المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف الدكتور البوطي ممّا يجري في سورية في ميزان العقل



المعتصم بالله
23-Jul-2011, 06:38 PM
موقف الدكتور البوطي ممّا يجري في سورية في ميزان العقل

د . محمد العجمي

مقدّمة: الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:
فإني أعالج هذه المسألة في محورين اثنين:
أوّلهما تشويه موقف الدكتور البوطي، بين الإعلام المغرض وسطحية الفهم.
و ثانيهما دافعه الحقيقي لما يقوله عمّا يجري في سورية.


المحور الأول – تشويه موقف الدكتور البوطي بين فتنة الإعلام وسطحية الفهم:

يتعرَّض الأستاذ البوطي في هذه الفترة لانتقادات كثيرة، من قبل كثير من الناس، وقد سمعت منها الكثير، فوجدت أنّ كثيراً ممّن ينتقدون موقفه من أحداث سورية، بل يتّهمونه بسبب موقفه هذا، إنّما حملهم إلى ذلك عدم وضوح موقفه الحقيقي بالنسبة إليهم، لسببين اثنين؛ أوّلهما الإعلام، وثانيهما سطحية الفهم ..

وسأعالج هذين العاملين أوّلاً، ثمّ أعقبهما بتقويم موقف الدكتور في ميزان العقل.


أوّلاً - فتنة الإعلام:

إن من الفتن العظيمة التي ابتلينا بها في هذا الزّمان فتنةَ الإعلام، والإعلام ليس بحدّ ذاته فتنة، بل هو نعمة عظيمة، ولكنه تحوّل في أيدي كثير من الناس إلى عامل إثارة وتشويه متعمَّدٍ، وقلب للحقائق وهدم لها؛ حتى صدق فيه قول المتنبّي:

كلّما أنبت الزَّمان قناةً. . . . . . . . . . . .غرس المرء في القناة سِناناً

وفتنة الإعلام تأتي من ناحيتين:

أمّا الأولى: فهي أنّها كادت ألاّ تبقي مكاناً للحكمة المشهورة القائلة:" لكلّ مقامٍ مقال" فصار ما كان مضنوناً به على غير أهله متاحاً للناس كلّهم، فكان هذا باباً لفتنة عريضة، مردُّها سوء فهم كثير من الناس لما يقال، وبخاصّة في المواضيع الحسّاسة والقضايا السّاخنة التي تتطلّب دِقّة بالغة من المتكلِّم فيها، بحيث يعجز العامّة من الناس عن فهم ما يقول وهضمه، فيفهمونه على غير وجهه.

وأمّا الثانية: فهي عدم تجرّد مصادر الإعلام - غالباً - عن الأغراض: من المعلوم البيّن عند من له أدنى حظّ من الوعي فضلاً عن المثقّف المستبصر؛ أنه لا يكاد يوجد مصدر إعلامي تجرّد قصدُ القائمين عليه لتقديم الحقيقة للناس، ووضعِ صورة الواقع بين أيديهم كما هي، ولا أظنّ أنني أحتاج إلى الإسهاب والإطناب في بيان هذه القضية الواضحة، ولكنّني سأجتزئ عن الأمثلة الكثيرة جدّاً بمثال واحد، أضربه بقناة الجزيرة الفضائية التي تُعَدَّ أقوى قناة عربية .. هذه القناة التي وقفت نفسها على نقل أخبار الثورات العربية، ومن قبل ذلك دأبت على فضح الأنظمة العربية، وتأليب الشعوب عليها، وإثارة القضايا النائمة وتسخينها إلى درجة الانفجار وليس الغليان فحسب .. لقد كنت أشاهد بعض برامجها، التي تبحث في قضايا الرّأي والحرية والكرامة الإنسانية، وكنت أعجب من موقفها من الوضع في سورية، وكان هذا التعجّب قاسماً مشتركاً بين الجمهرة العظمى من الناس ..

ففي الوقت الذي كانت بعض الفضائيات تعقد النّدَوات، وتخصًّص الحلقات الكثيرة والساعات الطويلة للحديث عن الممارسات القمعية للأمن السوري والقبضة الفولاذية التي يحكم بها النظام السوري – على حدّ قول هذه الفضائيات - كانت الجزيرة لا تعرّج على سورية، بل تتحاشى الاقتراب منها بنقد أو اعتراض، ولا أظن أنك كنت تسمع منها حتى الإشارة الخجولة .. ويبدو أنّها كانت توصي ضيوفها أيضاً بعدم ذكر سورية إلاّ بإشارات عابرة .. وقد كنت أتساءل كما يتساءل كثيرون مثلي: ترى هل الجزيرة مسحورة، أم قرأ عليها النظام السوري الاسم الأعظم فألجمها عن الكلام عليه، فسكتتْ وتَعامَتْ عن كلّ ما يدّعي الآخرون على هذا النظام وينسبونه إليه؛ سواء أكان صدقاً أو كذباً؟ .. ثمّ لا أدري ما الذي حصل فجأة، وكيف استيقظت الجزيرة من سُباتها العميق الذي كانت تغطّ فيه منذ فجر ولادتها، فصارت بعد بداية الحَراك في سورية بأسبوعين تقريباً تغطّي أحداثه، وتعلِّق عليه بتقريرات قوية جدّاً، تسلق بها النظام السّوري بألسنة حِدادٍ، يقذف بالحُمم التي تشوي الصخر فتتركه رَماداً ..

هذان الموقفان المتناقضان للجزيرة لم أعرف إلى الآن تفسيراً صحيحاً لهما؛ ولكنّني أعلم يقيناً أن موقفها من قبل ومن بعد لم يكن نزيهاً و لا بريئاً، لقد كان موقفها أولاً من عدم التطرّق للنظام السوري يفقدها كثيراً من مصداقيّتها عند كثير من الناس – على الأقل فيما يتعلّق بسورية – ثمّ هي الآن قد تحوّلت هذا التحوُّل العجيب المناقض لموقفها السابق، أليس هذا الموقف منها مريباً؟.

هذا نموذج ملطّفٌ، ضربته لأذكّر القارئ وأحذّره من الوقوع في شباك أساليب المكر والخداع الذي تمارسه وسائل الإعلام.

ومن الأساليب الماكرة والدَّنيئة التي تتّبعها بعض وسائل الإعلام؛ ما تعمد إليه من تشويه موقف الدّكتور البوطي من خلال اتّباع طريقة غير بريئة في المونتاج، في نقلها لكلامه وعرضها له؛ إذ تقصُّ منه ما تشاء، بحيث تكفل سوء الفهم لكلامه .. و لا أستطيع – مهما حاولت أن أتغابى – أن أحسِّن الظنّ بالإعلام السوري الذي هو المصدر الإعلامي الأول الذي يبث كلامه؛ فأقنع نفسي أن ما يقوم به من بتر لكلام الدكتور البوطي أمر عفوي وغير مقصود .. ولعلَّ أبرز مثال على ذلك ما أرويه لك الآن من خلال تجربتي الشخصيّة.

حتّى المثقّفون والأكّاديميّون لم ينجو من ألاعيب الإعلام . . .

كنت في مجلس ضمّ مجموعة من المثقّفين، كان معظمهم من أساتذة الجامعات، رأيتهم ينسبون - باستهجان شديد - كلاماً غريباً إلى الدكتور البوطي، مفاده أنه قال عن الذين يخرجون في التظاهرات السِّلْمية، أنّهم كلَّهم حثالة، وقالوا إنّه يقف في صفّ النظام، وضدّ إرادة الشعب في الحرية والكرامة والتغيير .. ولقد استغربت هذا الذي ينسبونه إليه غاية الاستغراب.

فسألت بهدوء: هل هذا الذي تنسبونه إليه، قرأتموه في صفحات بعض المواقع على الشبكة العنكبوتية ( النت) أو هو ما ينقله عنه بعض الناس، ولا يخلو الناقلون من سوء فهم أحياناً، ومن تَعَمّد في تشويه النّقل من أجل الإساءة أحياناً أخرى؟

فقالوا: لو كان الأمر كما ذكرتَ لأنكرنا نسبة هذا الكلام للأستاذ البوطي، ولكنّنا سمعناه بآذاننا، ورأيناه بأعيننا، والكلام واضح ليس فيه أي لبس أو غموض .. وهل بعد السماع والمعاينة من حجّة؟!.

سكتُّ حينها، ولم أستطع أن أؤيّد ولا أن أنكر، لأنّهم يدّعون رؤيةً وسماعاً لما لم أره ولم أسمعه، ولكنّني سألتهم عن المصدر الذي سمعوا منه ما يذكرونه فقالوا : رأيناه في اليوتيوب(youtube) رجعت إلى البيت فعمدت إلى جهاز الكمبيوتر، وفتحت الصفحة التي ذكروها، واستمعت إلى ما استمعوا إليه، فما الذي سمعت؟ سمعت كلاماً مُبْهَماً قد بُتِرَتْ منه المقدّمة وحذفت منه الخاتمة، وكان من جملة الكلام الذي سمعته أنه يصف فئةً ما قليلةً بأنّها حثالة، واجتهدت في أن أعرف من خلال هذا المقطع مَن هم هؤلاء الذين يصفهم بهذا الوصف، ولكنّني لم أتبيّنهم؛ ذلك أنّه يتحدّث عن فئةٍ سبق أن حدَّدهم وتحدَّث عنهم مفصّلاً في المقدّمة التي بُتِرَتْ، لذلك لم أستطع أن أحكم على كلامه بشيء ..

فلما اجتمعت ببعض مَن كانوا في المجلس السّابق، وكان فيهم أصدقاء بيني وبينهم مباسطة، قلت لهم: إنّ من الطّامّات الكبيرة التي مُنينا بها، هذه السطحية في الفهم، وهذا التسرّع في إطلاق الأحكام على الناس، من دون تثبّت .. هل استطعتم من خلال هذا المقطع الذي سمعتموه أن تعرفوا من هم هؤلاء الذين يصفهم بهذا الوصف الذي استهجنتموه؟.

قالوا الأمر واضح، وهل هناك غير المتظاهرين السِّلْميّين الذين يخرجون في الشوارع ويهتفون بالحرية؟ ..

قلت: وهل في السّاحة طرفان فقط لا ثالث لهما، النّظام من جهة، والمتظاهرون السِّلميّون من جهة أخرى، ثمّ ليس وراءهما صنف ثالث ورابع وخامس؟ .. وهب أنّكم لا ترون غير فئتين، فهل يعني هذا أن على الناس جميعاً ألاّ يروا إلاّ ما ترون، وأن من رأى خلاف رأيكم مخطئ؟ وحتى لو كان الرّجل مخطئاً في تصوّر وجود فئة أخرى لم نتعرّف عليها من خلال اليوتيوب، ووصفها بهذا الوصف، فإن كانت غير موجودة؛ فهذا لا يعني أن هذا الوصف ينبغي أن ينطلق على المتظاهرين السِّلميّين .. وأنا أعجب ممّن يجنح به التفكير إلى مثل هذا الحدّ .. ترى هل يمكن أن يظهر الناطقون الرّسميّون باسم النظام، بل أن يخرج رأس النظام، ويصف المتظاهرين السّلميّين بأنهم شرفاء، وبأن مطالبهم محقّة، وبأن قتلاهم شهداء؛ ثمّ ينفرد الدكتور البوطي فيصفهم بأنهم حُثالة؟ .. أعتقد جازماً أن من العسير بل من المتعذّر أن يقبل بهذا الافتراض الموغل في الوهم عقلٌ متماسك!.

ثمّ إنّني عِبْت على بعض هؤلاء المثقّفين، ولُمْتهم على هذه السّطحية في النظر في المسائل، وعدم التّثبّت، ثم الحكم على الناس بدون بيّنة، وقلت لبعض من تربطني به صداقة: إنني أتأسّف وآسى على طلاب الجامعات؛ حين أرى من يدرّسهم بهذه السذاجة في النظر والضّعف في الرّأي، وبهذا التسرُّع في إطلاق الأحكام.

ثمّ إنّني لمّا تتبّعت كلمة الأستاذ البوطي وبحثت عن الكلام الذي قاله في المقدّمة والخاتمة تبيّن أنّه كان يتحدّث عن أناس آخرين لا علاقة لهم ألبتة بالمتظاهرين المسالمين، وهم – كما يقول - حفنة قليلة مخرّبة مرتبطة بجهات خارجية متربّصة، تريد استغلال المتظاهرين السّلميّين لخدمة أهدافها، وتحقيق مآربها التي تناقض مصلحة المتظاهرين والبلد.


ثانياً – سطحية الفهم، و ضعف العقل في المِحَن، وضياع التثبُّت و الشّكّ في البدهيّات:

إنّني لا أكتب هذه الكلمات دفاعاً عن شخصٍ بعينه؛ بمقدار ما أحرص على التأكيد على التعقّل والتّثبُّت والاحتياط عند إطلاق الأحكام في حقِّ الناس، والحرص على معرفة الحقيقة، والاعتماد على ميزان الشرع بدلاً من العوامل النفسيّة؛ ذلك لنبقى ملتزمين في أحكامنا العدل الذي أمر به الله تعالى حتى في حقّ الأعداء، لا أعدائنا فحسب؛ بل حتى أعداء الله تعالى الذين يعادوننا في الدين، ألم يقل الله تعالى:" ولا يجرمنّكم شنآن قوم أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا" النساء/2 وكذلك:" يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء لله قوّامين بالقسط و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون". المائدة/8 أكتب هذه الكلمات أوّلاً انتصاراً للعدل الذي أمر الله تعالى به، والذي به قامت السماوات والأرض ..

ولكنني مع ذلك أقول: إنّ الذي نراه اليوم من التّهم التي توجّه إلى عالم كبير من علماء المسلمين، بل إلى رمز بارز من رموز المسلمين، مؤشِّر واضح على اختلال ميزان العدالة في يد كثير من الناس؛ ذلك لأنّ الناس إذا تسرّعوا في إلقاء التُّهَم على رجل بقي لعقود محلّ ثقتهم؛ فإنّهم سيكونون إلى اتّهام غيره، بل لتجريمه أسرع ..

إذا كان مقطع فيديو على اليوتيوب، أو كلمات بُتِر منها رأسهُا وذيلها عرضت في هذا الموقع أو ذاك؛ جعلتنا ننسى تاريخاً طويلاً وعريضاً ومشرّفاً لعالم من أعظم علماء الأمّة، وأنسَتْنا عقلانيّته التي عُرِف بها، وما لمسناه فيه من علامات الخشية من الله والتقوى له، وجعلتنا كذلك ننسى كتاباته الرّصينة التي ربّي عليها الآلاف المؤلّفة، وتألُّقه في حواراته مع أقطاب الفكر المخالف للإسلام؛ فهذا يعني أنّه لم يعُدْ هناك ضمانة لاستمساك عقولنا على شيء من البدهيّات والمسلَّمات.

المحور الثاني - تفسير موقف الدكتور البوطي من الأحداث التي تجري في سورية:

لا أحسب أن من الصّعب معرفة الدّافع الحقيقي الكامن وراء الموقف الذي يتّخذه الأستاذ البوطي ممّا يجري في سورية في هذه الأيام؛ ولكن بشرط واحد، هو أن ننأى بأنفسنا عن العواطف المهتاجة والانفعالات النفسية والأغراض غير النزيهة.

إن كثيراً ممّن يسمعون كلام الأستاذ البوطي يقولون: إنّه يمالئ السّلطة ويؤيّدها، وكلامه دليل واضح على أنّه راض بتصرُّفاتها .. ويقولون إنه من أجل ذلك يعرض عن التصريح بالحقيقة التي لا تخفى على أحد .. وربّما ذكروا جزئيات من كلامه، ومن مواقفه التي تدلّ – بزعمهم – على تحيُّزه الواضح للسلطة ضدّ إرادة الناس .. وأنا أرى أن خيراً لنا من اللّهاث وراء الجزئيات والدخول في التأويلات التي قد لا نوفّق فيها للصواب في بعض الأحيان؛ أن نتعامل مع القواعد العقلية الكلية – إذا وجدت القواعد الكلية في المسألة التي تُبحث – لأنّ من شأن الكليّات أن تضعنا أمام الضوابط التي تمكّننا من الوقوف على ما لا حصر له من الجزئيات.

من أجل هذا أقول: إن اللّجوء إلى حصر الاحتمالات العقلية التي قد يُفَسَّرُ بها موقف الأستاذ البوطي؛ يمكن أن ينهي اللّجاج، ويوصل إلى ثَلَج الصّدر .. وإذا أردنا أن نحصر هذه الاحتمالات العقلية فسنجدها تنحصر في احتمالات ثلاثة في تقديري ..

وهاك هذه الاحتمالات:

الاحتمال الأوّل: أنّه ينطلق في موقفه بسائق من الطّمع والرغبة في نيل المكاسب والمناصب والأموال من السّلطة الحاكمة.

الاحتمال الثاني: أنّه يتبنّى هذا الموقف خوفاً من بطشها، فهو يقول ما يقول مُكرَهاً، واتّقاء لشرّها.

الاحتمال الثالث: أنه موقف يتبنّاه انطلاقاً من قناعة عقلية راسخة عنده، أدّاه إليه اجتهاده.

وأنا أستبعد احتمالاً رابعاً قد يتوهّمه بعض الناس .. وهو أن يكون الدكتور البوطي قد تسرَّع في اتّخاذ موقفه ممّا يجري في سورية، وأنّه لم يُولِ هذه القضيّة من الدِّراسة والبحث ما تستحقّها، ولذلك وقع في الخطأ نتيجة لهذا التسرُّع .. أقول أن هذا وهم مستبعد جدّاً؛ لأنّ كلّ من عرف الأستاذ البوطي يعرف دِقّته في بحث المسائل التي هي أقلّ أهميّة من هذه المسألة بكثير، ومبالغته في التحقيق فيها، والتحوُّط لرأيه، بل لا أكون مبالغاً إذا قلت: إن الدكتور البوطي يُعَدُّ من أبرز العلماء المحقّقين في هذا العصر .. وأحسب أنّ إنكار هذا الأمر يدخل في باب المكابرة، وجحد المسلَّمات .. وإذا كان الأمر كذلك، وكان التحقيق العلمي سجية له؛ فمن اليقين أنّه استفرغ وسعه من أجل درك الحقيقة في هذه القضية المصيرية، التي هي بحقّ من أخطر القضايا التي تمسّ وجود أمّتنا.

وإذا كنّا قد حصرنا الاحتمالات العقلية؛ فإنّنا سننتقل الآن إلى اختبار هذه الاحتمالات على طريقة السّبْر والتقسيم أو ما يسمّى بالتّقْسيم الحاصر، وذلك باختبار سائر الاحتمالات و استبعاد ما لا يصمد منها أمام البحث والنقد، لنصل من وراء حذف الاحتمالات الباطلة إلى معرفة الاحتمال الصّحيح ..


فلنبدأ بمناقشة هذه الاحتمالات:


الاحتمال الأوّل:احتمال كون الطمع هو الدّافع:

لقد كان أوّل اتّصال للدكتور البوطي مع النظام السوري من أكثر من عشرين سنة، وخلال هذه المدّة الطويلة، لم نجد أي تغيير طرأ على حياته، لا من حيث وضعه المعيشي، ولا من حيث ما يتبوّؤه من مناصب .. فحياته المتواضعة التي كان عليها منذ شبابه لم تختلف .. أعلم أن معظم الناس يجهلون هذا الأمر، وأنّ كثيرين ممّن لا يعرفون حقيقة شأنه يتوهّمون أنّه يملك القصور والفلل الفخمة .. فأثاث بيته هو هو، وقد أتيح لي أن أدخل منزله أوّل مرّة منذ خمس عشرة سنة تقريباً، ثم دخلته بعد ذلك أكثر من مرّة، فلم أرَ فيه شيئاً تغيّر؛ حاشا كرسيّين صغيرين رأيتهما في آخر زيارة لي لبيته منذ سنة تقريباً .. كما أن الأستاذ البوطي لا يملك مزرعة ولا محلاّت تجارية، ولا أرصدة، ولا حتى سيّارة .. هذا الذي أقوله حقيقةٌ وليس خيالاً، وبوسع من يريد أن يتأكّد من هذا الأمر أن يسأل عنه مَن يثق به ممّن دخل بيته، وعرف حقيقة حاله عن قرب.

أمّا المناصب، فهو شديد النفور منها، فهو لم يتبوّأ منصباً، مع أنّها عرضت عليه، ولقد كان أعلى منصب إداريٍّ تبوَّأه هو عمادة كلية الشريعة، وقد كان ذلك قبل نشوء العلاقة بينه وبين السّلطة .. هذه هي حقيقة وضع الأستاذ البوطي.

ترى لو أنّه كان طالب دنيا، وطامعاً في الثروة والمنصب، ألم يكن بوسعه أن يكون اليوم صاحب ثراء، له من القصور والمزارع والمحالّ التجارية الشيء الكثير، مع الخدم والحشم والسيارات الفارهة .. ألا يكفي هذا الذي أقول ليكون دليلاً ساطعاً على زهد الأستاذ البوطي، وعلى أن احتمال كونه طامعاً في عطاء السّلطان هو الذي يحمله على موقفه من أحداث سورية؛ احتمال غير وارد قطعاً.


الاحتمال الثاني كون موقفه هذا بسبب الخوف:

لنعرض هذا الاحتمال أيضاً على العقل لنرى حكمه فيه، هل يقبله أو يردّه؟.

سأفترض أنّ الأستاذ البوطي شابّ متديّن، ولن أفترض كونه عالماً كبيراً من علماء المسلمين، قد تجاوز الثمانين من عمره، وقد وقف حياته على خدمة الدين، وقد أبلى في ذلك بلاءً حسناً يقرُّ به القاصي والدّاني، والعدو والصديق.

تُرى، لو أنّ شابّاً متديّناً تعرّض لضغوط من سلطة بلده، وعلم أنّها ستكرهه على قول الباطل، الذي يخالف دينه، ويحمِّله المسؤولية أمام الله تعالى، ثمّ أمكنه أن يتخلّص من هذا الإكراه باللُّجوء إلى بلد آخر؛ هل كان هذا الشابّ سيتوانى عن الهجرة من بلده ليسلم له دينه؟. أظنّ أنّنا لن نختلف في أنّه لن يتردَّد في اختيار الهجرة.

وأرجو أن نتنبَّه إلى كوننا نتكلّم الآن عن الخوف لا عن الطمع؛ فإن الطمع قد يضعف أمامه الإنسان، أمّا الإكراه على الأمر المكروه فإنّ الإنسان ينفر منه بطبعه وبفطرته.

لنسقط الآن هذا الاحتمال على وضع الأستاذ البوطي.

أمّا احتمال الضّغط على الأستاذ البوطي من قبل السلطة في سورية؛ فأظنّ أنّه مستبعَدٌ جدّاً من الأصل والأساس؛ ذلك أنّ أناساً آخرين، دونه في القوّة العلمية والشهرة العالمية، والشعبية المحليّة، اتّخذوا مواقف لا ترضي السلطة، وصرّحوا بمواقفهم هذه، فما تعرّضوا للاعتقال ولا للإقامة الجبرية، ولا لشيء من الضغوط .. ومن المعلوم أن أيّ سلطة كانت؛ فإنّها لا تستثير الناس على نفسها، ولا تستعديهم حين يتسلّل شيء من الاضطراب إلى وضعها الدّاخلي؛ بل تسعى للتهدئة؛ فتتحاشى الصِّدام مع الشخصيّات التي لها وزْن وشهرة محليّة؛ فضلاً عمّن لهم شهرة عالمية، ولا تستعمل معهم أساليب الضّغط والإكراه؛ إلاّ إذا تمادَوا في مناهضة السلطة وأحرجوها بمواقفهم .. وإنّ لجوء السّلطة السورية إلى هذه الأساليب مستبعَدٌ جدّاً مع مَن هو أقلّ من الأستاذ البوطي بكثير؛ لأن ذلك يحرجها جدّاً، ويجلب إليها عاراً لا يُغْسَل عنها أبداً.

ولكنّنا لو افترضنا جدلاً أنّها لم تبالِ بشيء من ذلك، وحاولت أجهزتها الأمنية أن تمارس الضّغط عليه، من أجل إرغامه على الوقوف في صفّها، والنُّطق بما يُرضيها؛ وإن أسخط الله تعالى .. تُرى هل يعجز عن التّخلُّص من هذا الضغط؟ ما الذي يحول بينه وبين الخروج من سورية، أهي قصوره الفخمة ومزارعه الواسعة وتجاراته وثرواته الطّائلة وأساطيل السيارات التي يمتلكها؛ فلا تطاوعه نفسه على مفارقتها والتّخلّي عنها؟ ..
إنّ الدّكتور البوطي لا يملك من ذلك شيئاً، بل ليس له من متاع الدّنيا ما تتعلّق به النفس .. فلماذا لايختار الخروج من بلده مهاجراً إلى الله تعالى، فارّاً بدينه؟ .. إنّه إن فعل ذلك فسيجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسَعة، وسيجد دولاً عديدة تفتح له أبوابها، وسيحظى فيها باحترام وتقدير بالغ، وسيعيش فيها حياة مرفّهة رغيدة، أفضل من الناحية الماديّة من حياته في بلده بكثير .. والرّجل بإمكانه اليوم أن يخرج، وهو أمر هيّن بالنسبة إليه، فما أكثر المؤتمرات التي يُدعى إليها في خارج بلده ويحضرها، فهل يعجز عن البحث عن مكان يذهب إليه، وهل يحتاج إلى مَن ينبّهه إلى سلوك هذا السبيل من أجل النجاة بدينه، والصَّدْع بكلمة الحقّ الذي ترضي عنه ربّه جلّ وعلا.

إنّ من الواضح أن هذا الاحتمال الثاني أيضاً لا وجه له في ميزان العقل، و لا يمكن قبوله بأي حجّة منطقية، ولا حتى بشبهة، وإنّ من كان عنده استعداد لقبول هذا الاحتمال؛ لا شكّ أنه يعاني من قسط كبير من السّذاجة والغفلة.

ترى ماذا عساه يطلب من الدّنيا رجل بلغ الثمانين، وهو الذي أعرض عن زهرة الدّنيا يوم أتَتْه وهو في أيام شبابه وربيع عمره، أيتسامى فوقها ويزهد فيها يوم كانت النفس تطلبها، ثم يقبل عليها بعد أن أدبرت عنه بمعناها؛ وإن كانت بظاهرها بين يديه؟! .. إن مُتع الدنيا مهما تراقصت من حول الرّجل الثمانيني؛ فإنه لا يشعر بطعمها؛ لأنّ قُواه لم تَعُد تقوى على استشعار ما فيها من اللذّة، ولقد صدق زهير حين قال:
ومَن يعش ثمانين حَولاً لا أبا لك يسأمِ

وصدق الآخر حين قال:
يَقُلْنَ أَنينُكَ طول اللّيل يُسهِرُنا. . . . . . . . فما الذي تشتكي؟ .. قلتُ: الثمانينا


الاحتمال الثالث، وهو كونه بنى موقفه على اجتهاد حُرٍّ:

وإذا كان الاحتمالان الأولان لم يثبتا على النقد والمناقشة؛ فلم يبقَ أمامنا إلاّ الاحتمال الثالث، وما دامت الاحتمالات ثلاثة؛ فإن بطلان الاثنين كاف لإثبات صحة الاحتمال الثالث، الذي يبدو منسجماً مع تاريخ الأستاذ البوطي العلمي وسلوكه الدَّعوي.

نعم، قد يبدو اجتهاداً غريباً عند كثير من الناس، وقد يقول قائلون – بل هم يقولون فعلاً – إنّ موقفه هذا خطأ واضح؛ يدرك خطأه مَن هم في صدر الشباب؛ فضلاً عن المثقّفين والعلماء.

ولكن هل استغراب رأي اجتهاديٍ ما، أو إنكاره – ولو من قبل كثير من الناس – دليل على بطلانه؟ ..

إنّنا لو حذفنا من تراثنا الآراء التي ذهب إليها الأقلّون، أو ما انفرد به مجتهد واحد؛ لحرمنا كثيراً من الاجتهادات المباركة، التي اعتمدنا عليها في إيجاد الحلول لكثير من القضايا المهمة .. ولكن على أيّ حالٍ؛ فإنّ الحكم على اجتهادٍ ما بأنه ضعيف لا يكون إلا بعد معرفة الأسس والحجج التي بني عليه هذا الاجتهاد، والحكم بضعف رأي عالم دون الجلوس معه على مائدة الحوار أمر غير منطقي، وإنما يظهر الرأي الصواب من بين الآراء حين يتلاقى أصحابها فيتحاورون، وحين تقابل الحجة بالحجة .. والقفز فوق هذا المنهج المنطقي، وتخطئة مثل الأستاذ البوطي في اجتهاده غيابيّاً أمر غير مقبول؛ فضلاً عن اتّهامه بالانحياز للسلطة، وبيع دينه دون مقابل.

ولكنّني – وإن كنتُ هنا لست بصدد ترجيح رأي على رأي – لا أرى مسوِّغاً لاستنكار اجتهاد عالم بلغ الثمانين وخَبِر الحياةَ وتمرّس بها، شعورُه تجاه أبناء بلده هو شعورُ الأب الشَّفوق تجاه أولاده، ثم هو يرى كل يوم دماء أبنائه البُرآء تراق، من دون أن يلوح في الأفق بوادر تفريج، وهولا يملك من وسيلة لحمايتهم وحقن دمائهم سوى صيحات الرّجاء الحار في أن لا يغامروا بأرواحهم، ولا يعرِّضوا أنفسهم للهلاك.


والحمد لله رب العالمين ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

http://www.azahera.net/showthread.php?p=42213#post42213