المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى المولد النبوي الشريف



أبوأيمن
06-Feb-2011, 09:23 PM
في ذكرى المولد النبوي الشريف


الشيخ الدكتور يوسف جمعة سلامة

خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك

www.yo sefsalama.com

يحتفل المسلمون في هذه الأيام المباركة بذكرى حبيبة إلى نفوسهم، عزيزة على قلوبهم، إنها ذكرى ميلاد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، سيدنا محمد– صلى الله عليه وسلم– الذي أرسله ربه رحمة للعالمين كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (سورة الأنبياء الآية 107)، وهذا ما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء.

لقد جاء نبينا– صلى الله عليه وسلم– إلى البشرية فحدد لها طريق الحق، وقادها نحو الخير، بنظام شرعه الله سبحانه وتعالى، فكان– عليه الصلاة والسلام– أسوة حسنة وقدوة صالحة لأتباعه، حيث دعا الناس للعبادة فكان أعبد الناس، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق فكان أسمى الناس– صلى الله عليه وسلم– حيث وصفه ربه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (سورة القلم الآية 4)، وقد كان كذلك لقوله– عليه الصلاة والسلام-: ( أدبني ربي فأحسن تأديبي)، أما زوجه عائشة– رضي الله عنها–، فقد أثر عنها قولها: (كان خلقه القرآن).

لقد كان ميلاده– عليه الصلاة والسلام– ميلاد أمة، حيث جاء– عليه الصلاة والسلام– على أمة ممزقة مبعثرة تعبد الحجر والشجر، فجعلهم قادة للبشر، وكانت ترعى الغنم فصارت قادة للأمم، كان زعيمهم وقتئذ يأتي على سيده من الأكاسرة أو القياصرة يقف بين يديه ذليلاً ليقول له: عبدك النعمان ماثل بين يديك، فأخذ بأيديهم من الذلة إلى العزة ومن الضعف إلى القوة، ومن التفرق والشتات إلى الوحدة والقوة، وكما قال ربعي بن عامر – رضي الله عنه -: (لقد جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل وسماحة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، فأصبحت هذه الأمة ذات شأن ومكانة في العالم أجمع، حيث اتصفت هذه الأمة بميزتين:




الأولى: الخيرية: كما ورد في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (سورة آل عمران الآية 110).
الثانية: الوسطية: كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (سورة البقرة الآية 143).

المرء مع من أحب

لقد بشر القرآن الكريم المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله بالثواب العظيم، والنعيم المقيم، كما في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا} (سورة آل عمران، الآية 195).

فقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو محزون – فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: (يا فلان مالي أراك محزوناً؟) فقال الرجل: يا نبي الله شيء فكرت فيه، فقال: ما هو ؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئاً، فأتاه جبريل بهذه الآية: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم

مِّنَ النَّبِيِّينَ }...الآية، فبعث النبي – صلى اله عليه وسلم- فبشره) (أخرجه مسلم).

فالطاعة هي طريق النجاح والفوز برضا الله سبحانه وتعالى كما روى عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: (كنت أبيت عند النبي– صلى الله عليه وسلم– فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي “سل”، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: “أو غير ذلك؟” قلت: هو ذاك، قال: “فأعني على نفسك بكثرة السجود”).

التطاول على الأنبياء

تتناقل وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى أخبار التطاول الخسيس الذي يصدر عن بعض الجهات الحاقدة والموتورة ضد نبينا محمد– صلى الله عليه وسلم–، وكذلك التطاول على سيدنا عيسى المسيح– عليه الصلاة والسلام- وأمه الطاهرة البتول مريم.

إننا نستنكر هذه الأعمال الإجرامية التي تنم عن حقد ضد الرسل الكرام– عليهم الصلاة والسلام -، وكذلك ضد الرسالات السماوية، فالإسلام يأمرنا أن نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين، وأن نصدق برسالاتهم، ونؤمن بكتبهم كما جاء في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (سورة البقرة، الآية 285)، كما أن الإسلام قد حرم الاعتداء على الحرمات، وأوجب صيانة الضرورات الخمس للحياة البشرية وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، حيث جاء ذلك واضحاً في خطبة حجة الوداع: (أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا من عامكم هذا إلى يوم القيامة) (أخرجه البخاري)، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بحرمات الأنبياء والمرسلين– عليهم الصلاة والسلام– بل بأولي العزم من الرسل، فمن المعلوم أن أولي العزم من الرسل الكرام هم: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح – عليهم الصلاة والسلام -.

إن التطاول على أنبياء الله ورسله جريمة كبرى، وإثم عظيم، فالإسلام يحفظ الحقوق، ويحمي الحرمات، ومن استهزأ بنبي من الأنبياء فقد ارتكب عدواناً واكتسب إثماً مبيناً كما في قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (سورة التوبة الآيتان 65 -66) .

إن هذه الجريمة النكراء موجهة ضد مليارات البشر في العالم الذين لا يقبلون أبداً أي مساس برسولنا محمد– عليه الصلاة والسلام-، وبسيدنا عيسى بن مريم– عليه الصلاة والسلام- وأمه الطاهرة، لأن ذلك يستهدف أنبياء الله ورسله– عليهم الصلاة والسلام-.

ومما يؤسف له أن ردود الفعل على هذه الأعمال الإجرامية من جانب المسلمين والمسيحيين لم تكن على المستوى المطلوب الذي يتناسب مع تلك الجرائم، لذلك لا بد للمسلمين والمسيحيين وكل أحرار العالم أن يتصدوا لهذه الإساءات على أنبياء الله ورسله، كما يجب عليهم سنّ قانون يوجب إنزال أشد العقوبات بمن يتطاول على الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام- وكذلك على الكتب والرسالات السماوية، كما يجب أن نقف عند هذه الإساءات وقفة جادة، وألا نمرّ عليها مرَّ الكرام، وأن نقاطع كل الجهات والدول التي تقوم بذلك أو تحمي أولئك المجرمين كما حدث مع الدنمارك وغيرها.

وبهذه المناسبة نقول لكل المجرمين والمتطاولين على الأنبياء والمرسلين، إن من يرفعهم الله لن يخفضهم بشر، وأن جميع المحاولات للإساءة أو التآمر على ديننا الإسلامي، قد باءت بالفشل عبر التاريخ، بل على العكس فقد دفع ذلك الكثير من غير المسلمين للبحث عن الإسلام، ودراسة أحكامه، حيث انكشفت أمامهم الحقائق، ودخلوا في الدين الإسلامي والحمد لله، فالرسالة الإسلامية خالدة وباقية إلى يوم القيامة إن شاء الله، وأنها لن يضيرها أبداً حملات الحاقدين، ولن تهدد جذورها الراسخة تلك الصيحات التي تحملها وسائل الإعلام المعادية لأن الإسلام شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، كما أن آيات القرآن الكريم تقدم لنا وعد الله - سبحانه وتعالى – بخلود هذا الدين وأنه سوف يعلو على كل دين: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} سورة الفتح الآية 28).