَقَها ، وشَدَّ بِهَا البُرَاقَ ودَخَلَ المَسجِدَ مِن بابٍ تَميلُ فيه الشَّمْسُ والقَمَرُ ، ثم صلَّى هو وجِبريلُ ، كلُّ وَاحدٍ ركعتين ، فَلَمْ يلْبَثْ إلاَّ يَسِيرًا حتَّى اجتمَعَ نَاسٌ كَثيرٌ ، فعرف النَّبِيُّ النبيِّين من بين قائمٍ ورَاكعٍ وساجدٍ .

ثم أذَّن مُؤذِّنٌ ، وأقيمَتِ الصَّلاةُ ، فَقَاموا صُفوفًا يَنتَظِرونَ مَن يَؤمُّهُم ، فأخذ جبريلُ بِيَدِه صلى الله عليه وسلم فقَدَّمهُ ، فصلَّى بِهِمْ ركعتين .

وعن كعب رضي الله عنه : فأذّن جبريلُ ، ونزلت الملائكة من السماء ، وحَشَرَ الله جَمِيعَ المرسلين والأنبياء ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بالملائِكَةِ والمرسـلين ، فلمَّـا انصَرَف قال جبريل : يا محمد ، أَتَدْرِي مَن صلَّى خَلْفكَ ؟ قال : « لا » ، قال : كُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَه الله تعالى .

ثُمَّ أَثْنَى كُلُّ نَبي مِن الأنْبِياءِ عَلَيهِم السَّلام عَلَى رَبِّه بَثَناَء جَمِيلٍ .

فَقال النبي صلّىالله عليه وسلّم: كُلُّكُم أَثْنَى عَلَى رَبَّه ، وَأَنَا مُثنٍِ عَلَى رَبِّي ، ثُمَّ شَرَعَ يَقُولُ : الحمدُ للهِ الَّذي أَرْسَلَني رَحْمةً للعَالَمين وكَافَّةً للنِّاسِ بَشِيراً ونَذِيراً ، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ القُرْآنَ ، فِيهِ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيءٍ ، وَجَعَلَ أُمَّتي خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس ، وجَعَلَ أُمَّتى وَسَطـاً ، وَجَعَلَ أُمَّتي هُم الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ ، وشَرَحَ لي صَدْرِي وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي ، وَرَفَعَ لي ذِكْرِي ، وَجَعَلَني فَاتِحاً خَاتِماً .

فَقَالَ إبراهيمُ عليهِ السَّلام : بِهَذا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ .

وَأَخَذَ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ العَطَشِ أشد مَا أَخَذَهُ ، فجَاءَه جبريلُ عليه السَّلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاختَارَ اللَّبَن ، فقال له جبريلُ : اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ .

بعض الحكم والفوائد

وهذه الصور التي اطلع عليها سيدنا رسول الله صلّىالله عليه وسلّم أثناء ذلك السرى هي مشاهد من عالم الأسرار لأنواع شتى من الحكم والحقائق التي ينتهي إليها بما يجري في عالم الظاهر من شئون العباد وكان يسأل جبريل عن مغازيها فيكشف له سرها وهي تدل على حكم عظيمة وفوائد جليلة .

المصدر الحقيقي للأخلاق

ومن أهمها الإشارة إلى أن المصدر الحقيقي للأخلاق هو الدين وليس الضمير المجرد ، وبهذا يظهر خطأ بعض الناس في العصر الحديث إذ يجعل أساس الأخلاق الأصلي هو الضمير وهو خطأ كبير ، فالضمير المجرد لا يصلح ولا يصح أن يكون أساساً للأخلاق ، لأن الضمير يمكن أن يربى ويكوّن ، وتربيته وتكوينه هما شكله ، ونزعته واتجاهه الذي يتكيف بحسب الثقافة والبيئة والعصر والوسط ، نعم ، الضمير الذي صنعه الدين وتربى في جوّ الإسلام وتهذب بالشريعة والعقيدة هو مصدر كبير للأخلاق ، فرجع الأمر إلى الدين والعقيدة ، لأن الضمير يُصنع كما يُصنع المزيفات وهو إذن مقياس للأخلاق خاطئ ، وكذلك بعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة العامة ، ولكن المصلحة العامة كلمة غير محددة ، وكل من يتحدث باسم المصلحة العامة إنما يتحدث باسم فكرته هو ، منحرفةً كانت هذه الفكرة أو غير منحرفة ، والمصلحة العامة إذن كأساس للأخلاق ، إنما أساس غير مضمون .

وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة الشخصية أو اللذة أو إلى المنفعة ، وكل هذا وارد الغرب الأوربي أو الغرب الأمريكي عندما انحرف هذا الغرب وألحد .

أما وارد الإسلام الإلهي فإن مقياس الأخلاق فيه إنما هو المبادئ الدينية ، إنما هو آيات القرآن ، وإنما هو الفضائل التي أوحاها الله سبحانه وتعالى ، هذه الفضائل التي حددها القرآن في أسلوب عربي مبين ، وتحدث عنها نبأ الإسراء والمعراج في صور حقيقية دالة هادفة مؤثرة ، وبينتها السنة النبوية الشريفة وركزها القرآن والسنة على أسس من الإيمان قوية ثابتة ، إنها رحلة الإسراء والمعراج تكون منهج حياة مؤسسة على الإيمان بالله ورسوله .

ابتداء المشاهد السماوية

العروج :

ثم أُتي بالمعراج وهو السُّلم الرباني الذي كان عليه العروج لأن العروج لم يكن على البراق وإنما كان على هذا المعراج ، وفي بعض الروايات أنه استمر على البراق حتى عرج به إلى السماء ، لكن المشهور الصحيح أنه رَقِي في المعراج .

قال : فعرج بنا إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل باب السماء ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ - وفي رواية بعث إليه - قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فلما خلصا فإذا فيها آدم عليه السلامُ وهو أبو البشر كهيئته يوم خلقه الله تعالى على صورته ، تُعرض عليه أرواح الأنبياء وذريته المؤمنين ،فيقول : روحٌ طيبةٌ ونفسٌ طيبةٌ اجعلوها في عليين ، ثم تُعرض عليه أرواح ذريته الكفار فيقول : روحٌ خبيثةٌ ونفسٌ خبيثةٌ ، اجعلوها في سجين، ورأى عن يمينه أسودةً وباباً يخرجُ منه ريح طيبةٌ ، وعن شماله أسودةً وباباً يخرج منه ريحٌ خبيثةٌ منتنةٌ ، فإذا نظر قِبل يمينه ضحك واستبشر ، وإذا نظر قِبل شماله حزن وبكى ، فسلّم عليه النبي صلّىالله عليه وسلّم فردّ عليه السلام ، ثم قال : مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ، فقال النبي صلّىالله عليه وسلّم : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا أبوك آدم ، وهذه الأسودة نَسَم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة ، وأهل الشمال منهم أهل النار ، فإذا نظر قِبل يمينه ضحك واستبشر ، وإذا نظر قِبل شماله بكى وحزن ، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة ، إذا نظر مَن يدخله من ذريته ضحك واستبشر ، والباب الذي عن شماله باب جهنم ، إذا نظر من يدخله من ذريته بكى وحَزِن .

ثم عرجا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فلما خلصا إذا هو بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ، شبيهٌ أحدُهما بصاحبه بثيابهما وشعرهما ، ومعهما نفرٌ من قومهما ، وإذا عيسى عليه السلام جعدٌ مربوعٌ يميل إلى الحمرة والبياض ، سَبطٌ الرأس كأنما خرج من ديماسٍ ، أي : حمّام ، شبَّهه بعروة بن مسعود الثقفي ، فسلّم عليهما النبي صلّىالله عليه وسلّم، فردّا عليه السلام ، ثم قالا : مرحباً بالأخِ الصالح والنبي الصالح ، ودعَوَا له بخيرٍ .

ثم عرجا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فلما خلصا ، إذا هو بيوسف عليه السلام ومعه نفرٌ من قومه ، فسلّم عليه فردّ عليه السلام ، ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح والنبي الصالح ودعا له بخيرٍ وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن ، وفي رواية : أحسن ما خلق الله ، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، قال : من هذا يا جبريل ؟ قال أخوك يوسف.

ثم عرجا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فلما خلصا ، إذا هو بإدريس عليه السلام قد رفعه الله مكاناً عليّاً ، فسلّم عليه فردّ عليه السلام ، ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح والنبي الصالح ودعا له بخير .

ثم عرجا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فلما خلصا ، فإذا هو بهارون عليه السلام ، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد تضربه إلى سرته من طولها ، وحوله قومٌ من بني إسرائيل وهو يقصّ عليهم ، فسلّم عليه فردّ عليه السلام ، ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح والنبي الصالح ، ثم دعا له بخيرٍ ، فقال : من هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الرجل المحبب في قومه هارون بن عمران عليه السلام .

ثم عرجا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فجعل يمر بالنبي والنبيين معهم الرهط والنبي والنبيين معهم القوم ، والنبي والنبيين ليس معهم أحدٌ .

ثم مرّ بسوادٍ عظيم سدّ الأفق ، فقال : من هذا الجمع ؟ قيل : موسى وقومه ، ولكن ارفع رأسك ، فإذا هو بسوادٍ عظيم قد سدّ الأفق من ذا الجانب ومن ذا الجانب ، فقيل له : هؤلاء أُمتك ، وسوى هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ، فلما خلصا فإذا هو بموسى بن عمران عليه السلام ، رجلٌ أدم طُوال كأنه من رجال شنوءة كثير الشعر لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دونهما ، فسلّم عليه النبي صلّىالله عليه وسلّم فردّ عليه السلام ، ثم قال : مرحباً بالأخِ الصالح والنبي الصالح ودعا له بخير ، وقال: يزعمُ الناس أني أكرم بني آدم على الله من هذا ، بل هو أكرمُ على الله مني ، فلما جاوزه النبي بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي ، يزعم بنو إسرآئيل أني أكرمُ بني آدم على الله ، وهذا رجلٌ من بني آدم خلفني في دنيا وأنا في أخرى ، فلو أنه في نفسه لم أُبالِ ، ولكن معه أُمته .

ثم عرجا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به وأهلاً ، حيّاه الله من أخٍ ومن خليفةٍ ، فنعم الأخ نعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، ففُتح لهما ، فلما خلصا فإذا النبي بإبراهيم الخليل عليه السلام جالسٌ عند باب الجنة على كرسي من ذهبٍ ، مُسندٌ ظهره إلى البيت المعمور معه نفرٌ من قومه ، فسلّم عليه النبي فردّ عليه السلام ، وقال : مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ، ثم قال : مر أمتك فلتكثر من غِراس الجنة ، فإن تربتها طيبةٌ ، وأرضَها واسعةٌ ، فقال : وما غِراس الجنة ؟ قال : لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ، وفي روايـة : أقرئ أُمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنةَ طيبةُ التربة عذبةُ الماء وأن غِراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر .

وعنده قومٌ جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس ، وقوم في ألوانهم شيء فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ، ثم دخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ، ثم دخلوا نهراً ثالثاًَ فاغتسلوا فيه وقد خلصت ألوانهم ، فصارت مثل ألوان أصحابهم ، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم ، فقال : يا جبريل من هؤلاء البيضُ الوجوه ، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، وما هذه الأنهار التي دخلوها فاغتسلوا فيها ؟ فقال : أما هؤلاء البيضُ الوجوه ، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم ، وأما هذه الأنهار : فأولها رحمةُ الله ، والثاني نعمةُ الله ، والثالث وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ، وقيل : هذا مكانك ومكان أمتك ، وإذا هو بأمته شطرين ، شطرٌ عليهم ثيابٌ كأنها القراطيس وشطرٌ عليهم ثياب رُمْدٌ فدخل البيت المعمور ، ودخل معه الذين عليهم الثياب البيض ، وحُجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرُّمد ، وهم على خير ، فصلّى ومن معه من المؤمنين في البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ، وأنه بحذاء الكعبة ، لو خرّ منه حجرٌ ، لخرّ عليها آخر ما عليهم.

(زاد الشامي ) : وفي حديثٍ عند الطبراني بسندٍ صحيح : مررت ليلة أسريَ بي على الملأ الأعلى فإذا جبريل كالحلس البالي من خشية الله ، وفي روايةٍ عند البزار : كأنه حلسٌ لاطئ .

إلى سدرة المنتهى :

ثم رُفع إلى سدرة المنتهى وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط من فوق فيُقبض منها ، وإذا هي شجرةٌ يخرج من أصلها أنهارٌ من ماء غير آسنٍ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهارٌ من خمرٍ لذة للشاربين ، وأنهارٌ من عسل مصفّى ، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها ، وإذا نبقُها مثل قِلال هَجَر ، وإذا ورقها كآذان الفيلة تكاد الورقة تغطي هذه الأمة .

وفي رواية : الورقة منها تظل الخلائق ، على كل ورقة فيها مَلك ، فغشيها ألوان لا يُدرى ما هي ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت .

وفي رواية : تحولت ياقوتاً وزبرجداً ، فما يستطيع أحد أن ينعتها من حُسنها ، فيها فـَراشٌ من ذهب ، وإذا في أصلها أربعةُ أنهار ، نهران باطنان ونهران ظاهران ، فقال : ما هذه الأنهار يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات.



الرؤية والمناجاة

ثم عرج به صلّىالله عليه وسلّم لمستوى سمع فيه صريف الأقلام في تصاريف الأقدار ، فرأى ربه سبحانه وتعالى فخرّ النبي ساجداً وكلمه ربه عند ذلك ، فقال له : يا محمد ، قال : لبيك يا رب ، قال : سل ! فقال : إنك اتخذت لإبراهيم خليلاً ( وأعطيته ملكاً عظيماً ) ، وكلمت موسى تكليما ، وأعطيت داود ملكاً عظيماً ، وألنت له الحديد ، وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليمان ملكا عظيماً ، وسخرت له الجن والإنس والشياطين ، وسخرت له الرياح ، وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم ، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل ، فقال الله سبحانه تعالى : قد اتخذتك حبيباً ( وهو مكتوب في التوراة حبيب الله ) وأرسلتك للناس كافة بشيراً ونذيراً ، وشرحت لك صدرك ، ووضعت عنك وزرك ، ورفعت لك ذكرك ، لا أذكر إلاّ ذكرت معي ، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس ، وجعلت أمتك أمةً وسطاً ، وجعلت أمتك الأولون وهم الآخرون ، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم ، وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً وأولهم يقضى له ، وأعطيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبيا قبلك ، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنـز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم : الإسلام والهجرة والجهاد والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلتك فاتحاً خاتماً ، وإني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك و على أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك.

بين نبينا وبين موسى عليهما الصلاة والسلام :

ثم رجع سيدنا رسول الله صلّىالله عليه وسلّم فأتى على إبراهيم عليه السلام فلم يقل شيئاً ، ثم أتى على موسى عليه السلام - قال : ونعم الصاحب كان لكم - فقال له موسى : ما صنعت يا محمد ؟ ما فرض ربك عليك وعلى أمتك ؟ قال : فرض عليَّ وعلى أمتي خمسين صلاة كل يوم و ليلة ، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عنك وعن أمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فإني قد خبرت الناس قبلك وبلوت بني إسرائيل وعالجتهم أشد المعالجة على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه ، فأمتك أضعف أجساداً وأبداناً وقلوباً وأبصاراً وأسماعاً ، فالتفت النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى جبريل يستشيره ، فأشار إليه جبريل أن نعم إنْ شئت فارجع ، فرجع إلى مقام المناجاة وخرّ ساجداً ، ثم قال: ربِّ خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم ، قال : وضعت عنهم خمساً ، ورجع إلى موسى فقال : وضع عني خمساً ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فلم يزل يرجع بين موسى وبين ربه ، يحطُّ عنه خمساً خمساً حتى قال الله : يا محمد ، قال : لبيك وسعديك ، قال : هن خمس صلوات كل يوم وليلة ، كل صلاة بعشر فتلك خمسون صلاة ، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت عشرا ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه شيئاً فإن عملها كتبت له سيئة واحدة ، فنـزل حتى انتهى إلى موسى فأخبره فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فقال : قد راجعت ربي حتى استحييت منه ، ولكن أرضى وأسلم ، فنادى مناد : أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ، فقال موسى عليه السلام : اهبط بسم الله .

الرجوع :

فلما نزل إلى السماء الدنيا نظر إلى أسفل منه فإذا هو برهج ودخان وأصوات ، فقال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه الشياطين يحومون على عيون بني آدم لا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض ، ولولا ذلك لرأوا العجائب .

ثم ركب منصرفاً فمر بعيرٍ لقريش بمكان كذا وكذا وفيها جمل عليه غرارتان غِرارة سوداء وغرارة بيضاء ، فلما حاذى العير نفرت واستدارت وصُرع ذلك البعير وانكسر ، ومر بعير قد ضلوا بعيراً لهم ، قد جمعه بنو فلان ، فسلّم عليهم فقال بعضهم : هذا صوت محمد ، ثم أتى إلى أصحابه قُبيل الصبح بمكة .



الموقف الأخير :

فلما أصبح قطع وعرف أن الناس تُكذّبه فقعد حزيناً ، فمرّ به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه ، فقال كالمستهزئ : هل كان من شيء ؟ قال : نعم ، قال : ما هو ؟ ، قال : أسريَ بي الليلة قال : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس ، قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ، قال : نعم ، فلم يرَ أنه يُكذبه مخافة أنه يجحده الحديث إنْ دعا قومه إليه ، قال : أرأيت إنْ دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ قال : نعم ، قال : يا معشر بني كعب بن لؤي هلمُّوا ، فانفضت إليه المجالس وجاءوا إليه حتى جلسوا إليهما ، فقال : حدّث قومك بما حدثتني به ، فقال رسول الله صلّىالله عليه وسلّم : إني أُسريَ بي الليلة ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى بيت المقدس ، قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا !!! قال : نعم .

فمن بين مصفق ومن بين واضعٍ يده على رأسه متعجباً ، وضجوا وأعظموا ذلك ، فقال المطعم بن عدي : كل أمرك قبل اليوم كان أمماً غير قولك اليوم ، أنا أشهد أنك كاذب ، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مُصعداً شهراً ومنحدراً شهراً ، تزعم أنك أتيته في الليلة ؟! واللات والعزّى لا أصدقك .

فقال أبو بكر رضىالله عنه : يا مطعم ، بئس ما قلت لابن أخيك ، جبّهته وكذبته ، أنا أشهد أنه صادق ، فقالوا : يا محمد ، صف لنا بيت المقدس ، كيف بناؤه وكيف هيئته ؟ وكيف قربه من الجبل ؟ وفي القوم من سافر إليه ، فذهب ينعت لهم : بناؤه كذا ، وهيئته كذا ، وقربه من الجبل كذا ، فما زال ينعته لهم حتى التبس عليه النعت فكُرب كرباً ما كُرب مثله ، فجئ بالمسجد وهو ينظر إليه ، حتى وُضع دون دار عقيل أو عقال ، فقالوا : كم للمسجد من باب ؟ ولم يكن عدّها ، فجعل ينظر إليها ويعدها باباً باباً ويُعلمهم ، وأبو بكر يقول : صدقتَ صدقت ، أشهد أنك رسول الله .

فقال القوم : أما النعت فو الله لقد أصاب ، ثم قالوا لأبي بكر رضي الله عنه : أفتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يُصبح ؟ قال : نعم ، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدق بخبر السماء في غدوةٍ أو روحةٍ ، فلذلك سُمّيَ أبو بكر الصديق ، ثم قالوا : يا محمد ، أخبرنا عن عيرنا ؟ فقال : أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد ضلوا ناقة لهم ، فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم وليس بها منهم أحد وإذا بقدح ماءٍ فشربت منه ، ثم انتهيت إلى عير بني فلان بمكان كذا وكذا ، وفيها جمل أحمر عليه غِرارة سوداء وغِرارةٌ بيضاء ، فلما حاذيت العير نفرت وصُرع ذلك البعير وانكسر ، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق ، عليه مسحٌ أسود وغرارتان سوداوان ، وها هي ذه تطلع عليكم من الثنية .

قالوا : فمتى تجئ ؟ ، قال : يوم الأربعاء ، فلما كان ذلك يوم أشرفت قريش ينتظرون العير ، وقد ولّى النهار ولم تجئ ، فدعا النبي فزيد له في النهار ساعة ، وحُبست له الشمس حتى طلعت العير فاستقبلوا الإبل ، فقالوا : هل ضلّ لكم بعير ؟ قالوا : نعم ، قال : فسألوا العير الآخر فقالوا : هل انكسر لكم ناقة حمراء ؟ قالوا : نعم ، قالوا : فهل كان عندكم قصعة من ماء ؟ فقال رجل : أنا والله وضعتها فما شربها أحدٌ منا ولا أُهريقت في الأرض ، فرموه بالسحر ، وقالوا : صدق الوليد ، فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس ﴾ .

المعراج في القرآن :

وقد تحدث القرآن عن المعراج فقال سبحانه وتعالى ؛ بسم الله الرحمن الرحيم : ﴿ والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ .

وقد أقسم سبحانه وتعالى بالنجم على عدم ضلال سيدنا محمد صلّىالله عليه وسلّم فقال : ﴿ والنجم ﴾ وذلك ردّاً على الكفار حين نسبوه صلّىالله عليه وسلّم إلى الجنون والشعر والكهانة ، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلاّ بالله تعالى .

والنجم هو الكوكب الطالع ، والنجم أيضاً الثريا ، والنجم من النبات ما نجم على غير ساق ، والنجم الوقت المضروب .

وقيل : أقسم بالقرآن إذ أُنزل نجوماً على رسول الله صلّىالله عليه وسلّم أربع آيات وثلاث آيات والسورة ، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة ، وعلى هذا سُمي القرآن نجماً لتفرقه في النـزول ، وقال الإمام جعفر بن محمد رضىالله عنهما : أراد به النبيصلّىالله عليه وسلّم إذ نزل ليلة المعراج ، والهُوي : النـزول .

الدروس المستفادة من الرحلة



فضل النبي صلّىالله عليه وسلّم :

وفي معجزة الإسراء والمعراج دروس عظيمة وأسرار جليلة ومن أجل هذه الدروس فضل هذا النبي الكريم بما خصّه الله تعالى به من أنواع التكريم وليست هذه الخصوصية فقط ، ولكن كثير من المزايا والمناقب .

ومنها : أن الله أخبره صلّىالله عليه وسلّم بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ولم ينقل أنه أخبر أحداً من الأنبياء بمثل ذلك .

ومنها : أنه صلّىالله عليه وسلّم أول شافع وأول مشفع ، وهذا يدل على تخصيصه وتفضيله.

ومنها : إيثاره صلّىالله عليه وسلّم على نفسه بدعوته إذ جعل الله لكل نبي دعوة مستجابة ، فكل منهم تعجل بدعوته في الدنيا واختبأ هو دعوته شفاعة لأمته .

ومنها : أن الله تعالى أقسم بحياته صلّىالله عليه وسلّم في قوله تعالى : ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) ، والإقسام بحياته صلّىالله عليه وسلّم يدل على شرف حياته وعزتها عند المقسم بها ، وإن حياته صلّىالله عليه وسلّم لجديرة أن يقسم بها لما كان فيها من البركة العامة والخاصة ولم يثبت هذا لغيره صلّىالله عليه وسلّم .

ومنها : أن الله تعالى وقرّه في ندائه فلم يناده باسمه بل ناداه بأسنى أوصافه صلّىالله عليه وسلّم قال ( يا أيها النبي ) ، ( يا أيها الرسول ) ، وهذه الخصوصية لم تثبت لغيره ، بل إن كلاًّ منهم نودي باسمه ، فقال الله تعالى : ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجـك الجنة ﴾ ، ﴿ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ﴾ ، ﴿ يا موسى إنه أنا الله ﴾ ، ﴿ يا نوح اهبط بسلام ﴾ ، ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ ، ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ ، ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا أحد عبيده بأفضل ما وجد فيهم من الأوصاف العلية والأخلاق السنية ، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق ، أن منـزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعزّ عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم ، وهذا معلوم بالعرف أن من دُعي بأفضل أسمائه وبأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه .

ومنها : أن معجزة كل نبي انصرمت وانقضت ، ومعجزة سيد الأولين والآخرين صلّىالله عليه وسلّم وهي القرآن الكريم باقية إلى يوم الدين .

ومنها : تسليم الحجر عليه وحنين الجذع إليه صلّىالله عليه وسلّم .

ومنها : أنه وجد في معجزاته صلّىالله عليه وسلّم ما هو أظهر في الإعجاز من معجزات غيره ، كتفجر الماء من بين أصابعه ، فإنه أبلغ في خرق العادة من تفجره من الحجر ، لأن جنس الأحجار مما يتفجر منه الماء ، فكانت معجزاته صلّىالله عليه وسلّم بانفجار الماء من بين أصابعه الشريفة أبلغ من انفجار الحجر لموسى عليه السلام .

ومنها : أن الله يكتب لكل نبي من الأنبياء من الأجر بقدر أعمال أمته وأحوالها وأقوالها ، وأمته شطر أهل الجنة ، وقد أخبر الله تعالى أنهم خير أمة أخرجت للناس ، وإنما كانوا خير الأمم لما اتصفوا به من المعارف والأحوال والأقوال والأعمال ، فما من معرفة ولا حالة ولا عبادة ولا مقالة ولا شيء يتقرب به إلى الله عز وجل مما دل رسول الله صلّىالله عليه وسلّم ودعا إليه إلاّ وله أجر من عمل به لقوله صلّىالله عليه وسلّم: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ) ولا يبلغ أحد من الأنبياء إلى هذه المرتبة ، وقد جاء في الحديث : ( الخلق عيال الله ، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ) فإذا كان صلّىالله عليه وسلّم قد نفع شطر أهل الجنة وغيره من الأنبياء إنما نفع جزء الشطر كانت منـزلته صلّىالله عليه وسلّم في القرب على قدر منـزلته في النفع ، فما من عارف من أمته إلاّ وله صلّىالله عليه وسلّم مثل أجر معرفته مضافاً إلى معارفه ، وما من ذي حال من أمته إلاّ وله مثل أجره على حاله مضموما إلى أحواله صلّىالله عليه وسلّم ، وما من مَقالٍ يُتَقرَّب به إلى الله تعالى إلا وله صلّىالله عليه وسلّم مثل أجر ذلك القول مضموماً إلى مقالته وتبليغ رسالته ، وما من عمل من الأعمال المقربة إلى الله عزوجل من صلاة وزكاة وعتق وجهاد وبرّ ومعروف وذكر وصبر وعفو وصفح إلاّ وله صلّىالله عليه وسلّم مثل أجر عامله مضموماً إلى أجره على أعماله ، وما من درجة عالية ومرتبة سنية نالها أحد من أمته بإرشاده ودلالته إلاّ وله مثل أجرها مضموما إلى درجته ومرتبته صلّىالله عليه وسلّم ، ويتضاعف ذلك بأن من دعا من أمته إلى هدى أو سنَ سنة حسنة كان له من أجر من عمل بذلك على عدد العاملين ، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا صلّىالله عليه وسلّم لأنه دلّ عليه وأرسل إليه ، ولأجل هذا بكى موسى عليه السلام ليلة الإسراء بكاءً غَبَط به النبي صلّىالله عليه وسلّم إذ يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى عليه السلام ، ولم يبك حسداً كما يتوهمه بعض الجهلة .

ومنها أن الله عزوجل أرسل كل نبي إلى قومه خاصة ، وأرسل نبينا صلّىالله عليه وسلّم إلى الإنس والجن ، فلكل نبي من الأنبياء ثواب تبليغه إلى أمته ولنبينا صلّىالله عليه وسلّم ثواب التبليغ إلى كل من أرسل إليه تارة بمباشرة الإبلاغ ، وتارة بالسبب إليه ، ولذلك امتن الله عليه ، فقـال ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ﴾ ووجه الامتنان أنه لو بعث في كل قرية نذيراً لما حصل لرسول الله صلّىالله عليه وسلّم إلاّ أجر إنذاره لأهل قريته .

ومنها : أن الله تعالى كلّم موسى عليه السلام بالطور وبالوادي المقدس ، وكلّم نبينا صلّىالله عليه وسلّم فوق سدرة المنتهى وفي المقام الأعلى .

ومنها : أنه قال صلّىالله عليه وسلّم: ( نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق ونحن أول من يدخل الجنة ) .

ومنها : أنه صلّىالله عليه وسلّم كلما ذكر السؤدد مطلقاً فقد قيده بيوم القيامة ، فقال صلّىالله عليه وسلّم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفـع )

ومنها : أنه صلّىالله عليه وسلّم أخبر أنه يرغب إليه الخلق كلهم يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام .

ومنها : أنه قال صلّىالله عليه وسلّم: ( سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منـزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) .

ومنها : أنه يدخل من أمته صلّىالله عليه وسلّم الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ، ولم يثبت ذلك لغيره.

ومنها : الكوثر الذي أعطيه صلّىالله عليه وسلّم في الجنة والحوض الذي أعطيه في الموقف .

ومنها : قوله صلّىالله عليه وسلّم: ( نحن الآخرون السابقون ) أي الآخرون زماناً السابقون بالمناقب والفضائل .

ومنها : أنه صلّىالله عليه وسلّم أحلت له الغنائم ولم تحلّ لأحد قبله ، وجُعلت صفوف أمته كصفوف الملائكة ، وجُعلت له الأرض مسجداً وترابها طهوراً .



إمامته للأنبياء عليهم الصلاة والسلام :

ومن أعظم مناقبه وخصائصه صلّىالله عليه وسلّم إمامته للأنبياء في الصلاة .

فقد تضافرت الروايات أنه صلّىالله عليه وسلّم صلّى بالأنبياء في بيت المقدس قبل عروجه ، وجاء أنه صلّىالله عليه وسلّم صلّى بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضاً ، وصححه الحافظ ابن كثير ، ولا مانع أنه صلّىالله عليه وسلّم صلّى بهم مرتين ، فإن بعض الأحاديث ذكر الصلاة بهم بعد المعراج ، وهذه الصلاة التي صلاها النبي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، الصواب أنها المعروفة ذات الركوع والسجود ، والذي يظهر – والله أعلم – أنها كانت من النفل المطلق أو كانت مفروضة عليه قبل ليلة الإسراء .



قال شيخنا السيد محمد أمين كتبي :

والله أكـرمه برؤية وجـهه وكـلامه وإمامـة السفـراء

وقال :

يا ليـلة الإسـراء نال نبينا فيـكِ الإمـامة وهو خير إمام

صلّى بجمع الأنبياء ، وقام في محراب مسجدهم أجـلّ قيام



وهذه الإمامة بالأنبياء دليل عظيم على قدره الكريم ومقامه العظيم صلّىالله عليه وسلّم ودخول جميع الرسالات الإلهية تحت رسالته وانضواء جميع الرسل ، وهم سادة البشر تحت لوائه فتكون نبوته ورسالته عامةً لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة ، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته ، ويكون قوله صلّىالله عليه وسلّم : ( بُعثت إلى الناس كافة ) لايختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة ، بل يتناول مَن قبلهم أيضاً ، ويتبين بذلك معنى قوله صلّىالله عليه وسلّم : ( كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد ) وقد دلّ على ذلك قول الله تعالى : ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنه . قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري . قالوا أقررنا . قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين . فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ فهذا الميثاق له صلّىالله عليه وسلّم كالبيعة التي تؤخذ من الناس للخلفاء .

فانظر هذا التعظيم العظيم للنبي صلّىالله عليه وسلّم من ربه سبحانه وتعالى ، فإذا عرفت ذلك فالنبي صلّىالله عليه وسلّم هو نبي الأنبياء ، ولهذا ظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه ، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلّى بهم .

ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته ، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم ، فلو وُجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك ، ولهذا يأتي عيسى عليه السلام في آخر الزمان على شريعته وهو نبي كريم على حاله ولكنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلّىالله عليه وسلّم بالقرآن والسنة وكل ما فيهما من أمر أو نهي ، فهو متعلق به كما يتعلق بسائر الأمة ، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شئ .

وكذلك لو بُعث النبي صلّىالله عليه وسلّم في زمانه أو في زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم ، والنبي صلّىالله عليه وسلّم نبي عليهم ورسول إلى جميعهم ، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم ومتفق مع شرائعهم في الأصول لأنها لا تختلف .

وبهذا يظهر أن قوله صلّىالله عليه وسلّم: ( بُعثت إلى الناس كافة ) يشمل جميع الناس من قبل زمانه إلى قيام الساعة ، وأن نبوته صلّىالله عليه وسلّم قائمة ثابتة لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من يوم أخذ الميثاق وليست لمجرد العلم فقط .

درس في الصلاة

ومن أعظم الدروس المستفادة في هذه الرحلة درس الصلاة ، وبين فرضية الصلاة ومعجزة الإسراء والمعراج ارتباط دقيق وثيق يناسب أن تُسمّى فيه الصلاة المعراج الروحي ، فإذا كان معراج نبينا صلّىالله عليه وسلّم بجسمه وروحه إلى السماء معجزةً ، فإن الله تعالى جعل للأمة المحمدية معراجاً روحياً في كل يوم خمس مرات تعرج فيها أرواحهم وقلوبهم إلى الرب سبحانه وتعالى يحققون به الترفع عن أهوائهم وشهواتهم ، ويشهدون به من عظمة الله وقدرته ووحدانيته ما يدفعهم إلى السيادة على الأرض لا عن طريق الاستعباد والقهر والغلبة بل عن طريق الخير والسموّ وعن طريق الطهر والتسامي وعن طريق الصلاة .

والصلاة أعظم أعمال الإسلام ، من حافظ عليها سعد وربح ، ومن أضاعها شقي وخسر ، فرضها الله تعالى على عباده المؤمنين لتكون صلة بحضرته وتذكيراً بعظمته ، وشكراً له على نعمته ، لذلك كانت أساس الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ، قال رسول الله صلّىالله عليه وسلّم : ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله ) ولا عجب أن تكون الصلاة عنوان العمل ، فإن المداومة على أدائها كاملة بخشوع وخضوع لله تعالى تغرس في النفس مراقبته عزوجل – ومن راقبه جل وعلا – خشيَه واتقاه وأقبل على ما فيه رضاه فصَدَق إذا حدّث ، ووفى إذا وعد ، وأدّى الأمانة ، وصبر عند النقمة ، وشكر عند النعمة قال تعالى : ﴿ إن الإنسان خُلق هلوعا . إذا مسّه الشرّ جزوعا . وإذا مسه الخير منوعاً . إلاّ المصـلين الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ فالعبد المحافظ على أداء الصلاة كاملة ، لا يغفل عن مراقبة الله بالاشتغال بأعمال الحياة وإن من حافظ على أداء الصلاة بخشوع غفر ذنبه وأحبّه ربُّه ، قال رسول الله صلّىالله عليه وسلّم: ( إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة ) . وقال صلّىالله عليه وسلّم : ( من علم أن الصلاة حق واجب دخل الجنة ) ومن لم يحافظ على الصلاة حُرم في الدنيا نعمة البركة في العمر والتوفيق للخير وعُذّب بعد الوفاة بكسر رأسه بصخرةٍ كلما كُسر عاد كما كان ، وجاء يوم القيامة بلا نور وبغير برهان على الإيمان فحرم النجاة من العذاب والذل والهوان .

خاتمة :

قال سيدي الوالد السيد علوي بن السيد عباس المالكي :

قبسٌ مِن نورِ رَبِّ العَـالمَين شَعَّ في أُفْقِ الهُدَى للنَّاظِرِين

فاستـبان الحقَّ أربـاب النُّهى وبه صـاروا هـداةً مهتـدين

ملؤوا الآفـاق عـلماً و هدى ومضـوا فيـها غـزاةً فاتحين

وغـدا الظـلم صريعـاً خاسئا عندما أشرق عدل الراشدين

روضـة القـرآن ضافٍ ظلها وجنـاها قد دنـا للقـاطفين

فتحـت أبـوابـها زاهيـةً فادخـلوها بسـلامٍ آمنـين

يا بـني الإسـلام سعيًـا نجتني حكمةَ الديـن وإشـراق اليقين

ندرس القـرآن و السنـة من هدي نور الكون ياسين الأمين

جلّ من أسرى به سبحـان من حمى البيت مع الروح الأمين

شهـد الأسرار في ذاك السُّرى وأتـى الأقصى فـأمّ المرسلين

فَسَـلِ المحـرابَ عنه ساجداً في حصـى يغبطـه الدرّ الثمين

وسَلِ المعـراجَ عنـه رَاقِيـاً فوق هـام المجـد وضّاء الجبين

قد سـما للمستوى الأعلى إلى قاب قوسـين بعـزم لا يلين

خـاطب الله و أدناه فـكم نـال من فضـل وتأييد مكين

هـذه الآيـات يسمو سرّها تنشـر الحكمة من أسمح دين

معجـزات خالـداتٌ نورها تشـرف الدنيا به في كل حين

أعرض الجهال عنهـا فعموا ويحـهم لما تولّوا معرضـين

ليت شعري هل دروا أن السنا قد فـرى الظلماء بالنور المبين

يا بـني الإسلام سعياً للعلى إنـكم جند إمام المرسـلين

فانهضـوا للمجد حقّاً وخذوا راية العـلم بـداراً باليمـين

قوّمـوا الأخلاق وارعوا حقها وانصروا الدين وحيّوا المصلحين

واقبـلوا مني ثنـاءً عـاطراً كأريـج الزهـر أو كالياسمين

ودعــاءً كلمــا رتّلتـه قالت الدنيـا و من فيها أمين

وصـلاة الله تغشـى المصطفى و إلـى الآل وصحبٍ أجمعين